فضيلة صوم شهر المحرّم باستثناء صوم يوم عاشوراء

فضيلة صوم شهر المحرّم باستثناء صوم يوم عاشوراء

کپی کردن لینک

فضيلة صوم شهر المحرّم تكمن في فضله وأهميته الكبيرة في الدين الإسلامي، حيث يُعتبر صوم شهر المحرّم من السنن المستحبة التي يثاب عليها المسلمون. يُعرف عن صوم شهر المحرّم أنه من أعظم الأعمال التي تقرب العبد إلى ربه، ويُعتبر صوم شهر المحرّم فرصة للتقرب إلى الله، وتطهير النفس، وتنقية القلب. ويُحبذ المسلمون أن يحرصوا على صوم شهر المحرّم، بااستثناء صوم يوم عاشوراء الذي اختلف علماء العامّة والخاصّة في أدائه. أهو من صوم شهر المحرّم أم لا؟

إن صوم شهر المحرّم يرسخ قيمة الصبر والعبادة، ويُعزز من روح التضحية والامتثال لأوامر الله، لذا فإن فضيلة صوم شهر المحرّم تتجلى في بركته وثوابه العظيم. كما جاء في الرواية عن النبي (ص): “وإن أفضل الصيام من بعد شهر رمضان صوم شهر الله الذي يدعونه المحرّم“.  والخلاصة، فإن صوم شهر المحرّم يحمل في طياته الأجر والفضل، ويُعد من أركان الطاعات التي يجب على المسلم أن يحرص على أدائها، فصوم شهر المحرّم يظل خير معين على مرضاة الله، ويُبرز فضيلة صوم شهر المحرّم في حياة المسلم.

فضيلة صوم شهر المحرّم

وقد روي استحباب صوم شهر المحرّم، رواه الجمهور عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (ص): {أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر اللّه المحرّم}. ومن طريق الخاصّة: ما رواه المفيد – رحمه اللّه – عن النعمان بن سعدعن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: “قال رسول اللّه (ص) لرجل: {إن كنت صائما بعد شهر رمضان، فصم المحرّم، فإنّه شهر تاب اللّه فيه على قوم، ويتوب اللّه تعالى فيه على آخرين}.  قال الشيخ – رحمه اللّه -: وفي اليوم السابع عشر من المحرّم انصرف أصحاب الفيل عن مكّة وقد نزل عليهم العذاب. وفي اليوم الخامس والعشرين منه سنة أربع وتسعين، كانت وفاة زين العابدين (ع)”.[1]

“ويستحب صوم أول يوم من المحرم وثالثه وتاسعه، بل يستحب صوم شهر المحرّم كله، ففي الحديث عن النبي (ص): {وإن أفضل الصيام من بعد شهر رمضان صوم شهر الله الذي يدعونه المحرّم}، وعنه (ص): {من صام يوما من المحرّم، فله بكل يوم ثلاثون يوما}، وعن أبي عبد الله (ع): {من أمكنه صوم المحرّم فإنه يعصم صائمه من كل سيئة}.[2]

قال الشيخ الطوسي : يستحب صيام الأيام التسعة من أول محرم ، وفي اليوم العاشر يمسك عن الطعام والشراب إلى بعد العصر ثم يفطر بقليل من تربة الحسين (ع). وروى السيد فضلاً لصوم شهر المحرّم كله وأنه يعصم صائمه من كل سيئة.[3]

قال رسول الله (ص): {إن أفضل الصلاة بعد صلاة الفريضة الصلاة في جوف الليل، وإن أفضل الصوم بعد صوم شهر رمضان صوم شهر الله الذي يدعونه المحرم}. وروى المرزباني هذا الحديث عن النبي (ص) من طرق جماعة في المجلد السابع من كتاب الأزمنة، ورواه محمد ابن أبي بكر المديني عن النبي (ص) أيضا في كتاب دستور المذكرين. المفيد في الحدايق قال: اليوم الثالث من المحرم يوم مبارك كان فيه خلاص يوسف (ع) من الجب فمن صامه يسر الله له الصعب، وفرج عنه الكرب، وروى صاحب دستور المذكرين عن النبي (ص) “أن من صام اليوم الثالث من المحرم استجيبت دعوته عن ابن عباس قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما فقلت: كذلك كان يصوم محمد (ص)؟ قال: نعم.[4]

