مناسبت ها و اعمال ماه رمضان   مركز آل البيت العالمي للمعلومات

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

بيعة الإمام الرضا (ع) بولاية العهد

دعوة المأمون للإمام الرضا(عليه السلام)

وجّه الخليفة المأمون العبّاسي دعوته إلى الإمام علي الرضا(عليه السلام)، وطلب منه المسير من المدينة المنوّرة إلى خراسان ـ مقرّ الخلافة ـ، فاستجاب الإمام(عليه السلام) لذلك مكرهاً.

وقد كان في تصوّر المأمون أنّ المَخرج من الأزمة السياسية التي أحاطت به هو مخاطبة الإمام(عليه السلام) بقبول ولاية العهد والمشاركة في إدارة شؤون الدولة؛ لكي يستطيع المأمون من ضَمِّ قوى المعارضة وجمع جناحي القوّة العلوية والعبّاسية بيده.

عرض المأمون ولاية العهد على الإمام الرضا(عليه السلام)

عن أبي الصلت الهروي قال: إنّ المأمون قال للرضا(عليه السلام): يابن رسول الله، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقّ بالخلافة منّي.

فقال الرضا(عليه السلام): «بالعبودية لله عزّ وجلّ افتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزّ وجلّ».

فقال له المأمون: إنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك.

فقال له الرضا(عليه السلام): «إن كانت الخلافة لك وجعلها الله لك، فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك».

فقال له المأمون: يابن رسول الله، لابدّ لك من قبول هذا الأمر، فقال: «لست أفعل ذلك طائعاً أبداً». فما زال يجهد به أيّاماً حتّى يئس من قبوله.

فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك، فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي.

فقال الرضا(عليه السلام): «والله لقد حدّثني أبي عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): إنّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسمّ مظلوماً، تبكي عليّ ملائكة السماء وملائكة الأرض، وأُدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد».

فبكى المأمون، ثمّ قال له: يابن رسول الله، ومن الذي يقتلك، أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حيّ؟

فقال الرضا(عليه السلام): «أما إنّي لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت».

فقال المأمون: يابن رسول الله، إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس: إنّك زاهد في الدنيا.

فقال الرضا(عليه السلام): «والله ما كذبت منذ خلقني ربّي عزّ وجلّ، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإنّي لأعلم ما تريد».

فقال المأمون: وما أُريد؟ قال: «لي الأمان على الصدق»؟ قال: لك الأمان.

قال: «تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة».

فغضب المأمون، ثمّ قال: إنّك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطواتي، فبالله أقسم لأن قبلت ولاية العهد وإلّا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلّا ضربت عنقك.

فقال الرضا(عليه السلام): «قد نهاني الله عزّ وجلّ أن ألقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك، على أنّي لا أولّي أحداً، ولا أعزل أحداً، ولا أنقض رسماً ولا سنّةً، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً» فرضي منه بذلك، وجعله ولي عهده على كراهة منه(عليه السلام) لذلك(۱).

سبب قبول الإمام(عليه السلام) ولاية العهد

عن الريان بن الصلت قال: «دخلت على علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، فقلت له: يابن رسول الله، إنّ الناس يقولون: إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا!

فقال(عليه السلام): “قد علم الله كراهتي لذلك، فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أنّ يوسف(عليه السلام) كان نبيّاً رسولاً، فلمّا دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له: اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى وهو المستعان”»(۲).

إعلان البيعة

كان إعلان البيعة للإمام الرضا(عليه السلام) بولاية العهد في السادس من شهر رمضان ۲۰۱ﻫ.

كيفية البيعة

جلس المأمون، ووضع للإمام الرضا(عليه السلام) وسادتين عظيمتين، وأجلس الرضا(عليه السلام) عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثمّ أمر ابنه العباس أن يبايع له أوّل الناس، فرفع الرضا(عليه السلام) يده فتلقّى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم، فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة؟

فقال الإمام الرضا(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هكذا كان يبايع»، فبايعه الناس ويده فوق أيديهم(۳)، وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا(عليه السلام) وما كان من المأمون في أمره.

خطبة الإمام الرضا(عليه السلام) يوم البيعة

قال المأمون للإمام الرضا(عليه السلام): اخطب الناس، وتكلّم فيهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «إنّ لنا عليكم حقّاً برسول الله، ولكم علينا حقّاً به، فإذا أنتم أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحقّ لكم»(۴).

إخبار الإمام(عليه السلام) بعدم بقائه لزمان الخلافة

روي أنّ أحد خواصّ الإمام(عليه السلام) كان حاضراً مستبشراً في الاحتفال الذي أقامه المأمون بمناسبة قبول الإمام(عليه السلام) بولاية العهد.

فنظر إليه الإمام(عليه السلام) وأومأَ قائلاً: «أدنُ مِنِّي»، فلمّا دنا منه همس(عليه السلام) في أُذنه قائلاً: «لا تشْغَل قلبَك بِهَذا الأمرِ، ولا تَسْتَبشِر لَهُ، فَإنّهُ شَيء لا يَتمُّ»(۵).

التغيرات الحاصلة بعد قبول ولاية العهد

لقد قام المأمون ببعض التغيرات، منها:

۱ـ أبدل لبس السواد الذي هو شعار للعبّاسيين بلبس الثياب الخضر الذي هو شعار للعلويين.

۲ـ أمر بطبع اسم الإمام الرضا(عليه السلام) على الدراهم.

۳ـ أعلن عن عزمه على صرف مرتّب سنوي بهذه المناسبة السعيدة.

أهداف المأمون من ذلك

كانت للمأمون عدّة أهداف من بيعته للإمام الرضا(عليه السلام) بولاية العهد، منها:

۱ـ الحصول على اعتراف من العلويّين، على شرعية الخلافة العبّاسية، بل لقد كان يريد أن يحصل من العلويين على اعتراف بأنّ الحكم حقّ للعبّاسيين فقط.

۲ـ الحصول على اعتراف ضمني من الإمام(عليه السلام) بشرعية تصرّفاته طيلة فترة ولاية العهد، فيكون سكوت الإمام(عليه السلام) في فترة ولاية العهد عن تصرّفات الهيئة الحاكمة دالاًّ على رضاه بها، ويعتبر إمضاء لها.

مدى جدّية عرض الخلافة

عرض المأمون أوّلاً الخلافة على الإمام(عليه السلام) وألحّ عليه بقبولها، فلمّا يئس من قبوله الخلافة عرض عليه ولاية العهد، فامتنع(عليه السلام) أيضاً ولم يقبل إلّا بعد أن هدّده بالقتل، فهل كان المأمون جادّاً في عرضه الخلافة على الإمام؟!

وإذا لم يكن المأمون جادّاً في عرضه ذاك، فماذا ترى سوف يكون موقف المأمون لو أنّ الإمام(عليه السلام) قبل أن يتقلّد الخلافة؟

في الحقيقة أنّ جميع الشواهد والدلائل تدلّ على أنّ المأمون لم يكن جادّاً في عرضه للخلافة، إذ كيف يمكن للمأمون أن يكون جادّاً وقد قتل من أجل الخلافة أخاه وأتباعه، بل وحتّى وزراءه هو وقوّاده وغيرهم.

وأهلك العباد وخرّب البلاد، فقد خرّب بغداد وأزال كلّ محاسنها من أجل الحصول على الخلافة، فكيف يتنازل عنها بهذه السهولة، بل ومع هذا الإلحاح والإصرار منه لرجلٍ غريب ليس له من القربى منه ما لأخيه، ولا من الثقة به ماله بقوّاده ووزرائه!.

وهل يمكن أن نصدّق أنّ كلّ ذلك ـ حتّى قتله أخاه ـ كان في سبيل مصلحة الأُمّة ومن أجلها ولكي يفسح المجال أمام من هو أجدر بالخلافة وأحقّ بها من أخيه ومنه؟

وإذا كان قد نذر أن يولّيه الخلافة لو ظفر بأخيه الأمين ـ حسبما ورد في بعض النصوص التاريخيةـ، فلماذا وكيف جاز له الاكتفاء بتوليته العهد؟!

وكيف استطاع إجباره على قبول ولاية العهد، ولم يستطع إجباره على قبول الخلافة؟ وهل يتّفق ذلك مع إرجاعه للإمام(عليه السلام) عن صلاة العيد لمجرّد أنّه جاءه من ينذره بأنّ الخلافة سوف تكون في خطر لو أنّ الإمام(عليه السلام) وصل إلى المصلى؟!

والنتيجة هي: إنّ المأمون لم يكن جادّاً في عرضه للخلافة، وإنّما فقط كان جادّاً في عرضه لولاية العهد.

ويبقى هنا سؤال: لو أنّ الإمام قبل عرض الخلافة، فماذا ترى سوف يكون موقف المأمون؟!

والجواب: إنّ المأمون كان قد أعدّ العدّة لأيّ احتمال من هذا النوع، وقد كان يعلم أنّه يستحيل على الإمام(عليه السلام) ـ خصوصاً في تلك الظروف ـ أن يقبل عرض الخلافة من دون إعداد مسبق لها(۶).

ــــــــــــــــــــــــــ

1ـ الأمالي للصدوق: ۱۲۵٫

2ـ المصدر السابق: ۱۳۰٫

3ـ الإرشاد ۲ /۲۶۱٫

4ـ المصدر السابق ۲ /۲۶۲٫

5ـ المصدر السابق ۲ /۲۶۳٫

6ـ اُنظر: حياة الإمام الرضا: ۲۸۶٫

بقلم: محمد أمين نجف

وفاة أبي طالب

قرابته بالمعصوم

عمّ رسول الله(ص)، وأبو الإمام علي(ع)، وجدّ الإمامينِ الحسن والحسين(عليهما السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو طالب عبد مناف بن عبد المطّلب بن هاشم.

أُمّه

فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية.

ولادته

ولد حوالي عام 88 قبل الهجرة، أي قبل ولادة النبي(ص) بخمسة وثلاثين عاماً، ومن المحتمل أنّه ولد في مكّة باعتباره مكّيّاً.

إيمانه

لمّا بُعث النبي محمّد(ص) إلى البشرية مبشّراً ومنذراً، صدّقه أبو طالب وآمن بما جاء به من عند الله، ولكنّه لم يُظهر إيمانه تمام الإظهار، بل كتمه ليتمكّن من القيام بنصرة رسول الله(ص) ومَن أسلم معه.

قال الشيخ المفيد(قدس سره): «اتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله(ص) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب مؤمنون بالله عزّ وجل موحّدون له… .

وأجمعوا على أنّ عمّه أبا طالب رحمه الله مات مؤمناً، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنّها تُحشر في جملة المؤمنين»(1).

وقال الشيخ الصدوق(قدس سره): «اعتقادنا في آباء النبي أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله، وأنّ أبا طالب كان مسلماً، وأُمّه آمنة بنت وهب كانت مسلمة»(2).

من الأدلّة على إيمانه

أ ـ روايات أهل البيت(عليهم السلام)، نذكر منها:

1ـ قال العباس بن عبد المطّلب: «قلتُ لرسولِ اللهِ(ص): يا بنَ أخي، ما ترجُو لأبي طالبٍ عمّك؟ قال: أرجو لهُ رحمةً من ربِّي وكلّ خير»(3).

2ـ قال الإمام علي(ع): «مَا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ حَتَّى أَعْطَى رَسُولَ اللهِ(ص) مِنْ نَفْسِهِ الرِّضَا»(4).

وواضح أنّ رسول الله(ص) لا يرضى إلّا عن المؤمنين.

3ـ قال الإمام علي(ع): «وَاللهِ مَا عَبَدَ أَبِي وَلَا جَدِّي عَبْدُ المُطَّلِبِ وَلَا هَاشِمٌ وَلَا عَبْدُ مَنَافٍ صَنَماً قَطُّ، قِيلَ: وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؟ قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ مُتَمَسِّكِينَ بِه‏»(5).

4ـ قال الإمام علي(ع): «كَانَ وَاللهِ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مُؤْمِناً مُسْلِماً، يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَخَافَةً عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ تُنَابِذَهَا قُرَيْش‏»(6).

5ـ قال أبو بصير ليث المرادي: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع): سَيِّدِي إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ!

فَقَالَ(ع): كَذَبُوا وَاللهِ إِنَّ إِيمَانَ أَبِي طَالِبٍ لَوْ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَإِيمَانَ هَذَا الخَلْقِ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى إِيمَانِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: كَانَ وَاللهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ أَنْ يُحَجَّ عَنْ أَبِي النَّبِيِّ وَأُمِّهِ وَعَنْ أَبِي طَالِبٍ حَيَاتَهُ، وَلَقَدْ أَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ بِالحَجِّ عَنْهُمْ بَعْدَ مَمَاتِه‏»(7).

6ـ عن يونس بن نباتة، عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «يَا يُونُسُ، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي إِيمَانِ أَبِي طَالِبٍ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، يَقُولُونَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهَا أُمُّ رَأْسِهِ.

فَقَالَ: كَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مِنْ رُفَقَاءِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً»(8).

7ـ قال الإمام الصادق(ع): «إِنَّ مَثَلَ أَبِي طَالِبٍ مَثَلُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَسَرُّوا الْإِيمَانَ وَأَظْهَرُوا الشِّرْكَ، فَآتَاهُمُ اللهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ»(9).

ب ـ إجماع علماء مذهب الشيعة على إسلامه بل إيمانه، وإجماعهم هذا حجّة، وقد وافقهم على إسلامه(رضوان الله عليه) من علماء السنّة جماعة، لكن عامّهم على خلاف ذلك.

وقد وافق أكثر الزيدية الشيعة على إسلامه(رضوان الله عليه)، وبعض من شيوخ المعتزلة، وجماعة من الصوفية، وغيرهم.

ج ـ أشعاره(رضوان الله عليه) التي تُنبئ عن إسلامه، ونذكر هنا أحد عشر شاهداً من شعره، وهي:

1ـ ألمْ تَعلمُوا أنَّا وَجدنَا مُحمَّداً  **  نَبيّاً كَمُوسَى خُطَّ في أوَّلِ الكتبِ

2ـ نبيٌّ أتاهُ الوَحيُ مِن عندِ ربِّهِ  **  ومَن قالَ لا يَقرعْ بها سِنَّ نَادمِ

3ـ يا شَاهدَ اللهِ عليَّ فاشهدِ  **  إنّي على دينِ النَّبيِّ أحمدِ

4ـ يا شاهدَ الوحي من عندِ ربِّهِ  **  إنّي على دينِ النَّبيِّ أحمدِ

5ـ أنتَ الرَّسولُ رسولُ اللهِ نَعلمُهُ  **  عليكَ نُزِّلَ من ذي العِزَّةِ الكتبُ

6ـ بِظُلمِ نبيٍّ جاءَ يَدعُو إلى الهُدى  **  وأَمرٍ أَتى مِن عندِ ذي العَرشِ قيِّم

7ـ لقد أكرمَ اللهُ النبيَّ محمّداً  **  فأكرمُ خَلقِ اللهِ في النَّاسِ أحمدُ

8ـ وخَيرُ بني هاشمٍ أحمدُ  **  رَسولُ الإلهِ على فترة

9ـ والله لا أخذلُ النَّبيَّ ولا  **  يخذلُهُ من بَني ذو حَسَبِ

10ـ قال مخاطباً ملك الحبشة ويدعوه إلى الإسلام:

«لِيَعلمَ خَيرُ النَّاسِ أنَّ مُحمَّداً  **  رَسولٌ كموسى والمسيحِ ابنِ مريم

أتَى بالهُدى مِثلَ الذي أتَيَا بهِ  **  فكلٌّ بِحمدِ اللهِ يَهدي ويَعصِمُ

وأنَّكم تَتلونَهُ في كِتابِكُم  **  بِصدقِ حَديثٍ لا حَديثَ المجمجم

فلا تَجعلُوا للهِ نِدّاً وأسلِمُوا  **  فإنَّ طريقَ الحقِّ ليسَ بمُظلمِ»(10).

11ـ قال مخاطباً أخاه حمزة(رضوان الله عليهما):

«فَصَبراً أبَا يَعلَى عَلَى دِينِ أَحْمَدَ  **  وكُنْ مُظْهِراً لِلدِّينِ وُفِّقْتَ صَابراً

نَبيٌّ أتى بِالحَقِّ مِنْ عِندِ رَبِّهِ  **  بِصِدقٍ وَعَزمٍ لا تَكُنْ حَمْزُ كافراً

فَقَدْ سَرَّنِي إذْ قُلْتَ لَبَّيكَ مُؤمِناً  **  فَكُنْ لِرسولِ اللهِ في اللهِ نَاصِراً

ونَادِ قُريشاً بالَّذِي قَدْ أتيتَهُ  **  جِهاراً وَقُلْ مَا كَانَ أَحمدُ سَاحراً»(11).

كفالته للنبي(ص)

تُوفّي أخوه عبد الله ـ والد النبي(ص) ـ والنبي حمل في بطن أُمّه، وحينما ولد(ص) تكفّله جدّه عبد المطّلب، ولمّا حضرت الوفاة لعبد المطّلب أوصى ولده أبا طالب بحفظ رسول الله(ص) وحياطته وكفالته، وكان عمره(ص) ثماني سنين، فكفله أبو طالب وقام برعايته أحسن قيام.

حبّه للنبي(ص)

كان(رضوان الله عليه) يُحبّ النبي(ص) حبّاً شديداً، وفي بعض الأحيان إذا رآه كان يبكي ويقول: «إذا رأيته ذكرت أخي»(12)، وكان عبد الله أخاه لأبويه.

