مناسبت ها و اعمال ماه ذو الحجة   مركز آل البيت العالمي للمعلومات

زواج الإمام علي (ع) من فاطمة الزهراء

تاريخ زواجهما(عليهما السلام) ومكانه

۱ ذو الحجّة ۲ﻫ، المدينة المنوّرة.

مجيء الإمام علي(عليه السلام) للخطبة

جاء الإمام علي(عليه السلام) إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو في منزل أُمّ سلمة، فسلّم عليه وجلس بين يديه، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله): «أتَيْتَ لِحاجَة»؟

فقال الإمام(عليه السلام): «نَعَمْ، أتَيتُ خاطباً ابنتك فاطمة، فهلْ أنتَ مُزوِّجُني»؟

قالت أُمّ سلمة: فرأيت وجه النبي(صلى الله عليه وآله) يَتَهلّلُ فرحاً وسروراً، ثمّ ابتسم في وجه الإمام علي(عليه السلام)، ودخل على فاطمة(عليها السلام) وقال لها: «إنّ عَليّاً قد ذكر عن أمرك شيئاً، وإنّي سألتُ ربِّي أن يزوِّجكِ خير خَلقه، فما تَرَين»؟.

فسكتت، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو يقول: «اللهُ أكبَرُ، سُكوتُها إِقرارُها»، فأتاه جبرائيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد، زوّجها علي بن أبي طالب، فإنّ الله قد رضيها له ورضيه لها.

إخبار الصحابة

أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنس بن مالك أن يجمع الصحابة ليُعلِن عليهم نبأ تزويج فاطمة للإمام علي(عليهما السلام).

فلمّا اجتمعوا قال(صلى الله عليه وآله) لهم: «إنّ الله تعالى أمَرَني أن أُزوِّجَ فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب»(۱).

خطبة النبي(صلى الله عليه وآله) عند تزويجهما(عليهما السلام)

قال: «الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميّزهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمّد.

ثمّ إنّ الله جعل المصاهرة نسباً لاحقاً، وأمراً مفترضاً، وشجّ بها الأرحام، وألزمها الأنام، فقال تبارك اسمه، وتعالى جده: (وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً)(۲)… .

ثمّ إنّ الله أمرني أن أُزوّج فاطمة من علي، وإنّي أشهد أنّي قد زوّجتها إيّاه على أربعمائة مثقال فضّة، أرضيتَ»؟

قال(عليه السلام): «قد رضيت يا رسول الله»، ثمّ خرّ ساجداً، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «بارك الله عليكما، وبارك فيكما، واسعد جدّكما، وجمع بينكما، وأخرج منكما الكثير الطيّب»(۳).

خطبة الإمام علي(عليه السلام) عند تزويجه بفاطمة(عليها السلام)

قال: «الحمد لله الذي قرّب حامديه، ودنا من سائليه، ووعد الجنّة مَن يتّقيه، وأنذر بالنار مَن يعصيه، نحمده على قديم إحسانه وأياديه، حمد مَن يعلم أنّه خالقه وباريه، ومميته ومحييه، ومسائله عن مساويه، ونستعينه ونستهديه، ونُؤمن به ونستكفيه.

ونشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، شهادة تبلغه وترضيه، وأنّ محمّداً عبده ورسوله(صلى الله عليه وآله) صلاة تزلفه وتحظيه، وترفعه وتصطفيه، والنكاح ممّا أمر الله به ويرضيه، واجتماعنا ممّا قدرّه الله وأذن فيه، وهذا رسول الله(صلى الله عليه وآله) زوّجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم، وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا»(۴).

قدر مهر الزهراء(عليها السلام)

اختلفت الروايات في قدر مهر الزهراء(عليها السلام)، والمشهور أنّه كان خمسمائة درهم من الفضّة؛ لأنّه مهر السنّة، كما ثبت ذلك من طريق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، والخمسمائة درهم تساوي ۲۵۰ مثقالاً من الفضّة تقريباً.

جهاز الزهراء(عليها السلام)

جاء الإمام علي(عليه السلام) بالدراهم ـ مهر الزهراء ـ فوضعها بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فأمر(صلى الله عليه وآله) أن يجعل ثلثها في الطيب، وثلثها في الثياب، وقبض قبضة كانت ثلاثة وستّين لمتاع البيت، ودفع الباقي إلى أُمّ سلمة، فقال: «أبقيه عندك».

وليمة العرس

قال الإمام علي(عليه السلام): «قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله): يا علي، اصنع لأهلك طعاماً فاضلاً، ثمّ قال: من عندنا اللحم والخبز، وعليك التمر والسمن. فاشتريت تمراً وسمناً، فحسر رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن ذراعه، وجعل يشدخ التمر في السمن حتّى اتّخذه خبيصاً، وبعث إلينا كبشاً سميناً فذُبح، وخبز لنا خبزاً كثيراً.

ثمّ قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله): اُدع مَن أحببت. فأتيت المسجد وهو مشحن بالصحابة، فاستحييت أن أشخص قوماً وأدع قوماً، ثمّ صعدت على ربوة هناك وناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة، فأقبل الناس أرسالاً، فاستحييت من كثرة الناس وقلّة الطعام، فعلم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما تداخلني، فقال: يا علي، إنّي سأدعو الله بالبركة».

قال علي(عليه السلام): «وأكل القوم عن آخرهم طعامي، وشربوا شرابي، ودعوا لي بالبركة، وصدروا وهم أكثر من أربعة آلاف رجل، ولم ينقص من الطعام شيء، ثمّ دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالصحاف فملئت، ووجّه بها إلى منازل أزواجه، ثمّ أخذ صحفة وجعل فيها طعاماً، وقال: هذا لفاطمة وبعلها»(۵).

كيفية الزفاف

لمّا كانت ليلة الزفاف، أتى(صلى الله عليه وآله) ببغلته الشهباء، وثنى عليها قطيفة وقال لفاطمة(عليها السلام): «اركبي»، فأركبها وأمر سلمان أن يقود بها إلى بيتها، وأمر بنات عبد المطّلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة، وأن يفرحن ويرزجن ويكبّرن ويحمدن، ولا يقلن ما لا يرضي الله تعالى(۶).

ثمّ إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أخذ علياً(عليه السلام) بيمينه وفاطمة(عليها السلام) بشماله، وضمّهما إلى صدره، فقبّل بين أعينهما، وأخذ بيد فاطمة فوضعها في يد علي، وقال: «بارك الله لكَ في ابنة رسول الله».

وقال(صلى الله عليه وآله): «يا علي، نعم الزوجة زوجتك»، وقال: «يا فاطمة، نعم البعل بعلك»، ثمّ قال لهما: «اذهبا إلى بيتكما، جمع الله بينكما وأصلح بالكما»، وقام يمشي بينهما حتّى أدخلهما بيتهما(۷).

ثمّ أمر(صلى الله عليه وآله) النساء بالخروج، فخرجن. تقول أسماء بنت عُميس: فبقيت في البيت، فلمّا أراد(صلى الله عليه وآله) الخروج رأى سوادي فقال: «مَن أنتِ»؟ فقلت: أسماء بنت عُميس، قال: «ألم آمرك أن تخرجي»؟

قلت: بلى يا رسول الله، وما قصدت خلافك، ولكن أعطيت خديجة عهداً. ثمّ حدّثته بما جرى عند وفاة السيّدة خديجة(عليها السلام)، فبكى(صلى الله عليه وآله) وأجاز لها البقاء(۸).

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «لولا أنّ الله خلق أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على الأرض»(۹).

ــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إحقاق الحق ۴ /۴۷۵، الأمالي للطوسي: ۳۹٫

2ـ الفرقان: ۵۴٫

3ـ اُنظر: تاريخ مدينة دمشق ۵۲ /۴۴۵، مناقب آل أبي طالب ۳ /۱۲۸٫

4ـ بحار الأنوار ۴۳ /۱۱۲٫

5ـ الأمالي للطوسي: ۴۲٫

6ـ اُنظر: مناقب آل أبي طالب ۳ /۱۳۰٫

7ـ اُنظر: بحار الأنوار ۴۳ /۱۴۲٫

8ـ اُنظر: المصدر السابق ۴۳ /۱۳۸٫

9ـ الأمالي للطوسي: ۴۳٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

دخول النبي (ص) مكة لحجة الوداع

دعوة النبي(صلى الله عليه وآله) للحج

دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) الناس إلى الحجّ، وأعلمهم أنّه عازم على أداء الفريضة في عامه هذا، فاجتمع إليه الناس من كلّ حدب وصوب من أنحاء الجزيرة كلّها، حتّى تكاملوا مائة ألف أو يزيدون، فتوجّه بهم(صلى الله عليه وآله) إلى بيت الله الحرام.

التحاق الإمام علي(عليه السلام) بالركب

على مقربة من مكّة المكرّمة التحق الإمام علي(عليه السلام) بركب رسول الله(صلى الله عليه وآله) لإداء مناسك الحجّ معه؛ لأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان قد أرسله إلى اليمن في مهمّة خاصّة.

دخول الركب إلى مكّة

دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومن معه من المسلمين مكّة المكرّمة في الثالث من ذي الحجّة ۱۰ﻫ، فاتحاً منتصراً، من غير قتال ولا سفك دماء، متواضعاً مستغفراً، مسبّحاً بحمد ربّه، وأدّى مناسكه هو والمؤمنون، ثمّ توجّهوا إلى عرفة.

لماذا سُمّيت بحجّة الوداع؟

سُمّيت هذه الحجّة بحجّة الوداع؛ لأنّها كانت آخر حجّة لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، فبعدها بثلاثة أشهر تقريباً انتقلت روحه الطاهرة(صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى في المدينة المنوّرة.

خطبته(صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع

وقف رسول الله(صلى الله عليه وآله) على راحلته، وخطب خطبته الشهيرة، فقال(صلى الله عليه وآله) بعدما حمد الله وأثنى عليه: «أُوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثّكم على العمل بطاعته، وأستفتح الله بالذي هو خير.

أمّا بعد: أيّها الناس، اسمعوا منّي أُبيّن لكم، فإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّيْ لا أَلقَاكُم بَعدَ عَامِي هَذا، في موقفي هذا.

أَيُّهَا النّاس، إِنّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم، كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذا في شَهرِكُم هذا في بَلَدِكُم هَذا».

وقال(صلى الله عليه وآله): «أَيُّهَا النّاس، إنّ لنسائكم عليكم حقّاً، ولكم عليهنّ حقّاً، فعليهنّ ألّا يُوطئن فرشكم غيركم، ولا يُدخلن بيوتكم أحداً تكرهونه إلّا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فقد أُذن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع وتضربوهنّ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم كسوتهنّ ورزقهنّ بالمعروف، فإنّما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهنّ شيئاً، أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، فاتّقوا الله في النساء واستوصوا بهنّ خيراً».

وقال(صلى الله عليه وآله): «أَيُّهَا النّاس، إنّما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامريءٍ مال أخيه إلّا على طيب نفس…».

وقال(صلى الله عليه وآله): «أَيُّهَا النّاس، إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، كلّكم لآدم وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلّا بالتقوى»(۱).

ثمّ ختم خطابه(صلى الله عليه وآله) بقوله: «لاَ تَرجعُوا بَعدي كُفّاراً مُضَلِّلينَ، يَملِكُ بَعضَكُم رِقابَ بَعضٍ، إِنِّي خَلّفتُ فِيكم مَا أَنْ تَمَسّكْتُمْ بِه لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وَعِترَتِي أَهْلَ بَيتِي».

ثمّ التفت(صلى الله عليه وآله) إليهم، فطالبهم بالالتزام بما أعلنه وأذاعه فيهم قائلاً: «إِنّكُم مَسْؤُولُون، فَلْيُبَلِّغ الشّاهِدُ مِنكُم الغَائِبَ»(۲).

ـــــــــــــــــــــــ

1. اُنظر: شرح نهج البلاغة ۱ /۱۲۶٫

2. اُنظر: تاريخ اليعقوبي ۲ /۱۱۲٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد الإمام محمد الباقر (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو جعفر، محمّد بن علي بن الحسين(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

الباقر، الشاكر، الهادي.

تلقيبه(ع) بالباقر

لقد جاء لقب الإمام(ع) بالباقر من قبل رسول الله(ص)، حيث قال: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ ـ أي: زين العابدين ـ وَلَداً اسْمُهُ اسْمِي، وَأَشْبَهُ النَّاسِ بِي، يَبْقُرُ الْعِلْمَ بَقْراً، وَيَنْطِقُ بِالحَقِّ، وَيَأْمُرُ بِالصَّوَاب‏»(2).

ومعنى الباقر ـ كما في المعاجم اللغوية ـ المتبحّر بالعلم، والمستخرج غوامضه وأسراره، والمحيط بفنونه.

فلقد امتاز(ع) على مَن سواه في جميع المجالات ـ العقائدية والفقهية والتفسيرية والحديثية والعرفانية ـ ممّا كان مثار دهشة وإعجاب أعلام الفكر والأدب.

أُمّه(ع)

أُمّ عبد الله، فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(ع).

ولادته(ع)

ولد في الأوّل من رجب 57ﻫ، وقيل: في الثالث من صفر 57ﻫ بالمدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 57 عاماً، وإمامته 18 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

الوليد بن عبد الملك، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك، هشام بن عبد الملك.

جوانب من شخصيته(ع)

الجانب الروحي: عن الإمام الصادق(ع) قال: «كَانَ أَبِي كَثِيرَ الذِّكْرِ، لَقَدْ كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَآكُلُ مَعَهُ الطَّعَامَ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَلَوْ كَانَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَكُنْتُ أَرَى لِسَانَهُ لَازِقاً بِحَنَكِهِ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَّا، وَمَنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ أَمَرَهُ بِالذِّكْرِ»(3).

هذه الرواية تعكس مدى تعلّق الإمام(ع) بربّه، وتُعبّر في نفس الوقت عن نفس تدكدكت في عشق بارئها عزّ وجل، وطلب القرب منه سبحانه، واستجلاب لطفه العميم، والتوجّه إليه بكلّ كيانه، أي بروحه وقلبه وجوارحه، ممّا لا يكون إلّا عند أولياء الله سبحانه.

الجانب الاجتماعي: نعني به أساليب الإمام(ع) في كيفية التعامل مع مجتمعه في العصر الذي كان فيه، ولذلك مصاديق عديدة، منها ما جاء في الرواية الآتية:

«عن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن علي(عليهما السلام) الحاجة وجفاء الإخوان، فقال: بِئْسَ الْأَخُ أَخٌ يَرْعَاكَ غَنِيّاً وَيَقْطَعُكَ فَقِيراً، ثُمَّ أَمَرَ غُلَامَهُ فَأَخْرَجَ كِيساً فِيهِ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اسْتَنْفِقْ هَذَا، فَإِذَا نَفِدَتْ فَأَعْلِمْنِي»(4).

الجانب الفكري: لقد تفوّق الإمام الباقر(ع) على غيره في عصره بعمق تفكيره، وسموّ مكانته وشأنه العلمي في جميع العلوم الدنيوية والأُخروية.

فنجد عبد الله بن عمر يسأله الناس عن مسألة فلا يتمكّن من الإجابة عنها، فيوجّه سائله إلى الإمام الباقر(ع)، فيقبل السائل إلى الإمام(ع) فيُجيبه بلا تردّد عن مسألته العويصة التي عجز غيره عن الإجابة عنها.

ثمّ يعود السائل إلى ابن عمر، فيُخبره بالإجابة الفريدة، فيقول له ابن عمر: «إِنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مُفَهَّمُون‏»(5).

من حكمه(ع)

1ـ قال(ع): «مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْكِبْرِ، إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلَ مَا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَلَّ أَوْ كَثُر»(6).

2ـ قال(ع): «إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالضَّجَرَ؛ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقّاً، وَمَنْ ضَجِرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ»(7).

3ـ قال(ع): «مَنْ صَدَقَ لِسَانُهُ زَكَا عَمَلُهُ، وَمَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ، وَمَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِأَهْلِهِ زِيدَ فِي عُمُرِه»(8).

4ـ قال(ع): «مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَالتَّخَشُّعِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَتَعَهُّدِ الْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَذَوِي المَسْكَنَةِ وَالْغَارِمِينَ وَالْأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاء»(9).

من زوجاته(ع)

أُمّ فروة فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر التيمية، أُمّ حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفية، جارية.

من أولاده(ع)

1ـ الإمام جعفر الصادق(ع).

2ـ علي، قال عنه الشيخ الإصفهاني(قدس سره) في رياض العلماء: «كان من أعاظم أولاد مولانا الإمام الباقر(ع) وأكابرهم، ولغاية عظم شأنه لا يحتاج إلى التطويل في البيان»(10).

3ـ أُمّ سلمة «زوجة ابن عمّها عبد الله الباهر ابن الإمام زين العابدين(ع)».

4ـ زينب «زوجة عبيد الله بن محمّد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب».

5ـ فاطمة «روت حديثي الغدير والمنزلة عن عمّتها فاطمة بنت الإمام زين العابدين(ع)».

الدوافع التي أدّت بالأُمويّين إلى قتله(ع)

1ـ سُمو شخصيته(ع):

لقد كان(ع) أسمى شخصية في العالم الإسلامي، فقد أجمع المسلمون على تعظيمه والاعتراف له بالفضل، وكان مقصد العلماء من جميع البلاد الإسلامية.

وكان(ع) قد ملك عواطف الناس، واستأثر بإكبارهم وتقديرهم؛ لأنّه العلم البارز في الأُسرة النبوية، وقد أثارت منزلته الاجتماعية غيظ الأُمويّين وحقدهم، فأجمعوا على قتله للتخلّص منه.

2ـ أحداث دمشق:

لم يستبعد الباحثون والمؤرّخون تأثير أحداث دمشق في دفع الأُمويّين إلى قتل الإمام(ع)، وذلك لما يلي:

أوّلاً: تفوّق الإمام(ع) في الرمي على بني أُمية وغيرهم، حينما دعاه هشام إلى الرمي ظانّاً بأنّه(ع) سوف يفشل في رميه فلا يُصيب الهدف، فيتّخذ ذلك وسيلة للحطّ من شأنه والسخرية به أمام أهل الشام.

ولمّا رمى الإمام(ع) وأصاب الهدف عدّة مرّات بصورة مذهلة لم يعهد لها نظير في عمليات الرمي في العالم، ذُهل الطاغية هشام وأخذ يتميّز غيظاً، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصمّم منذ ذاك الوقت على اغتياله.

ثانياً: مناظرته(ع) مع هشام في شؤون الإمامة وتفوّق الإمام عليه، حتّى بان على هشام العجز، ممّا أدّى ذلك إلى حقده عليه.

ثالثاً: مناظرته(ع) مع عالم النصارى وتغلّبه عليه، حتّى اعترف بالعجز عن مجاراته أمام حشد كبير منهم، معترفاً بفضل الإمام(ع) وتفوّقه العلمي في أُمّة محمّد(ص).

وقد أصبحت تلك القضية بجميع تفاصيلها الحديث الشاغل لجماهير أهل الشام، ويكفي هذا الصيت العلمي أيضاً أن يكون من عوامل الحقد على الإمام(ع)، والتخطيط للتخلّص من وجوده.

كلّ هذه الأُمور بل وبعضها كان يكفي أن يكون وراء قتله(ع) على أيدي زمرة جاهلية افتقرت إلى أبسط الصفات الإنسانية، وحُرمت من أبسط المؤهّلات القيادية.

من وصاياه لولده الإمام الصادق(عليهما السلام)

1ـ قال الإمام الصادق(ع): «لمَّا حَضَرَتْ أَبِي(ع) الْوَفَاةُ، قَالَ: يَا جَعْفَرُ، أُوصِيكَ بِأَصْحَابِي خَيْراً، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، واللهِ لَأَدَعَنَّهُمْ ـ والرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي الْمِصْرِ ـ فَلَا يَسْأَلُ أَحَداً»(11).

2ـ أوصى ولده الإمام الصادق(ع) أن يُكفّنه في قميصه الذي كان يُصلّي فيه؛ ليكون شاهد صدقٍ عند الله على عظيم عبادته وطاعته له.

3ـ أوقف بعض أمواله على نوادب تندبه عشر سنين في منطقة مِنى، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّ مِنى أعظم مركز للتجمّع الإسلامي.

ووجود النوادب فيه ممّا يبعث المسلمين إلى السؤال عن سببه، فيخبرون بما جرى على الإمام الباقر(ع) من صنوف التنكيل من قبل الأُمويّين واغتيالهم له، حتّى لا يضيع ما جرى عليه منهم، ولا تخفيه أجهزة الإعلام الأُموي.

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع من ذي الحجّة 114ﻫ بالمدينة المنوّرة.

كيفية استشهاده(ع)

قُتل(ع) مسموماً بأمر إبراهيم بن الوليد بن يزيد عامل هشام بن عبد الملك على المدينة المنوّرة.

دفنه(ع)

تولّى الإمام الصادق(ع) تجهيز جثمان أبيه(ع)، وبعد تشييع حافل لم تشهد المدينة نظيراً له، جيء بجثمانه الطاهر إلى مقبرة البقيع، فدُفن بجوار مرقد عمّ أبيه الإمام الحسن المجتبى، وبجوار مرقد أبيه الإمام زين العابدين(عليهما السلام).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه الشيخ جعفر الهلالي(رحمه الله) بقوله:

«عُج على طيبةَ وحَيِّ الإماما ** باقر العلمِ مَن سَما إِعْظَاما

وابكِهِ في البَقيعِ مُنهدمَ القَبرِ ** وقَد كانَ شَامخاً يَتَسَامى

غَادَرَتهُ يدُ الجُناةِ بِفعلِ الحِقدِ ** فانهدَّ للصَّعيدِ رماما

لَم تُراقِبْ بهِ النَّبيَّ ولَم تَحفَظْ ** بهِ حُرمةً لهُ أو ذِماما

لَيتَ تِلكَ الأَكُفّ شُلَّتْ غَداةَ ** استَهْدَفَتْ من ذرى الكمالِ السَّناما

أَسَّسَتْها لَهُم أُميَّةُ أضغاناً ** فَعَلُوا عَلى الأَسَاسِ انتِقَاما

وأنَالوا الإِمامَ ظُلماً وَعسْفاً ** حِينَ جَارُوا وأَوْسَعُوهُ اهتِضَاما

إلى أن يقول:

وغَدا ابنُ الوَليدِ يَنْتَظرُ العر ** صةَ حَتَّى أحلَّ فيهِ الحِمَاما

دَسَّ سُمّاً لهُ نَقيعاً فَأَوْدَى ** بابنِ طَهَ وأثْكَلَ الإسْلَاما

فَقَضَى مِنهُ يَا لَهُ من مُصابٍ ** أَوْرَثَ القَلبَ لَوعةً وضراما

فنَعَتْهُ السَّماءُ والأرضُ شَجْواً ** وأسالَتْ لهُ الدُّموعَ سِجاما»(12).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 497، الأنوار البهية: 131.

2ـ بحار الأنوار 36/ 313.

3ـ الكافي 2/ 499 ح1.

4ـ الإرشاد 2/ 166.

5ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 197.

6ـ كشف الغمّة 2/ 344.

7ـ تحف العقول: 295.

8ـ المصدر السابق.

9ـ المصدر السابق.

10ـ رياض العلماء 4/ 216.

11ـ الكافي 1/ 306 ح2.

12ـ موسوعة المصطفى والعترة 8/ 498.

بقلم: محمد أمين نجف

واقعة فخ

مقدّمة

لم يراع العبّاسيون كلّ قيم وحدود الإسلام والأخلاق، ولا قرابتهم من ‏رسول الله(صلى الله عليه وآله)، مع أنّ العبّاسيين ما قامت دولتهم وسلطانهم إلّا باسم القرابة من العلويين، فما أن استتبّت الأُمور في أيديهم حتّى ‏راحوا يقتلون ويتتبّعون العلويين في كلّ مكان حتّى قال أحد شعراء ذلك الوقت:‏

تاللهِ ما فعلت أُميّةُ فيهُمُ ** معشارَ ما فعلت بنو العباسِ(۱).

سبب الواقعة

عانت الأُسرة العلوية في عهد الطاغية موسى الهادي الخوف والإرهاب، فقد أخاف العلويين خوفاً شديداً، وألحّ في طلبهم، وقطع أرزاقهم وعطاياهم، وكتب إلى الآفاق بطلبهم.

فالاضطهاد الذي لحق العلويين والمعاملة القاسية لهم، كان من أهمّ الأسباب التي ثار من أجلها صاحب فخ، حيث جنّد العلويين الموجودين في المدينة المنوّرة، وخرج بهم مع نسائهم وأطفالهم متوّجهاً نحو مكّة المكرّمة؛ ليثور على والي مكّة المنصوب من قبل الحاكم موسى الهادي، ولكنّ الوالي أرسل إليهم جيشاً كبيراً فقاتلوهم في منطقة فخ.

تاريخ الواقعة ومكانها

۸ ذو الحجّة ۱۶۹ﻫ، وقيل: ۸ ذو القعدة ۱۶۹، ومكانها: وادي فخّ، يبعد حوالي فرسخ ـ ۵۵۰۰ متراً ـ عن مكّة المكرّمة.

قائد الثورة

السيّد أبو عبد الله، الحسين بن علي الخير بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن المجتبى(عليهم السلام).

موقف الإمام الكاظم(عليه السلام) من الواقعة

عندما عزم الحسين صاحب واقعة فخّ أن يثور على الأوضاع الفاسدة التي وصلت إلى حدّ الإذلال والاضطهاد الشديد لكلّ مَن هو شيعي وعلوي يوالي الإمام الكاظم(عليه السلام)، أقبل الحسين إلى الإمام يستشيره في ثورته، وعرض عليه فكرة الثورة، فالتفت إليه الإمام(عليه السلام) قائلاً: «إنّك مقتول فأحِدَّ الضِّرابَ، فإنّ القوم فسّاق، يُظهرون إيماناً ويُضمرون نفاقاً وشركاً، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعند الله عزّ وجل أحتسبكم من عُصبة»(۲).

وعن إبراهيم بن إسحاق القطّان، قال: «سمعت الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله يقولان: ما خرجنا حتّى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج»(۳).

عدم خروج الإمام الكاظم(عليه السلام) إلى الواقعة

لم يخرج الإمام الكاظم(عليه السلام) مع الحسين رغم علمه بأنّ السلطة سوف تُحمّله مسؤوليّتها، كما حمّل هشام بن الحكم الأُموي جدّه الباقر(عليه السلام) مسؤولية ثورة زيد، وحمّل المنصور أباه الصادق(عليه السلام) مسؤولية ثورة محمّد النفس الزكية؛ وذلك لعلمه مسبقاً بالنتائج وبمآل الثورة، ولمصالح أُخرى يعلمها ويقدّرها الإمام(عليه السلام).

عظم الواقعة

لقد قُتل في واقعة فخّ نحو مئة نفر من ذرّية السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وقُطعت رؤوسهم، وسُبيت النساء والأطفال، ثمّ أُرسلت رؤوس القتلى إلى الطاغية موسى الهادي ومعهم الأسرى، وقد قُيّدوا بالحبال والسلاسل، ووضعوا في أيديهم وأرجلهم الحديد، فأمر الطاغية بقتل السبي حتّى الأطفال منهم على ما قيل، فقُتلوا صبراً وصُلبوا على باب الحبس.

عن أبي الوضّاح محمّد بن عبد الله النهشلي، قال: أخبرني أبي قال: لمّا قُتل الحسين بن علي صاحب فخّ، وتفرّق الناس عنه، حُمل رأسه والأسرى من أصحابه إلى موسى بن المهدي، فلمّا بصر بهم أنشأ يقول متمثّلاً:

بني عمِّنا لا تُنطقوا الشعرَ بعدَما ** دُفنتم بصحراءِ الغميمِ القوافيا

فلسنا كمَن كنتم تُصيبون نيلهُ ** فنقبل ضيماً أو نحكم قاضيا

ولكن حكم السيف فينا مسلّط ** فنرضى إذا ما أصبحَ السيفُ راضيا

وقد ساءني ما جرت الحربُ بيننا ** بني عمّنا لو كانَ أمراً مدانيا

فإن قلتم إنّا ظُلمنا فلم نكن ** ظلمنا ولكن قد أسأنا التقاضيا(۴).

أحداث بعد الواقعة

۱ـ قال ياقوت: «بقي قتلاهم ثلاثة أيّام حتّى أكلتهم السباع، ولهذا يُقال: لم تكن مصيبة بعد كربلاء أشدّ وأفجع من فخ»(۵).

۲ـ عن بعض الطالبيين قال: «لمّا قُتل أصحاب فخّ جلس موسى بن عيسى بالمدينة، وأمر الناس بالوقيعة على آل أبي طالب، فجعل الناس يُوقعون عليهم حتّى لم يبق أحد»(۶).

۳ـ قالوا: «ولمّا بلغ العمري وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي صاحب فخّ، عمد إلى داره ودور أهله فحرقها، وقبض أموالهم ونخلهم فجعلها في الصوافي المقبوضة»(۷).

۴ـ نقل أبو نصر البخاري عن الإمام محمّد الجواد(عليه السلام) أنّه قال: «لم يكن لنا بعد الطفّ مصرع أعظم من فخّ»(۸).

تأبين الإمام الكاظم(عليه السلام) لصاحب الواقعة

لمّا سمع الإمام الكاظم(عليه السلام) بمقتل الحسين(رضي الله عنه) بكاه وأبّنه بهذه الكلمات: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً، صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»(۹).

وقال الشاعر دعبل الخزاعي:

قبورٌ بكوفانَ وأُخرى بطيبةَ ** وأُخرى بفخٍّ نالَها صلواتي(۱۰).

من شهداء الواقعة

۱ـ الحسين بن علي الخير بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنّى ابن الحسن السبط.

۲ـ سليمان بن عبد الله المحض بن الحسن المثنّى ابن الحسن السبط.

۳ـ إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنّى ابن الحسن السبط.

۴ـ يحيى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنّى ابن الحسن السبط.

۵ـ الحسن بن محمّد بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنّى.

۶ـ عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن المثنّى.

۷ـ عبد الله بن إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين.

۸ـ عمر بن إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين.

۹ـ علي بن إبراهيم بن الحسن المثنّى.

۱۰ـ إبراهيم بن إسماعيل طباطبا.

فضل شهداء الواقعة

۱ـ عن زيد بن علي(عليه السلام)، قال: انتهى رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى موضع فخّ، فصلّى بأصحابه صلاة الجنازة، ثمّ قال: «يُقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، يُنزل لهم بأكفانٍ وحنوطٍ من الجنّة، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة»(۱۱).

۲ـ عن الإمام محمّد الباقر(عليه السلام)، قال: «مرّ النبي(صلى الله عليه وآله) بفخّ، فنزل فصلّى ركعة، فلمّا صلّى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلمّا رأى الناس النبي(صلى الله عليه وآله) يبكي بكوا، فلمّا انصرف قال: ما يُبكيكم؟ قالوا: لمّا رأيناك تبكي بكينا يا رسول الله.

قال: نزل عليَّ جبرئيل لمّا صلّيت الركعة الأُولى فقال: يا محمّد، إنّ رجلاً من ولدك يُقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين»(۱۲).

۳ـ عن النضر بن قرواش، قال: «أكريت جعفر بن محمّد(عليهما السلام) من المدينة إلى مكّة، فلمّا ارتحلنا من بطن مرّ، قال لي: يا نضر، إذا انتهيت إلى فخّ فأعلمني، قلت: أو لست تعرفه؟ قال: بلى، ولكن أخشى أن تغلبني عيني. فلمّا انتهينا إلى فخّ دنوت من المحمل، فإذا هو قائم، فتنحنحت فلم ينتبه، فحرّكت المحمل فجلس، فقلت: قد بلغت.

فقال: حلّ محملي، فحللته، ثمّ قال: صل القطار، فوصلته، ثمّ تنحّيت به عن الجادّة، فأنخت بعيره، فقال: ناولني الإداوة والركوة، فتوضّأ وصلّى ثمّ ركب.

فقلت له: جُعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئاً، أفهو من مناسك الحج؟ قال: لا، ولكن يُقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة»(۱۳).

۴ـ عن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: «حججت مع أبي، فلمّا انتهينا إلى فخّ أناخ محمّد بن عبد الله بعيره، فقال لي أبي: قل له يثير بعيره، فقلت له فأثاره، ثمّ قلت لأبي: يا أبه، لم كرهت له هذا؟ قال: إنّه يُقتل في هذا الموضع رجل من أهل بيتي يتعاوى عليه الحاجّ. فنفست أن يكون هو»(۱۴).

ـــــــــــــــــــــــ

1. أعيان الشيعة ۷ /۱۳۳٫

2. مقاتل الطالبيين: ۲۹۸٫

3. المصدر السابق: ۳۰۴٫

4. بحار الأنوار ۴۸ /۱۵۰٫

5. موسوعة المصطفى والعترة ۱۱ /۳۶۹ عن معجم البلدان ۴ /۲۶۹٫

6. مقاتل الطالبيين: ۳۰۳٫

7. المصدر السابق.

8. عمدة الطالب: ۱۸۳٫

9. مقاتل الطالبيين: ۳۰۲٫

10. روضة الواعظين: ۲۲۱٫

11. مقاتل الطالبيين: ۲۸۹٫

12 و13 و14. المصدر السابق: ۲۹۰٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

استشهاد الحسين بن علي بن الحسن

قرابته بالمعصوم(1)

من أحفاد الإمام الحسن المجتبى(ع).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو عبد الله، الحسين بن علي الخير بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن المجتبى(ع) المعروف بصاحب فخّ.

أُمّه

زينب بنت عبد الله المحض بن الحسن المثنّى بن الحسن المجتبى(ع).

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه كان من أعلام القرن الثاني الهجري.

من أقوال النبي(ص) فيه

قال الإمام الباقر(ع): «مَرَّ النَّبِيُّ(ص) بِفَخٍّ، فَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَلَمَّا صَلَّى الثَّانِيَةَ بَكَى وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ النَّبِيَّ(ص) يَبْكِي بَكَوْا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ! قَالُوا لمَّا رَأَيْنَاكَ تَبْكِي بَكَيْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ لَمَّا صَلَّيْتُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَجُلاً مِنْ وُلْدِكَ يُقْتَلُ فِي هَذَا المَكَانِ، وَأَجْرُ الشَّهِيدِ مَعَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْن»(2).

من أقوال الإمام الصادق(ع) فيه

قال النضر بن قرواش: «أكريت جعفر بن محمّد(عليهما السلام) من المدينة إلى مكّة… فلمّا انتهينا إلى فخ… فتوضّأ وصلّى ثمّ ركب، فقلت له: جُعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئاً أفهو من مناسك الحج؟ قال: لَا، وَلَكِنْ يُقْتَلُ هَاهُنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فِي عِصَابَةٍ تَسْبِقُ أَرْوَاحُهُمْ أَجْسَادَهُمْ إِلَى الجَنَّة»(3).

من أقوال العلماء فيه

1ـ قال الصفدي(ت: 764ﻫ): «كان والده كثير العبادة، فنشأ الحسين أحسن نشء، له فضل في نفسه، وصلاح وسخاء وشجاعة»(4).

2ـ قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «كون الرجل من الثقات بشهادة الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) بذلك في الخبر الأخير، المؤيّد بما مرّ من كون أجر الشهيد معه أجر شهيدين، وببكاء النبي(ص) عليه، وإخبار الصادق(ع) بسبق روحه جسده إلى الجنّة… وغير ذلك»(5).

3ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «لا ينبغي التأمّل في جلالة المعنون وشرفه ونبله، والروايات يُستفاد من بعضها أنّ الوثاقة أقلّ ما يُوصف به»(6).

كرمه

1ـ قال علي بن الحسين الحضرمي: «سمعت الحسن بن هذيل، يقول: بعت لحسين بن علي صاحب فخّ حائطاً بأربعين ألف دينار، فنثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبّة، كان يُعطيني كفّاً كفّاً، فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة»(7).

2ـ قال الحسن بن هذيل: «قال لي الحسين صاحب فخّ: اقترض لي أربعة آلاف درهم، فذهبت إلى صديق لي، فأعطاني ألفين وقال لي: إذا كان غد فتعال حتّى أُعطيك ألفين؛ فجئت فوضعتها تحت حصير كان يُصلّي عليه، فلمّا كان من الغد أخذت الألفين الأخريين، ثمّ جئت أطلب الذي وضعته تحت الحصير فلم أجده.

فقلت له: يا ابن رسول الله، ما فعل الألفان؟ قال: لا تسأل عنهما، فأعدت، فقال: تبعني رجل أصفر من أهل المدينة، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكنّي أحببت أن أصل جناحك، فأعطيته إيّاها، أما إنّي أحسبني ما أجرت على ذلك لأنّي لم أجد لها حسناً، وقال الله عزّ وجل: (لَن تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)»(8).

3ـ قال ابن الأثير(ت: 630ﻫ): «وكان الحسين شجاعاً كريماً، قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرّقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلّا فرواً ليس تحته قميص»(9).

سبب ثورته

عانت الأُسرة العلوية في عهد الطاغية موسى الهادي الخوف والإرهاب، «فقد أخاف الطالبيين خوفاً شديداً، وألحّ في طلبهم، وقطع أرزاقهم وعطاياهم، وكتب إلى الآفاق بطلبهم»(10).

فالاضطهاد الذي لحق العلويين، والمعاملة القاسية لهم، كان من أهمّ الأسباب التي ثار من أجلها صاحب فخ، حيث جنّد العلويين الموجودين في المدينة المنوّرة، وخرج بهم مع نسائهم وأطفالهم، متوّجهاً نحو مكّة المكرّمة ليثور على والي مكّة المنصوب من قبل الحاكم موسى الهادي، ولكن الوالي أرسل إليهم جيشاً كبيراً فقاتلوهم في منطقة فخ.

عظم واقعة فخ

قُتل في واقعة فخ نحو مئة نفر من ذرّية السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وقُطعت رؤوسهم، وسُبيت النساء والأطفال، ثّم أُرسلت رؤوس القتلى إلى الطاغية موسى الهادي، ومعهم الأسرى، وقد قُيّدوا بالحبال والسلاسل، ووضعوا في أيديهم وأرجلهم الحديد، فأمر الطاغية بقتل السبيّ حتّى الأطفال منهم على ما قيل، فقُتلوا صبراً، وصُلبوا على باب الحبس.

وقال أبو الوضّاح محمّد بن عبد الله النهشلي: «أخبرني أبي، قال: لمّا قُتل الحسين بن علي صاحب فخ… وتفرّق الناس عنه، حُمل رأسه والأسرى من أصحابه إلى موسى بن المهدي، فلمّا بصر بهم أنشأ يقول متمثّلاً:

بني عَمِّنا لا تُنطُقُوا الشِّعرَ بعدَما ** دُفنتُمْ بِصَحراءِ الغميمِ القوافيا

فَلَسْنَا كَمَنْ كُنتُم تُصيبونَ نيلهُ ** فَنَقبلُ ضَيماً أو نُحكِّم قاضيا

ولَكنَّ حُكمَ السَّيفِ فِينَا مُسلَّطٌ ** فَنَرضَى إذا مَا أَصبحَ السَّيفُ رَاضيا

وقَدْ سَاءَنِي مَا جَرتِ الحَربُ بَينَنا ** بَني عَمِّنا لَو كَانَ أمراً مُدانِيا

فَإنْ قُلتُمُ إنَّا ظُلِمنا فَلمْ نَكُنْ ** ظلمنا ولَكنْ قَدْ أَسَأْنَا التَّقاضِيَا»(11).

أحداث بعد واقعة فخ

1ـ قال الحموي(ت: 626ﻫ): «فبقي قتلاهم ثلاثة أيّام حتّى أكلتهم السباع، ولهذا يُقال: لم تكن مصيبة بعد كربلاء أشدّ وأفجع من فخ»(12).

2ـ قال بعض الطالبيين: «لمّا قُتل أصحاب فخ جلس موسى بن عيسى بالمدينة، وأمر الناس بالوقيعة على آل أبي طالب، فجعل الناس يُوقعون عليهم حتّى لم يبق أحد»(13).

3ـ قالوا: «ولمّا بلغ العمري وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي صاحب فخ، عمد إلى داره ودور أهله فحرقها، وقبض أموالهم ونخلهم، فجعلها في الصوافي المقبوضة»(14).

4ـ قال الإمام محمّد الجواد(ع): «لَمْ يَكُنْ لَنَا بَعْدَ الْطَّفِّ مَصْرَعٌ أَعْظَمُ مِنْ فَخ»(15).

استشهاده

استُشهد(رضوان الله عليه) في الثامن من ذي الحجّة 169ﻫ بمنطقة فخ القريبة من مكّة المكرّمة.

تأبينه

لمّا سمع الإمام الكاظم(ع) بمقتل الحسين(رضوان الله عليه) بكاه وأبّنه بهذه الكلمات: «إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»(16).

رثاؤه

ممّن رثاه الشاعر دعبل الخزاعي(رحمه الله) بقوله:

«قُبورٌ بِكُوفانَ وأُخرى بِطَيبةَ  **  وأُخرى بِفَخٍّ نَالَها صَلواتِ»(17).

كما رثاه عيسى بن عبد الله(رحمه الله) بقوله:

«فَلأبكينَّ على الحُسينِ  **  بِعَولةٍ وعلى الحَسَنْ

وعَلى ابنِ عَاتِكةَ الذي  **  أثْوَوْهُ لَيسَ لهُ كَفَنْ

تُرِكُوا بِفخٍّ غُدْوَةً  **  في غَيرِ مَنزلةِ الوَطَنْ

كانُوا كِراماً قُتِّلُوا  **  لا طَائِشِينَ ولا جُبُن

غَسَلُوا المَذلّةَ عنهُمُ  **  غَسلَ الثِّيابِ مِن الدَّرَنْ

هُديَ العِبادُ بِجدِّهِمُ  **  فَلَهُم على النَّاسِ المِنَن»(18).

ـــــــــــ

1ـ اُنظر: أعيان الشيعة 6/ 97.

2ـ مقاتل الطالبيين: 290.

3ـ المصدر السابق.

4ـ الوافي بالوفيات 12/ 282.

5ـ تنقح المقال 22/ 287 رقم6301.

6ـ المصدر السابق 22/ 287 رقم6301.

7ـ مقاتل الطالبيين: 291.

8ـ المصدر السابق: 291.

9ـ الكامل في التاريخ 6/ 94.

10ـ تاريخ اليعقوبي 3/ 136.

11ـ مهج الدعوات: 218.

12ـ معجم البلدان 4/ 238.

13ـ مقاتل الطالبيين: 302.

14ـ المصدر السابق: 303.

15ـ عمدة الطالب: 183.

16ـ مقاتل الطالبيين: 302.

17ـ كشف الغمّة 3/ 114.

18ـ المصدر السابق 3/ 327.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

خروج الإمام الحسين (ع) من مكة إلى العراق

تاريخ الخروج

۸ ذو الحجّة (يوم التروية) 60ﻫ.

سبب الخروج

على أثر الرسائل الكثيرة التي أرسلها أهل الكوفة إلى الإمام الحسين(عليه السلام)، اِرتأى(عليه السلام) أن يُرسل مبعوثاً عنه إلى الكوفة، فاختار ابن عمّه مسلم بن عقيل(عليه السلام) لصلاحه وأهلّيته لهذه المهمّة.

ومنذ وصول مسلم إلى الكوفة بدأ يجمع الأنصار، ويأخذ البيعة للإمام الحسين(عليه السلام)، ويوضِّح أهداف الحركة الحسينية، ويشرح أهداف الثورة لزعماء الكوفة ورجالاتها، فأعلنت ولاءها للإمام الحسين(عليه السلام)، عند ذلك كتب مسلم بن عقيل رسالة إلى الإمام الحسين(عليهما السلام) يحثُّه بالتوجّه إلى الكوفة، وعندما تسلّم الإمام الحسين(عليه السلام) الرسالة قرّر التوجّه إلى العراق.

خطبة الإمام الحسين(عليه السلام) ليلة الخروج

قال(عليه السلام): «الحمدُ للهِ، وما شاءَ الله، ولا قُوّة إلّا بالله، وصلّى الله على رسوله، خُطّ الموتُ على ولدِ آدم مخطّ القِلادةِ على جِيدِ الفتاة، وما أولَهَني إلى أسلافي اشتياقَ يعقوبَ إلى يوسف، وخُيّر لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تُقطّعُها عسلان الفلوات بين النواويسِ وكربلاء، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً.

لا محيصَ عن يومٍ خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويُوفّينا أجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرُّ بهم عَينه، وينجزُ بهمْ وعدَه.

مَن كان باذلاً فينا مهجتَه، وموطِّناً على لقاءِ الله نفسه، فلْيَرْحل معنا، فإنّي راحلٌ مُصبحاً إن شاءَ الله»(۱).

الخروج قبل إتمام الحج

أرسل يزيد بن معاوية (لعنهما الله) عمرو بن سعيد بن العاص من المدينة إلى مكّة في عسكر عظيم، وولّاه أمر الموسم، وأمّره على الحاجّ كلّهم، وأوصاه بإلقاء القبض على الحسين(عليه السلام) سرّاً، وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة، فلمّا علم الحسين(عليه السلام) بذلك، حلّ من إحرام الحجّ، وجعلها عمرة مفردة، وعزم على التوجّه إلى العراق؛ مخافة أن يُقبض عليه، أو يُقتل غيلة.

النهي عن الخروج

جاءت الشخصيات المعروفة في مكّة إلى الإمام الحسين(عليه السلام) تُنهيه عن الخروج إلى العراق، ولكنّ الإمام(عليه السلام) رفض ذلك.

فمن الذين جاؤوا: أبو بكر عمر بن عبد الرحمن المخزومي، فقال له الحسين(عليه السلام): «جزاك الله خيراً يابن عمِّ، قد اجتهدت رأيك، ومهما يقض الله يكن».

وجاءه عبد الله بن عباس، فقال له الحسين(عليه السلام): «استخير الله، وأنظر ما يكون».

وجاءه أخوه محمّد بن الحنفية قائلاً له: يا أخي، إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تُقيم، فإنّك أعزّ مَن بالحرم وأمنعه، فقال(عليه السلام): «يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت».

وجاءه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهما، والحسين(عليه السلام) يقول لهم: «وأيم الله لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقتلوني، والله ليعتدن عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت، والله لا يدعونّي حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم مَن يذلّهم، حتّى يكونوا أذلّ من فَرام المرأة»(۲).

كيفية الخروج

روى عبد الله بن سنان الكوفي عن أبيه، عن جدّه، أنّه قال: خرجت بكتابٍ من أهل الكوفة إلى الحسين(عليه السلام)، وهو يومئذٍ بالمدينة، فأتيته فقرأه فعرف معناه فقال: «اُنظرني إلى ثلاثة أيّام»، فبقيت في المدينة ثمّ تبعته إلى أن صار عزمه بالتوجّه إلى العراق، فقلت في نفسي أمضي وأنظر إلى ملك الحجاز كيف يركب، وكيف جلالة شأنه؟ فأتيت إلى باب داره فرأيت الخيل مسرّجة والرجال واقفين، والحسين(عليه السلام) جالس على كرسي وبنو هاشم حافّون به، وهو بينهم كأنّه البدر ليلة تمامه وكماله، ورأيت نحواً من أربعين محملاً، وقد زُيّنت المحامل بملابس الحرير والديباج.

قال: فعند ذلك أمر الحسين(عليه السلام) بني هاشم بأن يركبوا محارمهم على المحامل، فبينما أنا أنظر وإذا بشاب قد خرج من دار الحسين(عليه السلام) وهو طويل القامة وعلى خدّه علامة ووجهه كالقمر الطالع، وهو يقول: «تنحّوا يا بني هاشم»! وإذا بامرأتين قد خرجتا من الدار، وهما تجرّان أذيالهما على الأرض حياءً من الناس، وقد حفّت بهما إماؤهما، فتقدّم ذلك الشاب إلى محملٍ من المحامل وجثى على ركبتيه، وأخذ بعضديهما وأركبهما المحمل، فسألت بعض الناس عنهما فقيل: أمّا إحداهما فزينب، والأُخرى أُم كلثوم بنتا أمير المؤمنين، فقلت: ومَن هذا الشاب؟ فقيل لي: هو قمر بني هاشم العباس بن أمير المؤمنين.

ثمّ رأيت بنتين صغيرتين كأنّ الله تعالى لم يخلق مثلهما، فجعل واحدة مع زينب، والأُخرى مع أُم كلثوم، فسئلت عنهما، فقيل لي: هما سكينة وفاطمة بنتا الحسين(عليه السلام).

ثمّ خرج غلام آخر كأنّه البدر الطالع ومعه امرأة، وقد حفّت بها إماؤها، فأركبها ذلك الغلام المحمل، فسألت عنها وعن الغلام، فقيل لي: أمّا الغلام فهو علي الأكبر ابن الحسين(عليه السلام)، والمرأة أُمّه ليلى زوجة الحسين(عليه السلام).

ثمّ خرج غلام ووجهه كفلقة القمر، ومعه امرأة، فسألت عنها؟ فقيل لي: أمّا الغلام فهو القاسم بن الحسن المجتبى، والمرأة أُمّه.

ثمّ خرج شاب آخر وهو يقول: «تنحّوا عنّي يا بني هاشم! تنحّوا عن حرم أبي عبد الله»، فتنحّى عنه بنو هاشم، وإذا قد خرجت امرأة من الدار وعليها آثار الملوك، وهي تمشي على سكينة ووقار، وقد حفّت بها إماؤها، فسألت عنها؟ فقيل لي: أمّا الشاب فهو زين العابدين ابن الإمام، وأمّا المرأة فهي أُمّه شاه زنان بنت الملك كسرى زوجة الإمام، فأتى بها وأركبها على المحمل، ثمّ أركبوا بقية الحرم والأطفال على المحامل.

فلمّا تكاملوا نادى الإمام(عليه السلام): «أين أخي، أين كبش كتيبتي، أين قمر بني هاشم»؟ فأجابه العباس: «لبيك لبيك يا سيّدي»! فقال له الإمام(عليه السلام): «قدّم لي يا أخي جوادي»، فأتى العباس بالجواد إليه وقد حفّت به بنو هاشم، فأخذ العباس بركاب الفرس حتّى ركب الإمام، ثمّ ركب بنو هاشم، وركب العباس وحمل الراية أمام الإمام(۳).

ــــــــــــــــــــــــ

1. مثير الأحزان: ۲۹٫

2. اُنظر: لواعج الأشجان: ۷۰٫

3. موسوعة كلمات الإمام الحسين: ۳۶۱٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

يوم التروية

التروية لغةً واصطلاحاً

ورد في كتاب لسان العرب: «وتَرَوّى القوم ورووا: تزوّدوا بالماء، ويوم التروية: يوم قبل يوم عرفة، وهو الثامن من ذي الحجّة، سُمّي به لأنّ الحُجّاج يَتَروّوْن فيه من الماء وينهضون إلى مِنىً، ولا ماء بها فيتزوّدون ريّهم من الماء، أي يسقون ويستقون»(۱).

عن عبيد الله بن علي الحلبي عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: سألته لم سُمّي يوم التروية يوم التروية؟ قال: «لأنّه لم يكن بعرفات ماء، وكانوا يستقون من مكّة من الماء لريّهم، وكان يقول بعضهم لبعض: ترويتم ترويتم، فسُمّي يوم التروية لذلك»(۲).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ إبراهيم(عليه السلام) أتاه جبرائيل عند زوال الشمس من يوم التروية فقال: يا إبراهيم ارتوِ من الماء لك ولأهلك، ولم يكن بين مكّة وعرفات ماء، فسُمّيت التروية بذلك…»(۳).

خروج يوم التروية

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «يخرج الناس إلى منىً من مكّة يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجّة، وأفضل ذلك بعد صلاة الظهر، ولهم أن يخرجوا غداة أو عشية إلى الليل، ولا بأس أن يخرجوا ليلة يوم التروية، والمشي لمَن قدر عليه في الحجّ فيه فضل، والركوب لمَن وجد مركباً فيه فضل أيضاً، وقد ركب رسول الله(صلى الله عليه وآله»(۴).

من أعمال يوم التروية

۱ـ الصيام: وفيه فضل كثير، قال الإمام الصادق(عليه السلام): «صوم يوم التروية كفّارة سنة…»(۵).

۲ـ الغسل، وهو من المستحبّات.

ـــــــــــــــــــــــــــ

1. لسان العرب ۱۴ /۳۷۴٫

2. علل الشرائع ۲ /۴۳۵٫

3. تفسير القمّي ۲ /۲۲۴٫

4. دعائم الإسلام ۱ /۳۱۹٫

5. ثواب الأعمال: ۷۴٫

بقلم: محمد أمين نجف

يوم عرفة

عرفة لغةً واصطلاحاً

ورد في كتاب المنجد: «عَرَفة: وهو جبل يقع بالقرب من مكّة المكرّمة».

ويوم عَرَفة: هو اليوم التاسع من شهر ذي الحجّة.

وجاء في القاموس المحيط: «وعرفات: موقف الحاجّ على اثني عشر ميلاً من مكّة المكرّمة»(۱).

عن معاوية بن عمّار قال: «سألت الإمام الصادق(عليه السلام) عن عرفات لم سُمّيت عرفات؟ فقال: “إنّ جبرائيل(عليه السلام) خرج بإبراهيم صلوات الله عليه يوم عرفة، فلمّا زالت الشمس قال له جبرائيل: يا إبراهيم اعترف بذنبك، واعرف مناسكك فسُمّيت عرفات لقول جبرائيل(عليه السلام) اعترف فاعترف”»(۲).

فضل يوم عرفة

قال الله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)(۳).

وورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «ولله رحمة على أهل عرفات ينزلها على أهل عرفات، فإذا انصرفوا أشهد الله ملائكته بعتق أهل عرفات من النار، وأوجب الله عزّ وجل لهم الجنّة، ونادى منادٍ: انصرفوا مغفورين، فقد رضيت عنكم»(۴).

من أعمال يوم عرفة

۱ـ الغسل.

۲ـ زيارة الإمام الحسين(عليه السلام).

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «مَن زار الحسين(عليه السلام) ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة عرفة في سنة واحدة، كتب الله له ألف حجّة مبرورة، وألف عمرة متقبّلة، وقُضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة»(۵).

وقال(عليه السلام) أيضاً: «مَن زار قبر الحسين(عليه السلام) يوم عرفة، كتب الله له ألف ألف حجّة مع القائم، وألف ألف عمرة مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وعتق ألف ألف نسمة، وحملان ألف ألف فرس في سبيل الله، وسمّاه الله عزّ وجل: عبدي الصدّيق أمن بوعدي، وقالت الملائكة: فلان صدّيق زكّاه الله من فوق عرشه، وسُمّي في الأرض كروباً»(۶).

۳ـ صلاة ركعتين بعد فريضة العصر تحت السماء لمَن كان في عرفة، يقرّ فيها الحاجّ بذنوبه لله تعالى، ليفوز بثواب هذا اليوم.

۴ـ الصوم لمَن لا يضعف عن أداء أعمال هذا اليوم المبارك.

۵ـ قراءة دعاء الإمام الحسين(عليه السلام) في يوم عرفة.

ــــــــــــــــــــــــــ

1. القاموس المحيط ۳ /۱۷۳٫

2. علل الشرائع ۲ /۴۳۶٫

3. البقرة: ۱۹۸٫

4. الأمالي للصدوق: ۲۶۱٫

5. كامل الزيارات: ۳۱۹٫

6. المصدر السابق: ۳۲۱٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

استشهاد مسلم بن عقيل (ع)

قرابته بالمعصوم(1)

ابن أخي الإمام علي، وابن عمّ الإمامينِ الحسن والحسين(عليهم السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو عبد الله مسلم بن عقيل بن أبي طالب.

أُمّه

جارية.

ولادته

ولد عام 22ﻫ بالمدينة المنوّرة.

من أقوال العلماء فيه

1ـ قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «وأقول: كونه في أعلى درجات العدالة والثقة ممّا لا يرتاب فيه ذو مسكة، كيف وإرسال الحسين(ع) إيّاه سفيراً ورسولاً من أعظم البراهين على ثقته وعدالته»(2).

2ـ قال السيّد الخوئي(قدس سره): «وكيف كان، فجلالة مسلم بن عقيل وعظمته فوق ما تحويه عبارة، فقد كان بصفّين في ميمنة أمير المؤمنين(ع) مع الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر»(3).

مكانته

كان(ع) من أجلّة بني هاشم، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً، وكان الإمام الحسين(ع) يُلقّبه بثقتي، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة.

ولشجاعته اختاره عمّه أمير المؤمنين(ع) في حرب صفّين، ووضعه على ميمنة العسكر مع الحسن والحسين(عليهما السلام).

من زوجاته

ابنة عمّه رقية بنت علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، جارية.

من أولاده

محمّد وعبد الله وعبد الرحمن وأحمد وعون وجعفر «استُشهدوا في واقعة الطف»(4)، ومحمّد الأصغر وإبراهيم «فرّا في الصحراء وهما صغيران، حينما هجمت خيل عمر بن سعد على مخيّم الإمام الحسين(ع) بعد قتله يوم العاشر من المحرّم عام 61ﻫ»(5).

إخبار النبي(ص) بقتله

قال الإمام علي(ع) لرسول الله(ص): «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُحِبُّ عَقِيلاً؟ قَالَ: إِي وَاللهِ، إِنِّي لَأُحِبُّهُ حُبَّيْنِ: حُبّاً لَهُ، وَحُبّاً لِحُبِّ أَبِي طَالِبٍ لَهُ، وَإِنَّ وَلَدَهُ لَمَقْتُولٌ فِي مَحَبَّةِ وَلَدِكَ، فَتَدْمَعُ عَلَيْهِ عُيُونُ المُؤْمِنِينَ، وَتُصَلِّي عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ المُقَرَّبُون‏.

ثمّ بكى رسول الله(ص) حتّى جرت دموعه على صدره، ثمّ قال: إِلَى اللهِ أَشْكُو مَا تَلْقَى عِتْرَتِي مِنْ بَعْدِي‏»(6).

خروجه إلى الكوفة

ارتأى الإمام الحسين(ع) أن يُرسل مندوباً عنه إلى الكوفة يُهيّئ له الأجواء، وينقل له واقع الأحداث؛ ليستطيع أن يُقرّر الموقف المناسب، ولابدّ لهذا السفير من صفات تُؤهّله لهذه السفارة، فوقع الاختيار على مسلم بن عقيل(ع)؛ لما كان يتّصف به من الحكمة والشجاعة والإخلاص.

خرج مسلم(ع) من المدينة المنوّرة متوجّهاً إلى الكوفة في الخامس عشر من شهر رمضان 60ﻫ، ويصحبه قيس بن مسهر مع دليلين يدلّانه الطريق.

حمله لرسالة الإمام الحسين(ع) لأهل الكوفة

خرج(ع) من المدينة المنوّرة حاملاً رسالة الإمام الحسين(ع) إلى أهل الكوفة، وجاء فيها: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مِنَ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى المَلَإِ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ هَانِئاً وَسَعِيداً قَدِمَا عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ، وَكَانَا آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ، وَقَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَذَكَرْتُمْ، وَمَقَالَةُ جُلِّكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الهُدَى وَالحَقِّ، وَإِنِّي بَاعِثٌ إِلَيْكُمْ أَخِي وَابْنَ عَمِّي وَثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَذَوِي الْحِجَى وَالْفَضْلِ مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَدِمَتْ بِهِ رُسُلُكُمْ، وَقَرَأْتُ فِي كُتُبِكُمْ، أَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً إِنْ شَاءَ اللهِ»(7).

وصوله إلى الكوفة

وصل(ع) إلى الكوفة في الخامس من شوال 60ﻫ، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وأقبلت الناس تختلف إليه، فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الإمام الحسين(ع) وهم يبكون، وبايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل.

كتابه إلى الإمام الحسين(ع)

كتب مسلم(ع) كتاباً من الكوفة إلى الإمام الحسين(ع)، جاء فيه: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَه، وَقَدْ بَايَعَنِي مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً، فَعَجِّلِ الْإِقْبَالَ حِينَ يأتِيكَ كِتَابِي، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مَعَكَ، لَيْسَ لَهُمْ فِي آلِ معاوية رَأْيٌ وَلَا هَوىً، والسَّلام»(8).

‏ ‏ما كتبه عملاء الحكم الأُموي عن تحرّكه

أرسل العملاء إلى يزيد رسائل تُخبره عن مجيء مسلم(ع)، منها: «فَإِنَّ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ قَدْ قَدِمَ الْكُوفَةَ، فَبَايَعَتْهُ الشِّيعَةُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَإِنْ يَكُنْ لَكَ فِي الْكُوفَةِ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيْهَا رَجُلاً قَوِيّاً يُنَفِّذُ أَمْرَكَ، وَيَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِكَ فِي عَدُوِّكَ، فَإِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَجُلٌ ضَعِيفٌ أَوْ هُوَ يَتَضَعَّف»(9).

إرسال ابن زياد إلى الكوفة

كتب يزيد بن معاوية رسالة إلى واليه في البصرة عبيد الله بن زياد؛ يطلب منه أن يذهب إلى الكوفة ليُسيطر على الوضع فيها، ويقف أمام مسلم(ع) وتحرّكاته.

ومنذ وصول ابن زياد إلى قصر الإمارة في الكوفة، أخذ يتهدّد ويتوعّد المعارضين والرافضين لحكومة يزيد.

خروجه من دار المختار

لمّا سمع(ع) بوصول ابن زياد وما توعّد به، خرج من دار المختار سرّاً إلى دار هاني بن عروة المذحجي ليستقرّ بها، ولكنّ جواسيس ابن زياد عرفوا بمكانه، فأمر ابن زياد بإلقاء القبض على هاني بن عروة وسجنه.

إعلانه الثورة على ابن زياد

لمّا بلغ خبر إلقاء القبض على هاني بن عروة إلى مسلم، أمر(ع) أن يُنادى في الناس: «يَا مَنْصُورُ أَمِت‏»، فاجتمع الناس في مسجد الكوفة.

فلمّا رأى ابن زياد ذلك، دعا جماعة من رؤساء القبائل، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ويُخذّلوا الناس عن مسلم، ويُعلموهم بوصول الجند من الشام.

فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له: غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر؟! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى مسلم وحيداً، ليس معه أحد يدلّه على الطريق، فمضـى على وجهه في أزقّة الكوفة، حتّى انتهى إلى باب امرأة يُقال لها: طوعة، وهي على باب دارها تنتظر ولداً لها، فسلّم عليها وقال: يا أمة الله إسقيني ماءً، فسقته وجلس.

فقالت: يا عبد الله، قم فاذهب إلى أهلك؟ فقال: يا أمة الله، ما لي في هذا المصر منزل، فهل لك في أجرٍ ومعروف ولعلّي أُكافئك بعد اليوم؟ فقالت: ومَن أنت؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، فأدخلته إلى دارها.

مقاتلته لجيش ابن زياد

وفي الصباح عرف ابن زياد مكان مسلم(ع)، فأرسل جماعة لإلقاء القبض عليه، ولكنّ مسلم أخذ يُقاتلهم قتال الأبطال وهو يقول:

«أَقْسَمْتُ لَا أُقْتَلُ إِلَّا حُرَّا ** إِنِّي رَأَيْتُ المَوْتَ شَيْئاً نُكْرَا

كُلُّ امْرِئٍ يَوْماً مُلَاقٍ شَرَّا ** أَخَافُ أَنْ أُكْذَبَ أَوْ أُغَرَّا‏»(10).

حتّى أُثخن بالجراحات، فألقوا عليه القبض وأخذوه أسيراً إلى ابن زياد.

دخوله على ابن زياد

أُدخل(ع) على ابن زياد، فأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعليّاً وعقيلاً، ومسلم(ع) لا يُكلّمه.

ثمّ قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه، ثمّ أتبعوه جسده، فأخذه بكر بن حمران الأحمري ليقتله، ومسلم يُكبّر الله ويستغفره، ويُصلّي على النبي وآله ويقول: «اللَّهُمَّ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ غَرُّونَا وَخَذَلُونَا»(11).

ثمّ أمر ابن زياد بقتل هاني بن عروة فقُتل، وجُرّت جثّتاهما بحبلين في الأسواق.

استشهاده

استُشهد في التاسع من ذي الحجّة 60ﻫ، ودُفن بجنب جامع الكوفة في العراق، وقبره معروف يُزار.

زيارته

وردت في زيارته هذه الفقرات التي تدلّ على عظمته وفضله عند الله تعالى:

«اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ، اَلمُطِيعُ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ وَلِلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اَللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، وَعَلَى رُوحِكَ وَبَدَنِكَ.

أَشْهَدُ وَأُشْهِدُ اَللهَ أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى مَا مَضَى بِهِ اَلْبَدْرِيُّونَ وَاَلمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللهِ، اَلمُنَاصِحُونَ فِي جِهَادِ أَعْدَائِهِ، اَلمُبَالِغُونَ فِي نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ، اَلذَّابُّونَ عَنْ أَحِبَّائِهِ، فَجَزَاكَ اَللهَ أَفْضَلَ اَلْجَزَاءِ، وَأَوْفَرَ جَزَاءِ أَحَدٍ مِمَّنْ وَفَى بِبَيْعَتِهِ، وَاِسْتَجَابَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَأَطَاعَ وُلاَةَ أَمْرِهِ.

أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَالَغْتَ فِي اَلنَّصِيحَةِ، وَأَعْطَيْتَ غَايَةَ اَلمَجْهُودِ، فَبَعَثَكَ اَللهُ فِي اَلشُّهَدَاءِ، وَجَعَلَ رُوحَكَ مَعَ أَرْوَاحِ اَلسُّعَدَاءِ، وَأَعْطَاكَ مِنْ جِنَانِهِ أَفْسَحَهَا مَنْزِلاً، وَأَفْضَلَهَا غُرَفاً، وَرَفَعَ ذِكْرَكَ فِي اَلْعِلِّيِّينَ، وَحَشَرَكَ مَعَ اَلنَّبِيِّينَ وَاَلصِّدِّيقِينَ وَاَلشُّهَدٰاءِ وَاَلصّٰالِحِينَ وَحَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً»(12).

رثاؤه

ممّن رثاه عبد الله بن الزبير الأسدي(رحمه الله) بقوله:

«وإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا المَوْتُ فَانْظُرِي ** إِلَى هَانِئٍ فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلِ‏

إِلَى بَطَلٍ قَدْ هَشَّمَ السَّيْفُ وَجْهَهُ ** وَآخَرَ يَهْوِي مِنْ طِمَارِ قَتِيلِ‏

أَصَابَهُمَا أَمْرُ الْأَمِيرِ فَأَصْبَحَا ** أَحَادِيثَ مَنْ يَسْرِي بِكُلِّ سَبِيلِ‏

تَرَيْ جَسَداً قَدْ غَيَّرَ المَوْتُ وَجْهَهُ ** وَنَضْحَ دَمٍ قَدْ سَالَ كُلَّ مَسِيلِ‏»(13).

كما رثاه السيّد باقر الموسوي الهندي(رحمه الله) بقوله:

«سَقَتْكَ دَماً يَا بنَ عَمِّ الحُسين ** مَدامعُ شِيعتِكَ السَّافِحَة

ولا بَرِحَتْ هَاطلاتُ الدُّموعِ ** تُحيِّيكَ غَاديةً رَائحَة

لأنَّكَ لَم تروَ من شَربةٍ ** ثَناياكَ فِيها غَدَتْ طَائِحَة

رَمَوْكَ مِنَ القَصرِ إذْ أَوْثَقُوكَ ** فَهَلْ سَلِمَتْ فِيكَ مِن جَارِحَة

وسحباً تُجرُّ بِأسْوَاقِهِمُ ** أَلَسْتَ أميرَهُمُ البَارِحَة

أَتَقضِي وَلَمْ تَبكِكَ البَاكِياتُ ** أمَا لَكَ في المِصرِ مِن نَائِحَة

لَئِنْ تَقْضِ نَحْباً فَكَمْ فَي زَرُود ** عَليكَ العَشيَّةَ مِنْ صَائِحَة»(14).

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: أعيان الشيعة 1/ 591، معجم رجال الحديث 19/ 165رقم12362.

2ـ تنقيح المقال 3/ 214، رقم 11779، الطبعة القديمة.

3ـ معجم رجال الحديث 19/ 166رقم12362.

4ـ مناقب آل أبي طالب 3/ 254، أسرار الشهادة للدربندي: 282.

5ـ الأمالي للصدوق: 143 ح145.

6ـ المصدر السابق: 191 ح200.

7ـ الإرشاد 2/ 39.

8ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 51.

9ـ الإرشاد 2/ 42.

10ـ المصدر السابق 2/ 58.

11ـ إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 444.

12ـ المزار الكبير: 178.

13ـ الإرشاد 2/ 64.

14ـ إبصار العين: 87.

بقلم: محمد أمين نجف

عيد الأضحى المبارك

تاريخ العيد

في العاشر من شهر ذي الحجّة الحرام من كلّ عام يحلّ علينا عيد الأضحى المبارك، وهو عيد المسلمين كافّة، كما جاء في الدعاء: «أسألك في هذا اليوم، الذي جعلته للمسلمين عيداً، ولمحمّدٍ(صلى الله عليه وآله) ذخراً ومزيداً…»(۱).

تسمية العيد

سُمّي العيد بيوم الأضحى أو النحر؛ لأنّ حُجّاج بيت الله الحرام في هذا اليوم يقومون بذبح الأضاحي ـ من البقر أو الأغنام ـ في منطقة منى، وذلك بعد عودتهم من عرفات، قال تعالى: )لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مّعلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ((۲).

فضل الأُضحية

الأُضحية من الأعمال المستحبّة، قال الإمام علي(عليه السلام) في فضلها: «لو علم الناس ما في الأضحية لاستدانوا وضحّوا، إنّه ليُغفر لصاحب الأضحية عند أوّل قطرة تقطر من دمها»(۳).

من أعمال يوم العيد

۱ـ الغسل، وهو من المستحبّات المؤكّدة.

۲ـ أداء صلاة العيد.

۳ـ قراءة دعاء الندبة.

۴ـ قراءة التكبيرات الآتية عقيب فريضة ظهر يوم العيد، وهي: «اللهُ اَكْبَرُ، اللهُ اَكْبَرُ، لا اِلـهَ إلّا اللهُ، وَاللهُ اَكْبَرُ، اللهُ اَكْبَرُ، وللهِ الْحَمْدُ، اللهُ اَكْبَرُ عَلى ما هَدانا، وَالْحَمْدُ للهِ عَلى ما اَبْلانا، واَللهُ اَكْبَرُ عَلى ما رَزَقَنا مِنْ بَهيمَةِ الاَنْعامِ»(۴).

۵ـ الأُضحية، وهي من المستحبّات المؤكّدة.

۶ـ زيارة الإمام الحسين(عليه السلام).

عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قال الإمام الصادق(عليه السلام): «من زار قبر الحسين(عليه السلام) ليلة من ثلاث، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»، قلت: أيّ الليالي جعلت فداك؟ قال: «ليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان»(۵).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1. من لا يحضره الفقيه ۱ /۵۱۳٫

2. الحج: ۲۸٫

3. علل الشرائع ۲ /۴۴۰٫

4. من لا يحضره الفقيه ۲ /۵۵۴٫

5. تهذيب الأحكام ۶ /۴۹٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

تبليغ سورة براءة

سورة براءة

وهي سورة التوبة، التي نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الأوّل من ذي الحجّة ۹ﻫ، وهي قوله تعالى: (بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنّ اللهَ مُخْزِي الكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلّا الّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثمّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدّتِهِمْ إِنّ اللهَ يُحِبُّ المُتّقِينَ * فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُواْ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ…)(۱).

تبليغ سورة براءة

لمّا نزلت الآيات الأُول من سورة التوبة على النبي محمّد(صلى الله عليه وآله) أعطاها لأبي بكر لكي يقرأها على مشركي مكّة يوم النحر.

فلمّا خرج أبو بكر، نزل جبرائيل(عليه السلام) على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: «يا مُحمّد، لا يؤدِّي عنكَ إلّا أنت أو رجلٌ منك».

فبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) الإمام علي(عليه السلام) في طلب أبي بكر على ناقته العضباء، وقال(صلى الله عليه وآله) له: «واِلحَقْ أبا بكر، فَخُذ براءةَ مِن يده، وامض بها إلى مكّة، فانبذ عهد المشركين إليهم، وخَيِّر أبَا بكرٍ بين أن يسيرَ مع رِكَابك أو يرجع إليّ».

فركب أمير المؤمنين(عليه السلام) ناقة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وسار حتّى لحق بأبي بكر، فلمّا رآه فزع من لحوقه به، واستقبله فقال: فيم جئت يا أبا الحسن؟ أسائِرٌ معي أنت أم لغير ذلك؟

فقال(عليه السلام): «إنّ رسول الله أمرني أن ألحقك فأقبض منك الآيات من براءة، وأنبذ بها عهد المشركين إليهم، وأمرني أن أخيِّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه»، فقال: بل أرجع إليه.

وكان ذلك في ذي حليفة على الأكثر؛ وذي الحليفة: ميقات أهل المدينة، بينه وبينها ستّة أميال، فرجع أبو بكر إلى المدينة، وسار الإمام علي(عليه السلام) بالآيات إلى مكّة.

فلمّا دخل أبو بكر على النبي(صلى الله عليه وآله) قال: يا رسول الله، إنّك أهّلتَني لأمرٍ طالت الأعناق إليَّ فيه، فلمّا توجّهت إليه ردَدتَني عنه، مالي؟! أنزلَ فِيّ قرآن؟

فقال(صلى الله عليه وآله): «لا، ولكنّ الأمين جبرائيل هبط إليّ عن الله عزّ وجلّ بأنْ لا يؤدِّي عنك إلّا أنت أو رجل منك، وعلي منّي، ولا يؤدِّي عنّي إلّا علي»(۲).

تبليغ الإمام علي(عليه السلام) لبراءة

وصل الإمام علي(عليه السلام) مكّة يوم النحر ـ يوم الحجّ الأكبر ـ، فقام(عليه السلام) على الملأ ـ بعد الظهر ـ وقال: «إنِّي رسولُ رسولِ اللهِ إليكم».

فقرأها عليهم: (بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِين * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ…).

أي: من عشرين من ذي الحجّة ومحرّم وصفر وربيع الأوّل وإلى عشرٍ من شهر ربيع الآخر.

ثمّ قال الإمام(عليه السلام): «لا يطوفُ بالبيتِ عريَانٌ ولا عريَانة ولا مشرِكٌ بعد هذا العام»، وقال(عليه السلام) أيضاً: «ومن كان له عهد عند رسول الله(صلى الله عليه وآله) فمُدّتُه إلى هذه الأربعة أشهر».

والمراد من الأشهر الأربعة للعهود التي لا مدّة لها، أمّا العهود المحدّدة بمُدّة فأجلها إلى انتهاء مُدّتها.

قال الإمام الباقر(عليه السلام): «خَطَبَ علي(عليه السلام) بالناسِ وخَرَط سيفَه وقال: لا يطوفُنّ بالبيتِ عريَان، ولا يَحجُّنّ بالبيت مشرِكٌ، ومَنْ كانت له مدّة فهو إلى مُدّتِه، ومن لم يكن له مُدّة فمُدّته أربعة أشهر. وكان خطب يوم النحر».

وبلّغ الإمام علي(عليه السلام) حكم آخر وهو: (يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ)(۳)، فلا يطوف بالبيت ولا يحجّ البيت مشرك بعد هذا العام(۴).

من أقوال الشعراء حول المناسبة

۱ـ قال الشاعر شمس الدين محمّد المالكي الأندلسي:

وأرسله عنه الرسول مبلّغاً ** وخصّ بهذا الأمر تخصيص مفرد

وقال هل التبليغ عنّي ينبغي ** لمن ليس من بيتي من القوم فاقتدي(۵).

۲ـ قال الشاعر الصاحب بن عبّاد(رحمه الله):

اذكروا أمر براءة ** وأخبروني من تلاها

اذكروا من زوّجه ** الزهراء قد طاب ثراها(۶).

۳ـ قال السيّد إسماعيل الحميري(رحمه الله):

براءة حين ردّ بها زريقا ** وكان بأن يبلّغها ضنينا

وقال له رسول الله أنّى ** يؤدّي الوحي إلّا الأقربونا

وإنّك آمن من كلّ خوف ** إذا كان الخلائق خائفينا(۷).

۴ـ قال الشيخ محمّد بن محمّد الحلّي(قدس سره):

أبو حسن كشّاف كلّ ملمّة ** أخو المصطفى ردء له ووزير

رسولُ رسولِ الله قارئ وحيه ** ينادي به والمشركون حضور

فأبلغهم جهراً رسالة ربّه ** قويّ أمين ما اعتراه فتور

وصيّ رسول الله وارث علمه ** سفير له في أمره وظهير

فقام ينادي لا يحجّن مشرك ** وسيف الهدى في راحتيه شهير(۸).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ التوبة ۱ـ۵٫

2ـ اُنظر: الإرشاد ۱ /۶۵٫

3ـ التوبة: ۲۸٫

4ـ اُنظر: تفسير العيّاشي ۲ /۷۴٫

5ـ الغدير ۶ /۵۸٫

6ـ معجم رجال الحديث ۴ /۱۸٫

7ـ أعيان الشيعة ۳ /۴۲۸٫

8ـ المصدر السابق ۹ /۴۱۴٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

حادثة انشقاق القمر

آيات الحادثة

قال الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ)(۱).

تاريخ الحادثة

۱۴ ذو الحجّة ۵ قبل الهجرة.

سبب الحادثة

قال ابن عباس: «اجتمع المشركون إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقالوا: إن كنت صادقاً فشُقّ لنا القمر فرقتين.

فقال لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله): “إن فعلتُ تؤمِنون”؟ قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشقّ القمر فرقتين، ورسول الله ينادي: “يا فلان، يا فلان، اِشهدوا”»(۲).

وعن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: «فقالوا: سحرنا محمّد، فقال بعضهم: لإن كان سحرنا فما يستطيع أن يسحر الناس كلّهم»(۳).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «اجتمعوا أربعة عشراً رجلاً أصحاب العقبة ليلة أربعة عشر من ذي الحجّة، فقالوا للنبي(صلى الله عليه وآله): ما من نبي إلّا وله آية، فلما آيتك في ليلتك هذه؟

فقال النبي(صلى الله عليه وآله): “ما الذي تريدون”؟ فقالوا: أن يكن لك عند ربّك قدر، فأمر القمر أن ينقطع قطعتين، فهبط جبرائيل(عليه السلام) وقال: يا محمّد، إنّ الله يقرؤك السلام ويقول لك: إنّي قد أمرت كلّ شيء بطاعتك، فرفع رأسه، فأمر القمر أن ينقطع قطعتين، فانقطع قطعتين، فسجد النبي(صلى الله عليه وآله) شكراً لله… ثمّ قالوا: يعود كما كان؟ فعاد كما كان… .

فقالوا: يا محمّد، حين تقدم سفارنا من الشام واليمن فنسألهم ما رأوا في هذه الليلة، فإنّ يكونوا رأوا مثلما رأينا علمنا أنّه من ربّك، وإنّ لم يروا مثلما رأينا علمنا أنّه سحر سحرتنا به، فأنزل الله تعالى: )اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَر(»(۴).

اشتهار الحادثة

نقلت كتب الفريقين حادثة انشقاق القمر عن صحابة كثيرين، منهم: حذيفة بن اليمان، عبد الله بن مسعود، أنس بن مالك، عبد الله بن عباس، عبد الله بن عمر، جبير بن مطعم عن أبيه، وعليه فالحادثة مشهورة بين الصحابة، وقول من قال بعدم وقوعها غير صحيح؛ لاشتهارها.

واستدلّ القائل بعدم وقوعها؛ لخفاء هذه الحادثة على الناس، إذ لو كانت لنقلتها كتب التاريخ، وقد أجاب علماؤنا عن هذا الإشكال بعدّة أجوبة:

۱ـ يمكن أن يكون الله تعالى قد حجب رؤية هذه الحادثة عن أكثر الناس بغيم وغيره لحكمة، فاقتصرت الرؤية على مجموعة من الصحابة.

۲ـ يمكن أن يكون الناس كانوا نياماً فلم يعلموا بها؛ لأنّ الحادثة وقعت ليلاً.

۳ـ ليس كلّ الناس يتابعون ما يحدث في السماء وفي الجوّ من آية وعلامة، فكثير من الناس لا يعلمون بالخسوف الجزئي وغيره الذي يحصل، بل قد يحدث أحياناً خسوف كلّي وقسم كبير من الناس لا يعلمون به، ومسألتنا كذلك.

۴ـ قد يكون رآها كثير من الناس، ولكنّ الوسائل المستخدمة في تثبيت نشر الحوادث التأريخية في ذلك الوقت، ومحدودية الطبقة المتعلّمة، وكذلك طبيعة الكتب الخطّية التي لم تكن بصورة كافية كما هو الحال في هذا العصر، حيث تنشر الحوادث المهمّة بسرعة فائقة بمختلف الوسائل الإعلامية في كلّ أنحاء العالم عن طريق الإذاعة والتلفزيون والصحف… كل هذه الأُمور لابد من أخذها بنظر الاعتبار في محدودية الاطلاع على حادثة شقّ القمر.

۵ـ يجب الالتفات إلى أنّ القمر يُرى في نصف الكرة الأرضية فقط، وليس في جميعها، ولذا فلابدّ من إسقاط نصف مجموع سكّان الكرة الأرضية من إمكانية رؤية حادثة شقّ القمر وقت حصولها.

ومع ملاحظة هذه الأُمور فلا عجب أبداً من عدم تثبيت هذه الحادثة في التواريخ غير الإسلامية، ولا يمكن اعتبار ذلك دليلاً على نفيها.

تفسير آيات الحادثة

إنّ الآية الأُولى ذكرت اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأنّ انشقاقه من علامات نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله)، ونبوّته وزمانه من شروط اقتراب الساعة.

كما تتحدّث الآية الثانية عن عناد كفّار قريش وعدم انقيادها للمعجزات، وأنّهم متى رأوا معجزة باهرة وحجّة واضحة، أعرضوا عن تأمُّلها والانقياد لصحّتها عناداً وحسداً، ويقولوا: )سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ(، أي أنّ سحره(صلى الله عليه وآله) مستمرّ، فكلّ معجزة يظهرها لهم يعتبروها سحراً آخر.

ثمّ تتناول الآيات الشريفة اللاحقة أنباء الهالكين من الأُمم السابقة، ثمّ يعيد سبحانه عليهم نبذة من أنبائهم، إعادة ساخطٍ معاتبٍ، فيذكّر سوء حالهم في يوم القيامة عند خروجهم من الأجداث وحضورهم للحساب.

دلائل الحادثة

تدلّل هذه الحادثة على قدرة البارئ عزّ وجلّ المطلقة في تغيير النظام الكوني، وتدلّ أيضاً على صدق دعوة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لنبوّته.

وتدلّ على إمكانية اضطراب النظام الكوني في المستقبل، فانشقاق القمر نموذج مصغّر للحوادث العظيمة التي تسبق وقوع يوم القيامة في هذا العالم، حيث اندثار الكواكب والنجوم والأرض، يعني حدوث عالم جديد.

شعر حول الحادثة

قال السيّد جواد زيني ـ المتوفّى ۱۲۴۷ﻫ‍ ـ شعراً، يذكر فيه آية انشقاق القمر وردّ الشمس:

أعظم ببدرين بصقع الهدى ** نورهما أشرق للنيّرين

لولاهما ما فلك دار أو ** نجم سماء سار في الخافقين

لم يدرك العقل لمرقاهما ** كمّاً ولا كيفاً ولا قطّ أين

ماذا يقول ناطق في الثنا ** إن رام عد الفضل في فرقدين

البدر والشمس بظلّيهما ** رقّان مملوكان في النشأتين

هما سراجان ببيتيهما ** كان لعمري لهما آيتين

وإن شقّ فرد منهما مرّة ** لواحد من ذينك النيرين

فإنّما الآخر في أوجه ** قد رجه الآخر في موضعين(۵).

ـــــــــــــــــــــــــ

1ـ القمر: ۱ـ۲٫

2ـ تفسير مجمع البيان ۹ /۳۱۰٫

3ـ سنن الترمذي ۵ /۷۲٫

4ـ تفسير القمّي ۲ /۳۴۱٫

5ـ رسائل في حديث رد الشمس: ۲۷۲٫

بقلم: محمد أمين نجف

ولادة الإمام علي الهادي (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، ويُقال له: أبو الحسن الثالث؛ تمييزاً له عن الإمام علي الرضا(ع) فإنّه أبو الحسن الثاني.

من ألقابه(ع)

الهادي، النقي، العالم، الفتّاح، المتوكّل، المرتضى، النجيب.

أُمّه(ع)

جارية اسمها سُمانة المغربية.

ولادته(ع)

ولد في الخامس عشر من ذي الحجّة 212ﻫ، وقيل: في الثاني من رجب 212ﻫ بقرية صريا، التي تبعد عن المدينة المنوّرة ثلاثة أميال.

زوجته(ع)

جارية اسمها سَوسَن المغربية.

من أولاده(ع)

الإمام الحسن العسكري(ع)، الحسين، محمّد، جعفر.

عمره(ع) وإمامته

عمره 41 عاماً، وإمامته 33 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

المعتصم بن هارون الرشيد، الواثق، المتوكّل.

مكانته(ع) العلمية

أجمع أرباب التاريخ والسير على أنّ الإمام(ع) كان علماً لا يُجارى من بين أعلام عصره، وقد ذكر الشيخ الطوسي(قدس سره) في كتابه الرجال مائة وخمسة وثمانين تلميذاً وراوياً، تتلمذوا عنده ورووا عنه.

وكان مرجع أهل العلم والفقه والشريعة، وحفلت كتب الرواية والحديث والمناظرة والفقه والتفسير وأمثالها بما أُثر عنه، واستلهم من علومه ومعارفه.

هيبته(ع) في القلوب

قال محمّد بن الحسن الأشتر العلوي: «كُنْتُ مَعَ أَبِي عَلَى بَابِ المُتَوَكِّلِ، وَأَنَا صَبِيٌّ فِي جَمْعٍ‏ مِنَ النَّاسِ، مَا بَيْنَ طَالِبِيٍّ إِلَى عَبَّاسِيٍّ وَجَعْفَرِيٍّ، وَنَحْنُ وُقُوفٌ إِذْ جَاءَ أَبُو الْحَسَنِ، تَرَجَّلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ حَتَّى دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِمَ نَتَرَجَّلُ لِهَذَا الْغُلَامِ، وَمَا هُوَ بِأَشْرَفِنَا وَلَا بِأَكْبَرِنَا وَلَا بِأَسَنِّنَا، وَاللهِ لَا تَرَجَّلْنَا لَهُ.

فَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ: وَاللهِ لَتَتَرَجَّلُنَّ لَهُ صِغرَةً إِذَا رَأَيْتُمُوهُ ـ يعنون أبا الحسن(ع) ـ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَقْبَلَ، وَبَصُرُوا بِهِ حَتَّى تَرَجَّلَ لَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ: أَلَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تَرَجَّلُونَ لَهُ! فَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا مَلَكْنَا أَنْفُسَنَا حَتَّى تَرَجَّلْنَا»(2).

معجزاته(ع)

من خصائص الأئمّة(عليهم السلام) ارتباطهم المنقطع النظير بالله تعالى وبعالم الغيب، وذلك هو مقام العصمة والإمامة، ولهم ـ كالأنبياء ـ معاجز وكرامات، تُوثّق ارتباطهم بالله تعالى، وكونهم أئمّة معصومين، وللإمام الهادي(ع) أيضاً معاجز وكرامات سجّلتها كتب التاريخ، منها:

1ـ تتوّج بالإمامة العامّة في الثامنة من عمره الشريف(ع)، وهذا منصب يعجز عنه الكبار فضلاً عن الصغار، إلّا بتأييد من الله تعالى.

2ـ قال خيران الأسباطي: «قَدِمْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع) المَدِينَةَ، فَقَالَ لِي: مَا خَبَرُ الْوَاثِقِ عِنْدَكَ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ خَلَّفْتُهُ فِي عَافِيَةٍ، أَنَا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ عَهْداً بِهِ عَهْدِي بِهِ مُنْذُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.

قَالَ: فَقَالَ لِي: إِنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ يَقُولُونَ إِنَّهُ مَاتَ. فَلَمَّا أَنْ قَالَ لِيَ النَّاسَ عَلِمْتُ أَنَّهُ هُوَ، ثُمَّ قَالَ لِي: مَا فَعَلَ جَعْفَرٌ؟ قُلْتُ: تَرَكْتُهُ أَسْوَأَ النَّاسِ حَالاً فِي السِّجْنِ.

قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ، مَا فَعَلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ النَّاسُ مَعَهُ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ شُؤْمٌ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ وَقَالَ لِي: لَا بُدَّ أَنْ تَجْرِيَ مَقَادِيرُ اللهِ تَعَالَى وَأَحْكَامُهُ يَا خَيْرَانُ، مَاتَ الْوَاثِقُ وَقَدْ قَعَدَ المُتَوَكِّلُ جَعْفَرٌ، وَقَدْ قُتِلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ.

فَقُلْتُ: مَتَى جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: بَعْدَ خُرُوجِكَ بِسِتَّةِ أَيَّام‏»(3)، وبالفعل لم يمض سوى عدّة أيّام حتّى جاء مبعوث المتوكّل وشرح الأحداث، فكانت كما نقلها الإمام الهادي(ع).

3ـ نقل بعض الحفّاظ «أنّ امرأة زعمت أنّها شريفة بحضرة المتوكّل، فسأل عمّن يخبره بذلك، فدلّ على علي الرضا فجاء فأجلسه معه على السرير وسأله، فقال: إنّ الله حرّم لحم أولاد الحسين على السباع، فلتلق للسباع، فعُرض عليها بذلك فاعترفت بكذبها، ثمّ قيل للمتوكّل: ألا تُجرّب ذلك فيه، فأمر بثلاثة من السباع فجيء بها في صحن قصره ثمّ دعاه، فلمّا دخل بابه أغلق عليه والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها، فلمّا مشى في الصحن يريد الدرجة مشت إليه وقد سكنت وتمسّحت به ودارت حوله وهو يمسحها بكمّه ثمّ ربضت، فصعد للمتوكّل وتحدّث معه ساعة ثمّ نزل، ففعلت معه كفعلها الأوّل حتّى خرج، فأتبعه المتوكّل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكّل: افعل كما فعل ابن عمّك فلم يجسر عليه، وقال: أتريدون قتلي، ثمّ أمرهم أن لا يفشوا ذلك»(4).

مواجهته(ع) للحكم العباسي

لقد دوهم بيت الإمام(ع) ليلاً من قبل شراذم السلطة في مدينة سامراء، وتمّ تفتيشه فلم يجدوا فيه شيئاً يحسبونه وثيقة إدانة له، بل وجدوا الإمام(ع) جالساً على الحصى والرمل، وهو متّجه صوب القبلة إلى الله عزّ وجل، وكان يتلو آياتاً من القرآن الكريم، فحملوه على حالته هذه إلى المتوكّل العبّاسي ـ وهو أطغى سلاطين عصرهم ـ وأدخلوه عليه بحالته تلك، وكان الطاغية المتوكّل في مجلس شراب ولهو، وكان بيده كأس الخمر، فناوله إلى الإمام(ع)، فامتنع(ع) منه وقال: «ما خامر لحمي ودمي قط، فأعفني منه، فعأفاه، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إنّي لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بدّ أن تنشدني فأنشده:

بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ ** غُلْبُ الرِّجَالِ فَما أَغنتهُمُ الْقُلَلُ‏

وَاسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِمْ ** فَأُودِعُوا حُفَراً يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا

نَادَاهُمُ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا قُبروا ** أَيْنَ الْأَسِرَّةُ وَالتِّيجَانُ وَالحُلَلُ‏

أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنعَّمةً ** مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ‏

فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلهُمْ ** تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ يَقْتَتِلُ

قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْراً وَمَا شَرِبُوا ** فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا

وطَالما عَمَّروا دُوراً لِتُحصنِهِم ** ففَارَقُوا الدُّورَ والأهلينَ وانتقلُوا

وطَالمَا كَنَزُوا الأموالَ وادَّخَرُوا ** فَخلَّفُوهَا على الأعداءِ وارتَحلُوا

أضْحَتْ مَنازِلُهم قَفْراً مُعَطَّلةً ** وسَاكِنُوهَا إلى الأجداثِ قَد رَحلُوا

قال: فأشفق كلّ مَن حضر على علي، وظنّ أنّ بادرة تبدر منه إليه، قال: والله لقد بكى المتوكّل بكاء طويلاً حتّى بلّت دموعه لحيته، وبكى مَن حضره، ثمّ أمر برفع الشراب»(5).

استشهاده(ع)

استُشهد في الثالث من رجب 254ﻫ بسامراء المقدّسة، ودُفن فيها.

زياراته(ع)

من الزيارات المروية عنه(ع) زيارة الجامعة الكبيرة، وهي من أوسع الزيارات الجامعة وأشهرها، وقد قال عنها العلّامة المجلسي(قدس سره): «إنّها أصحّ الزيارات سنداً، وأعمّها مورداً، وأفصحها لفظاً، وأبلغها معنىً، وأعلاها شأناً»(6).

هذه الزيارة التي رواها موسى بن عبد الله النخعي عن الإمام الهادي(ع) بعدما سأله: «عَلِّمْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ قَوْلاً أَقُولُهُ بَلِيغاً كَامِلاً إِذَا زُرْتُ وَاحِداً مِنْكُمْ»(7)، فعلّمه(ع) هذه الزيارة الجامعة.

وقد تصدّى الكثير من العلماء الأعلام لشرحها وتفسيرها وتأويل ما ورد فيها ممّا يُوجب الإيهام، وفكّوا معانيها المغلقة دفعاً للاعتراض وردّاً للانتقاد، ومنهم العلّامة المجلسي الأب والد صاحب البحار، وكذلك السيّد محمّد السيّد عبد الكريم الطباطبائي البروجردي، والسيّد عبد الله شبّر، وغيرهم من الأعلام.

من وصاياه(ع)(8)

1ـ قال(ع): «مَنْ جَمَعَ لَكَ وُدَّهُ وَرَأْيَهُ، فَاجْمَعْ لَهُ طَاعَتَك‏».

2ـ قال(ع): «مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، فَلَا تَأْمَنْ شَرَّه».

3ـ قال(ع): «الدُّنْيَا سُوقٌ، رَبِحَ فِيهَا قَوْمٌ وَخَسِرَ آخَرُون‏».

4ـ قال(ع): «إِنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى، وَالْآخِرَةَ دَارَ عُقْبَى، وَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ سَبَباً، وَثَوَابَ الْآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضاً».

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد محسن الأمين العاملي(رحمه الله) بقوله:

«يَا رَاكبَ الشّدنيَّة الوَجناءِ ** عَرِّجْ عَلى قَبرٍ بسامرّاءِ

قَبرٌ تَضمَّنَ بَضعةً مِنْ أحمدٍ ** وحشاشةً للبَضعةِ الزَّهراءِ

قَبرٌ تَضمَّنَ مِن سُلالةِ حَيدرٍ ** بَدراً يَشقُّ حَنادسَ الظَّلماءِ

قَبرٌ سَما شَرفاً عَلى هَامِ السُّها ** وعَلا بِساكنِهِ عَلى الجوزاءِ

بعليٍّ الهَادي إلى نهجِ الهُدى ** والدِّينُ عَادَ مؤرّجَ الأرجاءِ

يا ابنَ النَّبيِّ المُصطَفى ووَصيِّهِ ** وابنَ الهُداةِ السَّادةِ الأُمناءِ

أنأوكَ بَغياً عَن مَرابعِ طِيبةٍ ** وقُلوبُهُم مَلأى مِن الشَّحْناءِ»(9).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 107، الأنوار البهية: 271.

2ـ إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 118.

3ـ الكافي 1/ 498 ح1.

4ـ الصواعق المحرقة: 205.

5ـ مروج الذهب 4/ 11.

6ـ بحار الأنوار 99/ 144.

7ـ من لا يحضره الفقيه 2/ 609 ح3213.

8ـ تحف العقول: 483.

9ـ المجالس السنية 5/ 655.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

عید الغدیر الأغر

تاريخ يوم الغدير

۱۸ ذو الحجّة ۱۰ﻫ.

غدير خُمّ

هو وادٍ بين مكّة والمدينة، قريب من الجُحفة، وهو مفترق طرق للمدنيين والمصريين والعراقيين.

نزول آية البلاغ

بعد أن أكمل رسول الله(صلى الله عليه وآله) آخر حجّة حجّها ـ حجّة الوداع ـ رجع إلى المدينة المنوّرة، فلمّا وصل إلى وادي غدير خُمّ، هبط عليه الأمين جبرائيل(عليه السلام)، حاملاً له آية البلاغ: (يَا أَيُّهَا الرّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَم تَفْعَل فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النّاسِ)(۱).

فهي تنذر النبي(صلى الله عليه وآله) بأنّه إن لم ينفِّذ إرادة الله تعالى ذهبت أتعابه وضاعت جهوده، وتبدّد ما لاقاه من العناء في سبيل هذا الدين.

فانبرى(صلى الله عليه وآله) بعزمٍ ثابت وإرادة صلبة إلى تنفيذ إرادة الله تعالى، فوضع أعباء المسير وحطّ رحاله في رمضاء الهجير، وأمر القوافل أن تفعل مثل ذلك.

وكان الوقت قاسياً في حرارته، حتّى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتّقي به من الحرّ(۲).

خطبة النبي(صلى الله عليه وآله)

أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) باجتماع الناس، فصلّى بهم، وبعدما انتهى من الصلاة أمر أن توضع حدائج الإبل لتكون له منبراً، ففعلوا له ذلك، فاعتلى عليها.

وكان عدد الحاضرين ـ كما يقول المؤرّخون ـ مائة ألف أو يزيدون على ذلك، وأقبلوا بقلوبهم نحو رسول الله(صلى الله عليه وآله) لسماع خطابه، فأعلن(صلى الله عليه وآله) ما لاقاه من العناء والجهد في سبيل هدايتهم وإنقاذهم من الحياة الجاهلية إلى الحياة الكريمة التي جاء بها الإسلام.

ثمّ قال(صلى الله عليه وآله): «أمّا بعد: أيّها الناس، قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلّا مثل نصف عمر الذي قبله، وإنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون»؟ قالوا: نشهد أنّك بلّغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله خيراً.

قال(صلى الله عليه وآله): «ألستم تشهدون أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ وناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور»؟ قالوا: بلى، نشهد بذلك، فقال: «اللّهمّ اشهد».

ثمّ قال: «فانظروا كيف تخلِّفوني في الثقلين»؟ فسأله أحدهم: ما الثقلان يا رسول الله؟

قال(صلى الله عليه وآله): «الثقل الأكبر كتابُ الله؛ طَرفٌ بِيَدِ اللهِ عزّ وجلّ وَطرفٌ بِأَيديكُم، فَتَمَسّكُوا به لا تَضلُّوا، والآخر الأصغر عِترَتي، وإنّ اللّطيفَ الخَبيرَ نَبّأَنِي أنّهُمَا لن يَفتِرقا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوض، فَسَألتُ ذلك لَهما رَبِّي، فلا تُقَدِّمُوهُمَا فَتهلَكُوا، ولا تُقَصِّرُوا عَنهُمَا فَتَهلَكُوا»(۳).

الإعلان عن ولاية الإمام علي(عليه السلام)

ثمّ أخذ(صلى الله عليه وآله) بيد الإمام علي(عليه السلام) ليفرض ولايته على الناس جميعاً، حتّى بان بياض إبطيهما، فنظر إليهما القوم.

ثمّ رفع(صلى الله عليه وآله) صوته قائلاً: «يَا أَيُّها النّاس، مَنْ أولَى النّاس بِالمؤمنين مِن أَنفُسِهم»؟ فأجابوه جميعاً: اللهُ ورسولُه أعلم.

فقال(صلى الله عليه وآله): «إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاهُ».

قال ذلك ثلاث مرّات أو أربع، ثمّ قال(صلى الله عليه وآله): «اللّهمّ وَالِ مَن وَالاَهُ، وَعَادِ مَن عَادَاهُ، وَأَحِبّ مَن أَحبّهُ، وَأبغضْ مَن أبغَضَهُ، وانصُرْ مَن نَصَرَه، واخْذُل مَن خَذَلَهُ، وَأَدِرِ الحَقّ مَعَهُ حَيثُ دَار، أَلا فَلْيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغَائِبَ»(۴).

البيعة للإمام علي(عليه السلام)

ثمّ جلس رسول الله(صلى الله عليه وآله) في خيمة، وأمر علياً(عليه السلام) أن يجلس في خيمة أُخرى، وأمر(صلى الله عليه وآله) الناس، بأن يهنّئوا علياً في خيمته، فأقبل المسلمون يبايعون الإمام علي(عليه السلام) بالخلافة، ويهنِّئونه بإمرة المسلمين.

ولمّا فرغ الناس عن التهنئة له(عليه السلام)، أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) أُمّهات المؤمنين أن يسرن إليه ويهنّئنه، ففعلن ذلك.

مقولة عمر للإمام علي(عليه السلام)

وردت عدّة مقولات لعمر بن الخطّاب، لمّا هنّأ الإمام علي(عليه السلام) بولايته، منها:

۱ـ قال: هنيئاً لك يابن أبي طالب، أصبحت اليوم ولي كلّ مؤمن(۵).

۲ـ قال: بَخ بَخ لك يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(۶).

۳ـ قال: طوبى لك يا علي، أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(۷).

۴ـ قال: هنيئاً لك، أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(۸).

نزول آية الإكمال

بعد إبلاغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) الناس بولاية علي(عليه السلام)، نزلت هذه الآية الكريمة: (اليَومُ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعمَـتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً)(۹).

فقد كمل الدين بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام)، وتمّت نعمة الله على المسلمين بسموِّ أحكام دينهم، وسموِّ قيادتهم التي تحقِّق آمالهم في بلوغ الحياة الكريمة.

وقد خطا النبي(صلى الله عليه وآله) بذلك الخطوة الأخيرة في صيانة أُمّته من الفتن والزيغ.

شعر حسّان في المناسبة

قال حسّان بن ثابت: إِئذن لي يا رسول الله أن أقول في عليٍّ أبياتاً تسمعهنّ، فقال(صلى الله عليه وآله): «قل على بركة الله»، فقال حسّان:

يُنَادِيهُمُ يوم الغَدير نَبِيُّهُم ** نَجْم وأَسمِعْ بِالرّسُولِ مُنَادِياً

فَقالَ فَمنْ مَولاكُمُ وَنَبِيُّكم ** فَقَالوا وَلَم يُبدُوا هُنَاك التّعَامِيَا

إِلَهَكَ مَولانَا وَأنتَ نَبِيُّنَا ** وَلَم تَلْقَ مِنّا فِي الوِلايَةِ عَاصِياً

فَقالَ لَهُ: قُمْ يَا عَلِيُّ فَإِنّنِي ** رَضيتُكَ مِن بَعدِي إِمَاماً وَهَادياً

فَمَنْ كنتُ مَولاهُ فَهذا وَلِيُّه ** فَكُونُوا لَهُ أَتْبَاعُ صِدقٍ مُوالِياً

هُناكَ دَعا: اللّهمّ وَالِ وَلِيّهُ ** وَكُنْ لِلّذِي عَادَى عَلِيّاً مُعَادِياً(۱۰).

فقال له(صلى الله عليه وآله): «لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك»(۱۱).

استحباب صوم يوم الغدير

وردت روايات تدلّ على استحباب صوم يوم الغدير، نذكر منها:

۱ـ عن الحسن بن راشد عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «قلت: جُعلت فداك، للمسلمين عيد غير العيدين؟

قال: “نعم يا حسن، أعظمهما وأشرفهما”، قلت: وأيّ يوم هو؟ قال: “يوم نصب أمير المؤمنين(عليه السلام) علماً للناس”، قلت: جُعلت فداك، وما ينبغي لنا أن نصنع فيه؟

قال: “تصوم يا حسن وتكثر الصلاة على محمّد وآله، وتبرأ إلى الله ممّن ظلمهم، فإنّ الأنبياء صلوات الله عليهم كانت تأمر الأوصياء اليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتّخذ عيداً”». قال: قلت: فما لمن صامه؟ قال: “صيام ستين شهراً…”»(۱۲).

۲ـ عن أبي هارون عمّار بن حريز العبدي قال: «دخلت على أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، فوجدته صائماً، فقال لي: “هذا يوم عظيم، عظّم الله حرمته على المؤمنين، وأكمل لهم فيه الدين، وتمّم عليهم النعمة، وجدّد لهم ما أخذ عليهم من العهد والميثاق”، فقيل له: ما ثواب صوم هذا اليوم؟

قال(عليه السلام): “إنّه يوم عيد وفرح وسرور، ويوم صوم شكراً لله، وإنّ صومه يعدل ستين شهراً من أشهر الحرم”»(۱۳).

۳ـ عن علي بن الحسين العبدي قال: سمعت الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «صيام يوم غدير خُمّ يعدل عند الله في كلّ عام مائة حجّة، ومائة عمرة مبرورات متقبّلات، وهو عيد الله الأكبر»(۱۴).

ــــــــــــــــــــــــــ

1. المائدة: ۶۷٫

2. اُنظر: حياة الإمام الحسين ۱ /۱۹۸٫

3. اُنظر: الغدير ۱ /۱۰٫

4. اُنظر: الأمالي للطوسي: ۲۵۵، السنن الكبرى للنسائي ۵ /۱۳۶، كنز العمّال ۱۳ /۱۵۸، تاريخ مدينة دمشق ۴۲ /۲۱۰، السيرة الحلبية ۳ /۳۳۶٫

5. تاريخ مدينة دمشق ۴۲ /۲۲۰، البداية والنهاية ۷ /۳۸۶، ذخائر العقبى: ۶۷، كنز العمّال ۱۳ /۱۳۴، تفسير الثعلبي ۴ /۹۲٫

6. بحار الأنوار ۳۷ /۲۵۱٫

7. الملل والنحل ۱ /۱۶۳٫

8. المصنّف لابن أبي شيبة ۷ /۵۰۳، كنز العمّال ۱۳/۱۳۴، تفسير الثعلبي ۴ /۹۲، تاريخ مدينة دمشق ۴۲ /۲۲۱٫

9. المائدة: ۳٫

10. نظم درر السمطين: ۱۱۳، مناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه: ۱۲۱٫

11. الإرشاد ۱ /۱۷۷٫

12. ثواب الأعمال: ۷۴٫

13. مصباح المتهجّد: ۷۳۷٫

14. وسائل الشيعة ۱۰ /۴۴۲٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

مقتل عثمان بن عفان

ما أن استلم عثمان زمام الأمور ، حتّى أخذ يقرّب الذين لعنهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، من أمثال : مروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وغيرهما حيث يغدق عليهم من بيت مال المسلمين ويقطعهم المقاطعات .

أمّا ما فعله بالصحابة المخلصين ، فإنّه قام بنفي الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري إلى منطقة الربذة ، لأنّه كان يعترض على ممارساته الظالمة ، كما بطش بعبد الله بن مسعود ، لكونه يعترض على سياسته المالية ، وقصّته مع عمّار بن ياسر معروفة ، عندما قام بضربه ضرباً شديداً ، حتّى أغمي عليه ، وفاتته صلوات الظهر والعصر والمغرب .

استمر عثمان على سياسته ، ممّا أدى إلى ازدياد سخط الناس عليه ، وروي أنّ ناساً خرجوا من مصر ، وعددهم ألفين ، متّجهين نحو المدينة المنوّرة ، وكانوا يميلون لعلي ( عليه السلام ) ، وناس من الكوفة ، وعددهم ألفين ، وكانوا يميلون إلى الزبير ، وناس من أهل البصرة لم يُعرف عددهم ، وكانوا يميلون إلى طلحة بن عبيد الله ، فنزل المصريّون ذا خشب ـ اسم منطقة ـ وكانوا مصمّمين على قتل عثمان ، وتخليص المسلمين من شرّه وشر حاشيته .

فلمّا علم بخبرهم جاء إلى منزل الإمام علي ( عليه السلام ) ، فقال : يا ابن عم أنّ قرابتي منك قريبة ، ولي عليك حق ، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم ، وهم مصبحي ولك عند الناس قدر ، وهم يسمعون منك ، وأحب أن تركب إليهم وتردّهم عنّي ، فإنّ في دخولهم عليّ وهناً لأمري ، وجرأة عليّ .

فقال له الإمام علي ( عليه السلام ) : ( على أي شيءٍ أردّهم ؟ ) قال : على أن أصير إلى ما أشرت به ورأيته لي ، فقال ( عليه السلام ) : ( إنّي قد كلّمتك مرّة بعد أخرى ، فكل ذلك تخرج وتقول وتعد ، ثمّ ترجع ، وهذا من فعل مروان ، ومعاوية ، وابن عامر ، وعبد الله بن سعد ، فإنّك أطعتهم وعصيتني ) .

فقال عثمان : إنّي أعصيهم وأطيعك ، فأمر علي ( عليه السلام ) الناس أن يركبوا معه ، فركب ثلاثون رجلاً من المهاجرين والأنصار ، فأتوا المصريين فكلّموهم ، فكان الذي يكلّمهم الإمام علي ( عليه السلام ) ، ومحمّد بن مسلمة ، فسمعوا منهما ورجعوا إلى مصر ، ثمّ عاد الإمام علي ( عليه السلام ) وجماعته .

وقد روى أغلب المؤرّخين : أنّ علياً ( عليه السلام ) ، لمّا ردّ المصريين عادوا بعد ثلاثة أيّام ، فاخرجوا صحيفة في أنبوبة رصاص ، وقالوا : وجدنا غلام عثمان على بعير ، ففتشنا متاعه لأنّا شككنا في أمره ، فوجدنا فيه هذه الصحيفة ، ومضمونها : أنّ عثمان يأمر والي مصر ، بجلد عبد الرحمن بن عديس ، وعمرو بن الحمق ، وحلق رؤوسهما ولحاهما ، وحبسهما ، وقتل قوم آخرين من أهل مصر ، وسألوا علياً ( عليه السلام ) أن يدخل إلى عثمان ، ويستفسر منه عمّا ورد في الرسالة ، فسأل عثمان عن ذلك ، وأقسم بالله أنّه لم يكتب تلك الرسالة ، ولا علم له بها .

فقال محمّد بن مسلمة : صَدَق عثمان ، إنّه من عمل مروان ! فقال عثمان : لا أدري ، فقال المصريون له : كيف يجترأ عليك مروان ؟ ويبعث غلامك على جمل من إبل الصدقة ، ويقوم بتزوير إمضائك ، ويرسل تلك الرسالة الفظيعة ، إلى واليك على مصر ، وأنت لا تدري ؟ فإن كنت كاذباً ، فقد استحققت الخلع ، لما أمرت به بغير حق ، وإن كنت صادقاً استحققت الخلع ، لضعفك وعدم صلاحيتك للخلافة ، وارتفع الصياح واللغط .

فقام الإمام علي ( عليه السلام ) واخرج أهل مصر وذهب إلى منزله ؛ إلاّ أنّ الواقدي يقول : أحاط المصريون والبصريون بعثمان وحصوره ، ويروي الطبري : أنّ عثمان اضطر إلى أن يكتب إلى معاوية ـ وإليه على الشام ـ وابن عامر ، وقادة الجيش يطلب منهم النجدة ، فتربّص به معاوية .

وكان عثمان قد استشار نصحاءه في أمره ، فنصحوه في أمره ، فنصحوه أن يرسل إلى الإمام علي ( عليه السلام ) ، ويطلب منه أن يرد الناس ، ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم ـ يماطلهم لغرض كسب الوقت ـ حتّى تأتي الإمدادات ، فقال عثمان : إنّهم لا يقبلون التعليل ، وقد كان منّي في المرّة الأولى ما كان .

فقال مروان : أعطهم ما سألوك ، وطاولهم ما طاولوك ، فإنّهم قوم قد بغوا عليك ولا عهد لهم ، فدعا عثمان علياً ( عليه السلام ) ، وقال له : قد ترى ما كان من الناس ، ولست آمنهم على دمي فارددهم عنّي ، فإنّي أعطيهم ما يريدون من الحق من نفسي ، ومن غيري .

فقال ( عليه السلام ) : ( إنّ الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك ، وإنّهم لا يرضون إلاّ بالرضا ، وقد كنت أعطيتهم من قبل عهداً فلم تف به ، فلا تغرر في هذه المرّة ، فإنّي معطيهم عنك الحق ) ، قال : أعطهم فو الله لأفينّ لهم .

فخرج ( عليه السلام ) إلى الناس فقال : ( إنّكم إنّما تطلبون الحق وقد أعطيتموه ، وأنّه منصفكم من نفسه ) ، فسأله الناس أن يستوثق لهم ، وقالوا : إنا لا نرضى بقول دون فعل ، فدخل إليه ( عليه السلام ) واعلمه ، فطلب عثمان أجلاً لمدّة ثلاثة أيّام ، وكتب للناس كتاباً أوعدهم فيه برد كل مظلمة ، وعزل كل عامل أو والٍ يكرهوه ، فكف الناس عنه ، لكنّه أخذ يستعد للقتال ويجمع الجند .

ولمّا انقضت الأيّام الثلاثة ، ولم يغيّر عثمان شيئاً ، وأخلّ بوعده ثار الناس ، وحاصروه ومنعوا عنه الماء ، فأرسل إلى الإمام علي ( عليه السلام ) ، وقال : إنّهم منعونا الماء ، فتكلّم معهم ( عليه السلام ) ووعظهم ، ولكنّهم لم يستجيبوا له ، ولمّا رأى ( عليه السلام ) منهم التعنت رمى بعمامته في دار عثمان ـ وهو محاصر ـ يُعلمه أنّه قد نهض وعاد .

وروى ابن سعد والطبري في كيفية مقتل عثمان ما يأتي : رفع أحد الذين حاصروا بيت عثمان واسمه ( كنانة بن بشر ) مشاقص كانت في يده فوجا بها في اصل أُذن عثمان ، فمضت حتّى دخلت في حلقه ، ثمّ علاه بالسيف حتّى قتله ، وكان ذلك في الثامن عشر من ذي الحجّة عام ( ۳۵ هـ ) .

بقي عثمان ثلاثة أيّام بدون دفن ، فكلّم حكيم بن حزام ، وجبير بن مطعم علياً ( عليه السلام ) في الإذن بدفنه ففعل ، لمّا سمع الناس بذلك قعد له قوم في الطريق ، فرشقوا جنازته بالحجارة ، وخرج جماعة من خاصّة عثمان ، ومعهم الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وعبد الله بن الزبير ليلاً فدفنوه في حش كوكب ، خارج مقبرة البقيع في المدينة .

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد ميثم بن يحيى التمار

اسمه وكنيته ونسبه(1)

أبو سالم، ميثم بن يحيى النهرواني بالولادة، الأسدي بالولاء، الكوفي بالسكن، المعروف بميثم التمّار لبيعه التمر.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته، إلّا أنّه من أعلام القرن الأوّل الهجري، وولد في النهروان بالقرب من مدينة الكوفة.

صحبته

كان(رضي الله عنه) من أصحاب الإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين(عليهم السلام).

جوانب من حياته

* عدّه الشيخ المفيد(قدس سره) من الأركان التابعين(۲).

* كان من شرطة الخميس، ومن أمرائهم في الكوفة.

عتقه

«كان عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه أمير المؤمنين(عليه السلام) منها وأعتقه، وقال له: ما اسمك؟ قال: سالم، قال: أخبرني رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّ اسمك الذي سمّاك به أبواك في العجم ميثم. قال: صدق الله ورسوله، وصدقت يا أمير المؤمنين، والله إنّه لاسمي، قال: فارجع إلى اسمك الذي سمّاك به رسول الله(صلى الله عليه وآله) ودع سالما. فرجع إلى ميثم واكتنى بأبي سالم»(۳).

مكانته العلمية

كان(رضي الله عنه) من خطباء الشيعة بالكوفة ومتكلّميها، ومن المتبحّرين في علم التفسير لقوله لابن عباس: «سلني ما شئت من تفسير القرآن، فإنّي قرأت تنزيله على أمير المؤمنين(عليه السلام)، وعلّمني تأويله»(۴).

من أقوال الأئمّة(عليهم السلام) فيه

۱ـ قال(رضي الله عنه): «دعاني أمير المؤمنين(عليه السلام) وقال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أُمية ابن دعيّها عبيد الله بن زياد إلى البراءة منّي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا والله لا أبرأ منك، قال: إذاً والله يقتلك ويصلبك، قلت: أصبر فذاك في الله قليل، فقال: يا ميثم، إذاً تكون معي في درجتي»(۵).

۲ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام) لصالح بن ميثم: «إنّي أُحبّك وأُحبّ أباك حبّاً شديداً»(۶).

۳ـ قال الإمام الكاظم(عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين حواري محمّد بن عبد الله رسول الله(صلى الله عليه وآله)، الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر.

ثمّ ينادي مناد: أين حواري علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وصيّ محمّد بن عبد الله رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فيقوم…وميثم بن يحيى التمّار… فهؤلاء المتحوّرة أوّل السابقين، وأوّل المقرّبين، وأوّل المتحوّرين من التابعين»(۷).

لقاؤه بالسيّدة أُمّ سلمة(رضي الله عنها)

«حج(رضي الله عنه) في السنة التي قتل فيها، فدخل على أُمّ سلمة(رضي الله عنها) فقالت: مَن أنت؟ قال: أنا ميثم، قالت: والله لربما سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوصي بك علياً في جوف الليل.

فسألها عن الحسين، قالت: هو في حائط له، قال: أخبريه أنّي قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين إن شاء الله. فدعت له بطيب فطيّبت لحيته، وقالت له: أما إنّها ستخضّب بدم»(۸).

عنده علم المنايا والبلايا

كان(رضي الله عنه) ممّن علّمهم الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) علم المنايا والبلايا، وهذه الحادثة خير شاهد على ذلك:

«عن فضيل بن الزبير، قال: مرّ ميثم التمّار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد، فتحدّثا حتّى اختلف أعناق فرسيهما.

ثمّ قال حبيب: لكأنّي بشيخ أصلع، ضخم البطن، يبيع البطّيخ عند دار الرزق، قد صُلب في حُبّ أهل بيت نبيّه(عليه السلام)، يُبقر بطنه على الخشب.

فقال ميثم: وإنّي لأعرف رجلاً أحمر له صفيدتان، يخرج لينصر ابن بنت نبيّه فيُقتل، ويُجال برأسه في الكوفة. ثمّ افترقا، فقال أهل المجلس: ما رأينا أحداً أكذبُ من هذين.

قال: فلم يفترق أهل المجلس حتّى أقبل رُشيد الهجري فطلبهما، فسأل أهل المجلس عنهما، فقالوا: افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا.

فقال رُشيد: رحم الله ميثماً ونسي: ويُزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم، ثمّ أدبر، فقال القوم: هذا والله أكذبهم.

فقال القوم: والله ما ذهبت الأيّام والليالي حتّى رأيناه مصلوباً على دار عمرو بن حُريث، وجيء برأس حبيب بن مظاهر قد قُتل مع الحسين(عليه السلام)، ورأينا كلّ ما قالوا»(۹).

روايته للحديث

يعتبر من رواة الحديث في القرن الأوّل الهجري، فقد روى أحاديث عن الإمام علي(عليه السلام).

من أولاده

۱ـ شعيب، عدّه الشيخ الطوسي(قدس سره) من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)(۱۰).

۲ـ صالح، عدّه الشيخ الطوسي(قدس سره) من أصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)(۱۱).

۳ـ عمران، عدّه الشيخ الطوسي(قدس سره) من أصحاب الإمامين زين العابدين والإمام الصادق(عليهم السلام)(۱۲).

إخبار الإمام علي(عليه السلام) بقتله

قال الإمام علي(عليه السلام) له: «والله لتقطعن يداك ورجلاك ولسانك، ولتقطعن النخلة التي بالكناسة، فتشق أربع قطع، فتصلب أنت على ربعها، وحُجر بن عَدي على ربعها، ومحمّد بن أكثم على ربعها، وخالد بن مسعود على ربعها، قال ميثم: فشككت في نفسي وقلت: إنّ علياً ليخبرنا بالغيب! فقلت له: أو كائن ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إي وربّ الكعبة، كذا عهده إليّ النبي(صلى الله عليه وآله)»(۱۳).

وفي خبر آخر: «إنّك تُؤخذ بعدي، فتُصلب وتُطعن بحربة، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دماً، فيخضّب لحيتك، فانتظر ذلك الخضاب، وتُصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة، أنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة، وامضِ حتّى أريك النخلة التي تُصلب على جذعها.فأراه إيّاها.

فكان ميثم يأتيها فيصلّي عندها ويقول: بوركت من نخلة، لك خلقت ولي غذيت. ولم يزل يتعاهدها حتّى قطعت وحتّى عرف الموضع الذي يصلب عليها بالكوفة. قال: وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إنّي مجاورك فأحسن جواري، فيقول له عمرو: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم؟ وهو لا يعلم ما يريد»(۱۴).

تحقّق ما أُخبر به من قتله

«لمّا ولي عبيد الله بن زياد الكوفة ودخلها تعلّق علمه بالنخلة التي بالكناسة فتخرق، فتطيّر من ذلك فأمر بقطعها، فاشتراها رجل من النجّارين فشقّها أربع قطع.

قال ميثم: فقلت لصالح ابني فخذ مسماراً من حديد فأنقش عليه اسمي واسم أبي ودقّه في بعض تلك الأجذاع، قال: فلمّا مضى بعد ذلك أيّام أتاني قوم من أهل السوق فقالوا: يا ميثم انهض معنا إلى الأمير نشكو إليه عامل السوق، ونسأله أن يعزله عنّا ويولّي علينا غيره.

قال: وكنت خطيب القوم فنصت لي وأعجبه منطقي، فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الأمير تعرف هذا المتكلّم؟ قال: مَن هو؟ قال: ميثم التمّار الكذّاب مولى الكذّاب علي بن أبي طالب، قال: فاستوى جالساً فقال لي: ما تقول؟ فقلت: كذب أصلح الله الأمير، بل أنا الصادق مولى الصادق علي بن أبي طالب أمير المؤمنين حقّاً.

فقال لي: لتبرأن من علي، ولتذكرن مساويه، وتتولّى عثمان، وتذكر محاسنه، أو لأقطعن يديك ورجليك ولأصلبنّك، فبكيت، فقال لي: بكيت من القول دون الفعل، فقلت: والله ما بكيت من القول ولا من الفعل، ولكن بكيت من شك كان دخلني يوم خبّرني سيّدي ومولاي، فقال لي: وما قال لك؟ قال: فقلت: أتيت الباب فقيل لي: أنّه نائم، فناديت: انتبه أيّهاالنائم، فوالله لتخضبن لحيتك من رأسك.

فقال: صدقت، وأنت والله لتقطعن يداك ورجلاك ولسانك ولتصلبن، فقلت: ومَن يفعل ذلك بي؟ يا أمير المؤمنين؟ فقال: يأخذك العتل الزنيم ابن الأمة الفاجرة عبيد الله بن زياد. قال: فامتلأ غيظاً ثمّ قال لي: والله لأقطعن يديك ورجليك ولأدعن لسانك حتّى أكذّبك وأكذّب مولاك، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه.

ثمّ أخرج فأمر به أن يصلب فنادي بأعلى صوته: أيّها الناس مَن أراد أن يسمع الحديث المكنون عن علي بن أبي طالب(عليه السلام)؟ قال: فاجتمع الناس، وأقبل يحدّثهم بالعجائب.

قال: وخرج عمرو بن حريث وهو يريد منزله فقال: ما هذه الجماعة؟ قالوا: ميثم التمّار يحدّث الناس عن علي بن أبي طالب، قال: فانصرف مسرعاً فقال: أصلح الله الأمير بادر فابعث إلى هذا مَن يقطع لسانه، فإنّي لست آمن أن يغيّر قلوب أهل الكوفة فيخرجوا عليك، قال: فالتفت إلى حرسي فوق رأسه فقال: اذهب فاقطع لسانه.

قال: فأتاه الحرسي فقال له: يا ميثم! قال: ما تشاء؟ قال: أخرج لسانك فقد أمرني الأمير بقطعه، قال ميثم: ألا زعم ابن الأمة الفاجرة أنّه يكذّبني ويكذّب مولاي هاك لساني، قال: فقطع لسانه وتشحطّ ساعة في دمه ثمّ مات، وأمر به فصلب، قال صالح فمضيت بعد ذلك بأيّام، فإذا هو قد صلب على الربع الذي كنت دققت فيه المسمار»(۱۵).

إخباره بقتل والي الكوفة

قام عبيد الله بن زياد بحبس ميثم، فالتقى(رضي الله عنه) في السجن بالمختار بن أبي عبيدة الثقفي، فقال له: «إنّك تفلت، وتخرج ثائراً بدم الحسين(عليه السلام)، فتقتل هذا الذي يقتلنا»(۱۶)، وفعلاً تحقّق ذلك بعد ستّة سنوات.

استشهاده

استُشهد(رضي الله عنه) في ۲۲ ذي الحجّة ۶۰ﻫ، أي: قبل وصول الإمام الحسين(عليه السلام) إلى كربلاء بعشرة أيّام، بمدينة الكوفة، ودُفن فيها، وقبره معروف يُزار.

زيارته

السلام عليكَ أيّها العبدُ الصالح، يا ميثمَ بنَ يحيى التّمار، المطيعُ لله ولرسولهِ ولأميرِ المؤمنين ولفاطمةَ والحسنِ والحسين.. اشهدُ أنّكَ قد أقمتَ الصلاة، وآتيتَ الزكاة، وأمرتَ بالمعروف، ونهيتَ عن المنكر، وجاهدتَ في الله حقَّ جهادِهِ، وعملتَ بكتابهِ، مقتدياً بالصالحين، ومتَّبعاً للنبيين..

وأشهدُ أنّكَ قُتِلتَ مظلوماً شهيداً.. فلعنَ اللهُ مَنْ ظلمكَ، ومَنْ إفترى عليكَ، ولعنَ اللهُ مَنْ نَصَبَ لكَ العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ، وحشا اللهُ قبورَهم ناراً وأعدَّ لهم عذاباً أليماً..

جئتُك أيّها العبدُ الصالحُ زائراً قبرَكَ، مقرّاً بحقّكَ، معترفاً بفضلكَ، أسألُ اللهَ بالشأنِ الذي لكَ عندهُ أنْ يصلّيَ على محمّدٍ وآل محمّدٍ، وأنْ يقضيَ حوائجَنا في الدنيا والآخرةِ، ويجمعَنا وإيّاكُم في زمرةِ الفائزين معَ محمّدٍ وآلهِ الطاهرين، والسلامُ عليكَ أيّها الشهيدُ ورحمةُ الله وبركاتُه.

—————————

۱- اُنظر: معجم رجال الحديث ۲۰ /۱۰۳ رقم۱۲۹۴۵٫

۲- الاختصاص: ۷٫

۳- الإرشاد ۱ /۳۲۳٫

۴- رجال الكشّي ۱ /۲۹۴ ح۱۳۶٫

۵- المصدر السابق ۱ /۲۹۵ ح۱۳۹٫

۶- خلاصة الأقوال: ۱۶۹٫

۷- رجال الكشّي۱ /۴۳ ح۲۰٫

۸- الإرشاد ۱ /۳۲۴٫

۹- رجال الكشّي ۱ /۲۹۲ ح۱۳۳٫

۱۰- اُنظر: رجال الطوسي: ۲۲۴ رقم۳۰۰۷٫

۱۱- اُنظر: المصدر السابق: ۱۳۸ رقم۱۴۵۷ و۲۲۵ رقم۳۰۲۴٫

۱۲- اُنظر: المصدر السابق: ۱۱۸ رقم۱۱۹۷ و۲۵۶ رقم۳۶۲۰٫

۱۳- رجال الكشّي ۱ /۲۹۷ ح۱۴۰٫

۱۴- الإرشاد ۱ /۳۲۳٫

۱۵- رجال الكشّي ۱ /۲۹۷ ح۱۴۰٫

۱۶- الإرشاد ۱ /۳۲۴٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

تصدق الإمام علي (ع) بالخاتم

آية التصدّق

قال الله تعالى: (إِنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(۱).

قصّة التصدّق

قال الإمام الباقر(عليه السلام): «إنّ رهطاً من اليهود أسلموا، منهم: عبد الله بن سلام، وأسد، وثعلبة، وابن يامين، وابن صوريا، فأتوا النبي(صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا نبيّ الله، إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيُّك يا رسول الله؟ ومن وليّنا بعدك؟

فنزلت هذه الآية: )إِنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(.

ثمّ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): “قوموا”، فقاموا فأتوا المسجد، فإذا سائلٌ خارج، فقال: “يا سائل، أما أعطاكَ أحد شيئاً”؟ قال: نعم، هذا الخاتم.

قال(صلى الله عليه وآله): “مَن أعطَاك”؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلِّي، قال: “على أيِّ حالٍ أعطاك”؟ قال: كان راكعاً، فكبّر النبيُّ(صلى الله عليه وآله)، وكبّر أهل المسجد.

فقال(صلى الله عليه وآله): “عليٌّ وليُّكم بعدي”، قالوا: رضينا بالله ربّاً، وبمحمّدٍ نبيّاً، وبعليٍّ بن أبي طالب وليّاً، فأنزل الله عزّ وجلّ: (وَمَن يَتَوَلّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ فَإِنّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ)(۲)»(۳).

اتّفاق المسلمين على التصدّق

اتّفقت روايات العلماء على أنّ الإمام علي(عليه السلام) قد تصدّق بخاتمه وهو راكع، وليس بين الأُمّة الإسلامية خلاف في ذلك، فشكَر الله ذلك له وأنزل الآية فيه، فيلزم الأُمّة الإقرار بها؛ وذلك لموافقة هذه الأخبار لكتاب الله، وحينئذٍ كان الاقتداء بها فرضاً، لا يتعدّاه إلّا أهل العناد والفساد.

ما قيل في التصدّق من شعر

۱ـ قال حسّان بن ثابت:

أبَا حَسَنٍ تفديكَ نفسي ومُهجَتي ** وكُلُّ بطيءٍ في الهُدَى ومُسارِعِ

أيَذْهبُ مَدحي في المُحِبِّينَ ضَائعاً ** ومَا المَدحُ في ذاتِ الإلَهِ بِضائِعِ

فأنتَ الذي أعطيتَ إذْ كُنتَ رَاكِعاً ** فَدَتْكَ نفوسُ القَومِ يَا خَيرَ رَاكِعِ

بِخَاتَمِكَ الميمونِ يَا خَيْرَ سَيّدٍ ** ويَا خير شارٍ ثمّ يَا خَيرَ بَائِعِ

فأنزلَ فيكَ اللهُ خَيرَ وِلايَةٍ ** وبيّنَها في مُحكَمَاتِ الشرائِعِ(۴).

وقال أيضاً:

وافى الصلاة مع الزكاة فقامها ** والله يرحم عبده الصبّارا

مَنْ ذا بخاتَمه تصدّقَ راكعاً ** وأسرّها في نفسهِ إسرارا

مَن كانَ باتَ على فراشِ محمّدٍ ** ومحمّدٌ أُسري يَؤمُّ الغارا

من كان جبريل يقوم يمينه ** يوماً وميكال يقوم يسارا

مَن كان في القرآنِ سُمّيَ مؤمناً ** في تِسعِ آياتٍ جُعلن كبارا(۵).

۲ـ قال خزيمة بن ثابت الأنصاري:

فديت علياً إمام الورى ** سراج البرية مأوى التقى

‏وصي الرسول وزوج البتول ** إمام البرية شمس الضحى

ففضّله الله ربّ العباد ** وأنزل في شأنه هل أتى

تصدّق خاتمه راكعاً ** فأحسن بفعل إمام الورى(۶).

۳ـ قال السيّد الحميري(رحمه الله):

من كان أوّل من تصدّق راكعاً ** يوماً بخاتمه وكان مشيرا

من ذاك قول الله إنّ وليكم ** بعد الرسول ليعلم الجمهورا

وقال أيضاً:

وأنزل فيه ربّ الناس آيا ** أقرَت من مواليه العيونا

بأنّي والنبي لكم ولي ** ومؤتون الزكاة وراكعونا

ومن يتول ربّ الناس يوماً ** فإنّهم لعمري فائزونا(۷).

۴ـ قال دعبل الخزاعي:

نطق القرآن بفضل آل محمّد ** وولاية لعليه لم تجحد

بولاية المختار من خير الورى ** بعد النبي الصادق المتودّد

إذ جاءه المسكين حال صلاته ** فامتدّ طوعاً بالذراع وباليد

فتناول المسكين منه خاتماً ** هبة الكريم الأجود بن الأجود

فاختصّه الرحمن في تنزيله ** من حاز مثل فخاره فليعدد(۸).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ المائدة: ۵۵٫

2ـ المائدة: ۵۶٫

3ـ الأمالي للصدوق: ۱۸۵٫

4ـ مناقب آل أبي طالب ۲ /۲۱۱٫

5ـ شرح الأخبار ۲ /۵۷۲٫

6ـ مناقب آل أبي طالب ۲ /۲۱۱٫

7ـ المصدر السابق.

8ـ ديوان دعبل الخزاعي: ۸۵٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

يوم المباهلة

آية المباهلة

قال الله تعالى: (فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(۱).

يوم المباهلة

۲۴ ذو الحجّة ۹ﻫ.

معنى المباهلة

قال ابن منظور: «ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منّا»(۲).

صفة المباهلة

وصفة المباهلة: أن تشبك أصابعك في أصابع مَن تباهله وتقول: «اللّهمّ ربّ السماوات السبع، والأرضين السبع، وربّ العرش العظيم، إن كان فلان جحد الحقّ وكفر به فأنزل عليه حسباناً من السماء وعذاباً أليماً»(۳).

دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله) لأساقفة نجران

كتب رسول الله(صلى الله عليه وآله) كتاباً إلى أساقفة نجران يدعوهم إلى الإسلام، جاء فيه: «أمّا بعد، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، أدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتُم فقد أذنتم بحربٍ، والسلام».

فلمّا قرأ الأسقف الكتاب ذُعِر ذُعراً شديداً، فبعث إلى رجلٍ من أهل نجران يُقال له: شَرحبيل بن وداعة ـ كان ذا لب ورأي بنجران ـ فدفع إليه كتاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقرأه، فقال له الأسقف: ما رأيك؟

فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرّية إسماعيل من النبوّة، فما يُؤمِنُك أن يكون هذا الرجل، وليس لي في النبوّة رأي، لو كان أمر من أُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك(۴).

فبعث الأسقف إلى واحدٍ بعد واحد من أهل نجران فكلّمهم، فأجابوا مثلما أجاب شرحبيل، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل وعبد الله ابنه وحبّار بن قنص، فيأتوهم بخبر رسول الله(صلى الله عليه وآله).

فانطلق الوفد حتّى أتوا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فسألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتّى قالوا: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّهُ عَبدُ الله».

فنزلت آية المباهلة الكريمة حاملة إجابة وافية قاطعة لأعذار مُؤلّهي المسيح ومُتبنّيه، وهي بنفس الوقت دعوة صارخة لمباهلة الكاذبين المصرّين على كذبهم فيما يخصّ عيسى(عليه السلام).

فدعاهم(صلى الله عليه وآله) إلى اجتماعٍ حاشد، من أعزّ الملاصقين من الجانبين؛ ليبتهل الجميع إلى الله تعالى في دعاء قاطعٍ أن ينزل لعنته على الكاذبين.

قال أحد الشعراء:

تعالوا ندع أنفسنا جميعاً ** وأهلينا الأقارب والبنينا

فنجعل لعنة الله ابتهالاً ** على أهل العناد الكاذبينا

الخروج للمباهلة

خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة(عليها السلام) تمشي خلفه، والإمام عليّ(عليه السلام) خلفها، وهو(صلى الله عليه وآله) يقول: «إذا دَعوتُ فأمِّنوا».

موقف النصارى

قال أسقف نجران: يا معشر النصارى! إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً عن مكانه لأزاله بها، فلا تُباهلوا فتُهلكوا ولم يبق على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نُباهلك، وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا.

قال(صلى الله عليه وآله): «فإذا أبيتُم المباهلة فأسلِموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم»، فأبوا، فقال(صلى الله عليه وآله): «فإنِّي أناجزكم»، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك، فصالحنا على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا، على أن نُؤدّي إليك في كلّ عام ألفي حلّة، ألف في صفر وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد.

فصالحهم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده، إنّ الهلاك قد تَدَلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لَمُسِخوا قِردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلُّهم حتّى يهلكوا»(۵).

دلالة آية المباهلة على عصمة وأفضلية عليّ(عليه السلام)

استدلّ علماؤنا بكلمة: «وأنفسنا»، تبعاً لأئمّتنا(عليهم السلام) على عصمة وأفضلية أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولعلّ أوّل مَن استدلّ بهذه الآية المباركة هو نفس أمير المؤمنين(عليه السلام)، عندما احتجّ في الشورى على الحاضرين بجملة من فضائله ومناقبه، فكان من ذلك احتجاجه بآية المباهلة، وكلّهم أقرّوا بما قال وصدّقوه فيما قال.

وسأل المأمون العبّاسي الإمام الرضا(عليه السلام): هل لك من دليل من القرآن الكريم على أفضلية عليّ؟ فذكر له الإمام(عليه السلام) آية المباهلة، واستدلّ بكلمة: «وأنفسنا»؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) عندما أُمر أن يُخرج معه نساءه، فأخرج فاطمة والحسن والحسين فقط، وأمر بأن يُخرج معه نفسه، ولم يخرج إلّا عليّ(عليه السلام)، فكان عليّ نفس رسول الله، إلّا أنّ كون عليّ نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن، فيكون المعنى المجازي هو المراد، وهو أن يكون عليّ مساوياً لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في جميع الخصائص والمزايا إلّا النبوّة؛ لخروجها بالإجماع.

ومن خصوصيات رسول الله(صلى الله عليه وآله) العصمة، ومن مفهوم آية المباهلة يُستدلّ على عصمة عليّ(عليه السلام) أيضاً.

ومن خصوصياته أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم أيضاً، وأنّه أفضل جميع الخلائق وأشرفهم فكذلك عليّ(عليه السلام)، وإذا ثبت أنّه(عليه السلام) أفضل البشر، وجب أن يليه بالأمر من بعده.

أعمال يوم المباهلة

الغسل، الصيام، الصلاة ركعتان، كصلاة عيد الغدير وقتاً وصفةً وأجراً، ولكن فيها تُقرأ آية الكرسي إلى )هُمْ فيها خالِدُونَ(.

ـــــــــــــــــــــ

1ـ آل عمران: ۶۱٫

2ـ لسان العرب ۱۱ /۷۲٫

3ـ مجمع البحرين ۱ /۲۵۸٫

4ـ اُنظر: مكاتيب الرسول ۲ /۴۹۴٫

5ـ إقبال الأعمال ۲ /۳۵۰٫

بقلم: محمد أمين نجف

نزول سورة الدهر في أهل البيت (عليهم السلام)

سورة الدهر

(إِنّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا * يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا * إِنّا نَخَافُ مِن رّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنّةً وَحَرِيرًا * مُتّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضّةٍ قَدّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مّنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثمّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مّشْكُورًا)(۱).

سبب نزول السورة

ذهب المفسّرون إلى أنّ الآية ۵ـ۲۲ نزلت في بيان فضل الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) بعد وفائهم بالنذر وإطعامهم المسكين واليتيم والأسير في قصّة طويلة، وكان نزولها في المدينة المنوّرة في ۲۵ ذي الحجّة.

قصّة النذر

نذكر مضمون القصّة باختصار:

روي أنّ الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام) مرضا، فعادهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في ناسٍ معه، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت لولديك، فنذر علي وفاطمة(عليهما السلام) وجاريتهما فضّة، إن برءا الحسن والحسين ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام قربةً إلى الله تعالى.

فشفيا(عليهما السلام) من المرض، فلمّا أرادوا أن يصوموا وفاء لنذرهم، ما كان معهم شيء، فاستقرض علي(عليه السلام) ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة(عليها السلام) صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فلمّا وضعوها بين أيديهم ليفطروا، جاءهم سائل قائلاً: السلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة.

فألقى علي وألقى القوم من أيديهم الطعام، وأنشأ علي(عليه السلام) هذه الأبيات:

فاطم ذات الودّ واليقين ** يا بنت خير الناس أجمعين

أما ترين البائس المسكين ** قد جاء بالباب له حنين

يشكو إلى الله ويستكين ** يشكو إلينا جائع حزين

كلّ امرئ بكسبه رهين ** من يفعل الخير يقف سَمِين

ويدخل الجنّة آمنين ** حرّمت الجنّة على الضنين

يهوى من النار إلى سِجّين ** ويخرج منها إن خرج بعد حين

وأنشأت فاطمة(عليها السلام) هذه الأبيات:

أمرك يابن العم سمع طاعة ** ما بي من لؤم ولا ضراعة

أمط عنّي اللؤم والرقاعة ** غديت بالبرّ له صناعة

إنّي سأعطيه ولا أنهيه ساعة ** أرجو إن أطعمتُ من مجاعة

أن ألحق الأخيار والجماعة ** وأدخل الجنّة لي شفاعة

فأعطوه طعامهم، وباتوا لم يذوقوا إلّا الماء، وأصبحوا صياماً.

فلمّا أمسوا في اليوم الثاني ووضعوا الطعام بين أيديهم ليفطروا، جاءهم سائل قائلاً: السلام عليكم أهل بيت محمّد، يتيم من يتامى المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة.

فألقى علي وألقى القوم من بين أيديهم الطعام، وأنشأ علي(عليه السلام) هذه الأبيات:

فاطم بنت السيّد الكريم ** بنت نبيٍّ ليس بالزنيم

قد جاءنا الله بذي اليتيم ** ومن يسلم فهو السليم

حُرّمت الجنّة على اللئيم ** لا يجوز الصراط المستقيم

طعامه الضريع في الجحيم ** فصاحب البخل يقف ذميم

وأنشأت فاطمة(عليها السلام) هذه الأبيات:

إنّي سأُعطيه ولا أُبالي ** وأوثر الله على عيالي

وأقض هذا الغزل في الأغزال ** أرجو بذاك الفوز في المال

أن يقبل الله وينمي مالي ** ويكفني همّي في أطفال

أمسوا جياعاً وهم أشبال ** أكرمهم عليّ في العيال

بكربلا يقتل اقتتال ** ولمن قتله الويل والوبال

فأعطوه طعامهم، وباتوا لم يذوقوا إلّا الماء، وأصبحوا صياماً.

فلمّا أمسوا في اليوم الثالث ووضعوا الطعام بين أيديهم ليفطروا، جاءهم أسير قائلاً: السلام عليكم أهل بيت محمّد، والله ما أنصفتمونا من أنفسكم، تأسرونا وتقيّدونا ولا تطعمونا، أطعموني فإنّي أسير محمّد.

فألقى علي وألقى القوم من أيديهم الطعام، فأنشأ علي(عليه السلام) هذه الأبيات:

يا فاطمة حبيبتي وبنت أحمد ** يا بنت من سمّاه الله فهو محمّد

قد زانه الله بخلقٍ أغيد ** قد جاءنا الله بذي المقيّد

بالقيد مأسور فليس يهتدي ** من يطعم اليوم يجده في غد

عند الإله الواحد الموحّد ** وما زرعه الزارعون يحصد

أعطيه ولا تجعليه أنكد ** ثمّ اطلبي خزائن التي لم تنفد

وأنشأت فاطمة(عليها السلام) هذه الأبيات:

يابن عمِّ لم يبق إلّا صاع ** قد دَبِرَت الكفّ مع الذراع

ابنَيّ والله هما جياع ** يا ربّ لا تتركهما ضِيَاع

أبوهما للخير صنّاع ** قد يصنع الخير بابتداع

عبل الذراعين شديد الباع ** وما على رأسي من قناع

إلّا قناع نسجه نساع

فأعطوه طعامهم، وقد قضى الله عليهم نذرهم، فلمّا أصبحوا أخذ علي(عليه السلام) بيد الحسن والحسين(عليهما السلام) وأقبلوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلمّا نظر إليهما ـ وهما يرتعشان من شدّة الجوع ـ قال: «ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم»، فأخبروه بما حصل، فانطلق معهم إلى منزل فاطمة(عليها السلام)، فلمّا نظر إليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقد تغيّر لونها والتصق بطنها بظهرها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فرفع رأسه إلى السماء قائلاً: «اللّهمّ أشبع آل محمّد»، فهبط جبرائيل(عليه السلام) وقال: «خذها يا محمّد هنّأك الله في أهل بيتك»، وقرأ عليه السورة(۲).

ــــــــــــــــــــــــــ

۱٫ الدهر: ۵ـ۲۲٫

۲٫ اُنظر: تفسير فرات الكوفي: ۵۲۰، تفسير القمّي ۲ /۳۹۸٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

بيعة الإمام علي (ع) بالخلافة

تاريخ البيعة

۲۵ ذو الحجّة ۳۵ﻫ، بايع المسلمون الإمام علي(عليه السلام) على أنّه خليفة المسلمين.

كيفية البيعة

بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان، تهافت الناس على الإمام علي(عليه السلام) يطلبون يده للبيعة، «فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قُتل، ولا بدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله، ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك. قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفيّاً، ولا تكون إلّا عن رضا المسلمين»(۱). فتمّت البيعة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالمدينة المنوّرة.

وروي أنّه عندما بويع الإمام علي(عليه السلام) على منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي المنبر:

فإذا نحن بايعنا علياً فحسبنا ** أبو حسن ممّا نخاف من الفتن

ووجدناه أولى الناس بالناس إنّه ** أطبّ قريشاً بالكتاب وبالسنن

وإنّ قريشاً ما تشقّ غباره ** إذا ما جزى يوماً على الضمر البدن

وفيه الذين فيهم من الخير كلّه ** وما فيهم كلّ الذي فيه من حسن(۲).

أعمال الإمام(عليه السلام) الإصلاحية(۳)

استلم الإمام علي(عليه السلام) الخلافة بعد مقتل عثمان بسبعة أيّام، فوجد الأوضاع متردّية بشكلٍ عام، وعلى أثر ذلك وضع خطّة إصلاحية شاملة، ركّز فيها على شؤون الإدارة والاقتصاد والحكم، نذكر منها ما يلي:

الأوّل: تطهير جهاز الدولة

أوّل عمل قام به الإمام(عليه السلام) فور تولّيه الحكم هو عزل ولاة عثمان الذين سخّروا جهاز الحكم لمصالحهم الخاصّة، وأُثروا ثراءً فاحشاً ممّا اختلسوه من بيوت المال، ومنهم معاوية بن أبي سفيان.

يقول المؤرّخون: إنّه أشار عليه جماعة من المخلصين بإبقاء معاوية في منصبه ريثما تستقرّ الأوضاع السياسية ثمّ يعزله، فأبى الإمام(عليه السلام)، وأعلن أنّ ذلك من المداهنة في دينه، وهو ممّا لا يُقرّه ضميره الحي، الذي لا يسلك أيّ طريق يبعده عن الحقّ، ولو أبقاه ساعة لكان ذلك تزكية له وإقراراً بعدالته وصلاحيته للحكم.

الثاني: تأميم الأموال المختلسة

أصدر الإمام(عليه السلام) قراره الحاسم بتأميم الأموال المختلسة التي نهبها الحكم المُباد.

فبادرت السلطة التنفيذية بوضع اليد على القطائع التي أقطعها عثمان لذوي قُرباه، والأموال التي استأثر بها عثمان، وقد صودرت أمواله حتّى سيفه ودرعه، وأضافها الإمام(عليه السلام) إلى بيت المال.

وقد فزع بنو أُميّة كأشدّ ما يكون الفزع، وفزعت القبائل القرشية وأصابها الذهول، فقد أيقنت أنّ الإمام سيصادر الأموال التي منحها لهم عثمان بغير حقّ.

فكتب عمرو بن العاص رسالة إلى معاوية جاء فيها: «ما كنت صانعاً فاصنع، إذ قشرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها».

لقد راح الحسد والحقد ينهش قلوب القرشيين، وينخر ضمائرهم، فاندفعوا إلى إعلان العصيان والتمرّد على حكومة الإمام(عليه السلام).

الثالث: امتحان الإمام(عليه السلام)

امتُحِن الإمام(عليه السلام) امتحاناً عسيراً من الأُسَر القرشية، وعانى منها أشدّ ألوان المِحن والخُطوب في جميع أدوار حياته.

فيقول(عليه السلام) بهذا الشأن: «لقد أخافتني قُريش صغيراً، وأنصبتني كبيراً، حتّى قبض الله رسوله(صلى الله عليه وآله)، فكانت الطامّة الكبرى، والله المُستعان على ما تصفون».

ولم يعرهم الإمام(عليه السلام) اهتماماً، وانطلق يؤسّس معالم سياسته العادلة ويحقّق للأُمّة ما تصبوا إليه من العدالة الاجتماعية.

وقد أجمع رأيه(عليه السلام) على أن يقابل قريش بالمِثل، ويسدّد لهم الضربات القاصمة إن خلعوا الطاعة، وأظهروا البغي.

فيقول(عليه السلام): «مَا لي وَلِقُريش، والله لقد قتلتُهم كافرين، ولأقتلنّهم مَفتونين!… والله لأبقرنّ الباطل حتّى يظهر الحق من خَاصِرَتِه، فَقُلْ لقريش فَلتضجّ ضَجيجَها».

الرابع: سياسة الإمام(عليه السلام) الإصلاحية

فيما يلي عرضاً موجزاً للسياسة الإصلاحية التي اتبعها الإمام(عليه السلام) لإدارة الدولة الإسلامية وهي كما يلي:

أوّلاً: السياسة المالية

كانت السياسة المالية التي انتهجها الإمام(عليه السلام) امتداداً لسياسة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) الذي عنى بتطوير الحياة الاقتصادية وإنعاش الحياة العامّة في جميع أنحاء البلاد، بحيث لا يبقى فقير أو بائس أو محتاج، وذلك بتوزيع ثروات الأُمّة توزيعاً عادلاً على الجميع.

ومن مظاهر هذه السياسة:

۱ـ المساواة في التوزيع والعطاء، فليس لأحدٍ على أحد فضل أو امتياز، وإنّما الجميع على حدٍّ سواء، فلا فضل للمهاجرين على الأنصار، ولا لأُسرة النبي(صلى الله عليه وآله) وأزواجه على غيرهم، ولا للعربي على الأعجمي.

وقد أثارت هذه العدالة في التوزيع غضب الرأسماليين من قريش وغيرها، فأعلنوا سخطهم على الإمام(عليه السلام).

وقد خفّت إليه جموع من أصحابه تطالبه بالعدول عن سياسته، فأجابهم الإمام(عليه السلام): «لو كان المال لي لسوّيتُ بينهم، فكيف وإنّما المال مال الله، ألا وإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويُكرمه في الناس، ويهينه عند الله».

فكان الإمام(عليه السلام) يهدف في سياسته المالية إلى إيجاد مجتمع لا تطغى فيه الرأسمالية، ولا تحدث فيه الأزمات الاقتصادية، ولا يواجه المجتمع أيّ حرمان أو ضيق في حياته المعاشية.

وقد أدّت هذه السياسة المشرقة المستمدّة من واقع الإسلام وهَديه إلى إجماع القوى الباغية على الإسلام أن تعمل جاهدة على إشاعة الفوضى والاضطراب في البلاد، مستهدفة بذلك الإطاحة بحكومة الإمام(عليه السلام).

۲ـ الإنفاق على تطوير الحياة الاقتصادية، وإنشاء المشاريع الزراعية، والعمل على زيادة الإنتاج الزراعي الذي كان من أُصول الاقتصاد العام في تلك العصور.

وقد أكّد الإمام(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر على رعاية إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها.

فيقول(عليه السلام): «وليكُن نظرك في عِمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأنّ ذلك لا يُدرك إلّا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلّا قليلاً».

لقد كان أهمّ ما يعني به الإمام(عليه السلام) لزوم الإنفاق على تطوير الاقتصاد العام، حتّى لا يبقى أيّ شبح للفقر والحرمان في البلاد.

۳ـ عدم الاستئثار بأيّ شيء من أموال الدولة، فقد تحرّج الإمام(عليه السلام) فيها كأشدّ ما يكون التحرّج.

وقد أثبتت المصادر الإسلامية قصص كثيرة عن احتياطه الشديد، فقد وفد عليه أخوه عقيل طالباً منه أن يمنحه الصلة ويُرفّه عليه حياته المعاشية، فأخبره الإمام(عليه السلام) أنّ ما في بيت المال للمسلمين، وليس له أن يأخذ منه قليلاً ولا كثيراً، وإذا منحه شيء فإنّه يكون مختلساً.

وعلى أيّ حال فإنّ السياسة الاقتصادية التي تبنّاها الإمام(عليه السلام) قد ثقلت على القوى المنحرفة عن الإسلام، فانصرفوا عن الإمام وأهل بيته(عليهم السلام)، والتحقوا بالمعسكر الأُموي الذي يضمن لهم الاستغلال والنهب وسلب قوت الشعب والتلاعب باقتصاد البلاد.

ثانياً: السياسة الداخلية

عنى الإمام(عليه السلام) بإزالة جميع أسباب التخلّف والانحطاط، وتحقيق حياة كريمة يجد فيها الإنسان جميع متطلّبات حياته، من الأمن والرخاء والاستقرار، ونشير فيما يلي إلى بعض مظاهرها:

۱ـ المساواة. وتجسّدت في:

أ – المساواة في الحقوق والواجبات.

ب – المساواة في العطاء.

ج – المساواة أمام القانون.

وقد ألزم الإمام(عليه السلام) عُمّاله وولاته بتطبيق المساواة بين الناس على اختلاف قوميّاتهم وأديانهم.

فيقول(عليه السلام) في بعض رسائله إلى عمّاله: «واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وأَلِن لهم جنابك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك».

۲ـ الحرّية.

أمّا الحرّية عند الإمام(عليه السلام) فهي من الحقوق الذاتية لكلّ إنسان، ويجب أن تتوفّر للجميع، شريطة أن لا تستغلّ في الاعتداء والإضرار بالناس، وكان من أبرز معالمها هي الحرّية السياسية.

فكان الإمام(عليه السلام) يرى أنّ الناس أحرار، ويجب على الدولة أن توفّر لهم حرّيتهم ما دام لم يخلّوا بالأمن، ولم يعلنوا التمرّد والخروج على الحكم القائم.

وقد منح(عليه السلام) الحرّية للخوارج، ولم يحرمهم عطاءهم مع العلم أنّهم كانوا يشكّلون أقوى حزب معارض لحكومته، فلمّا سَعوا في الأرض فساداً وأذاعوا الذعر والخوف بين الناس، انبرى إلى قتالهم حفظاً على النظام العام، وحفظاً على سلامة الشعب.

ثالثاً: الدعوة إلى وحدة الأُمّة

وجهد الإمام كأكثر ما يكون الجهد والعناء على العمل على توحيد صفوف الأُمّة ونشر الأُلفة والمحبّة بين أبنائها.

واعتبر(عليه السلام) الأُلفة الإسلامية من نعم الله الكبرى على هذه الأُمّة، فيقول(عليه السلام): «فإنّ الله سبحانه قد امتَنّ على جماعة هذه الأُمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الأُلفة التي ينتقلون في ظلّها، ويأوون إلى كنفها، بنعمةٍ لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة؛ لأنّها أرجح من كلّ ثمّن، وأجلُّ من كلّ خطر».

فقد عنى الإمام(عليه السلام) بوحدة الأُمّة، وتبنّي جميع الأسباب التي تؤدّي إلى تماسكها واجتماع كلمتها، وقد حافظ على هذه الوحدة في جميع أدوار حياته، فقد ترك(عليه السلام) حقّه وسالَم الخلفاء صيانةً للأُمّة من الفرقة والاختلاف.

رابعاً: تربية الأُمّة

لم يعهد عن أحد من الخلفاء أنّه عنى بالناحية التربوية أو بشؤون التعليم كالإمام(عليه السلام)، وإنّما عنوا بالشؤون العسكرية وعمليات الحروب، وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية وبسط نفوذها على أنحاء العالم.

فقد أولى أمير المؤمنين(عليه السلام) المزيد من اهتمامه بهذه الناحية، فاتّخذ جامع الكوفة معهداً يلقي فيه محاضراته الدينية والتوجيهية.

وكان(عليه السلام) يشغل أكثر أوقاته بالدعوة إلى الله وإظهار فلسفة التوحيد، وبثّ الآداب والأخلاق الإسلامية، مستهدفاً من ذلك نشر الوعي الديني، وخلق جيل يؤمن بالله إيماناً عقائدياً لا تقليدياً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ تاريخ الطبري ۳ /۴۵۰٫

2ـ معالم الفتن ۱ /۴۶۲٫

3ـ اُنظر: حياة الإمام الحسين ۱ /۴۰۳٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

برای این بخش اعمالی ثبت نشده است

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

تم النسخ
الرجاء تسجيل الدخول