باب استحباب صوم شهر المحرّم خصوصا اليوم الأول والثالث وحرمة صوم التاسع والعاشر منه تبركا… حدثنا محمد بن علي ماجيلويه (رض) قال حدثنا علي بن إبراهيم (بن هاشم – العيون) عن أبيه عن الريان ابن شبيب قال دخلت على الرضا (ع) في أول يوم من المحرم فقال لي يا بن شبيب أصائم أنت فقلت لا فقال إن هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا ربه عز وجل فقال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فاستجاب الله له وأمر الملائكة فنادت زكريا وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى، فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله عز وجل استجاب الله له كما استجاب لزكريا (ع)… وفى أول يوم من المحرم دعا زكريا ربه عز وجل فمن صام ذلك اليوم استجاب الله له كما استجاب لزكريا (ع).[5] “وكذلك الكلام فيما ورد في استحباب صوم شهر المحرّم كله بالنسبة إلى صوم يوم عاشوراء. وقد ذكر بعض الأصحاب جملة أخرى من الأيّام أيضا ممّا يستحبّ‌ صومها.[6]

هل لصوم يوم عاشوراء شرعية؟

عن جعفر بن عيسى قال: سألت الرضا (ع) عن صوم عاشوراء وما يقول الناس فيه؟ فقال: {عن صوم ابن مرجانة تسألني؟ ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (ع)، وهو يوم يتشأم به آل محمد ويتشأم به أهل الإسلام واليوم الذي يتشأم به أهل الإسلام لا يصام ولا يتبرك به ويوم الاثنين يوم نحس قبض الله عز وجل فيه نبيه (ص) وما أصيب آل محمد إلا في يوم الاثنين فتشاءمنا به وتبرك به عدونا، ويوم عاشوراء قتل الحسين (ع) وتبرك به ابن مرجانة وتشأم به آل محمد (ص) فمن صامهما أو تبرك بهما لقي الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب وكان حشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما}.

عن محمد بن أبي عمير، عن زيد النرسي قال: سمعت‏ عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد الله (ع) عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: {من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة و آل زياد قال: قلت: و ما حظهم من صيام ذلك اليوم؟ قال النار أعاذنا الله من النار و من عمل يقرب إلى النار}.

وعن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم‏؟ فقال: {تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين – صلوات الله عليه – وأصحابه – رضي الله عنهم – بكربلاء واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه (أي أبركوا جمالهم على قتاله حوله) وفرح ابن مرجانة، وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا فيه الحسين (ع) وأصحابه كرم الله وجوههم وأيقنوا أن لا يأتي للحسين (ع) ناصر ولا يمده أهل العراق بأبي (أي أفديك بأبي) أيها المستضعف الغريب.

ثمَّ قال وأما يوم عاشوراء فيوم أصيب به الحسين صلوات الله عليه صريعا بين أصحابه، وأصحابه صرعى حوله (عراة- خ) أ فصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلا و رب البيت الحرام ما هو يوم صوم، وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم، وذلك يوم بكت جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوطا عليه، ومن ادخر إلى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه وانتزع البركة عنه، وعن أهل بيته، وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك‏.

وأما رواه الشيخ، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عن أبيه (ع) أن عليا (ع) قال: “صوموا العاشوراء، التاسع و العاشر فإنه يكفر ذنوب سنة” وغيره من الأخبار (فمحمولة) على التقية أو على الصوم حزنا أو الإمساك من غير نية الصوم إلى العصر كما سيجي‏ء في الزيارات إن شاء الله تعالى.[7]

آراء الفقهاء الشيعة

اختلف الفقهاء في حكم صوم عاشوراء على أقوال: فبعضهم قال بالحرمة، كما عن صاحب الحدائق المحدّث البحراني، وصاحب مرآة العقول المجلسي، والشيخ الاستاذ الخراسانى، ويميل إليه الخوانساري في جامع المدارك، والنراقي في المستند. عن جمع آخر القول بالكراهة، وهو رأي أكثر المعاصرين من فقهائنا، كالسيّد اليزدي، والبروجردي، والحكيم، وغالب المعلّقين على العروة الوثقى، والسبزواري. مع اتّفاق القولين ظاهرا على استحباب الامساك إلى العصر، وإنّ‌ هذا ليس هو الصوم الاصطلاحي، بل هو مجرّد إمساك، وهو الظاهر من العلاّمة الحلّي في بعض كتبه. والشهيد الأوّل في الدروس وغاية المراد، والشهيد الثاني في المسالك فإنّه فسّر الصوم يوم عاشوراء بهذا المعنى ليس إلاّ، والسبزواري في الذخيرة، وكاشف الغطاء في كشف الغطاء، والبهائي في الجامع، والفيض في الوافي والمفاتيح والنخبة، والطباطبائي في الرياض والشرح الصغير، والأردبيلي في مجمع الفائدة، والنراقي في المستند، والسيّد الخوانساري في المدارك، والشيخ الوالد في الذخيرة.