حنوّه على النبي(ص)

لمّا أدخلت قريش بني هاشم الشعب إلّا أبا لهب وأبا سفيان بن الحرث، فبقي القوم بالشعب ثلاث سنين، وكان رسول الله(ص) إذا أخذ مضجعه وعرف مكانه، جاءه أبو طالب فأنهضه عن فراشه وأضجع ابنه أمير المؤمنين(ع) مكانه.

فقال له أمير المؤمنين(ع) ذات ليلة: «يَا أَبَتَاهْ إِنِّي مَقْتُول‏»، فقال:

«اِصبِرَنْ يا بُنيَّ فالصَّبرُ أحْجَى  **  كلُّ حيٍّ مصيرهُ لشعوبِ

قَد بَذلناكَ والبلاءُ شَديدٌ  **  لِفِداءِ الحبيبِ وابنِ الحبيبِ

لِفِداء الأغرِّ ذي الحَسَبِ الثَّاقبِ  **  والباعِ والكريمِ النَّجيبِ

إنْ تُصِبْكَ المنونُ فالنَّبلُ تُرمى  **  فَمُصيبٌ منها وغيرُ مُصيبِ

كلُّ حيٍّ وإن تملى بِعَيشٍ  **  آخذٌ من خِصَالِها بِنصيبِ

فأجابه أمير المؤمنين(ع):

أتأمُرُني بالصَّبرِ في نَصرِ أحمدٍ  **  ووَالله ما قُلتُ الذي قلتُ جَازِعا

ولكنَّني أحبَبْتُ أن ترَ  نُصرتي  **  وتَعلمَ إنِّي لَمْ أَزَلْ لَكَ طَائعاً

وسَعْيي لِوجهِ اللهِ في نَصرِ أحمدٍ  **  نبيِّ الهُدى المحمودِ طِفلاً ويافعاً»(13).

تناله شفاعة النبي(ص)

قال الإمام الصادق(ع): «هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(ص) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَفَّعَكَ فِي خَمْسَةٍ: فِي‏ بَطْنٍ حَمَلَكَ ـ وَهِيَ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ـ، وَفِي صُلْبٍ أَنْزَلَكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ـ، وَفِي حَجْرٍ كَفَلَكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ ـ، وَفِي بَيْتٍ آوَاكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَبُو طَالِبٍ ـ، وَفِي أَخٍ كَانَ لَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ»(14).

حُرّم على النار

قال الإمام الصادق(ع): «نَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع) عَلَى النَّبِيِّ(ص) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ النَّارَ عَلَى صُلْبٍ أَنْزَلَكَ، وَبَطْنٍ حَمَلَكَ، وَحَجْرٍ كَفَلَكَ، فَالصُّلْبُ صُلْبُ أَبِيكَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَالْبَطْنُ الَّذِي حَمَلَكَ فَآمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، وَأَمَّا حَجْرٌ كَفَلَكَ فَحَجْرُ أَبِي طَالِب‏»(15).

من زوجاته

ابنة عمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم.

من أولاده

1ـ طالب، له شعر في مدح النبي(ص)، ومنه يظهر إسلامه، حيث قال:

«وخَيرُ بَني هَاشِمٍ أحمدٌ  **  رَسولُ الإلهِ عَلَى فَترة»(16).

2ـ عقيل، خاطبه النبي(ص) بقوله: «إنّي أُحبّكَ حبّينِ، حُبّاً لقرابتِكَ منِّي، وحُبّاً لما كنتُ أعلم من حُبِّ عمِّي إيّاكَ»(17).

3ـ جعفر الطيّار، لمّا قُتل قال النبي(ص): «إِنَّ اللهَ عزّ وجل أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الجَنَّةِ حَيْثُ يشَاء» (18).

4ـ الإمام علي(ع) «زوج فاطمة الزهراء(عليها السلام)».

5ـ أُمّ هاني فاختة، قال النبي(ص): «مَعَاشِرَ النَّاسِ، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ النَّاسِ… عَمّاً وَعَمَّةً؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، عَمُّهُمَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّتُهُمَا أُمُّ هَانِي بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ»(19).

6ـ جُمانة «أعطاها النبي(ص) في خيبر ثلاثين وسقاً من التمر»(20).

وفاته

تُوفّي(رضوان الله عليه) في السابع من شهر رمضان 10 للبعثة النبوية الشريفة بشعب أبي طالب في مكّة المكرّمة، وقيل: تُوفّي في السادس والعشرين من رجب 10 للبعثة النبوية الشريفة، ودُفن في مقبرة الحَجُون.

تجهيزه

«لمّا قُبض(رحمه الله)، أتى أمير المؤمنين(ع) رسول الله(ص)، فآذنه بموته، فتوجّع لذلك النبي(ص) وقال: امْضِ يَا عَلِيُّ، فَتَوَلَّ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَتَحْنِيطَهُ، فَإِذَا رَفَعْتَهُ عَلَى سَرِيرِهِ فَأَعْلِمْنِي‏.

ففعل ذلك أمير المؤمنين(ع)، فلمّا رفعه على السرير اعترضه النبي(ص) فَرَقّ له وقال: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، وَجُزِيتَ خَيْراً، يَا عَمِّ، فَلَقَدْ رَبَّيْتَ وَكَفَّلْتَ صَغِيراً، وَآزَرْتَ وَنَصَرْتَ كَبِيراً.

ثمّ أقبل على الناس فقال: أَمَا وَاللهِ، لَأَشْفَعَنَّ لِعَمِّي شَفَاعَةً يَعْجَبُ منهَا أَهْلُ الثَّقَلَيْن»(21).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ أوائل المقالات: 45.

2ـ الاعتقادات: 110، باب40.

3ـ الدرجات الرفيعة: 49.

4ـ شرح نهج البلاغة 14/ 71.

5ـ كمال الدين وتمام النعمة 1/ 174 ح32.

6ـ بحار الأنوار 35/ 114 ح51.

7ـ المصدر السابق ح44.

8ـ كنز الفوائد: 80.

9ـ الكافي 1/ 448 ح28.

10ـ روضة الواعظين: 141.

11ـ إيمان أبي طالب للمفيد: 34.

12ـ شرح نهج البلاغة 14/ 64.

13ـ الفصول المختارة: 59.

14ـ الخصال 1/ 293 ح59.

15ـ الكافي 1/ 446 ح21.

16ـ شرح نهج البلاغة 14/ 78.

17ـ الاستيعاب 3/ 1078 رقم1834.

18ـ المصدر السابق 1/ 242 رقم327.

19ـ الأمالي للصدوق: 532 ح702.

20ـ اُنظر: الاستيعاب 4/ 1801 رقم3271.

21ـ إيمان أبي طالب للمفيد: 25.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

وفاة السيدة خديجة بنت خويلد الأسدية

قرابتها بالمعصوم

زوجة رسول الله(ص)، وأُمّ السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وجدّة الإمامينِ الحسن والحسين(عليهما السلام) لأُمّهم.

اسمها ونسبها

أُمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد الأسدية.

أُمّها

فاطمة بنت زائدة بن الأصم العامرية.

ولادتها

ولدت حوالي عام 68 قبل الهجرة ـ أي قبل ولادة النبي(ص) بخمسة عشر عاماً ـ بمكّة المكرّمة.

زواجها

تزوّجت(رضوان الله عليها) من رسول الله(ص) في العاشر من ربيع الأوّل، وكانت في عمر الأربعين، وكان عمره(ص) خمسة وعشرين عاماً، ولم يتزوّج غيرها في حياتها حتّى تُوفّيت(رضوان الله عليها).

من أولادها

اختلفت الأقوال في عدد أولادها من رسول الله(ص)، ولكن من المسلّم أنّ القاسم والسيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) منها، والقاسم قد تُوفّي في حياة النبي(ص)، وبه يُكنّى(ص).

ولادتها فاطمة الزهراء(عليها السلام)

ولدت(رضوان الله عليها) ابنتها فاطمة الزهراء(عليها السلام) في العشرين من جمادى الثانية في السنة الخامسة للبعثة النبوية المباركة بمكّة المكرّمة.

إسلامها

كانت(رضوان الله عليها) أوّل امرأة آمنت بالدين الإسلامي، فقد ورد عن ابن شهاب أنّه قال: «بلغنا أنّ خديجة بنت خويلد زوج النبي(ص) كانت أوّل مَن آمن بالله ورسوله»(1).

من صفاتها

كانت(رضوان الله عليها) امرأة حازمة لبيبة شريفة، ومن أوسط قريش نسباً، وأعظمهم شرفاً، وأكثرهم مالاً، وقد آزرت زوجها رسول الله(ص) أيّام المحنة، فخفّف الله تعالى عنه بها.

وكان(ص) لا يسمع شيئاً يكرهه من مشركي مكّة من الردّ والتكذيب إلّا خفّفته عنه وهوّنته، وبقيت هكذا تُسانده حتّى آخر لحظة من حياتها.

مكانتها وفضلها

لها(رضوان الله عليها) مكانة ومنزلة عالية عند الله تعالى، أتى جبرئيل(ع) إلى النبي(ص) فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَب‏»(2).

وقال رسول الله(ص): «خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَابْنَةُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ»(3).

وقال(ص): «كملَ من الرجالِ كثيرٌ، ولم يكمل من النساءِ إلّا مريمُ، وآسيةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ»(4).

إنفاقها

قد أنفقت(رضوان الله عليها) أموالها في أيّام تعرّض المسلمين للاضطهاد والحصار الاقتصادي الذي فرضه مشركو مكّة، فقال النبي(ص) حول إنفاقها: «مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مِثْلَ مَا نَفَعَنِي مَالُ خَدِيجَة»(5)، وكان(ص) يفكّ من مالها الغارم والأسير، ويُعطي الضعيف، ومَن لا والد له ولا ولد، والعيال والثقل.

حبّ النبي(ص) لها

كان(ص) يُحبّها حبّاً كثيراً، ويكفينا شاهداً على ذلك قول عائشة: «مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ(ص) مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ(ص) يُكثر ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يَقْطَعُهَا أعضاءً، ثمّ يَبْعَثُهَا في صدائقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنْه لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا إِلَّا خَدِيجَةَ! فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ، وكَانَتْ، وكان لِي مِنْهَا الأولاد»(6).

وقالت عائشة أيضاً: «كان رسول الله(ص) إذا ذكر خديجة لم يكن يسأم من الثناء عليها والاستغفار لها، فذكرها ذات يوم واحتملتني الغيرة إلى أن قلت: قد عوّضك الله من كبيرة السن.

قالت: فرأيت رسول الله(ص) غضب غضباً سقط في جلدي، فقلت في نفسي: اللّهم إنّك إن أذهبت عنّي غضب رسول الله(ص) لم أذكرها بسوء ما بقيت، فلمّا رأى رسول الله(ص) الذي قد لقيت، قال: كيف قلتِ؟ واللهِ لقد آمنت بي إذ كفرَ بي الناسُ، وصدّقتني إذ كذّبني الناسُ، ورُزقت منّي الولد إذ حرمتيه منّي»(7).

وفي رواية قالت: «أغضبتُه يوماً فقال:(ص): إنّي رُزِقتُ حُبّها»(8).

وصيّتها للنبي‏(ص)

لمّا اشتدّ مرضها(رضوان الله عليها) قالت: «يا رسول الله‏، أسمع وصاياي:

أوّلاً: إنّي قاصرة في حقّك فاعفني يا رسول الله. قال‏(ص): حاشا وكلّا، ما رأيت منكِ تقصيراً، فقد بلغتِ بجهدِكِ، وتعبتِ في داري غاية التعب، ولقد بذلتِ أموالِكِ، وصرفتِ في سبيلِ اللهِ مالَكِ.

ثانياً: أُوصيك بهذه ـ وأشارت إلى فاطمة ـ فإنّها يتيمة غريبة من بعدي، فلا يُؤذينها أحد من نساء قريش، ولا يلطمنّ خدّها، ولا يصيحنّ في وجهها، ولا يرينّها مكروهاً.

ثالثاً: إنّي خائفة من القبر، أُريد منك رداءك الذي تلبسه حين ‏نزول الوحي تُكفّنني فيه. فقام النبي(ص) وسلّم الرداء إليها، فسرّت به سروراً عظيماً، فلمّا تُوفّيت خديجة أخذ رسول الله‏(ص) في تجهيزها وغسّلها وحنّطها، فلمّا أراد أن يُكفّنها هبط الأمين جبرئيل وقال: يا رسول الله، إنّ الله يُقرئك السلام ويخصّك بالتحية والإكرام، ويقول لك: يا محمّد، إنّ كفن خديجة من عندنا، فإنّها بذلت مالها في سبيلنا.

فجاء جبرئيل بكفن وقال: يا رسول الله، هذا كفن خديجة، وهو من أكفان الجنّة أهداه الله إليها. فكفّنها رسول الله‏(ص) بردائه الشريف أوّلاً، وبما جاء به جبرئيل ثانياً، فكان لها كفنان: كفن من الله، وكفن من رسوله»(9).

وفاتها

تُوفّيت(رضوان الله عليها) في العاشر من شهر رمضان  10 للبعثة النبوية الشريفة بشعب أبي طالب في مكّة المكرّمة، ودُفنت بمقبرة الحجون.

رثاؤها

ممّن رثاها الإمام علي(ع) بقوله:

«أَعَيْنَيَّ جُودَا بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا ** عَلَى هَالِكَيْنِ لَا تَرَى لَهُمَا مِثْلا

عَلَى سَيِّدِ الْبَطْحَاءِ وَابْنِ رَئِيسِهَا ** وَسَيِّدَةِ النِّسْوَانِ أَوَّلِ مَنْ صَلَّى‏

مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَهُ خِيمَهَا ** مُبَارَكَةٌ وَاللَهُ سَاقَ لَهَا الْفَضْلَا

مُصَابُهُمَا أَدْجَى إِلَى الْجَوِّ وَالْهَوَا ** فَبِتُّ أُقَاسِي مِنْهُمُ الْهَمَّ وَالثُّكْلَا

لَقَدْ نَصَرَا فِي اللهِ دِينَ مُحَمَّدٍ ** عَلَى مَنْ يُعَافِي الدِّينَ قَدْ رَعَيَا إِلّا»(10).

ـــــــــــــــــــــ

1ـ المصنّف لابن أبي شيبة 8/ 328 ح28.

2ـ صحيح مسلم 7/ 133.

3ـ الاستيعاب 4/ 1821 رقم3311.

4ـ تفسير جامع البيان 3/ 358.

5ـ الأمالي للطوسي: 468.

6ـ صحيح البخاري 4/ 231.

7ـ المعجم الكبير 23/ 13.

8ـ صحيح ابن حبّان 15/ 467.

9ـ شجرة طوبى 2/ 234، المجلس السابع.

10ـ بحار الأنوار 35/ 143.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد المختار بن أبي عبيدة الثقفي

اسمه وكنيته ونسبه(1)

أبو إسحاق، المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي.

ولادته

ولد(رضي الله عنه) عام ۱ﻫ بالطائف.

نشأته

«نشأ(رضي الله عنه) مقداماً شجاعاً يتعاطى معالي الأُمور، وكان ذا عقل وافر، وجواب حاضر، وخلال مأثورة، ونفس بالسخاء موفورة، وفطرة تدرك الأشياء بفراستها، وهمّة تعلو على الفراقد بنفاستها، وحدس مصيب، وكفّ في الحروب مجيب، مارس التجارب فحنّكته، ولابس الخطوب فهذّبته»(۲).

من أقوال الأئمّة(عليهم السلام) فيه

۱ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام) للحكم ابن المختار: «رحم الله أباك، رحم الله أباك، ما ترك لنا حقّاً عند أحد إلّا طلبه، قتل قتلتنا، وطلب بدمائنا»(۳).

۲ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): «لا تسبّوا المختار؛ فإنّه قتل قتلتنا، وطلب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة»(۴).

۳ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت، حتّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين(عليه السلام)»(۵).

۴ـ قال عمر بن علي بن الحسين: «إنّ علي بن الحسين(عليهما السلام) لمّا أُتي برأس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد، فخرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً»(۶).

سجنه

تُعرف في المختار شمائل النخوة والإباء ورفض الظلم، وتُرى فيه مواقف الشجاعة والتحدّي أحياناً، وهذا أشدّ ما تخشاه السلطات الأُموية، فألقت القبض عليه، وأودعته في سجن عبيد الله بن زياد في الكوفة.

وكان هذا تمهيداً لتصفية القوى والشخصيات المعارضة، والتفرّغ لإبادة أهل البيت بعد ذلك حيث لا أنصار لهم ولا أتباع.

وتقتضي المشيئة الإلهية أن يلتقي المختار في السجن بميثم التمّار ـ هذا المؤمن الصالح الذي أخذ علومه من الإمام علي(عليه السلام) ـ فيبشّره بقوله: «إنّك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين(عليه السلام)، فتقتل هذا الجبّار الذي نحن في سجنه ـ أي ابن زياد ـ وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخدّيه(۷).

ولم تطل الأيّام حتّى دعا عبيد الله بن زياد بالمختار من سجنه ليقتله، وإذا برسالة من يزيد بن معاوية تصل إلى ابن زياد يأمره فيها بإخراج المختار من السجن، وذلك أنّ أُخت المختار كانت زوجة عبد الله بن عمر، فسألت زوجها أن يشفع لأخيها إلى يزيد، فشفع فأمضى يزيد شفاعته، فكتب بإخراج المختار.

ثورته

أوجدت ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) ردود فعل كبيرة في صفوف الأُمّة الإسلامية، فتوالت الحركات الثورية مقاومة التسلّط البغيض للزمرة الظالمة الأُموية، وعلى إضعافها.

فحدثت ثورة التوّابين بقيادة سليمان بن صُرد الخزاعي، والمسيّب بن نجبة الفزاري بالكوفة، ورفعوا شعار التوبة والتكفير لتخلّفهم عن نصرة الإمام الحسين(عليه السلام)، ثمّ وقعت ثورة المختار الثقفي تحت شعار: «يا لثارات الحسين».

فأخذ المختار يقتل كلّ مَن اشترك في قتل الإمام الحسين(عليه السلام) من أهل الكوفة.

حرقه لحرملة

قال المنهال: «دخلت على علي بن الحسين(عليهما السلام) منصرفي من مكّة، فقال لي: يا منهال، ما صنع حرملة بن كاهل الأسدي؟ فقلت: تركته حيّاً بالكوفة.قال: فرفع يديه جميعاً، ثمّ قال(عليه السلام): اللّهم أذقه حرّ الحديد، اللّهم أذقه حرّ الحديد، اللّهم أذقه حرّ الحديد، اللّهم أذقه حرّ النار.

قال المنهال: فقدمت الكوفة، وقد ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان لي صديقاً، فكنت في منزلي أيّاماً حتّى انقطع الناس عنّي، وركبت إليه، فلقيته خارجاً من داره، فقال: يا منهال، لم تأتنا في ولايتنا هذه، ولم تهنئنا بها، ولم تشركنا فيها؟ فأعلمته أنّي كنت بمكّة، وأنّي قد جئتك الآن، وسايرته ونحن نتحدّث حتّى أتى الكناس، فوقف وقوفاً كأنّه ينظر شيئاً، وقد كان أُخبر بمكان حرملة بن كاهل، فوجّه في طلبه، فلم يلبث أن جاء قوم يركضون، وقوم يشتدّون، حتّى قالوا: أيّها الأمير البشارة، قد أُخذ حرملة بن كاهل، فما لبثنا أن جيء به، فلمّا نظر إليه المختار، قال لحرملة: الحمد لله الذي مكّنني منك، ثمّ قال: الجزّار الجزّار.

فأُتي بجزّار، فقال له: اقطع يديه. فقطعتا، ثمّ قال له: اقطع رجليه. فقطعتا، ثمّ قال: النار النار. فأُتي بنار وقصب، فأُلقي عليه فاشتعل فيه النار، فقلت: سبحان الله! فقال لي: يا منهال، إنّ التسبيح لحسن ففيم سبّحت؟ فقلت: أيّها الأمير، دخلت في سفرتي هذه منصرفي من مكّة على علي بن الحسين(عليهما السلام)، فقال لي: يا منهال، ما فعل حرملة بن كاهل الأسدي؟ فقلت: تركته حيّاً بالكوفة، فرفع يديه جميعاً، فقال: اللّهم أذقه حرّ الحديد، اللّهم أذقه حرّ الحديد، اللّهم أذقه حرّ الحديد، اللّهم أذقه حرّ النار.

فقال لي المختار: أسمعت علي بن الحسين(عليهما السلام) يقول هذا؟ فقلت: والله لقد سمعته يقول هذا. قال: فنزل عن دابّته، وصلّى ركعتين، فأطال السجود، ثمّ قال: فركب وقد احترق حرملة»(۸).

إرساله جيشاً لمقاتلة عبيد الله بن زياد

«شيّع المختارُ إبراهيمَ بن مالك الأشتر ماشياً ـ بعثه إلى قتال عبيد الله بن زياد ـ، فقال له إبراهيم: اركب رحمك الله، فقال: إنّي لأحتسب الأجر في خطاي معك، وأحبُّ أن تغبرّ قدماي في نصر آل محمّد(صلى الله عليه وآله)، ثمّ ودّعه وانصرف.

فسار ابن الأشتر إلى المدائن، ثمّ سار يريد ابن زياد… ثمّ نزل ابن الأشتر نهر الخازر بالموصل، أقبل ابن زياد في الجموع… ثمّ التقوا فحضّ ابن الأشتر أصحابه وقال: يا أهل الحقّ وأنصار الدين، هذا ابن زياد قاتل الحسين بن علي وأهل بيته(عليهم السلام)، قد أتاكم الله به وبحزبه حزب الشيطان، فقاتلوهم بنيّةٍ وصبر، لعلّ الله يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم.

وتزاحفوا، ونادى أهل العراق: يا لثارات الحسين، فجال أصحاب ابن الأشتر جولة…ثمّ حمل ابن الأشتر عشياً فخالط القلب، وكسرهم أهل العراق فركبوهم يقتلونهم، فانجلت الغمّة وقد قتل عبيد الله بن زياد، وحصين بن نمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع… وأعيان أصحابه… .

وبعث ابن الأشتر برأس ابن زياد وأعيان مَن كان معه، فقدّم بالرؤوس والمختار يتغدّى، فأُلقيت بين يديه، فقال: الحمد لله ربّ العالمين! وضع رأس الحسين بن علي(عليهما السلام) بين يدي ابن زياد لعنه الله وهو يتغدّى، وأُتيت برأس ابن زياد وأنا أتغدّى… .

فلمّا فرغ المختار من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله، ثمّ رمى بها إلى مولىً له وقال: اغسلها فإنّي وضعتها على وجه نجس كافر… .

وبعث برأس ابن زياد… إلى محمّد بن الحنفية بمكّة… وقدموا بالكتاب والرؤوس عليه، فبعث ـ أي محمّد ابن الحنفية ـ إلى علي بن الحسين(عليهما السلام) فأُدخل عليه وهو يتغدّى، فقال علي بن الحسين(عليهما السلام): «أُدخلت على ابن زياد ـ أي حينما أُسر وجيء به إلى الكوفة ـ وهو يتغدّى، ورأسُ أبي بين يديه، فقلت: اللّهم لا تمتني حتّى تريني رأس ابن زياد وأنا أتغدّى، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي»(۹).

قتله لعمر بن سعد

«كان المختار قد سُئل في أمان عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فأمنه على أن لا يخرج من الكوفة، فإن خرج منها هدر دمه.

قال: فأتى لعمر بن سعد رجل فقال: إنّي سمعت المختار يحلف ليقتلنّ رجلاً، والله ما أحسبه غيرك! قال: فخرج عمر حتّى أتى الحمّام فقيل له: أترى هذا يخفى على المختار! فرجع ليلاً فدخل داره… فجاء حفص بن عمر بن سعد، فقال للمختار: يقول لك أبو حفص: أنزلنا بالذي كان بيننا وبينك.

قال: اجلس، فدعا المختار أبا عمرة، فجاء رجل قصير يتخشخش في الحديد فساره، ودعا برجلين فقال: اذهبا معه، فذهب فوالله ما أحسبه بلغ دار عمر بن سعد حتّى جاء برأسه، فقال المختار لحفص: أتعرف هذا؟ فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، نعم. قال: يا أبا عمرة، ألحقه به؟ فقتله. فقال المختار: عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء»(۱۰).

من أولاده

أبو محمّد، الحكم، وثّقه الشيخ الطوسي(قدس سره)، وهو من رواة وأصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)(۱۱).

شهادته

استُشهد(رضي الله عنه) في 14 شهر رمضان ۶۷ﻫ، بعدما قاتل مصعب بن الزبير وجيشه أشدّ قتال، حيث بعثه أخوه عبد الله بن الزبير إلى العراق للانتقام من المختار، ودُفن بجوار مرقد مسلم بن عقيل(عليه السلام)، وقبره معروف يُزار.

زيارته

«السلام عليك أيّها العبد الصالح، السلام عليك أيّها الولي الناصح، السلام عليك يا أبا اسحاق المختار، السلام عليك أيّها الآخذ بالثار، المحارب للكفرة الفجّار، السلام عليك أيّها المخلص لله في طاعته، ولزين العابدين(عليه السلام) في محبّته، السلام عليك يا مَن رضي عند النبي المختار، وقسيم الجنّة والنار، وكاشف الكرب والغمّة، قائماً مقاماً لم يصل إليه أحد من الأُمّة، السلام عليك يا مَن بذل نفسه في رضاء الأئمّة في نصرة العترة الطاهرين، والأخذ بثأرهم من العصابة الملعونة الفاجرة، فجزاك الله عن النبي(صلى الله عليه وآله) ومن أهل بيته(عليهم السلام)»(۱۲).

——————————-

۱- اُنظر: معجم رجال الحديث ۱۹ /۱۰۲ رقم۱۲۱۸۵٫

۲- اُنظر: ذوب النضار في شرح الثار: ۶۱٫

۳- رجال الكشّي ۱ /۳۴۰ ح۱۹۹٫

۴- المصدر السابق ۱ /۳۴۰ ح۱۹۷٫

۵- المصدر السابق ۱ /۳۴۱ ح۲۰۱٫

۶- المصدر السابق ۱ /۳۴۱ ح۲۰۳٫

۷- شرح نهج البلاغة ۲ /۲۹۳٫

۸- الصحيفة السجّادية: ۱۴۱ الدعاء۷۱٫

۹- الأمالي للطوسي: ۲۴۰ ح۴۲۴٫

۱۰- المصدر السابق: ۲۴۳ ح۴۲۴٫

۱۱- اُنظر: رجال الطوسي: ۱۳۱ رقم۱۳۳۴٫

۱۲-  المزار للشهيد الأوّل: ۲۸۴٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

خروج سفير الإمام الحسين (ع) مسلم بن عقيل إلى الكوفة

تتابعت كتب أهل الكوفة إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهي تحثه على المسير والقدوم إليهم لإنقاذهم من ظلم الأمويِّين وعُنفهم ، وكانت بعض تلك الرسائل تحمِّلُه المسؤولية أمام الله والأمة إن تأخر عن إجابتهم .

ورأى الإمام – قبل كل شيء – أن يختارَ لِلُقيَاهُم سفيراً له ، يُعرِّفه باتجاهاتهم وَصِدقِ نِيَّاتِهم ، فإن رأى منهم نيَّة صادقة ، وعزيمة مُصمَّمة ، فيأخذ البيعة منهم ، ثم يتوجّه إليهم بعد ذلك .

وقد اختار ( عليه السلام ) لسفارتِه ثقتَه وكبيرَ أهلِ بيتِه مسلم بن عقيل ، فاستجاب له عن رِضىً ورغبة ، وَزوَّدَهُ برسالة وهي : ( مِن الحُسينِ بن عَلي إِلى مَن بلغهُ كتابي هذا مِن أوليائِه وَشيعَتِه بالكوفة : سلامٌ عليكم ، أما بعد : فَقَد أتَتْني كُتُبكُم ، وفهمتُ ما ذكرتُم مِن مَحبَّتِكم لِقُدومِي عَليكم ، وأنا بَاعثٌ إِليكم بِأخي وابنِ عَمِّي وثِقتي من أهلي مسلم بن عقيل ، لِيعلمَ لِي كُنْهَ أمْرِكُم ، ويكتبَ إِليَّ بما يَتبَيَّن له من اجتماعِكُم ، فإن كان أمرُكم على ما أتَتْني بِه كُتُبُكم ، وأخبَرَتني به رُسُلُكم ، أسرعتُ القُدومَ إليكُم إِن شَاء اللهُ ، وَالسَّلام ) .

وتَسلَّم مسلم الرسالة ، وغادر مكة ليلة النصف من رمضان ، فَصلَّى في مسجد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وَطَاف بِضريحِه ، وَودَّع أهله وأصحابه ، وكان ذلك هو الوداع الأخير لهم ، واتَّجهَ صَوبَ العِراق ، واستأجر دَليلين من قَيس يَدُلاَّنَه عَلى الطريق .

وسار مسلم يطوي البيداء ، حتى دخل الكوفة فاختار النزول في بيت المختار الثقفي ، لوثوقه منه بإخلاصه للإمام الحسين ( عليه السلام ) وتفانيه في حبه .

وفتح المختار أبواب داره لمسلم ، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ، ودعا الشيعة إلى مقابلته ، فأقبلوا إليه من كُلِّ حَدبٍ وصَوب ، وهم يظهرون لَهُ الولاء والطاعة .

وانثَالَت الشيعةُ على مسلم تبايعه للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وكانت صيغة البيعة الدعوة إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقِسمَة الغنائم بين المسلمين بالسويَّة ، وَرَد المَظالم إلى أهلها ، ونصرة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

رسالة مسلم للإمام الحسين(عليه السلام)

ازداد مسلم إيماناً ووثوقاً بنجاح الدعوة حينما بايعه ذلك العدد الهائل من أهل الكوفة ، فكتب للإمام ( عليه السلام ) يَستَحِثّه فيها على القدوم إليهم برسالة هذا نَصُّها : ( فإنَّ الرائدَ لا يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا ، فَعجِّل حين يأتيك كتابي ، فإن الناس كُلُّهم معك ، ليس لَهم في آل معاوية رأي وَلا هَوى).

أما موقف النعمان بن بشير – والي الكوفة – من الثورة فقد كان موقفاً يتسم باللِّين والتسامح ، وقد اتَّهمَهُ الحزب الأموي بالضعف ، أو التضاعف في حفظ مصلحة الدولة ، والاهتمام بسلامتها ، فأجابهم : لأَنْ أكونَ ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحَبُّ إليَّ من أن أكون قوياً في معصية الله ، وما كنتُ لأهتك ستراً ستره الله .

ودافع النعمان عن نفسه بأنه لا يعتمد على أية وسيلة تبعده عن الله ، ولا يسلك طريقاً يتجافى مع دينه ، وقد استبانَ للحزب الأموي ضعف النعمان ، وانهياره أمام الثورة .

اتصال الحزب الأموي بدمشق

قام الحزب الأموي باتصال سريع بحكومة دمشق ، وطلبوا منها اتخاذ الإجراءات الفورية قبل أن يتَّسع نطاق الثورة ، ويأخذ العراق استقلاله ، وينفصل عن التبعية لدمشق .

ومن بين الرسائل التي وفدت على يزيد رسالة عبد الله الحَضْرَمي التي جاء فيها : ( أما بعد : فان مسلم بن عقيل قدم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن علي ، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قويا ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإن النعمان بن بشير رجلٌ ضعيف ، أو هو يَتَضعَّف ) .

فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد والي البصرة هذه الرسالة : ( أما بعد : فإنه كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يُخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لِشَقِّ عصا المسلمين ، فَسِرْ حين تقرأُ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة ، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة ، حتى تثقفه فتوثقه ، أو تقتله ، أو تنفيه ، والسلام ) .

فأمر يزيد بِتَولِيةِ عبيد الله بن زياد على الكوفة بدلاً من النعمان بن بشير .

وفي اليوم الثاني لِوصولِه إلى الكوفة خَرجَ مُتقلِّداً سيفه ، ومعتمّاً بعمامة ، فاعْتَلى أعوادَ المنبر وخطب الناس ، فقال : ( أما بعد : فان أمير المؤمنين ولاَّني مِصرَكُم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مَظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، وبالشدة على مُريبكم ، فأنا لِمُطيعكم كالوالد البرَّ الشفيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي .

ولم يُعرِّض في خطابه للإمام الحسين وسفيره مسلم ( عليهما السلام ) ، وذلك خوفاً من انتفاضة الجماهير عليه وهو بعد لم يَحكُم أمره ، وعمد ابن زياد إلى نشر الإرهاب وإذاعة الخوف .ويقول بعض المؤرخين : إنه لما أصبح ابن زياد بعد قدومه إلى الكوفة صَال وجَال ، وأرعَد وأبرَق ، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة ، وقد عمد إلى ذلك لإِماتَةِ الأعصاب ، وَصَرف الناس عن الثورة .

وفي اليوم الثاني أمر بجمع الناس في المسجد وخرج إليهم بِزيٍّ غير ما كان يخرج به ، فخطب فيهم خطاباً عنيفا تَهدَّد فيه وتوعَّد ، فقد قال بعد حمد الله والثناء عليه : ( فإنه لا يُصلح هذا الأمر إلا في شِدَّة من غير عنف ، ولِينٍّ من غير ضعف ، وأن آخذ البريء بالسقيم، والشاهِد بالغائب ، والوَلي بالوالي ) .

وبعد أن علم الطاغية بواسطة جواسيسه بأن هانئ بن عروة هو العضو البارز في الثورة وأن مسلم قد غَيَّر مكانه من دار المختار إلى دار هانئ ، وأن هانئ يقوم بِدَورٍ فعَّال في دعم الثورة ومساندتها بجميع قدراته ، وعرف ابن زياد بأن دار هانئ أصبحت مركزاً عامّاً للشيعة ، ومَقَرّاً لمسلم بن عقيل ، لم يقم ابن زياد بكبس وتطويق دار هانئ ، وأحجم عن ذلك لعجزه عسكرياً ، وعدم مقدرته على فتح باب الحرب .

فإن دار هانئ مع الدُور التي كانت محيطة بها كانت تضم أربعة آلاف مقاتل مِمَّن بايعوا مسلماً ، بالإضافة إلى أتباع هانئ ومكانته المَرمُوقة في الكوفة ، فلهذا لم يستطع ابن زياد من القيام بشيء نظراً للمضاعفات السيئة .

رسل الغدر

أنفق ابن زياد لياليه ساهراً يطيل التفكير ، ويطيل البحث مع حاشيته في شان هانئ ، فهو أعزُّ من في المصر ، وأقوى شخصية يستطيع القيام بحماية الثورة ، فإذا قضى عليه فقد استأصل الثورة من جذورها .

وقد اتفق رأيهم على إبلاغ هانئ برغبة ابن زياد بزيارته ، وشكَّلوا وفداً لدعوته إلى قصر الإمارة ، فحضر معهم إلى القصر .

وبعد مشَادَة كلامية طالبَهُ ابن زياد بتسليم مسلم ، فَسَخرَ منه هانئ وأنكر عليه قائلاً له مقالة الرجل الشريف : لا آتيك بضيفي أبداً ، وعندها سجنه ابن زياد في إحدى غرف القصر .

ولما علم مسلم بما جرى لهانئ بادر لإعلان الثورة على ابن زياد ، لعلمه بأنه سيلقى نفس المصير الذي لاقاه هانئاً .

فأوعز إلى أصحابه ، فاجتمع إليه أربعة آلاف ، وهم ينادون بشعار المسلمين يوم بدر : يا مَنصُور أَمت .

وعندها أوعز الطاغية إلى جماعة من وجوه أهل الكوفة أن يبادروا بِبَثِّ الذعر ونشر الخوف بين الناس ، وترويج الإشاعات الآتية :الأولى : التهديد بجيوش أهل الشام التي ستشيع فيهم القتل والتنكيل إن بقوا مُصرِّين على المعصية والعناد .الثانية : حِرمانَهُم من العطاء .الثالثة : تَجميرهم في مَغَازي أهل الشام ، وَزَجِّهم في سَاحات الحُروب .الرابعة : أنهم إذا أصرّوا على التَمرّد فإن ابن زياد سَيُعلن الأحكام العرفية ، وَيسَوِّسَهم بسياسة أبيه ، والتي تحمل شارات الموت والدمار ، حتى يقضي على جميع ألوان الشغب والعصيان .

وانطلق هؤلاء الجواسيس إلى صفوف جيش مسلم ، فأخذوا يشيعون الخوف ، ويبثّون الأراجيف ، ويظهرون لهم الإشفاق خوفاً عليهم من جيوش أهل الشام القادمة .

فَمُنِي جيشُ مسلم بهزيمة مُخزية لم يَحدث لها نظير في جميع فترات التاريخ ، فقد هَزمَتهُ الدعايات المُضلِّلة من دون أن تكون في قِبالِهِ أيَّة قُوَّة عسكرية ، ولم يمضِ قليل من الوقت حتى انهزم معظم جيش مسلم .

وقد صلَّى بجماعة منهم صلاة العشاء في الجامع الأعظم فكانوا يَفرّون في أثناء الصلاة ، وما أنهى ابن عقيل صلاته حتى انهزموا بأجمعهم ، وقد أمسى وحيداً طريداً مُشرَّداً ، لا مأوى يأوي إليه ، ولا قَلبٌ يعطف عليه .

استشهاد مسلم بن عقيل(عليه السلام)

طوى مسلم ليلته حزيناً تساوِرُه الهُموم ، وكان – فيما يقول المؤرخون – قد قضى شطراً من الليل في عبادة الله ، ما بين الصلاة وقراءة القرآن .

وقد خفق في بعض الليل ، فرأى عَمَّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فأخبره بِسرعَةِ اللحَاق به ، فأيقنَ عند ذلك بِدُنُوِّ الأجلِ المحتوم منه .

وقد أصدرت سلطات ابن زياد أمراً تَضمَّنَ ما يأتي :أولاً : الحكم بالإعدام على كل من آوى مسلماً مهما كانت مكانته الاجتماعية .ثانياً : إنَّ دِيَّة مسلم تكون لمن جاء به .ثالثاً : إن من ظَفِر بمسلم تمنحه السلطة عشرة آلاف درهم .رابعاً : إن من يأتي به يكون من المُقرَّبين عند الطاغية يزيد ، وينال ثقته .

وتَمَنَّى أكثر أولئك الأوغاد الظفر بمسلم بين عقيل ، لينالوا المكافأة ، وكذا التَقَرّب إلى يزيد بن معاوية .

وبعد أن جرت معركة غير متكافئة بين مسلم وبين أزلام ابن زياد جُرح فيها مسلم وسقط على الأرض ، فوقع في أسر أعدائه ، وسلَّموه إلى الطاغية ابن زياد ، فأمر بإلقائه من أعلى القصر .

واستقبل مسلم الموت بثغر باسم ، فَصُعِدَ به إلى أعلى القصر ، وكان يسبِّح الله ويستغفره بِكلِّ طُمأنينة ورضا ويقول : ( اللَّهُمَّ احكُمْ بيننا وبَين قَومٍ غَرّونا وَخذلونا ) .

واستُدعِيَ الجَلاَّدُ ، فَضَربَ عُنُقَه ، وَرَمى برأسه وجسدهِ ( عليه السلام ) إلى الأرض ، وسقط مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) شهيداً ، دفاعاً عن الحق ، ودفاعاً عن مولاه الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

بقلم: محمد أمين نجف

 

ولادة الإمام الحسن المجتبی (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو محمّد، الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

المجتبى، التقي، الزكي، السبط، الطيّب، السيّد، الولي.

أُمّه(ع)

فاطمة الزهراء بنت رسول الله(ص).

ولادته(ع)

ولد في الخامس عشر من رمضان 3ﻫ، وقيل: سنة 2ﻫ بالمدينة المنوّرة.

تسميته(ع)

لمّا ولد الإمام الحسن(ع)، قالت السيّدة فاطمة(عليها السلام) للإمام علي(ع): «سَمِّهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَسُولَ اللهِ(ص). فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ، فَأُخْرِجَ إِلَيْهِ فِي خِرْقَةٍ صَفْرَاءَ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُفُّوهُ فِي صَفْرَاءَ؟ ثُمَّ رَمَى بِهَا وَأَخَذَ خِرْقَةً بَيْضَاءَ فَلَفَّهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ(ع): هَلْ سَمَّيْتَهُ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ‏ لِأَسْبِقَكَ بِاسْمِهِ، فَقَالَ(ص): وَمَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِمُحَمَّدٍ ابْنٌ فَاهْبِطْ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ وَهَنِّهِ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلِيّاً مِنْكَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، فَسَمِّهِ بِاسْمِ ابْنِ هَارُونَ. فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ(ع) فَهَنَّأَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُسَمِّيَهُ بِاسْمِ ابْنِ هَارُونَ. قَالَ: وَمَا كَانَ اسْمُهُ؟ قَالَ: شَبَّرُ. قَالَ: لِسَانِي عَرَبِيٌّ. قَالَ: سَمِّهِ الحَسَنَ. فَسَمَّاهُ الْحَسَنَ»(2).

شباهته برسول الله(ص)

قال أنس بن مالك: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللهِ(ص) مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِي وفاطمة»(3).

وكانت السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) تُرقّصه وتقول:

«أَشْبِهْ أَبَاكَ يَا حَسَنْ  **  وَاخْلَعْ عَنِ الحَقِّ الرَّسَن

واعْبُدْ إلهاً ذا مِنَنْ  **  وَلَا تُوَالِ ذَا الْإِحَن»(4).

وقال أبو بكر ابن أبي قحافة وهو حامله على عاتقه:

«بِأبي شَبِيهٌ بالنَّبي  **  غَيرَ شَبيهٍ بِعلي»(5).

كريم أهل البيت(عليهم السلام)

تُعتبر صفة الكرم والسخاء من أبرز الصفات التي تميّز بها الإمام الحسن(ع)، فكان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى كسوة عريان، أو إغاثة ملهوف، أو وفاء دين غريم، أو إشباع جوع جائع، وإلخ.

ومن هنا عُرف(ع) بكريم أهل البيت، فقد قاسم الله أمواله ثلاث مرّات، نصف يدفعه في سبيل الله، ونصف يبقيه له، بل وصل إلى أبعد من ذلك، فقد أخرج ماله كلّه مرّتين في سبيل الله ولا يبقي لنفسه شيئاً، فهو كجدّه رسول الله(ص) يعطي عطاء مَن لا يخاف الفقر، وهو سليل الأُسرة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾(6).

وآية أُخرى تحكي لسان حالهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأسيراً إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾(7).

وهو(ع) من الشجرة الطيّبة التي تُؤتي أُكلها كلّ حين، فمن كريم طبعه(ع) أنّه لا ينتظر السائل حتّى يسأله ويرى ذُلّ المسألة في وجهه، بل يُبادر إليه قبل المسألة فيُعطيه.

حروبه(ع)

شارك في فتوحات أفريقية وبلاد فارس، ما بين سنة (25ـ30) للهجرة، واشترك في جميع حروب أبيه الإمام علي(ع)، وهي: الجمل، صفّين، النهروان، كما قاد حرباً ضد معاوية بن أبي سفيان، ولكن لظروف أدّت إلى الصلح معه وإيقاف القتال.

من زوجاته(ع)

أُمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، أُمّ بشير بنت أبي مسعود عُقبة بن عمرو الخزرجي، خَولة بنت منظور الفزارية، جُعدة بنت الأشعث الكندي.

من أولاده(ع)

1ـ الحسن المثنّى، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «فَكَانَ رَجُلاً جَلِيلاً رَئِيساً فَاضِلاً وَرِعاً»(8).

2ـ الحسين الأثرم، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي ذَلِك‏‏»(9).

3ـ القاسم، خاطبه الإمام الحسين(ع) بعد استشهاده يوم الطف: «بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيكَ جَدُّك‏»(10).

4ـ عبد الله، خاطبه الإمام الحسين(ع) بعد إصابته يوم الطف: «يَا ابْنَ أَخِي، اصْبِرْ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، وَاحْتَسِبْ فِي ذَلِكَ الخَيْرَ، فَإِنَّ اللهَ يُلْحِقُكَ بِآبَائِكَ الصَّالِحِين»(11).

5ـ زيد، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «كَانَ جَلِيلَ الْقَدْرِ، كَرِيمَ الطَّبْعِ، ظَلِفَ النَّفْسِ، كَثِيرَ الْبِرِّ، وَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، وَ قَصَدَهُ النَّاسُ مِنَ الْآفَاقِ لِطَلَبِ فَضْلِه»(12).

6ـ فاطمة «زوجة الإمام زين العابدين».

عمره وإمامته(ع)

عمره 47 عاماً، وإمامته 10 سنوات.

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع من صفر 50ﻫ، وقيل: في الثامن والعشرين من صفر بالمدينة المنوّرة، ودُفن بمقبرة البقيع.

كيفية استشهاده(ع)

قُتل مسموماً على يد زوجته جعدة بنت الأشعث الكندي، بأمر من معاوية بن أبي سفيان.

قال الشيخ المفيد(قدس سره) «وضمن [أي: معاوية] لها أن يزوّجها بابنه يزيد، وأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم»(13)، ففعلت وسمّت الإمام الحسن(ع)، فسوّغها المال ولم يزوّجها من يزيد.

تشييعه(ع)

جاء موكب التشييع يحمل جثمان الإمام(ع) إلى المسجد النبوي ليدفنوه عند رسول الله(ص)، وليُجدِّدوا العهد معه، على ما كان قد وصّى به الإمام الحسين(ع).

فجاء مروان بن الحكم وبنو أُمية شاهرين سلاحهم، ومعهم عائشة بنت أبي بكر ـ وهي على بغل ـ إلى الموكب الحافل بالمهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر المؤمنين في المدينة المنوّرة.

فقال مروان: «يا رُبّ هيجاء هي خير من دعة! أيُدفن عثمان بالبقيع، ويُدفن حسن في بيت النبي! والله لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف»(14).

وقالت عائشة: «والله، لا يدخل داري مَن أكره»(15)، أو قالت: «مَا لِي وَلَكُمْ؟ تُرِيدُونَ أَنْ تُدْخِلُوا بَيْتِي مَنْ لَا أُحِب‏»(16).

وبذلك قال الشاعر:

«منعتهُ عن حرمِ النبيِّ ضلالةً ** وهوَ ابنُهُ فلأيِّ أمرٍ يُمنعُ

فكأنَّهُ روحُ النبيِّ وقد رأت ** بالبُعدِ بينهُما العلائقُ تُقطعُ»(17).

ولولا وصية الإمام الحسن(ع) لأخيه الإمام الحسين(ع) أَلّا يُراق في تشييعه ملء محجمةِ دمٍ، لَمَا ترك بنو هاشم لبني أُمية في ذلك اليوم كياناً.

لذا ناداهم الإمام الحسين(ع) قائلاً: «اللهَ اللهَ لَا تُضَيِّعُوا وَصِيَّةَ أَخِي، وَاعْدِلُوا بِهِ إِلَى‏ الْبَقِيعِ، فَإِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَيَّ إِنْ مُنِعْتُ مِنْ دَفْنِهِ مَعَ جَدِّهِ رَسُولِ اللهِ(ص) لَا أُخَاصِمْ أَحَداً، وَأَنْ أَدْفِنَهُ فِي الْبَقِيع»(18).

هذا وقبل أن يعدلوا بالجثمان، كانت سهام بني أُمية قد تواترت على جثمان الإمام(ع)، وأخذت سبعين سهماً مأخذها منه.

رثاء الإمام الحسين(ع) على قبره

«أأَدْهُنُ رَأْسي أَمْ أَطيبُ مَحاسِني  **  وَرَأْسُكَ مَعْفُورٌ وَأَنْتَ سَليبٌ

أَوْ اسْتَمْتِعُ الدُّنْيا لِشَيْء أُحِبُّهُ  **  أَلا كُلُّ ما أَدْنى إِلَيْكَ حَبيبٌ

فَلا زِلْتُ أَبْكي ما تَغَنَّتْ حَمامَةٌ  **  عَلَيْكَ، وَما هَبَّتْ صَبا وَجَنُوبٌ

وَما هَمَلَتْ عَيْني مِنَ الدَّمْعِ قَطْرَةً  **  وَمَا اخْضَرَّ في دَوْحِ الْحِجازِ قَضيبٌ

بُكائي طَويلٌ وَالدُّمُوعُ غَزيرةٌ  **  وَأَنْتَ بَعيدٌ وَالمَزارُ قَريبٌ

غَريبٌ وَأَطْرافُ الْبُيوُتِ تَحُوطُهُ  **  أَلا كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرابِ غَريبٌ

وَلا يَفْرَحُ الباقي خِلافَ الَّذي مَضى  **  وَكُلُّ فَتىً لِلْمَوتِ فيهِ نَصيبٌ

فَلَيْسَ حَريباً مَنْ أُصيبَ بِمالِهِ  **  وَلكِنَّ مَنْ وارى أخاهُ حريبٌ

نَسيبُكَ مَنْ أَمْسى يُناجيكَ طَرْفُهُ  **  وَلَيْسَ لِمَنْ تَحْتَ التُّرابِ نَسيبٌ»(19).

من وصاياه(ع)

1ـ قال(ع): «الْمِزَاحُ يَأْكُلُ الهَيْبَةَ، وَقَدْ أَكْثَرَ مِنَ الهَيْبَةِ الصَّامِت‏»(20).

2ـ قال(ع): «الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ، بَطِيئَةُ الْعَوْد»(21).

3ـ قال(ع): «عَلِّمِ النَّاسَ عِلْمَكَ، وَتَعَلَّمْ عِلْمَ غَيْرِكَ، فَتَكُونَ قَدْ أَتْقَنْتَ عِلْمَكَ، وَعَلِمْتَ مَا لَمْ تَعْلَم‏»(22).

4ـ قال(ع): «الْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ، وَالْبَعِيدُ مَنْ بَعَّدَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ، لَا شَيْ‏ءَ أَقْرَبُ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ يَدٍ إِلَى جَسَدٍ، وَإِنَّ الْيَدَ تَغُلُّ فَتُقْطَعُ، وَتُقْطَعُ فَتُحْسَم‏»(23).

5ـ قال(ع): «لَا أَدَبَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، وَلَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا هِمَّةَ لَهُ، وَلَا حَيَاءَ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ، وَرَأْسُ الْعَقْلِ مُعَاشَرَةُ النَّاسِ بِالجَمِيلِ، وَبِالْعَقْلِ تُدْرَكُ الدَّارَانِ جَمِيعاً، وَمَنْ حُرِمَ مِنَ الْعَقْلِ حُرِمَهُمَا جَمِيعاً»(24).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 401.

2ـ الأمالي للصدوق: 197ح209.

3ـ مسند أحمد 3/ 164.

4ـ مناقب آل أبي طالب 3/ 389.

5ـ صحيح البخاري 4/ 164.

6ـ الحشر: 9.

7ـ الإنسان: 8ـ9.

8ـ الإرشاد 2/ 23.

9ـ المصدر السابق 2/ 26.

10ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 169.

11ـ المصدر السابق: 192.

12ـ الإرشاد 2/ 21.

13ـ المصدر السابق 2/ 15.

14ـ تاريخ دمشق 13/ 290.

15ـ دلائل الإمامة: 161.

16ـ الإرشاد 2/ 18.

17. الأنوار البهية: 92.

18ـ الهداية الكبرى: 186.

18ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 45.

19ـ نزهة الناظر: 72 رقم9.

20ـ المصدر السابق: رقم13.

21ـ بحار الأنوار 75/ 111.

22ـ الكافي 2/ 643، ح7.

23ـ كشف الغمّة 2/ 194.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

خروج مسلم بن عقيل إلى الكوفة

قرابته بالمعصوم(1)

ابن أخو الإمام علي، وابن عم الإمامين الحسن والحسين(عليهم السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو عبد الله، مسلم بن عقيل بن أبي طالب.

أُمّه

جارية، اسمها علية.

ولادته

ولد في عام ۲۲ﻫ بالمدينة المنوّرة.

زوجته

ابنة عمّه، رقية بنت علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

مكانته

كان(عليه السلام) من أجلّة بني هاشم، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً، وكان الإمام الحسين(عليه السلام) يلقّبه بثقتي، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة.

ولشجاعته اختاره عمُّه أمير المؤمنين(عليه السلام) في حرب صفّين، ووضعه على ميمنة العسكر مع الحسن والحسين(عليهما السلام).

إخبار النبي(صلى الله عليه وآله) بقتله

قال الإمام علي(عليه السلام) لرسول الله(صلى الله عليه وآله): «يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً؟

قال: أي والله إنّي لأحبّه حُبّين، حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له، وإن ولده مقتول ـ ويقصد بذلك مسلم ـ في محبّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون.

ثمّ بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى جرت دموعه على صدره، وقال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي»(۲).

خروجه إلى الكوفة

ارتأى الإمام الحسين(عليه السلام) أن يُرسل مندوباً عنه إلى الكوفة يهيّئ له الأجواء، وينقل له واقع الأحداث؛ ليستطيع أن يقرّر الموقف المناسب، ولابدّ لهذا السفير من صفات تؤهّله لهذه السفارة، فوقع الاختيار على مسلم بن عقيل(عليه السلام)؛ لما كان يتّصف به من الحكمة والشجاعة والإخلاص.

خرج مسلم(عليه السلام) من المدينة المنوّرة متوجّهاً إلى الكوفة في ۱۵ شهر رمضان ۶۰ﻫ، ويصحبه قيس بن مسهر مع دليلان يدلّانه الطريق.

حمله لرسالة الإمام الحسين(عليه السلام) لأهل الكوفة

خرج(عليه السلام) من المدينة حاملاً رسالة الإمام الحسين(عليه السلام) إلى أهل الكوفة، جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين، أمّا بعد: فإنّ فلاناً وفلاناً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر رسلكم، وفهمت مقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ، وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليَّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأته في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى»(۳).

وصوله إلى الكوفة

وصل(عليه السلام) الكوفة في ۵ شوال ۶۰ﻫ، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وأقبلت الناس تختلف إليه، فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الإمام الحسين(عليه السلام) وهم يبكون، وبايعه الناس، حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل.

كتابه إلى الإمام الحسين(عليه السلام)

كتب مسلم(عليه السلام) كتاباً من الكوفة إلى الإمام الحسين(عليه السلام)، جاء فيه: «أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وأنّ جميع أهل الكوفة معك، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا، والسلام»(۴).

ما كتبه عملاء الحكم الأُموي عن تحرّكه

أرسل العملاء إلى يزيد رسائل تخبره عن مجيء مسلم(عليه السلام)، منها: «أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدِم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفّذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف»(۵).

إرسال ابن زياد إلى الكوفة

كتب يزيد بن معاوية رسالة إلى واليه في البصرة عبيد الله بن زياد؛ يطلب منه أن يذهب إلى الكوفة ليسيطر على الوضع فيها، ويقف أمام مسلم(عليه السلام) وتحرّكاته.

ومنذ وصول ابن زياد إلى قصر الإمارة في الكوفة، أخذ يتهدّد ويتوعّد المعارضين والرافضين لحكومة يزيد.

خروجه من دار المختار

لمّا سمع(عليه السلام) بوصول ابن زياد وما توعّد به، خرج من دار المختار سرّاً إلى دار هاني بن عروة ليستقرّ بها، ولكنّ جواسيس ابن زياد عرفوا بمكانه، فأمر ابن زياد بإلقاء القبض على هاني بن عروة وسجنه.

إعلانه الثورة على ابن زياد

لمّا بلغ خبر إلقاء القبض على هاني بن عروة إلى مسلم، أمر(عليه السلام) أن ينادى في الناس: «يا منصور أمت»، فاجتمع الناس في مسجد الكوفة.

فلمّا رأى ابن زياد ذلك، دعا جماعة من رؤساء القبائل، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ويخذلوا الناس عن مسلم، ويُعلموهم بوصول الجند من الشام.

فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول: انصرف الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له: غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر؟! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى مسلم وحيداً، ليس معه أحداً يدلّه على الطريق، فمضى على وجهه في أزقّة الكوفة، حتّى انتهى إلى باب امرأة يقال لها: طوعة، وهي على باب دارها تنتظر ولداً لها، فسلّم عليها وقال: يا أمة الله أسقيني ماءً، فسقته وجلس.

فقالت: يا عبد الله، قم فاذهب إلى أهلك؟ فقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل، فهل لك في أجرٍ ومعروف ولعلّي أُكافئك بعد اليوم؟ فقالت: ومَن أنت؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، فأدخلته إلى دارها.

مقاتلته لجيش ابن زياد

وفي الصباح عرف ابن زياد مكان مسلم(عليه السلام)، فأرسل جماعة لإلقاء القبض عليه، ولكنّ مسلم أخذ يقاتلهم قتال الأبطال وهو يقول:

أقسمتُ لا أُقتلُ إلّا حرّا *** إنّي رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا

كلُّ امرىءٍ يوماً ملاق شرّا *** أخافُ أن أُكذب أو أُغرّا

حتّى أُثخن بالجراحات، فألقوا عليه القبض وأخذوه أسيراً إلى ابن زياد.

دخوله على ابن زياد

أُدخل(عليه السلام) على ابن زياد، فأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعلياً وعقيلاً، ومسلم(عليه السلام) لا يكلّمه.

ثمّ قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثمّ أتبعوه جسده. فأخذه بكر بن حمران الأحمري ليقتله، ومسلم يكبّر الله ويستغفره، ويصلّي على النبي وآله ويقول: «اللّهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا».

ثمّ أمر ابن زياد بقتل هاني بن عروة فقُتل، وجُرّت جثّتاهما بحبلين في الأسواق.

استشهاده

استُشهد في ۹ من ذي الحجّة ۶۰ﻫ، ودُفن بجنب جامع الكوفة في العراق، وقبره معروف يُزار.

ما نظمه الشعراء في مظلوميته

۱ـ قال عبد الله بن الزبير الأسدي:

«إذا كنتِ لا تدرين ما الموتُ فانظري *** إلى هاني بالسوقِ وابنِ عقيل

إلى بطلٍ قد هشّم السيفُ وجهَهُ *** وآخرَ يُهوي من طِمارِ قتيل

ترى جسداً قد غيّر الموتُ لونَهُ *** ونضح دم قد سال كلّ مسيل».

۲ـ قال السيّد باقر الهندي(قدس سره):

«سقتك دماً يابن عمّ الحسين *** مدامع شيعتك السافحة

ولا برحت هاطلات الدموع *** تحيّيك غادية رائحة

لأنّك لم ترو من شربةٍ *** ثناياك فيها غدت طائحة

رموك من القصر إذ أوثقوك *** فهل سلمت فيك من جارحة

تُجرّ بأسواقهم في الحبال *** ألست أميرهم البارحة

أتقضي ولم تبكك الباكيات *** أما لك في المصر من نائحة

لئن تقض نحباً فكم في زرود *** عليك العشية من صائحة»(۷).

——————————–

۱- اُنظر: معجم رجال الحديث ۱۹ /۱۶۵رقم۱۲۳۶۲، أعيان الشيعة ۱ /۵۹۱.

۲- الأمالي للصدوق: ۱۹۱ ح۲۰۰٫

۳- الإرشاد ۲ /۳۹.

۴- مثير الأحزان: ۲۱٫

۵- الإرشاد ۲ /۴۲.

۶- مثير الأحزان: ۲۶٫

۷- إبصار العين: ۸۷٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

معركة بدر الكبرى

مقدّمة

بعد أن استقرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المدينة، بدأ يخطِّط عسكرياً لضرب رأس المال الذي كانت قريش تعتمد عليه اعتماداً مباشراً في تجارتها.

ولتحقيق هذا الهدف خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومعه أصحابه للسيطرة على القافلة التجارية التي كان يقودها أبو سفيان، فعلم أبو سفيان بخُطّة المسلمين فغيّر طريقه، وأرسل إلى مكّة يطلب النجدة من قريش، فخرجت قريش لقتال رسول الله(صلى الله عليه وآله).

تاريخ المعركة ومكانها

۱۷ شهر رمضان ۲ﻫ، منطقة بدر، وبدر اسم بئر كانت لرجل يدعى بدراً، تبعد (۱۶۰) كيلو متراً عن المدينة المنوّرة.

عدد الجيش

خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ومعهم سبعون بعيراً، وفرسان أحدهما للزبير بن عوام والآخر للمقداد بن الأسود.

وخرجت قريش في تسعمائة وخمسين مقاتلاً، ومعهم سبعمائة بعير، ومائتي فرس.

استشارة الصحابة

استشار رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصحابه في طلب قافلة أبي سفيان ومحاربة قريش، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، إنّها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلّت منذ عزّت، ولم نخرج على هيئة الحرب، فقال(صلى الله عليه وآله): «اجلس»، فجلس.

ثمّ قام عمر بن الخطّاب فقال مثل ذلك، فقال(صلى الله عليه وآله): «اجلس»، فجلس.

ثمّ قام المقداد فقال: يا رسول الله، إنّها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقنا، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضناه معك والله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: )فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(، ولكنّا نقول: امض لأمر ربّك فإنّا معك مقاتلون، فجزاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) خيراً على قوله ذاك.

وقام سعد بن معاذ ـ وهو من الأنصار ـ فقال: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله، إنّا قد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت واترك منها ما شئت، والله لو أمرتنا ان نخوض هذا البحر لخضناه معك، ولعلّ الله عزّ وجلّ أن يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله.

ففرح بذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال: «سيروا على بركة الله، فإنّ الله عزّ وجلّ قد وعدني إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله وعده، والله كأنّي أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وفلان وفلان»(۱).

سلام الملائكة على الإمام علي(عليه السلام)

قال الإمام علي(عليه السلام): «لمّا كانت ليلة بدر، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): من يستقي لنا من الماء؟ فأحجم الناس، قال: فقمت فاحتضنت قربة، ثمّ أتيت قليباً بعيد القعر مظلماً، فانحدرت فيه، فأوحى الله إلى جبرائيل وميكائيل وإسرافيل تأهبّوا لنصرة محمّد(صلى الله عليه وآله) وحزبه، فهبطوا من السماء لهم دوي يذهل من يسمعه، فلمّا حاذوا القليب وقفوا وسلّموا عليّ من عند آخرهم، إكراماً وتبجيلاً وتعظيماً»(۲).

وعن محمّد بن الحنفية قال: بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) علياً في غزوة بدر أن يأتيه بالماء، حين سكت أصحابه عن إيراده، فلمّا أتى القليب وملأ القربة وأخرجها، جاءت ريح فهراقته، ثمّ عاد إلى القليب فملأها، فجاءت ريح فهراقته، وهكذا في الثالثة، فلمّا كانت الرابعة ملاها فأتى بها النبي(صلى الله عليه وآله) وأخبره بخبره.

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «أمّا الريح الأُولى فجبرائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك، والريح الثانية ميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك، والريح الثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك»(۳).

قال السيّد الحميري بهذه المناسبة:

وسلّم جبريل وميكال ليلة ** عليه وحيّاه إسرافيل معربا

أحاطوا به في روعة جاء يستقي ** وكان على ألف بها قد تحزّبا

ثلاثة آلاف ملائك سلّموا ** عليه فأدناهم وحيّا ورحّبا(۴).

وقال أيضاً:

ذاك الذي سلّم في ليلة ** عليه ميكال وجبريل

ميكال في ألف وجبريل في ** ألف ويتلوهم سرافيل

ليلة بدر مدداً أنزلوا ** كأنّهم طير أبابيل

فسلّموا لمّا أتوا حذوه ** وذاك إعظام وتبجيل(۵).

العناية الإلهية

قد تجلّت العناية الإلهية بالنبي(صلى الله عليه وآله) وأصحابه منذ ليلة المعركة، إذ بعث الله المطر الغزير، والمسلمون يغشاهم النعاس.

وأرسل النبي(صلى الله عليه وآله) عمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود سِرّاً لاستطلاع أحوال جيش العدو، فَطَافا في معسكرهم، ثمّ رَجعا فأخبَرا بأنّهم مذعورون فزعون، وذلك قوله تعالى: )إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُواْ الرّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ((۶).

بدء المعركة

لمّا أصبح رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم بدر، عبّأ أصحابه ودفع(صلى الله عليه وآله) الراية إلى الإمام علي(عليه السلام)، ولواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير، ولواء الخزرج إلى الحبّاب بن المنذر، ولواء الأوس إلى سعد بن معاذ، وقال(صلى الله عليه وآله): «اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللّهمّ إنْ تُهلِكَ هَذه العصَابَة لا تُعبَد في الأرض»(۷).

وخرج عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة والوليد بن شيبة، إلى ساحة المعركة وقال: يا محمّد، أخرج إلينا أكفّاءنا من قريش، فبرز إليهم ثلاثة نفر من الأنصار وانتسبوا لهم، فقالوا: ارجعوا إنّما نريد الأكفّاء من قريش، فنظر رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب ـ وكان له يومئذٍ سبعون سنة ـ فقال: «قم يا عبيدة»، ونظر إلى حمزة فقال: «قم يا عمّ»، ثمّ نظر إلى الإمام علي(عليه السلام) فقال: «قم يا علي ـ وكان أصغر القوم ـ فاطلبوا بحقّكم الذي جعله الله لكم، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره».

ثمّ قال: «يا عبيدة عليك بعتبة بن ربيعة»، وقال لحمزة: «عليك بشيبة»، وقال لعلي(عليه السلام): «عليك بالوليد».

فمروا حتّى انتهوا إلى القوم فقالوا: أكفّاء كرام، فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنّها فسقطا جميعاً، وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتّى انثلما.

وحمل الإمام علي(عليه السلام) على الوليد فضربه على حبل عاتقه، فأخرج السيف من إبطه، قال(عليه السلام): «لقد أخذ الوليد يمينه بيساره فضرب بها هامتي، فظننت أنّ السماء وقعت على الأرض»، ثمّ ضربه(عليه السلام) ضربةً أُخرى فقتله.

ثمّ اعتنقا حمزة وشيبة، فقال المسلمون: يا علي أما ترى أنّ الكلب قد نهز عمّك؟ فحمل عليه الإمام علي(عليه السلام) ثمّ قال: «يا عم طأطأ رأسك»، وكان حمزة أطول من شيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علي(عليه السلام) فطرح نصفه، ثمّ جاء إلى عتبة وبه رمق، فأجهز عليه(۸).

وبرز حنظلة بن أبي سفيان إلى علي(عليه السلام)، فلمّا دنا منه ضربه علي(عليه السلام) ضربة بالسيف فسالت عيناه ولزم الأرض، وأقبل العاص بن سعيد بن العاص يبحث للقتال، فلقيه(عليه السلام) فقتله.

لا سيف إلّا ذو الفقار

قال الإمام الباقر(عليه السلام): «نادى مُنادٍ في السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا علي»(۹).

وفي رواية أُخرى عن ابن عباس: كان لرسول الله(صلى الله عليه وآله) سيف محلّى، قائمه من فضّة، ونعله من فضّة، وفيه حلق من فضّة، وكان يسمّى ذا الفقار(۱۰).

تخيير الصحابة

أُسر من قريش في معركة بدر سبعين رجلاً، فاستشار رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصحابه فيهم، فغلظ عليهم عمر غلظة شديدة، فقال: يا رسول الله أطعني فيما أشير به عليك! قدّم عمّك العباس واضرب عنقه بيدك، وقدّم عقيلاً إلى أخيه علي يضرب عنقه، وقدّم كلّ أسير إلى أقرب الناس إليه يقتله. فكره رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذلك ولم يعجبه، كأنّه كره تسليم كلّ أسير إلى الأقرب إليه لما فيه من الجفاء.

ورغب المسلمون في فداء الأسرى دون قتلهم؛ ليتقوّوا بالمال، فقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) الفداء أكثره أربعة آلاف درهم وأقله ألف، وأطلق رسول الله(صلى الله عليه وآله) جماعة بغير فداء، فنزلت الآية الكريمة: )مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حتّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُواْ مِمّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتّقُواْ اللهَ إِنّ اللهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ((۱۱)،(۱۲).

وعن الإمام علي(عليه السلام): «إنّ جبرائيل(عليه السلام) هبط على النبي(صلى الله عليه وآله)، فقال له: خيّرهم ـ يعني أصحابه ـ في الأسرى، إن شاؤوا القتل، وإن شاؤوا الفداء، على أن يقتل العام المقبل منهم عدّتهم، قالوا: الفداء، ويقتل منّا عدّتهم»(۱۳).

فأُسر يومئذٍ العباس بن عبد المطّلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن المطّلب، وحليف لبني هاشم اسمه عقبة بن عمرو، فلمّا أمسى القوم والأسرى محبوسون في الوثاق، بات رسول الله(صلى الله عليه وآله) تلك الليلة ساهراً، فقال له أصحابه: ما لك لا تنام يا رسول الله؟ قال: «سمعت أنين العباس من وثاقه»، فقاموا إليه فأطلقوه فنام رسول الله(صلى الله عليه وآله)(۱۴).

ولمّا قدم بالأسرى إلى المدينة، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) للعباس: «افدِ نفسك يا عباس، وابني أخويك عقيلاً ونوفلاً، وحليفك عتبة بن عمرو، وأخي بني حارث بن فهر، فإنّك ذو مال»، فقال: يا رسول الله، إنّي كنت مسلماً، وإنّ القوم استكرهوني، فقال(صلى الله عليه وآله): «الله أعلم بإسلامك، إن يكن حقّاً فإنّ الله يجزيك به، فأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا»(۱۵)، ثمّ فدى نفسه وابني أخويه وحليفه.

شهداء بدر

استشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلاً، من المهاجرين: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلّب، وذو الشمالين عمرو بن نضلة حليف بني زهرة، ومهجع مولى عمر، وعمير بن أبي وقّاص، وصفوان بن أبي البيضاء.

ومن الأنصار: عاقل بن أبي البكير، وسعد بن خيثمّة، ومبشر بن المنذر، وحارثة بن سراقة، وعوذ ومعوذ أبنا عفراء، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلى، ويزيد بن الحارث بن فسحم.

قتلى المشركين

قُتل من المشركين في معركة بدر اثنان وخمسون رجلاً، قتل الإمام علي(عليه السلام) منهم مع الذين شرك في قتلهم أربعة وعشرين رجلاً.

وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالقتلى، فطُرحوا كلّهم في قليب بدر، وكأنّه فعل ذلك لئلاّ تتأذّى الناس بروائحهم، إلّا أُميّة بن خلف، كان قد انتفخ وتزايل لحمه فترك، والقوا عليه التراب والحجارة.

ثمّ وقف(صلى الله عليه وآله) على أهل القليب، فناداهم رجلاً رجلاً: «يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أُميّة بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقاً فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقاً، بئس القوم كنتم لنبيّكم، كذبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس».

فقالوا: يا رسول الله، أتنادي قوماً قد ماتوا؟ فقال: «لقد علموا إنّ ما وعدهم ربّهم حقّ»(۱۶).

قال حسّان بن ثابت بهذه المناسبة:

يناديهم رسول الله لمّا ** قذفناهم كباكب في القليب

ألم تجدوا حديثي كان حقّاً ** وأمر الله يأخذ بالقلوب

فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا ** صدقت وكنت ذا رأي مصيب(۱۷).

وهكذا حقّق الله عزّ وجلّ النصر للمسلمين، واندحرت قريش وتشتّت جيشها، وفقدت هيبتها وسُمعتها، كما تحقّقت للمسلمين في هذه المعركة مكاسب مالية وعسكرية وعقائدية وإعلامية، ساهمت في خدمة الإسلام وتثبيت أركانه، وأوجدت منعطفاً كبيراً في مجمل الأحداث في الجزيرة العربية.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ تفسير مجمع البيان ۴ /۴۳۳٫

2ـ شرح إحقاق الحق ۶ /۹۱٫

3ـ مناقب آل أبي طالب ۲ /۸۰٫

4ـ مدينة المعاجز ۱ /۹۴٫

5ـ الأمالي للطوسي: ۱۹۹٫

6ـ الأنفال: ۱۱ـ۱۲٫

7ـ تفسير مجمع البيان ۴ /۴۳۷٫

8ـ المصدر السابق ۴ /۴۴۰٫

9ـ تاريخ مدينة دمشق ۴۲/۷۱٫

10ـ بحار الأنوار ۱۶ /۱۲۷، الجامع الصغير ۲ /۳۵۶٫

11ـ الأنفال ۶۷ـ۶۹٫

12ـ أعيان الشيعة ۱ /۲۵۰٫

13ـ صحيح ابن حبّان ۱۱/۱۱۸، موارد الظمآن ۵ /۳۱۲٫

14ـ شرح نهج البلاغة ۱۴ /۱۸۲٫

15ـ إعلام الورى بأعلام الهدى ۱ /۱۶۹٫

16ـ شرح نهج البلاغة ۱۴ /۱۷۸٫

17ـ البداية والنهاية ۳ /۳۵۹٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

جرح الإمام علي بن أبي طالب (ع)

مقدّمة

بعد التحكيم الذي جرى في حرب صفّين تمرّدت فئة على الإمام علي(عليه السلام)، وسُمِّيت هذه الفئة بـ«الخوارج».

وأعطاهم الإمام(عليه السلام) الفرص الكثيرة ليعودوا إلى رشدهم، لكنّهم استمرّوا في غيِّهم، وقاموا بتشكيل قوّة عسكرية، وأعلنوا استباحتهم لدم الإمام علي(عليه السلام) ودماء المنتمين إلى عسكره، واستعدّوا لمنازلة جيش الإمام(عليه السلام)، فقاتلهم الإمام علي(عليه السلام) وقضى عليهم في معركة النهروان.

وكان جماعة من الخصوم ـ الذين يؤيِّدون الأفكار المنحرفة للخوارج ـ قد عقدوا اجتماعاً في مكّة المكرّمة، وتداولوا في أمرهم الذي انتهى إلى أوخم العواقب، فخرجوا بقرارات كان أخطرها اغتيال الإمام علي(عليه السلام).

قاتله(عليه السلام)

عبد الرحمن بن ملجم المرادي.

تاريخ جرحه(عليه السلام) ووقته ومكانه

۱۹ شهر رمضان ۴۰ﻫ، وقت صلاة نافلة الفجر، محراب مسجد الكوفة.

رفقه بقاتله(عليه السلام)

أُدخل ابن ملجم على الإمام علي(عليه السلام) وهو مكتوف، فقال الإمام(عليه السلام): «أي عدوّ الله، ألم أحسن إليك»؟ قال: بلى.

فقال(عليه السلام): «فما حملك على هذا»؟ قال ابن ملجم: شحذته أربعين صباحاً ـ يقصد بذلك سيفه ـ وسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه.

فقال(عليه السلام): «لا أراك إلّا مقتولاً به، ولا أراك إلّا من شرِّ خلق الله»(۱).

ثمّ قال(عليه السلام): «النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطّلب، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قُتل أمير المؤمنين، ألا لا يُقتلنّ إلّا قاتلي.

اُنظر يا حسن، إذا أنا متّ من ضربتي هذه، فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثّلنّ بالرجل، فإنِّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: إيّاكم والمُثلة، ولو بالكلب العقور»(۲).

إخباره عن رحيله(عليه السلام)

قال عمرو بن الحمق: دخلت على علي(عليه السلام) حين ضُرب الضربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس إنّما هو خدش، قال: «لعمري إنّي لمفارقكم»… وأُغمي عليه، فبكت أُمّ كلثوم، فلمّا أفاق قال(عليه السلام): «لا تؤذيني يا أُمّ كلثوم، فإنّك لو ترين ما أرى لم تبكي، إنّ الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض، والنبيين يقولون لي: انطلق يا علي، فما أمامك خير لك ممّا أنت فيه»(۳).

مدّة بقائه(عليه السلام) بعد جرحه

ثلاثة أيّام، وعهد خلالها بالإمامة إلى ابنه الإمام الحسن(عليه السلام)، وطوال تلك الأيّام الثلاثة كان(عليه السلام) يلهج بذكر الله والرضا بقضائه والتسليم لأمره.

وصيّته(عليه السلام)

كان(عليه السلام) يصدر الوصية تلو الوصية، داعياً لإقامة حدود الله عزّ وجلّ، مُحذِّراً من الهوى والتراجع عن حمل الرسالة الإسلامية.

ومن وصيّته(عليه السلام) التي خاطب بها الحسن والحسين(عليهما السلام) وأهل بيته وأجيال الأُمّة الإسلامية في المستقبل: «أوصيكما بتقوى الله، وألاّ تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زُوي عنكما، وقولا بالحقّ، واعملا للأجر، كونا للظالم خَصماً، وللمظلوم عوناً.

أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونَظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكما(صلى الله عليه وآله) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام.

الله الله في الأيتام، فلا تُغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم.

الله الله في جيرانكم، فإنّهم وصية نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورثهم.

الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم.

الله الله في الصلاة، فإنّها عمود دينكم.

الله الله في بيت ربّكم، لا تُخلّوه ما بقيتم، فإنّه إن تُرك لم تناظروا.

الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله.

وعليكم بالتواصل والتباذل، وإيّاكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيُولّى عليكم أشراركم، ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم»(۴).

ـــــــــــــــــــــــــ

1ـ تاريخ الطبري ۴ /۱۱۱، الكامل في التاريخ ۳ /۳۹۰٫

2ـ الكامل في التاريخ ۳ /۳۹۰٫

3ـ الخرائج والجرائح ۱ /۱۷۸٫

4ـ شرح نهج البلاغة ۱۷/ ۶٫

بقلم: محمد أمين نجف

الخروج لفتح مكة المكرمة

سبب الغزوة

لمّا صالح رسول الله(صلى الله عليه وآله) قريشاً عام الحُديبية (۶ﻫ)، دخلت خزاعة في حلف النبي(صلى الله عليه وآله) وعهده، ودخلت كنانة في حلف قريش.

فلمّا مضت سنتان من القضية قعد رجل من كنانة يروي هجاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال له رجل من خزاعة: لا تذكر هذا، قال: وما أنت وذاك؟ فقال: لئن أعدت لأكسرنّ فاك، فأعادها، فرفع الخزاعي يده فضرب بها فاه، فاستنصر الكناني قومه، والخزاعي قومه، وكانت كنانة أكثر، فضربوهم حتّى أدخلوهم الحرم وقتلوا منهم، وأعانتهم قريش بالكراع والسلاح، فركب عمرو بن سالم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فخبرّه الخبر، وقال أبيات شعر، منها:

يا رب أنّي ناشد محمّداً ***** حلف أبينا وأبيه الأتلدا

أنّ قريشاً أخلفوك الموعدا ***** ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

وقتلونا ركّعاً وسجّدا

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «حسبك يا عمرو»، ثمّ قام فدخل دار ميمونة وقال: «اسكبوا لي ماء» فجعل يغتسل ويقول: «لا نُصرت إن لم أنصر بني كعب».

ثمّ أجمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) على المسير إلى مكّة، وقال: «اللّهمّ خذ العيون عن قريش حتّى نأتيها في بلادها»(۱).

مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة

كتب حاطب بن أبي بلتعة ـ وكان من أهل مكّة وقد شهد بدراً مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)ـ مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش: إنّ رسول الله خارج إليكم يوم كذا وكذا.

وجعل لها جعلاً على أن توصله إليهم، فجعلته في رأسها، فخرجت وسارت على غير الطريق، فنزل الوحي على النبي(صلى الله عليه وآله) فأخبره، فدعا الإمام عليّاً(عليه السلام)، وقال له: «إنّ بعض أصحابي كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا، وقد كنت سألت الله عزّ وجلّ أن يعمي أخبارنا عليهم، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك والحقها وانتزع الكتاب منها وخلِّ سبيلها».

ثمّ استدعى الزبير بن العوام فأرسله معه، فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير فسألها عن الكتاب فأنكرته، وحلفت أنّه لا شيء معها وبكت، فقال الزبير: ما أرى يا أبا الحسن معها كتاباً، فارجع بنا إلى رسول الله لنخبره ببراءة ساحتها.

فقال له الإمام علي(عليه السلام): «يخبرني رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّ معها كتاباً ويأمرني بأخذه منها وتقول أنت أنّه لا كتاب معها»!!

ثمّ أخرج(عليه السلام) سيفه وتقدّم إليها فقال: «أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنّك، ثمّ لأضربنّ عنقك»، فقالت له: فاعرض بوجهك عنّي، فاعرض بوجهه عنها، فكشفت قناعها، وأخرجت الكتاب من عقيصتها ـ أي ضفيرتها ـ، فأخذه(عليه السلام) وسار به إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)(۲).

خطبة النبي(صلى الله عليه وآله) في مسجده

أمر النبي(صلى الله عليه وآله) أن يُنادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس حتّى امتلأ بهم المسجد، ثمّ صعد المنبر والكتاب بيده وقال: «أيّها الناس، أنّي كنت سألت الله أن يخفي أخبارنا عن قريش، وأنّ رجلاً منكم كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا، فليقم صاحب الكتاب وإلّا فضحه الوحي»، فلم يقم أحد.

فأعاد مقالته ثانية، فقام حاطب بن أبي بلتعة ـ وهو يرتعد كالسعفة في يوم الريح العاصف ـ فقال: أنا يا رسول الله صاحب الكتاب، وما أحدثت نفاقاً بعد إسلامي، ولا شكّاً بعد يقيني.

فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): «فما الذي حملك على ذلك»؟ قال: إنّ لي أهلاً بمكّة، وليس لي بها عشيرة، فأشفقت أن تكون الدائرة لهم علينا، فيكون كتابي هذا كفّاً لهم عن أهلي، ويداً لي عندهم، ولم أفعل ذلك لشك منّي في الدين.

فقال عمر بن الخطّاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فوالله لقد نافق، فقال(صلى الله عليه وآله): «إنّه من أهل بدر، ولعل الله اطلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد».

فجعل الناس يدفعون في ظهره، وهو يلتفت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليرّق عليه، فأمر بردّه وقال: «قد عفوت عن جرمك فاستغفر ربّك، ولا تعد لمثل هذه ما حييت»(۳).

خروج النبي(صلى الله عليه وآله) من المدينة

خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في ۲ شهر رمضان ۸ﻫ من المدينة المنوّرة مع جيشه وقوّاته إلى فتح مكّة المكرّمة. وقيل: خرج في ۱۰ شهر رمضان، واستخلف على المدينة أبا لبابة ابن عبد المنذر، وقيل: استخلف أبا ذر الغفاري، وقيل: عبد الله بن أُمّ مكتوم.

تعداد جيش النبي(صلى الله عليه وآله)

بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى من حوله من العرب، فمنهم من وفاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق، وخرج(صلى الله عليه وآله) في عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ومن انضمّ إليهم في الطريق من الأعراب، وجلّهم أسلم وغفّار ومُزينة وجهينة وأشجع وسليم… وكان المهاجرون سبعمائة، ومعهم ثلاثمائة فرس، والأنصار أربعة آلاف، ومعهم خمسمائة فرس، ومزينة ألف وثلاثة أنفار، وفيها مائة فرس، وأسلم أربعمائة ومعها ثلاثون فرساً، وجهينة ثمانمائة، وقيل ألف وأربعمائة، والباقي من سائر العرب؛ تميم وقيس وأسد وغيرهم.

لقاء النبي(صلى الله عليه وآله) بأبي سفيان في الطريق

لمّا نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرَّ الظَّهران، وقد غُمّت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خبر، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء؛ يتجسّسون الأخبار.

قال العباس: فوالله إنّي لأطوف في الأراك؛ ألتمس ما خرجت له، إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كالليلة قطّ نيراناً.

فقلت: يا أبا حنظلة ـ يعني أبا سفيان ـ، فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: لبّيك فداك أبي وأُمّي، ما وراك؟ فقلت: هذا رسول الله وراءك قد جاء بما لا قِبَل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين! قال: فما تأمرني؟

فقلت: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فوالله لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك. فردفني، وركضت البغلة حتّى وصلت خيمة النبي.

فقلت: يا رسول الله، إنّي قد أجرته، فقال(صلى الله عليه وآله): «اذهب فقد آمناه حتّى تغدو به عليّ في الغداة».

قال: فلمّا أصبح غدوت به على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأُمّي ما أوصلك وأكرمك وأرحمك وأحلمك! والله لقد ظننت أن لو كان معه إله لأغنى يوم بدر ويوم أُحد.

فقال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله»؟ فقال: بأبي أنت وأُمّي، أمّا هذه فإنّ في النفس منها شيئاً!!

قال العباس: فقلت له: ويحك! اشهد بشهادة الحقّ قبل أن يضرب عنقك. فتشهّد.

فقال(صلى الله عليه وآله) للعباس: «انصرف يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي حتّى تمرّ عليه جنود الله».

قال: فحبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي، ومر عليه القبائل قبيلة قبيلة وهو يقول: من هؤلاء؟ وأقول: أسلم، وجهينة، وفلان، حتّى مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الكتيبة الخضراء من المهاجرين والأنصار في الحديد، لا يُرى منهم إلّا الحدق.

فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ قلت: هذا رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المهاجرين والأنصار، فقال: يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً! فقلت: ويحك إنّها النبوّة، فقال: نعم إذاً!

وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء رسولَ الله(صلى الله عليه وآله)، وأسلما وبايعاه فلمّا بايعاه، بعثهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام.

قال العباس: قلت: يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر فاجعل له شيئاً يكون في قومه، فقال: «من دخل دار أبي سفيان ـ وهي بأعلى مكّة ـ فهو آمن، ومن دخل دار حكيم ـ وهي بأسفل مكّة ـ فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده، فهو آمن»(۴).

رجوع أبي سفيان إلى مكّة

قال العباس لأبي سفيان: الحق الآن بقومك فحذّرهم. فخرج أبو سفيان سريعاً حتّى أتى مكّة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمّد قد جاءكم بما لا قِبَل لكم به، قالوا: فمه، قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: وما تغني عنّا دارك، قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة أُمّ معاوية، فأخذت بلحيته ونادت: يا آل غالب اقتلوا هذا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم؟ فقال لها: ويحك أسلمي وادخلي بيتك. وقال: لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فقد جاءكم ما لا قِبَل لكم به(۵).

دخول النبي(صلى الله عليه وآله) مكّة المكرّمة

أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) الزبير أن يدخل مكّة من أعلاها، فيغرز رايته بالحجون، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكّة، ونهى عن القتال إلّا لمن قاتلهم، ودخل هو(صلى الله عليه وآله) من أعلى مكّة، وكانت الراية مع سعد بن عبادة.

وقد غلظ سعد بن عبادة على القوم، وأظهر ما في نفسه من الحنق عليهم، فدخل وهو يقول:

اليوم يوم الملحمة ***** اليوم تُسبى الحرمة.

فسمعها العباس فقال للنبي(صلى الله عليه وآله): أما تسمع يا رسول الله ما يقول سعد؟ وإنّي لا آمن أن يكون له في قريش صولة.

فقال النبي(صلى الله عليه وآله) لعلي(عليه السلام): «أدرك سعداً فخذ الراية منه، وكن أنت الذي تدخل بها مكّة»، فأدركه علي(عليه السلام) فأخذها منه .

ودخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكّة على ناقته القصواء واضعاً رأسه الشريف على الرحل؛ تواضعاً لله تعالى، ثمّ قال: «اللّهمّ أنّ العيش عيش الآخرة»، فقيل له: يا رسول الله، ألا تنزل دارك؟

فقال: «وهل أبقى عقيل لنا داراً»، ثمّ ضُربت له قبّة في الأبطح فنزل فيها، ومعه زوجتاه أُمّ سلمة وميمونة(۶).

دخول النبي(صلى الله عليه وآله) إلى المسجد الحرام

أقبل(صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت على راحلته، وعلى الكعبة. وفي رواية حولها ثلاثمائة وستون صنماً، لكلّ حي من أحياء العرب صنم، فجعل كلّما يمرّ بصنمٍ منها يشير إليه بقضيب في يده، ويقول: )جَاء الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا((۷).

فما أشار لصنم من ناحية وجهه إلّا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلّا وقع لوجهه حتّى مرّ عليها كلّها، وكان أعظمها هُبل.

وكان المقام لاصقاً بالكعبة، فصلّى خلفه ركعتين، ثمّ أمر به فوضع في مكانه.

ثمّ جلس ناحية من المسجد، وأرسل بلالاً إلى عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح الكعبة، فجاء به ففتح رسول الله(صلى الله عليه وآله) باب الكعبة، وصلّى فيها ركعتين وخرج، فأخذ بعضادتي الباب والمفتاح معه.

فخطب الناس فقال: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يُدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلّا سدانة البيت وسقاية الحاجّ، فإنّهما مردودتان إلى أهليهما».

ثمّ قال: «يا معشر قريش، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خُلق من تراب»، ثمّ تلا: )يَا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ((۸).

ثمّ قال: «يا معشر قريش ويا أهل مكّة ما ترون أنّي فاعل بكم»؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا فانتم الطلقاء». فأعتقهم وقد كان أمكنه الله من رقابهم عنوة، فبذلك سُمّوا الطلقاء.

ثمّ دعا بعثمان بن طلحة فردّ إليه مفتاح الكعبة، وقال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلّا ظالم. وانتقلت سدانة الكعبة بعد عثمان إلى أخيه شيبة، ثمّ توارثها أولاده إلى اليوم.

ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطّلب وكانت لأبيه عبد المطّلب، ثمّ قام بها بعد العباس ابنه عبد الله، وهي أحواض من جلد يوضع فيها الماء العذب لسقاية الحاجّ، ويُطرح فيها التمر والزبيب في بعض الأوقات.

وحانت صلاة الظهر، فأذّن بلال فوق ظهر الكعبة، وبثّ(صلى الله عليه وآله) السرايا إلى الأصنام التي حول مكّة فكسرها، ونادى مناديه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلّا كسره، وأتى الصفا يدعو الله تعالى ويذكره.

فقال الأنصار فيما بينهم: أترون أنّ رسول الله إذ فتح الله أرضه وبلده يقيم بها، فلمّا فرغ من دعائه قال: «معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم»(۹).

عفو النبي(صلى الله عليه وآله) عن أهل مكّة

أمر(صلى الله عليه وآله) بقتل جماعة ولو كانوا تحت أستار الكعبة، قيل: ستّة رجال وأربع نساء، وقيل أحد عشر رجلاً، فمن الرجال:

عبد الله بن أبي سرح، كان قد أسلم فارتدّ مشركاً، ففرّ إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة فغيّبه، ثمّ أتى به رسول الله(صلى الله عليه وآله) فاستأمن له، فصمت(صلى الله عليه وآله) طويلاً، ثمّ قال: «نعم»، فلمّا انصرف به قال(صلى الله عليه وآله): «لقد صمتّ ليقوم إليه بعضكم فيقتله»، فقال أنصاري: هلا أومأت إليّ؟ قال: «إنّ النبي لا يقتل بالإشارة».

وعبد الله بن خطل، كان قد أسلم فبعثه رسول الله(صلى الله عليه وآله) مصدّقاً، وكان معه مولىً مسلم يخدمه، فأمر المولى أن يذبح له تيساً ويصنع له طعاماً، فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً، فعدا عليه فقتله، وارتدّ مشركاً، وكان شاعراً يهجو رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه.

والحويرث بن نقيد كان يؤذيه بمكّة، قتله علي بن أبي طالب(عليه السلام).

ومقيس بن صبابة، كان له أخ يُسمّى هشام، قتله رجل من الأنصار خطأً في غزوة ذي قرد وهو يظنّه من العدوّ، فأعطاه النبي(صلى الله عليه وآله) ديّته، ثمّ عدا على قاتل أخيه فقتله، ورجع إلى قريش مرتدّاً، قتله نميلة بن عبد الله وهو رجل من قومه.

وعكرمة بن أبي جهل، هرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أُمّ حكيم بنت عمّه الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسول الله(صلى الله عليه وآله) فآمنه، فخرجت في طلبه حتّى أتت به رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأسلم.

ووحشي قاتل حمزة(رضي الله عنه)، استؤمن له فآمنه، وقال: «لا تريني وجهك»، فمات بحمص، وكان لا يزال سكران.

وكعب بن زهير بن أبي سلمى، كان يهجو رسول الله(صلى الله عليه وآله)، هرب فاستؤمن له فآمنه.

وهبار بن الأسود، الذي روّع زينب بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله).

والحارث بن هشام أخو أبي جهل لأبويه، وزهير بن أُميّة، وصفوان بن أُميّة، وهؤلاء أسلموا فعفا عنهم.

ومن النساء:

هند بنت عُتبة أسلمت وبايعت، وقينتان لعبد الله بن خطل ـ فرتنا وقريبة ـ كانتا تغنّيان بهجاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)، الذي يصنعه لهما، فقُتلت قريبة وهربت فرتنا، فاستؤمن لها رسول الله(صلى الله عليه وآله) فآمنها، فعاشت إلى خلافة عثمان.

وسارة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطّلب قُتلت يومئذٍ، وقيل استؤمن لها رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأوطأها رجل فرسه في خلافة عمر بالأبطح فقتلها(۱۰).

————————————

۱- اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى ۱ /۲۱۵٫

۲- اُنظر: الإرشاد ۱ /۵۷٫

۳- اُنظر: بحار الأنوار ۲۱ /۱۲۰٫

۴- اُنظر: تفسير مجمع البيان ۱۰ /۴۷۰٫

۵- أعيان الشيعة ۱ /۲۷۶٫

۶- المصدر السابق.

۷- الإسراء: ۸۱٫

۸- الحجرات: ۱۳٫

۹- أعيان الشيعة ۱ /۲۷۷٫

۱۰- المصدر السابق ۱ /۲۷۶٫

بقلم: محمد أمين نجف

استشهاد الإمام علي بن أبي طالب (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، أبو الحسين، أبو السبطين، أبو الريحانتين، أبو تراب… .

من ألقابه(ع)

أمير المؤمنين، إمام المتّقين، قائد الغُرّ المُحجّلين، يعسوب الدين، الأنزع البطين، سيّد الأوصياء، أسد الله الغالب، المرتضى، حيدر.

أُمّه(ع)

فاطمة بنت أسد بن هاشم.

ولادته(ع)

ولد في الثالث عشر من رجب، قبل البعثة النبوية بعشر سنين، وبعد عام الفيل بثلاثين سنة في جوف الكعبة بمكّة المكرّمة.

كيفية ولادته(ع)

قال الإمام الصادق(ع): «كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَيَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ جَالِسَيْنِ مَا بَيْنَ فَرِيقِ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى فَرِيقِ عَبْدِ الْعُزَّى بِإِزَاءِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، إِذْ أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمِّ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع)، وَكَانَتْ حَامِلَةً بِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع) لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ يَوْمَ التَّمَامِ.

قَالَ: فَوَقَفَتْ بِإِزَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَدْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ، فَرَمَتْ بِطَرْفِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: أَيْ رَبِّ، إِنِّي مُؤْمِنَةٌ بِكَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِكَ الرَّسُولُ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلْتَهُ، وَإِنِّي مُصَدِّقَةٌ بِكَلَامٍ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَإِنَّهُ بَنَى بَيْتَكَ الْعَتِيقَ، فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ وَمَنْ بَنَاهُ، وَبِهَذَا المَوْلُودِ الَّذِي فِي أَحْشَائِي الَّذِي يُكَلِّمُنِي وَيُؤْنِسُنِي بِحَدِيثِهِ، وَأَنَا مُوقِنَةٌ أَنَّهُ إِحْدَى آيَاتِكَ وَدَلَائِلِكَ لمَّا يَسَّرْتَ عَلَيَّ وِلَادَتِي.

قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَيَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ: لمَّا تَكَلَّمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ وَدَعَتْ بِهَذَا الدُّعَاءِ، رَأَيْنَا الْبَيْتَ قَدِ انْفَتَحَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ فِيهِ، وَغَابَتْ عَنْ أَبْصَارِنَا، ثُمَّ عَادَتِ الْفَتْحَةُ وَالْتَزَقَتْ بِإِذْنِ اللهِ، فَرُمْنَا أَنْ نَفْتَحَ الْبَابَ لِيَصِلَ إِلَيْهَا بَعْضُ نِسَائِنَا، فَلَمْ يَنْفَتِحِ الْبَابُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَبَقِيَتْ فَاطِمَةُ فِي الْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. قَالَ: وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، وَتَتَحَدَّثُ المُخَدَّرَاتُ فِي خُدُورِهِنَّ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ انْفَتَحَ الْبَيْتُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ دَخَلَتْ فِيهِ، فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ(ع) عَلَى يَدَيْهَا.

ثُمَّ قَالَتْ: مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ اللهَ اخْتَارَنِي مِنْ خَلْقِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى المُخْتَارَاتِ مِمَّنْ مَضَى قَبْلِي، وَقَدِ اخْتَارَ اللهُ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ فَإِنَّهَا عَبَدَتِ اللهَ سِرّاً فِي مَوْضِعٍ لَا يُحَبُّ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ فِيهِ إِلَّا اضْطِرَاراً، وَمَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ حَيْثُ اخْتَارَهَا اللهُ، وَيَسَّرَ عَلَيْهَا وِلَادَةَ عِيسَى، فَهَزَّتِ الْجِذْعَ الْيَابِسَ مِنَ النَّخْلَةِ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى تُسَاقِطَ عَلَيْهَا رُطَباً جَنِيّاً، وَإِنَّ اللهَ اخْتَارَنِي وَفَضَّلَنِي عَلَيْهِمَا، وَعَلَى كُلِّ مَنْ مَضَى قَبْلِي مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، لِأَنِّي وَلَدْتُ فِي بَيْتِهِ الْعَتِيقِ، وَبَقِيتُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ آكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَأَوْرَاقِهَا، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ وَوَلَدِي عَلَى يَدَيَّ هَتَفَ بِي هَاتِفٌ وَقَالَ:

يَا فَاطِمَةُ، سَمِّيهِ عَلِيّاً، فَأَنَا الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَإِنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ قُدْرَتِي، وَعِزِّ جَلَالِي، وَقِسْطِ عَدْلِي، وَاشْتَقَقْتُ اسْمَهُ مِنْ اسْمِي، وَأَدَّبْتُهُ بِأَدَبِي، وَفَوَّضْتُ إِلَيْهِ أَمْرِي، وَوَقَّفْتُهُ عَلَى غَامِضِ عِلْمِي، وَوُلِدَ فِي بَيْتِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤَذِّنُ فَوْقَ بَيْتِي، وَيَكْسِرُ الْأَصْنَامَ وَيَرْمِيهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَيُعَظِّمُنِي وَيُمَجِّدُنِي وَيُهَلِّلُنِي، وَهُوَ الْإِمَامُ بَعْدَ حَبِيبِي وَنَبِيِّي وَخِيَرَتِي مِنْ خَلْقِي مُحَمَّدٍ رَسُولِي، وَوَصِيُّهُ، فَطُوبَى لِمَنْ أَحَبَّهُ وَنَصَرَهُ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَذَلَهُ وَجَحَدَ حَقَّهُ»(2).

من زوجاته(ع)

السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت رسول الله(ص)، فاطمة بنت حزام بن خالد العامرية الكلابية المعروفة بأُمّ البنين، أسماء بنت عُميس بن النعمان الخثعمية، خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع، أُمّ حبيب بنت ربيعة بن بُجير التغلبية.

من أولاده(ع)

الإمام الحسن، الإمام الحسين، زينب الكبرى، زينب الصغرى (أُمّ كلثوم)، المحسن السقط، العباس، جعفر، عبد الله، عثمان، عمرالأطرف، محمّد الحنفية.

عمره وإمامته وحكومته(ع)

عمره 63 عاماً، وإمامته 30 عاماً، وحكومته أكثر من 4 سنوات.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

أبو بكر، عمر بن الخطّاب، عثمان بن عفّان.

حروبه(ع)

اشترك(ع) في حروب رسول الله(ص) جميعها، عدا غزوة تبوك، حيث أمره(ص) بالبقاء في المدينة المنوّرة؛ وذلك لإدارة شؤونها.

أمّا الحروب التي قادها بنفسه في زمن خلافته(ع) فهي: الجمل، صفّين، النهروان.

ما قيل في حقّه(ع)

1ـ قال محمّد ابن إدريس ـ إمام الشافعية ـ: «عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسداً، وكتمها محبّوه خوفاً، وخرج ما بين ذين ما طبق الخافقين»(3).

2ـ  قال أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ: «ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله(ص) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب(ع)»(4).

3ـ روى محمّد بن عمر الواقدي: «إنّ عليّاً(ع) كان من معجزات النبي(ص)، كالعصا لموسى(ع)، وإحياء الموتى لعيسى(ع)»(5).

4ـ قال الدكتور طه حسين: «كان الفرق بين علي(ع) ومعاوية عظيماً في السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمناً بالخلافة، ويرى أنّ من الحقّ عليه أن يُقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس، أمّا معاوية فإنّه لا يجد في ذلك بأساً ولا جناحاً، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما يُحبّون»(6).

5ـ قال خليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض: «احتياج الكلّ إليه واستغناؤه عن الكلّ، دليل على أنّه إمام الكلّ»(7).

6ـ قال الدكتور السعادة: «قد أجمع المؤرّخون وكتب السير على أنّ علي بن أبي طالب(ع) كان ممتازاً بمميّزات كبرى لم تجتمع لغيره، هو أُمّة في رجل»(8).

7ـ قال ابن أبي الحديد المعتزلي: «اُنظر إلى الفصاحة كيف تُعطي هذا الرجل قيادها، وتملّكه زمامها، فسبحان الله مَن منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة، أن يكون غلام من أبناء عرب مكّة لم يُخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة من‏ أفلاطون وأرسطو، ولم يُعاشر أرباب الحكم الخلقية، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط، ولم يرب بين الشجعان، لأنّ أهل مكّة كانوا ذوي تجارة، وخرج أشجع من كلّ بشرٍ مشى على الأرض»(9).

8ـ قال الفخر الرازي: «ومَن اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه»(10).

9ـ قال جبران خليل جبران: «إنّ علي بن أبي طالب(ع) كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى مَن عداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدّة الاقتراب ممسوس في ذات الله»(11).

استشهاده(ع)

استُشهد في الحادي والعشرين من شهر رمضان 40ﻫ بمدينة الكوفة، ودُفن بمنطقة الغري في النجف الأشرف.

كيفية استشهاده(ع)

ضربه الملعون عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالسيف على رأسه(ع)، وهو في صلاته النافلة بمحراب مسجد الكوفة.

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه الشاعر أبو الأسود الدؤلي(رحمه الله) بقوله:

«أَلا يا عَينُ وَيحكِ فَاسْعِدينَا  **  أَلا فَابكي أميرَ المؤمنينا

رُزِئنا خيرَ مَن رَكِبَ المَطايا  **  وفارسَها ومَن رَكِبَ السَّفينا

ومَن لبسَ النَّعالَ ومَن حَذاها  **  ومَن قَرأ المثاني والمئينا

فكلُّ مَناقبِ الخَيراتِ فيهِ  **  وحُبُّ رسولِ ربِّ العَالمينا

وكنَّا قَبْلَ مقتلِهِ بخيرٍ  **  نرى مَولَى رَسولِ اللهِ فينا»(12).

ورثاه السيّد محمّد جمال الهاشمي الكلبايكاني(رحمه الله) بقوله:

«رُزءٌ لَهُ الإسلامُ ضَجَّ وحَادِثٌ  **  مِن وقعِهِ قَلبُ الهُدَى يَتَصدَّعُ

اللهُ أكبرُ أيُّ جُرمٍ ذِكرُهُ  **  يُدمي القُلوبَ فَتَسْتَهِلُّ الأدمُعُ

يَا ليلةَ القَدرِ اذهبي مَفجُوعةً  **  فَلقدْ قَضى فيكِ الإمامُ الأنزعُ»(13).

فضل زيارته(ع)(14)

من الروايات الواردة في فضل زيارة الإمام علي(ع):

1ـ روي عن الإمام الصادق(ع) عن آبائه عن رسول الله(ص) أنّه قال: «مَنْ زَارَ عَلِيّاً بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَهُ الجَنَّة».

2ـ قال الإمام الصادق(ع): «إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لَتُفَتَّحُ عِنْدَ دُعَاءِ الزَّائِرِ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع)، فَلَا تَكُنْ عَنِ الْخَيْرِ نَوَّاما».

3ـ قال الإمام الصادق(ع): «مَنْ تَرَكَ زِيَارَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع) لَمْ يَنْظُرِ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَلَا تَزُورُونَ مَنْ تَزُورُهُ المَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ(عليهم السلام)، إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ(ع) أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْأَئِمَّةِ، وَلَهُ مِثْلُ ثَوَابِ أَعْمَالِهِمْ، وَعَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فُضِّلُوا».

ــــــــــــــــــــــــــ

اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 303.

2ـ الأمالي للطوسي: 706 ح1511.

3ـ الروضة لابن شاذان: 19.

4ـ المستدرك على الصحيحين 3/ 107.

5ـ فهرست ابن النديم: 111.

6ـ علي وبنوه: 59.

7ـ عبقرية الإمام للدكتور مهدي محبوبة: 138.

8ـ مقدّمة الإمام علي للدكتور السعادة.

9ـ شرح نهج البلاغة 16/ 146.

10ـ تفسير الفخر الرازي 1/ 207.

11ـ حاشية الشفاء: 566، باب الخليفة والإمام.

12ـ أعيان الشيعة 7/ 403.

13ـ مستدركات أعيان الشيعة 2/ 291.

14ـ المقنعة: 462، الباب 6.

بقلم: محمد أمين نجف

ليلة القدر ونزول القرآن الكريم

سورة القدر

قال الله تعالى: (بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَة الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَها بِإِذْنِ رَبّـِهم مِّن كُلِّ أَمْر * سَلاَمٌ هِيَ حتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) صدق الله العلي العظيم.

فضل قراءة سورة القدر

وردت روايات كثيرة في فضل قراءتها، منها:

۱ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «من قرأ (إنّا أَنْزَلْناهُ) في فريضة من الفرائض، نادى منادٍ: يا عبد الله، قد غفر لك ما مضى، فاستأنف العمل»(۱).

۲ ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): «من قرأ (إنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) بجهرٍ كان كشاهر سيفه في سبيل الله، ومن قرأها سرّاً كان كالمتشحّط بدمه في سبيل الله، ومن قرأها عشر مرّات محا الله عنه ألف ذنب من ذنوبه»(۲).

۳ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من قرأها أُعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر»(۳).

مكان نزول سورة القدر

المشهور بين المفسّرين أنّها مكّية، واحتمل بعضهم أنّها مدنية.

معنى القدر

القدر في اللغة: كون الشيء مساوياً لغيره من غير زيادة ولا نقصان، وقدّر الله هذا الأمر بقدره قدراً: إذ جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة.

معنى ليلة القدر

سُمّيت ليلة القدر؛ لأنّها الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي بما يكون في السنة بأجمعها إلى مثلها من السنة القادمة، من حياة وموت، وخير وشرّ، وسعادة وشقاء، ورزق وولادة… .

ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ)(۴).

ففرق الأمر الحكيم يعني إحكام الأمر الواقع بخصوصياته التقديرية، وإمضاؤه في تلك الليلة رحمة من الله إلى عباده.

وقيل: القدر بمعنى المنزلة، وسُمّيت ليلة القدر لأهمّيتها ومنزلتها، ولأهمّية ومنزلة المتعبّدين والذاكرين الله فيها، فإحياؤها بالعبادة والعمل الصالح فيها ـ من صلاة وزكاة وأنواع الخير ـ خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، ولولا ما يضاعف الله تبارك وتعالى للمؤمنين ما بلغوا، ولكنّ الله يضاعف لهم الحسنات رحمة منه تعالى.

وسُئل الإمام الباقر(عليه السلام) عن قول الله تعالى: (إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) قال: «نعم، ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلّا في ليلة القدر، قال الله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)»(۵).

قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله): يا علي أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت: لا، يا رسول الله.

فقال(صلى الله عليه وآله): إنّ الله تبارك وتعالى قدّر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكان فيما قدّر ولايتك وولاية الأئمّة من ولدك إلى يوم القيامة»(۶).

وسُئل الإمام الصادق(عليه السلام): كيف تكون ليلة القدر خيراً من ألف شهر؟ قال: «العمل الصالح فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر»(۷).

تعيين ليلة القدر

لم يعيّن القرآن الكريم أيّة ليلة هي، سوى أنّها في شهر رمضان، وقد اعتُمد في تعيّنها إلى الأخبار والروايات، فعن حسّان بن أبي علي قال: سألت الإمام الصادق(عليه السلام) عن ليلة القدر، قال: «اطلبها في تسع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين»(۸).

وقد اتّفقت أخبار أهل البيت(عليهم السلام) أنّها باقية متكرّرة كلّ سنة، وأنّها من شهر رمضان، وإنّها إحدى الليالي الثلاث، ولذلك دأب الشيعة على تسمية الليالي الثلاث بليالي القدر.

وعن زرارة قال: سألت الإمام الباقر(عليه السلام) عن ليلة القدر، قال: «في ليلتين؛ ليلة ثلاث وعشرين وإحدى وعشرين»، فقلت: افرد لي أحدهما، فقال: «وما عليك أن تعمل في ليلتين هي إحداهما»(۹).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «التقدير في ليلة القدر تسعة عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين»(۱۰).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام): «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا دخل العشر الأواخر، شدّ المئزر واجتنب النساء وأحيا الليل وتفرّغ للعبادة»(۱۱).

وعن علي بن أبي حمزة قال: «كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام)، فقال له أبو بصير: جعلت فداك! الليلة التي يرجى فيها ما يرجى أيّ ليلة هي؟ فقال: “هي ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين”.

قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال: “ما أيسر ليلتين فيما تطلب”! قال: قلت: فربما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك في أرضٍ أُخرى، فقال: “ما أيسر أربع ليال فيما تطلب فيها”.

قلت: جُعلت فداك، ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني، قال: “إنّ ذلك ليقال”، قلت: جُعلت فداك، إنّ سليمان بن خالد روى أنّ في تسع عشرة يُكتب وفد الحاجّ.

فقال: “يا أبا محمّد! وفد الحاجّ يُكتب في ليلة القدر، والمنايا والبلايا والأرزاق، ما يكون إلى مثلها في قابل، فاطلبها في إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وصلِّ في كلّ واحدة منهما مائة ركعة، وأحيهما إن استطعت إلى النور، واغتسل فيهما”.

قال: قلت: فإن لم أقدر على ذلك وأنا قائم؟ قال: “فصل وأنت جالس”، قلت: فإن لم أستطع؟ قال: “فعلى فراشك”، قلت: فإن لم أستطع؟

فقال: “لا عليك أن تكتحل أوّل الليل بشيء من النوم، إنّ أبواب السماء تُفتح في شهر رمضان، وتُصفد الشياطين، وتُقبل الأعمال، نعم الشهر شهر رمضان، كان يُسمّى على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) المرزوق”»(۱۲).

والمستفاد من مجمل الروايات أنّها ليلة ثلاث وعشرين ـ على الأكثر ـ.

ولم يُعيّن وقتها بالذات؛ كي لا يُستهان بها بارتكاب المعاصي، وليجتهد الناس في العبادة، ويحيوا جميع ليالي شهر رمضان ـ شهر الطاعة ـ طمعاً في إدراكها، كما أخفى الله تعالى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، وغيرها.

صفات ليلة القدر

ومن صفاتها: أنّها ليلة يطيب ريحها، وإن كانت في برد دفئت، وإن كانت في حرّ بردت، تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع.

روى الحسن عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال في ليلة القدر: «إنّها ليلة سمحة، لا حارّة ولا باردة، تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع»(۱۳).

فضل ليلة القدر

وردت روايات كثيرة في فضلها، منها:

۱ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر الله ما تقدّم من ذنبه»(۱۴).

۲ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ الشيطان لا يخرج في هذه الليلة، حتّى يضئ فجرها، ولا يستطيع فيها على أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيه سحر ساحر»(۱۵).

بل تتنزّل فيها النعم والخير والبركة والإحسان للمؤمنين الذاكرين الله، بشتّى أنواع الذكر، حيث يضاعف الله سبحانه لهم الحسنات والخيرات رحمة منه على عباده، فهي ليلة سلام حتّى مطلع الفجر.

۳ـ تتنزّل الملائكة والروح ـ وهو جبرائيل ـ فيها إلى الأرض؛ ليسمعوا الثناء على الله سبحانه، وقراءة القرآن والدعاء وغيرها من الأذكار، وليسلّموا على المؤمنين العابدين الزاهدين التالين لكتاب الله بإذن الله سبحانه ـ أي بأمره ـ فهي سلام على أولياء الله وأهل طاعته، فكلّما لقيتهم الملائكة في هذه الليلة سلّموا عليهم.

أعمال ليلة القدر

هناك أعمال كثيرة مستحبّة لهذه الليلة المباركة، منها:

الغسل، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى، وقراءة الأدعية المأثورة ـ كدعاء الجوشن الكبير، ودعاء رفع المصاحف ـ، بل مطلق العبادة، وزيارة الإمام الحسين(عليه السلام)، والتخضّع والتذلّل لله حتّى يضيء فجرها.

خفاء ليلة القدر

الاعتقاد السائد أنّ اختفاء ليلة القدر بين ليالي السنة أو بين ليالي شهر رمضان المبارك يعود إلى توجيه الناس إلى الاهتمام بجميع هذه الليالي، مثلما أخفى رضاه بين أنواع الطاعات كي يتّجه الناس إلى جميع الطاعات، وأخفى غضبه بين المعاصي كي يتجنّب العباد جميعها، وأخفى أحبّاءه بين الناس كي يُحترم كلّ الناس، وأخفى الإجابة بين الأدعية لتُقرأ كلّ الأدعية، وأخفى الاسم الأعظم بين أسمائه كي تُعظّم كلّ أسمائه، وأخفى وقت الموت كي يكون الناس دائماً على استعداد، ويبدو أنّ هذا دليل مقبول.

كيفية نزول القرآن

في رأي عدد من العلماء أنّ القرآن الكريم نزل على النبي(صلى الله عليه وآله) مرّتين:

الأُولى: نزل عليه في ليلة القدر جملة واحدة، على سبيل الإجمال.

الثانية: نزل عليه تدريجاً، على سبيل التفصيل، خلال المدّة التي قضاها النبي(صلى الله عليه وآله) في أُمّته، منذ بعثته وإلى وفاته.

ومعنى نزوله على سبيل الإجمال: هو نزول المعارف الإلهية التي يشتمل عليها القرآن وأسراره الكبرى على قلب النبي(صلى الله عليه وآله)؛ لكي تمتلئ روحه بنور المعرفة القرآنية، فقال تعالى: (إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).

ومعنى نزوله على سبيل التفصيل، هو نزوله بألفاظه المحدّدة وآياته المتعاقبة، والتي كانت في بعض الأحيان ترتبط بالحوادث والوقائع في زمن الرسالة، وكذلك مواكبة تطوّرها، (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثمّ فُصِّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)(۱۶).

مزايا التدرج

الأُولى: مرّت على النبي(صلى الله عليه وآله) والدعوة حالات مختلفة جدّاً خلال ثلاث وعشرين سنة، تبعاً لما مرّت به الدعوة من مِحَن وقاسته من شدائد، وما أحرزته من انتصار وسجّلته من تقدّم.

وهي حالات يتفاعل معها الإنسان الاعتيادي، وتنعكس على أقواله وأفعاله، ويتأثّر بأسبابها وظروفها، ولكنّ القرآن واكب تلك السنين بمختلف حالاتها من الضعف والقوّة، والعسر واليسر، والهزيمة والانتصار.

وكان يسير دائماً على خطّه الرفيع، فلم ينعكس عليه لون من ألوان الانفعال البشري الذي تثيره مثل تلك الحالات.

الثانية: إنّ القرآن بتنزيله تدريجياً كان إمداداً معنوياً مستمرّاً للنبي(صلى الله عليه وآله)، كما قال الله تعالى: (وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)(۱۷).

فإنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة، كان أقوى للقلب وأشدّ عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك نزول الملك إليه، وتجدّد العهد به وتقوية أمله في النصر واستهانته بما يستجد ويتعاقب من مِحَن ومشاكل.

ولهذا نجد القرآن يأمر النبي(صلى الله عليه وآله) تارة بالصبر، فيقول: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً)(۱۸)، وينهاه تارة أُخرى عن الحزن، كما في قوله: (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنّ الْعِزّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ)(۱۹).

الثالثة: إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً كسائر الكتب التي تؤلّف للتعليم والبحث العلمي، وإنّما هو عملية تغيير الإنسان تغييراً شاملاً كاملاً في عقله وروحه وإرادته.

وهدفه الأساس هو صنع أُمّة وبناء حضارة، وهذا العمل لا يمكن أن يوجد مرّة واحدة، وإنّما هو عمل تدريجي بطبيعته.

ولهذا كان من الضروري أن ينزل القرآن الكريم تدريجياً؛ ليُحكم عملية البناء، وينشئ أساساً بعد أساس، ويجتثّ جذور الجاهلية ورواسبها بأناة وحكمة، وقصّة تحريم الخمر خير شاهد على ما نقول.

الرابعة: إنّ الرسالة الإسلامية كانت تواجه الشبهات والاتّهامات والأسئلة المختلفة من قبل المشركين، وكان النبي(صلى الله عليه وآله) بحاجة إلى أن يواجه كلّ ذلك بالموقف والتفسير المناسبَين، وهذا لا يمكن أن يتمّ إلّا بشكل تدريجي؛ لأنّ طبيعة هذه المواقف والنشاطات المعادية هي طبيعة تدريجية، وتحتاج إلى معالجة ميدانية مستمرّة.

لعلّ هذا هو المراد من سياق قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)(۲۰).

السبب من نزول القرآن في ليلة القدر

ليلة القدر ـ كما عرفنا ـ ليلة تقدير مصائر البشر لسنة كاملة حسبما يليق بكلّ فرد، والقرآن باعتباره الكتاب القادر على أن يرسم للبشرية مستقبلها ومصيرها ويهديها إلى طريق سعادتها وهدايتها، يجب أن ينزل في ليلة القدر، ليلة تعيين المصير، وما أجمل هذه العلاقة بين القرآن وليلة القدر.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ تفسير مجمع البيان ۱۰ /۴۰۳٫

2ـ المصدر السابق.

3ـ المصدر السابق.

4ـ الدخان: ۴ ـ ۵٫

5ـ ثواب الأعمال: ۶۷٫

6ـ معاني الأخبار: ۳۱۵٫

7ـ من لا يحضره الفقيه ۲ /۱۵۸٫

8ـ تفسير مجمع البيان ۱۰ /۴۰۷٫

9ـ المصدر السابق.

10ـ تفسير نور الثقلين ۵ /۶۲۷٫

11ـ من لا يحضره الفقيه ۲ /۱۵۶٫

12ـ المصدر السابق ۲ /۱۵۹٫

13ـ تفسير مجمع البيان ۱۰ /۴۰۹٫

14ـ المصدر السابق.

15ـ المصدر السابق.

16ـ هود: ۱٫

17ـ الفرقان: ۳۲٫

18ـ المزمل: ۱۰٫

19ـ يونس: ۶۵٫

20ـ الفرقان: ۳۳٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

إخراج زكاة الفطرة

لماذا زكاة الفطرة؟

زكاة الفطرة تشريع إسلامي له صفة تعبّدية واجتماعية، وهي تساهم في بناء علاقات الودّ والسلام بين أفراد المجتمع الإسلامي، وتعمل على مكافحة الفقر والحاجة، وتمنح شهر رمضان وعيده صفة خاصّة، وهي صفة التعاطف والتعاون والسرور الذي يملأ قلوب الفقراء والمساكين.

زكاة الفطرة في القرآن

قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّى)(۱)، وقد نصّ الإمام الصادق(عليه السلام) على أنّ المراد بالزكاة هنا: زكاة الفطرة.

عن أبي بصير وزرارة قالا: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّ من تمام الصوم إعطاء الزكاة ـ يعني الفطرة ـ كما أنّ الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله) من تمام الصلاة؛ لأنّه من صام ولم يؤدّ الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمّداً، ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي وآله، إنّ الله عزّ وجلّ بدأ بها قبل الصلاة فقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى)(۲).

تسمية زكاة الفطرة

إنّما سُمّيت بزكاة الفطرة؛ لكون وجوبها يوم الفطر، وتُسمّى بزكاة البدن؛ لكونها تحفظه من الموت أو تطهّره عن الأوساخ، كما ورد في الروايات.

قال الإمام الصادق(عليه السلام) لوكيله: «اذهب فأعطِ من عيالنا الفطرة، وعن الرقيق، واجمعهم ولا تدع منهم أحداً؛ فإنّك إن تركت منهم إنساناً تخوّفت عليه الفوت»، قلت: وما الفوت؟ قال(عليه السلام): «الموت»(۳).

وجوب زكاة الفطرة

تجب زكاة الفطرة بدخول ليلة عيد الفطر على كلّ إنسان عاقل بالغ غنيّ حرّ، أن يخرجها عن نفسه وعن كلّ من يعول به، وهي شرط في قبول صوم شهر رمضان، وهي أمان عن الموت إلى السنة القابلة.

وقت زكاة الفطرة ومقدارها

وقت إخراجها من ليلة العيد إلى وقت زوال يوم عيد الفطر لمن لم يصلِّ صلاة العيد، ومقدارها ثلاث كيلوات تقريباً من الطعام المتعارف في البلد، أو ما يعادل قيمتها من النقود عن كلّ شخص.

مصرف زكاة الفطرة

تُدفع زكاة الفطرة إلى الفقراء والمساكين، وتُحرم فطرة غير الهاشمي على الهاشمي، وتحلّ فطرة الهاشمي على الهاشمي وغيره، ويستحبّ دفعها إلى الفقراء من الأرحام والجيران على سائر الفقراء(۴).

ـــــــــــــــــــ

1ـ الأعلى: ۱۴٫

2ـ من لا يحضره الفقيه ۲ /۱۸۳٫

3ـ المصدر السابق ۲ /۱۸۱٫

4ـ للمزيد راجع الرسالة العملية لمن تقلده.

بقلم: محمد أمين نجف

برای این بخش اعمالی ثبت نشده است

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

تم النسخ
الرجاء تسجيل الدخول