وقال جماعة آخرون بالاستحباب، وهم بين من أطلق القول بالاستحباب، كالصدوق في الهداية، والمحقّق في نكت النهاية، وآقا جمال الخوانساري في المشارق، والسيّد الخوئي في المستند – مع إصرار منه رحمه اللّه عليه -. وقيّده آخرون بعنوان الحزن، كما هو المشهور، وهو قول الشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار والاقتصاد والرسائل العشر، والمفيد في المقنعة، وابن البرّاج في المهذّب، وابن زهرة في الغنية، والصهرشتي في اشارة السبق، وابن إدريس الحلّي في السرائر، ويحيى بن سعيد في الجامع، والمحقّق الحلّي في الشرائع و الرسائل التسع، والعلاّمة الحلّي في المنتهي والإرشاد، والسبزواري في الكفاية، والمحقّق النجفي في الجواهر.[8]

لا حاجة إلى الاستقراء والتتبّع في كلمات الفقهاء السنّة، وعرضها بالتفصيل، إذ من المسلّم المؤكّد عندهم هو تبنّي رأي استحباب صوم عاشوراء، وأنّه مجمع عليه عندهم رغم ثبوت كراهة ذلك عند بعض الصحابة، كابن مسعود وابن عمر، و رغم نقلهم انّ‌ الرسول الأعظم (ص) كان يكثر من صوم شعبان دون محرّم، وهذا ينافي دعواهم أنّ‌ الفضل في شهر محرّم وعاشوراء.

النتيجة:

اتّضح من البحث أن صوم شهر المحرّم يحمل الكثير من الفضائل والأجر العظيم، ويُعد من أعظم العبادات التي تقرب المسلم إلى ربه، ويُعزز من روحه الإيمانية. أُستثني صومُ يوم عاشوراء من بين صوم شهر المحرّم من أجل حادثة كربلاء المؤلمة. فعلماء الشيعة بعضهم اعتبره حرامًا والبعض اعتبره مستحبًا – كما هو رأي علماء أهل السنة – والبعض اعتبره مكروهًا والآخر قال بإمساك إلى بعد العصر في ذلك اليوم الحزين!

الهوامش:

[1] – الحلي، منتهی المطلب في تحقیق المذهب، ج9، ص381.

[2] – زین‌‌ الدین، کلمة التقوی، ج2، ص98.

[3] – القمي، مفاتيح الجنان، أعمال شهر محرم.

[4] – المجلسي، بحار الأنوار، ج٩٥، ص٣٣٥.

[5] – البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج9، ص٤٧٣.

[6] – النراقی، مستند الشیعة، ج10، ص496.

[7] – المجلسى، روضة المتقين، ج‏3، ص247-249.

[8] – الطبسی، صوم عاشوراء، ص83.

المراجع: 

  1. البروجردی، آقا حسين، جامع أحاديث الشيعة، تهران، 1386 ش.
  2. زین‌‌ الدین محمد أمین، کلمة التقوی، مطبعه مهر، 1413هـ.
  3. الطبسي نجم‌ الدین، صوم عاشوراء، دار الولاء، 1423هـ.
  4. العلامة حلي حسن بن یوسف، منتهی المطلب في تحقیق المذهب. آستانة الرضوية المقدسة. مجمع البحوث الإسلامية، 1412هـ.
  5. القمي، الشيخ عباس، مفاتيح الجنان، المحقق:الشيخ علي آل كوثر، الناشر: مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة.
  6. المجلسي محمد باقر بن محمد تقی، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.
  7. المجلسي، محمد تقى بن مقصودعلى، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه (ط – القديمة) – قم، الطبعة: 2، 1406 ق.
  8. النراقی أحمد بن محمدمهدی، مستند الشیعة في أحکام الشریعة، مؤسسة آل البیت (علیهم السلام) لإحیاء التراث، 1415هـ.

 

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *