مناسبت ها و اعمال ماه صفر   مركز آل البيت العالمي للمعلومات

معركة صفين

مقدّمة

حاول الإمام علي(عليه السلام) أن يقيم الحجّة على معاوية ـ والي الشام ـ وأصحابه بأسلوب الحوار والموعظة الحسنة، حقناً لدماء المسلمين ووأد الفتنة، ولكن تلك المحاولات لم تجد آذاناً صاغية عند معاوية.

لذا بعد انتصاره(عليه السلام) على الناكثين في حرب الجمل بالبصرة، بدأ (عليه السلام) بتعزيز جيشه للتوجّه إلى الشام لتصفية الفئة الباغية التي يرأسها معاوية بن أبي سفيان.

زمان ومكان المعركة

بدأت معركة صفّين في الأوّل من صفر ۳۷هـ، وصفّين منطقة بين الشام والعراق.

عدد الجيش

جهّز معاوية جيشاً عدده (۱۳۰) ألف مقاتل من الشاميين، وجهّز الإمام علي (عليه السلام) جيشاً عدده (۱۳۵) ألف مقاتل من الكوفيين، منهم (۱۰۰) مقاتل ممّن قاتل مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في معركة بدر الكبرى، كعمّار بن ياسر، وحزيمة بن ثابت، وسعد بن قيس، وعبد الله بن عباس وغيرهم.

مساعي الإمام علي(عليه السلام)

سعى الإمام علي(عليه السلام) لإصلاح الموقف بالوسائل السلمية، فبعث أوّلاً بوفد ثلاثي إلى معاوية يذكّره الله، ويدعوه إلى التقوى والورع، فكان جواب معاوية: ليس عندي إلاّ السيف.

ثمّ دعا الإمام علي(عليه السلام) معاوية إلى المبارزة، حقناً لدماء الآخرين، ولكن معاوية رفض خشية على نفسه من بطشة الإمام(عليه السلام).

خُلق الإمام علي(عليه السلام)

نزل معاوية بمَن معه عند نهر الفرات في وادي صفّين الوسيع، واستولى على الماء، ونزل الإمام علي(عليه السلام) في ذلك الوادي أيضاً، وقد منع معاوية أهل العراق أن يشربوا من ماء الفرات ولو قطرة واحدة، فأضرّ بهم وبدوابهم العطش، ولمّا لم تنفع محاولات أمير المؤمنين(عليه السلام) لبلوغ الماء بالحسنى، اضطرّه الأمر إلى استعمال القوّة لإنقاذ عشرات الأُلوف ممّن كانوا معه من الموت عطشاً.

ولمّا تمّت له السيطرة على الماء حاول بعض الأصحاب إقناع الإمام علي (عليه السلام) أن يقابلهم بالمثل، فأبى ذلك أشدّ الإباء، وأتاح لمعاوية وجيشه، الذين هددّوه قبل ساعات قليلة بالموت عطشاً، أن يردوا الماء ويشربوا أسوة بأصحابه.

رغم هذه الأخلاق الرفيعة والمعاملة الحسنة، فقد استمرّ جيش معاوية في استفزاز جيش الإمام(عليه السلام) الذي لم يجد بداً من السماح لأصحابه بالقتال بعد أن أوقع بهم الأعداء عدداً من القتلى والجرحى نتيجة اعتداءاتهم.

عمّار تقتله الفئة الباغية

لقد كان لاستشهاد عمّار بن ياسر في معركة صفّين الأثر الكبير في تضعضع جيش معاوية، بعد أن علموا بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قائل لعمّار بن ياسر: (يا عمّار، تقتلك الفئة الباغية)، ومعنى ذلك أنّهم هم الفئة الباغية لا الإمام علي(عليه السلام) وأصحابه.

قال خزيمة بن ثابت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: (تقتل عمّاراً الفئة الباغية).

وقال عبد الله بن سلمة: رأيت عمّاراً يوم صفّين شيخاً كبيراً آدم طوالا، أخذ الحربة بيده ويده ترعد ويقول: والذي نفسي بيده، لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثلاث مرّات، وهذه الرابعة.

وقال محمّد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت: ما زال جدّي ـ يعني خزيمة ـ كافاً سلاحه يوم الجمل حتّى قتل عمّار بصفّين، فسلّ سيفه فقاتل حتّى قُتل.

ليلة الهرير

هي الليلة التي كان البرد فيها قارصاً إلى الحدّ الذي كان يسمع للجنود هرير كهرير الكلب، وبالإضافة إلى البرد في هذه الليلة فقد اشتدّ القتال بين الجيشين، بحيث قتل الإمام علي(عليه السلام) في يومه وليلته خمسمئة وثلاثة وعشرون رجلاً، وكان(عليه السلام) إذا قتل رجلاً كبّر.

وكان لمالك الأشتر فيه نصيب كبير، فكان يقول: إنّ هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلاّ عن دينكم ليميتوا السنّة، ويحيوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عزّ وجل منها بحسن البصيرة، فطيبوا عباد الله أنفساً بدمائكم دون دينكم، فإنّ ثوابكم على الله، والله عنده جنّات النعيم، وإنّ الفرار من الزحف فيه السلب للعزّ والغلبة على الفيء، وذل المحيى والممات، وعار الدنيا والآخرة.

وفي ليلة الهرير كان الأشتر يضرب ضرباته بكلّ قوّة حتّى اخترق صفوف أهل الشام، وأجرى حولهم عمليات الالتفاف والتطويق، فانكشفت غالب صفوفهم، وكادوا ينهزمون، حتّى وصل الأشتر إلى قرب خيمة معاوية بن أبي سفيان، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح.

خدعة رفع المصاحف

لمّا رأى معاوية بن أبي سفيان انتصارات جيش الإمام علي(عليه السلام) على جيشه، وقد قرب منه القائد مالك الأشتر مع مجموعته، دعا عمرو بن العاص إلى خطّة للوقوف أمام هذه الانتصارات.

فقام عمرو بن العاص بخدعة، حيث دعا جيش معاوية إلى رفع المصاحف على أسنّة الرماح، ومعنى ذلك أنّ القرآن حكماً بيننا، أراد من ذلك أن يخدع أصحاب الإمام علي(عليه السلام)، ليقفون عن القتال ويدعون الإمام علي(عليه السلام) إلى حكم القرآن.

وفعلاً جاء زهاء عشرين ألف مقاتل من جيش الإمام(عليه السلام) حاملين سيوفهم على عواتقهم، وقد اسودّت جباههم من السجود، يتقدّمهم عصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج فيما بعد، فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين: يا علي، اجب القوم إلى كتاب الله إذا دُعيت، وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفّان، فو الله لنفعلنّها إن لم تجبهم.

فقال(عليه السلام): (عباد الله، إنّي أحقّ من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وإنّي اعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ الأطفال وشرّ الرجال، إنّها كلمة حقّ يُراد بها باطل، إنّهم والله ما رفعوها، إنّهم يعرفونها ولا يعملون بها، ولكنّها الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحقّ مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الذين ظلموا).

ثمّ قال(عليه السلام) لهم: (ويحكم أنا أوّل مَن دعا إلى كتاب الله، وأوّل مَن أجاب إليه…).

قالوا: فابعث إلى الأشتر ليأتيك، وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد اشرف على عسكر معاوية ليدخله، فأصرّوا على رأيهم، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا الموقف أمام خيارين لا ثالث لهما:

۱ـ المضي بالقتال، ومعنى ذلك أنّه سيقاتل ثلاثة أرباع جيشه وجيش أهل الشام.

۲ـ القبول بالتحكيم وهو أقلّ الشرّين خطراً.

وهكذا كان القبول بالتحكيم نتيجة حتمية لظروف قاهرة لا خيار لأمير المؤمنين(عليه السلام).

التحكيم

اتّفق الجيشان ـ جيش أهل الشام وجيش أهل العراق ـ على مبدأ التحكيم، وكان عمرو بن العاص المفاوض من قبل أهل الشام، وكان أبو موسى الأشعري المفاوض من قبل أهل العراق.

وقد اختلف الناس في أبي موسى الأشعري أشدّ الاختلاف، فاللذين استجابوا لفكرة التحكيم أراده مفاوضاً عنهم، واللذين رفضوا فكرة التحكيم ـ وهم الإمام علي (عليه السلام) وأصحابه ـ رفضوا أن يكون الأشعري مفاوضاً عنهم، ولكن لم يكن أمام الإمام(عليه السلام) بدّ من الاستجابة لأهل العراق والقبول بأبي موسى الأشعري.

وقد تعرّض الأشعري لخداع ابن العاص الذي أقنعه بخلع أمير المؤمنين(عليه السلام)، بينما قام عمرو بن العاص بتثبيت معاوية وخلع أمير المؤمنين(عليه السلام)، وانتهت تلك المهزلة على هذا النحو.

نتائج المعركة

قُتل من الطرفين خلال المعركة (۷۰) ألف رجلاً، فمن أصحاب معاوية من أهل الشام (۴۵) ألف رجلاً، ومن أصحاب الإمام علي(عليه السلام) من أهل العراق (۲۵) ألف شهيداً.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

وصول سبايا الإمام الحسين (ع) إلى الشام

دخلت قافلة السبايا مدينة دمشق في الأول من شهر صفر عام ( ۶۱ هـ ) ، وكان يزيد قد أمر بتزيين المدينة ، وأمر كذلك بتسيير الراقصات في الشوارع وهُنَّ يرقصْنُ على أنغام الطبول ، ابتهاجاً بقتل ابن بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

فَجيءَ برؤوس الشهداء يتقدَّمها رأس الحسين ( عليه السلام ) إلى بلاط يزيد ، فأدخلت عليه ، وكان بيده قضيب ، فأخذ يضرب به فَمَ الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ويُردِّد الأبيات الآتية :

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ***** جزعَ الخَزْرجِ مِن وقعِ الأَسَلْ

لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً ***** ثُمَّ قالوا يا يزيد لا تُشَلْ

لَعِبَتْ هاشمُ بالمُلكِ فلا ***** خَبرٌ جَاءَ ولا وَحي نَزَلْ

لَسْتُ مِن خَندف إِنْ لَم***** أنتَقِم مِن بَني أحمَد مَا كانَ فَعَلْ

وقد رافق وصول سبايا آل البيت ( عليهم السلام ) إلى دمشق أيضاً حملة إعلامية مُضلِّلة ، تقول : إن أولئك السبايا خرجوا على الخليفة الشرعي يزيد ، فقتَلَهُم ، وجيء بنسائِهِم وأطفالهم ، وأشاعوا ذلك بين الناس ، وأمروهم بإظهار الزينة والفرح .

وفي مجلس يزيد ، أوقف الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) مع السبايا بين يدي يزيد .

فقال له يزيد : أراد أبوك وَجَدُّك أن يكونا أميرين ، فالحمد لله الذي أذلَّهُما ، وسَفَك دِماءَهُما .

فقال الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( يَا ابْنَ مُعاوية وهندٍ وصَخر ، لَمْ يزل آبائي وأجْدَادي فِيهم الإمرة من قبل أن تولد .

ولقد كان جَدِّي علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يوم بدر وأُحد والأحزاب في يده راية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأبوك وجدك في أيديهما رايات الكفار .

وَيلك يا يزيد ، إنك لو تدري ما صَنَعْت ، وما الذي ارتكبت من أبي ، وأهل بيتي ، وأخي ، وعُمُومتي ، إذاً لَهَربْتَ في الجبال ، وفرشت الرماد ، فأبشِرْ بالخِزي والنَّدامة غداً ، إذا جُمع النَّاس ليوم لا رَيْبَ فيه ) .

ثم قالَ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ليزيد : ( أتأذَنُ لي أنْ أرقى هذه الأعواد فأتكلم بكلامٍ فيه لله تعالى رضىً ، ولهؤلاء أجرٌ وثواب ) .

فأبَى يزيد ، وألحَّ الناس عليه ، فما زالوا به حتى أذن له .

فقال الإمام زين العابدين ( عليهما السلام ) : ( الحمدُ لله الَّذي لا بِدايَة له .. ) .

إلى أن قال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُعطِينا سِتًّا ، وفُضِّلْنَا بِسَبع ، أعطِينَا العِلْم ، والحِلْم ، والسَّمَاحَة ، والفَصَاحَة ، والشَّجَاعة ، والمَحَبَّة في قلوب المؤمنين .

وفُضِّلْنا : بأنَّ مِنَّا النَّبي ، والصِّدِّيق ، والطيَّار ، وأسد الله ، وأسد رسوله ، وسِبْطا هذه الأمة .

أيُّها النَّاس ، مَنْ عَرَفني فقدْ عَرَفني ، ومَن لمْ يعرِفْني أنبأتُه بِحَسَبي ونَسَبي .

أيُّهَا النَّاس ، أنا بَنو مَكَّة ومِنى ، أنا ابنُ زَمْزَم والصَّفَا ، أنا ابنُ مَن حَمَلَ الرُّكن بأطرافِ الرِّدا ، أنا ابنُ خَيرِ مَن ائْتَزَر وارْتَدى ، وخيرِ مَن طَاف وسَعَى ، وحَجَّ ولَبَّى .

أنا ابنُ مَن حُملَ عَلى البُرَاق ، وبَلَغ بِه جِبرائيل سِدْرَة المُنتَهَى ، فَكَان مِنْ رَبِّه كَقَاب قَوسَينِ أوْ أدْنى .

أنا ابنُ مَنْ صلَّى بِملائكةِ السَّماء ، أنا ابنُ مَنْ أوحى إليه الجليلُ ما أوحَى ، أنَا ابنُ مَن ضَرب بين يدي رسول الله بِبَدرٍ وحُنين ، ولم يَكفُر باللهِ طَرفَة عَين ، أنَا ابنُ صَالحِ المؤمنين ، ووارثِ النبيِّين ، ويَعْسوبِ المُصلِّين ، ونُورِ المُجَاهدين ، وقاتِلِ النَّاكثينَ والقَاسِطينَ والمَارِقين ، ومُفرِّق الأحزاب ، أرْبَطُهم جأشاً ، وأمْضَاهم عَزيمة ، ذاك أبُو السِّبطَينِ الحَسَنِ والحُسَين عَليّ بْن أَبي طَالِب .

أنَا ابنُ فاطِمَةِ الزَّهراء ، وسيِّدَةِ النِّساءِ ، وابنُ خَديجةِ الكبرى .

أنَا ابنُ المُرمَّلِ بالدِّماء ، أنا ابنُ ذَبيحِ كَربلاء ، أنَا ابن مَنْ بَكَى عليهِ الجِنُّ في الظَّلْماء ، وناحَتْ الطير في الهَوَاء ) .

فلما بلغ الإمام ( عليه السلام ) إلى هذا الموضع ، ضَجَّ الناس بالبكاء ، وخشي يزيد الفِتنة ، فأمَرَ المؤذِّن أن يؤذِّن للصلاة ، فأذَّن .

أما زينب ( عليها السلام ) ، فقد روى المؤرخون أنها ألقت خطبة طويلة في البلاط ، أخْزَتْ فيها يزيد والنظام الأموي ، وقد جاء فيها : (أظَنَنْتَ يا يزيد أنك أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساقُ كَمَا تُسَاق الأُسَارى ، فَشمخْتَ بأنفك ، ونظرْتَ في عطفك ، جَذلان مَسروراً ، أمِنَ العدل – يا ابن الطُّلَقاء – تخديرك حَرَائرك وإماءك ، وسوقك بنات رسول الله سبايا .

وحَسْبُك بالله حاكماً ، وبمحمد ( صلى الله عليه وآله ) خَصيماً ، وبِجبرائيل ظهيراً ، إنِّي لأستَصْغِرُ قدرك ، واستَعْظِم تقريعك ، واستَكثِرُ توبيخك ، لكنَّ العُيونَ عَبْرى ، والصُّدورَ حَرَّى ، فَكِدْ كَيدَك ، واسْعَ سَعْيك ، ونَاصِبْ جهْدك ، فوَالله لا تَمحو ذِكرَنا ، ولا تُميتُ وحْيَنا ، وهَلْ رأيُك إلاَّ فَنَدْ ، وأيَّامُك إلاَّ عَدَدْ ، وجَمعُك إلاَّ بَدَد ، يَوم ينادي المُنادي : ألا لَعنةُ اللهِ عَلى الظَّالِمِين).

بقيَ الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، وعمَّته زينب ( عليها السلام ) ، وباقي السبايا ، فترةً في الشام ، ثم سَلَكوا طريق العودة إلى المدينة ، واتَّخذَتْ رؤوسُ الشهداء طَريقُها إلى كربلاء ، لِترقُدَ إلى جِوار الأجساد .

بقلم: محمد أمين نجف

استشهاد زيد ابن الإمام زين العابدين (ع)

قرابته بالمعصوم

حفيد الإمام الحسين، وابن الإمام زين العابدين، وأخو الإمام الباقر، وعمّ الإمام الصادق(عليهم السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو الحسين زيد بن علي بن الحسين(عليهما السلام).

أُمّه

جارية، اسمها حورية أو حوراء، اشتراها المختار بن أبي عُبيدة الثقفي، وأهداها إلى الإمام زين العابدين(1).

ولادته

ولد عام 78ﻫ بالمدينة المنوّرة.

من أقوال المعصومين(عليهم السلام) فيه

1ـ قال رسول الله(ص) للحسين(ع): «يَا حُسَيْنُ، يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، يَتَخَطَّى هُوَ وَأَصْحَابُهُ رِقَابَ النَّاسِ وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَاب‏ٍٍ»(2).

2ـ قال الإمام الباقر(ع): «اللَّهُمَّ اشْدُدْ أَزْرِي بزيد»(3).

3ـ قال الإمام الصادق(ع): «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي(عليهما السلام) أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ وُلْدِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، يُقْتَلُ بِالْكُوفَةِ، وَيُصْلَبُ بِالْكُنَاسَةِ، يُخْرَجُ مِنْ قَبْرِهِ نَبْشاً، تُفَتَّحُ لِرُوحِهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، يَبْتَهِجُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ، تُجْعَلُ رُوحُهُ فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ أَخْضَرَ يَسْرَحُ فِي الجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءَ»(4).

من أقوال العلماء فيه

1ـ قال الشيخ المفيد(قدس سره): «وَكَانَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَيْنَ إِخْوَتِهِ بَعْدَ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) وَأَفْضَلَهُمْ، وَكَانَ عَابِداً وَرِعاً فَقِيهاً سَخِيّاً شُجَاعاً، وَظَهَرَ بِالسَّيْفِ، يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ، وَيُطَالِبُ بِثَارَاتِ الْحُسَيْن(ع)»(5).

2ـ قال السيّد ابن عنبة(قدس سره): «ومناقبه أجلّ من أن تُحصى، وفضله أكثر من أن يُوصف، ويُقال له: حليف القرآن»(6).

3ـ قال العلّامة الكاظمي(قدس سره): «اتّفق علماء الإسلام على جلالة زيد وورعه وفضله»(7).

4ـ قال العلّامة الأميني(قدس سره): «والشيعة على بكرة أبيها لا تقول فيه إلّا بالقداسة، وترى من واجبها تبرير كلّ عمل له من جهاد ناجع، ونهضة كريمة، ودعوة إلى الرضا من آل محمّد، تشهد لذلك كلّه أحاديث أسندوها إلى النبي(ص) وأئمّتهم(عليهم السلام)، ونصوص علمائهم، ومدائح شعرائهم وتأبينهم له، وإفراد مؤلّفيهم أخباره بالتدوين»(8).

من صفاته

كان(رضوان الله عليه) تام الخلق، طويل القامة، جميل المنظر، أبيض اللون، وسيم الوجه، واسع العينين، مقرون الحاجبين، كَثُّ اللحية، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، دقيق المسربة، واسع الجبهة، أقنى الأنف، أسود الرأس واللحية، إلّا أنّ الشيب خالط عارضَيه.

قال الوابشي: «كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهه»(9).

علمه

كان(رضوان الله عليه) من العلماء في عصره، فقد أخذ علومه من أبيه الإمام زين العابدين(ع)، ومن الإمامينِ الباقر والصادق(عليهما السلام)، ومنهم أخذ لطائف المعارف وأسرار الأحكام، فأفحم العلماء وأكابر المناظرين من سائر الملل والأديان.

وخير شاهد على هذا، قول الإمام الصادق(ع): «فَإِنَّ زَيْداً كَانَ عَالِماً، وَكَانَ صَدُوقاً»(10).

وقول الإمام الرضا(ع): «كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ، غَضِبَ لِلهِ عَزَّ وَجَلّ، فَجَاهَدَ أَعْدَاءَهُ حَتَّى قُتِلَ فِي سَبِيلِه»(11).

وقول أبي حنيفة: «شاهدت زيد بن علي كما شاهدت أهله، فما رأيت في زمانه أفقه منه، ولا أسرع جواباً، ولا أبين قولاً»(12).

خُطبه

كان(رضوان الله عليه) معروفاً بفصاحة المنطق وجزالة القول، والسرعة في الجواب، وحسن المحاضرة، والوضوح في البيان، والإيجاز في تأدية المعاني على أبلغ وجه.

وكان كلامه يشبه كلام جدّه الإمام علي بن أبي طالب(ع) بلاغةً وفصاحة، فلا بِدعَ إِذاً إن عَدّهُ الجاحظ من خطباء بني هاشم، ووصفه أبو إسحاق السبيعي والأعمش بأنّه أفصح أهل بيته لساناً وأكثرهم بياناً.

ويشهد له أنّ هشام بن عبد الملك لم يزل منذ دخل زيد الكوفة يبعث الكتاب أثر الكتاب إلى عامل العراق، يأمره بإخراج زيد من الكوفة، ومنع الناس من حضور مجلسه؛ لأنّه الجذّاب للقلوب بعلمه الجمّ وبيانه السهل، وأنّ له لساناً أقطع من السيف وأبلغ من السحر والكهانة(13).

ثورته

لقد ثار(رضوان الله عليه) على الحاكم الأُموي هشام بن عبد الملك، واختار الكوفة منطلقاً لثورته، ودعا المسلمين لمبايعته، فأقبلت عليه الشيعة وغيرها تُبايعه، حتّى بلغ عددهم من الكوفة فقط خمسة عشر ألف رجلاً.

ومن الجلي الواضح أنّه لم يُعلن الثورة من أجل أن يتولّى الخلافة والإمامة بنفسه؛ لأنّه كان يعرف إمامه، بل كان يدعو إلى الرضا من آل محمّد(عليهم السلام)، طالباً الإصلاح في أُمّة جدّه التي أذاقها الأُمويون الظلم والجور.

وخير شاهد على هذا قول الإمام الصادق(ع): «إِنَّ زَيْداً… لَمْ يَدْعُكُمْ إِلَى نَفْسِهِ، إِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ(عليهم السلام)، وَلَوْ ظَهَرَ لَوَفَى بِمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّمَا خَرَجَ إِلَى سُلْطَانٍ مُجْتَمِعٍ لِيَنْقُضَهُ»(14).

من أولاده

1ـ أبو عبد الله الحسين المعروف بذي الدمعة، عدّه الشيخ الطوسي(قدس سره) من أصحاب الإمام الصادق(ع)(15).

2ـ يحيى المحدّث، عدّه الشيخ الطوسي(قدس سره) من أصحاب الإمامينِ الصادق والكاظم(عليهما السلام)(16).

استشهاده

استُشهد(رضوان الله عليه) في الثاني من صفر 120ﻫ بمدينة الكوفة في العراق.

صلبه بعد استشهاده

بعد استشهاده(رضوان الله عليه) أمر والي العراق يوسف بن عمر الثقفي ـ والد الحجّاج ـ بصلب زيد(رضوان الله عليه) بالكناسة عارياً، ومكث مصلوباً أربع سنين إلى أيّام حكم الوليد بن يزيد الأُموي، فلمّا قام ابنه يحيى بن زيد بالثورة، كتب الوليد إلى يوسف: «إذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فأحرقه ثمّ انسفه في اليمّ نسفاً. قال: فأمر يوسف خراش بن حوشب فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار، ثمّ رضّه فجعله في قوصرة، ثمّ جعله في سفينة، ثمّ ذرّاه في الفرات»(17).

بكاء الأئمّة(عليهم السلام) عليه

وقف الإمام علي(ع) على موضع صلب زيد(رضوان الله عليه) بالكوفة قبل صلبه، فبكى وبكى الناس لبكائه، فقيل له: «يا أمير المؤمنين، ممّ بُكاؤك؟ فقد أبكيت أصحابك، فقال: أبكي أنَّ رجلاً من ولدي يُصلبُ في هذا الموضع»(18).

ولمّا سمع الإمام الصادق(ع) بقتل زيد(رضوان الله عليه) بكى، ثمّ قال: «إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، عِنْدَ اللهِ أَحْتَسِبُ عَمِّي، إِنَّهُ كَانَ نِعْمَ الْعَمُّ، إِنَّ عَمِّي كَانَ رَجُلاً لِدُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا، مَضَى وَاللهِ عَمِّي شَهِيداً كَشُهَدَاءَ اسْتُشْهِدُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَعَلِيٍّ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ»(19).

رثاؤه

رثاه السيّد ناصر الأحسائي(رحمه الله) بقوله:

«عج بالكناس وعج بِرَبعٍ لَمْ تَزَلْ ** فيهِ تَحُطُّ رِحَالَها الوفَّادُ

وَأقِمْ رُوَيداً مُوقِداً نَارَ الأَسَى ** فَهُنَا يَحِقُّ لنَارِهِ الإِيقادُ

وانْدُبْ وقُلْ بَعدَ السَّلامِ لِمَنْ بِهِ ** بَيتُ المَعالي والحِفاظُ يُشادُ

يَا زَيدُ زِدْتَ عُلى بِخيرِ شَهادةٍ ** هُدَّتْ لِوَقعِ مُصَابِها الأَطْوادُ

وَهُنالِكَ الذِّكرُ الجَميلُ سَما لَهُ ** بَينَ الوَرَى عِلمٌ وقَامَ عِمادُ

للهِ دَرُّكَ مِنْ غَيورٍ للهُدَى ** وشَديدِ بَأسٍ دُونَهُ الآسَادُ».

ــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: مقاتل الطالبيين: 86.

2ـ عيون أخبار الرضا 1/ 226 ح2.

3ـ الأغاني 24/ 258.

4ـ الأمالي للصدوق: 94 ح72.

5ـ الإرشاد 2/ 171.

6ـ عمدة الطالب: 255.

7ـ الغدير 3/ 71 نقلاً عن التكملة.

8ـ الغدير 3/ 69.

9ـ مقاتل الطالبيين: 86.

10ـ الكافي 8/ 264 ح381.

11ـ عيون أخبار الرضا 1/ 225 ح1.

12ـ تاريخ الكوفة: 376 رقم18.

13ـ أُنظر: المصدر السابق: 379 رقم18.

14ـ الكافي 8/ 264 ح381.

15ـ اُنظر: رجال الطوسي: 182 رقم2198.

16ـ اُنظر: المصدر السابق: 320 رقم4784 و346 رقم5169.

17ـ تاريخ الطبري 5/ 538.

18ـ الملاحم والفتن: 244، باب 31، رقم355.

19ـ عيون أخبار الرضا 1/ 228 ح6.

بقلم: محمد أمين نجف

ولادة الإمام محمد الباقر (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو جعفر، محمّد بن علي بن الحسين(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

الباقر، الشاكر، الهادي.

تلقيبه(ع) بالباقر

لقد جاء لقب الإمام(ع) بالباقر من قبل رسول الله(ص)، حيث قال: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ ـ أي: زين العابدين ـ وَلَداً اسْمُهُ اسْمِي، وَأَشْبَهُ النَّاسِ بِي، يَبْقُرُ الْعِلْمَ بَقْراً، وَيَنْطِقُ بِالحَقِّ، وَيَأْمُرُ بِالصَّوَاب‏»(2).

ومعنى الباقر ـ كما في المعاجم اللغوية ـ المتبحّر بالعلم، والمستخرج غوامضه وأسراره، والمحيط بفنونه.

فلقد امتاز(ع) على مَن سواه في جميع المجالات ـ العقائدية والفقهية والتفسيرية والحديثية والعرفانية ـ ممّا كان مثار دهشة وإعجاب أعلام الفكر والأدب.

أُمّه(ع)

أُمّ عبد الله، فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(ع).

ولادته(ع)

ولد في الأوّل من رجب 57ﻫ، وقيل: في الثالث من صفر 57ﻫ بالمدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 57 عاماً، وإمامته 18 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

الوليد بن عبد الملك، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك، هشام بن عبد الملك.

جوانب من شخصيته(ع)

الجانب الروحي: عن الإمام الصادق(ع) قال: «كَانَ أَبِي كَثِيرَ الذِّكْرِ، لَقَدْ كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَآكُلُ مَعَهُ الطَّعَامَ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَلَوْ كَانَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَكُنْتُ أَرَى لِسَانَهُ لَازِقاً بِحَنَكِهِ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَّا، وَمَنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ أَمَرَهُ بِالذِّكْرِ»(3).

هذه الرواية تعكس مدى تعلّق الإمام(ع) بربّه، وتُعبّر في نفس الوقت عن نفس تدكدكت في عشق بارئها عزّ وجل، وطلب القرب منه سبحانه، واستجلاب لطفه العميم، والتوجّه إليه بكلّ كيانه، أي بروحه وقلبه وجوارحه، ممّا لا يكون إلّا عند أولياء الله سبحانه.

الجانب الاجتماعي: نعني به أساليب الإمام(ع) في كيفية التعامل مع مجتمعه في العصر الذي كان فيه، ولذلك مصاديق عديدة، منها ما جاء في الرواية الآتية:

«عن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن علي(عليهما السلام) الحاجة وجفاء الإخوان، فقال: بِئْسَ الْأَخُ أَخٌ يَرْعَاكَ غَنِيّاً وَيَقْطَعُكَ فَقِيراً، ثُمَّ أَمَرَ غُلَامَهُ فَأَخْرَجَ كِيساً فِيهِ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اسْتَنْفِقْ هَذَا، فَإِذَا نَفِدَتْ فَأَعْلِمْنِي»(4).

الجانب الفكري: لقد تفوّق الإمام الباقر(ع) على غيره في عصره بعمق تفكيره، وسموّ مكانته وشأنه العلمي في جميع العلوم الدنيوية والأُخروية.

فنجد عبد الله بن عمر يسأله الناس عن مسألة فلا يتمكّن من الإجابة عنها، فيوجّه سائله إلى الإمام الباقر(ع)، فيقبل السائل إلى الإمام(ع) فيُجيبه بلا تردّد عن مسألته العويصة التي عجز غيره عن الإجابة عنها.

ثمّ يعود السائل إلى ابن عمر، فيُخبره بالإجابة الفريدة، فيقول له ابن عمر: «إِنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مُفَهَّمُون‏»(5).

من حكمه(ع)

1ـ قال(ع): «مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْكِبْرِ، إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلَ مَا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَلَّ أَوْ كَثُر»(6).

2ـ قال(ع): «إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالضَّجَرَ؛ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقّاً، وَمَنْ ضَجِرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ»(7).

3ـ قال(ع): «مَنْ صَدَقَ لِسَانُهُ زَكَا عَمَلُهُ، وَمَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ، وَمَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِأَهْلِهِ زِيدَ فِي عُمُرِه»(8).

4ـ قال(ع): «مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَالتَّخَشُّعِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَتَعَهُّدِ الْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَذَوِي المَسْكَنَةِ وَالْغَارِمِينَ وَالْأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاء»(9).

من زوجاته(ع)

أُمّ فروة فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر التيمية، أُمّ حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفية، جارية.

من أولاده(ع)

1ـ الإمام جعفر الصادق(ع).

2ـ علي، قال عنه الشيخ الإصفهاني(قدس سره) في رياض العلماء: «كان من أعاظم أولاد مولانا الإمام الباقر(ع) وأكابرهم، ولغاية عظم شأنه لا يحتاج إلى التطويل في البيان»(10).

3ـ أُمّ سلمة «زوجة ابن عمّها عبد الله الباهر ابن الإمام زين العابدين(ع)».

4ـ زينب «زوجة عبيد الله بن محمّد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب».

5ـ فاطمة «روت حديثي الغدير والمنزلة عن عمّتها فاطمة بنت الإمام زين العابدين(ع)».

الدوافع التي أدّت بالأُمويّين إلى قتله(ع)

1ـ سُمو شخصيته(ع):

لقد كان(ع) أسمى شخصية في العالم الإسلامي، فقد أجمع المسلمون على تعظيمه والاعتراف له بالفضل، وكان مقصد العلماء من جميع البلاد الإسلامية.

وكان(ع) قد ملك عواطف الناس، واستأثر بإكبارهم وتقديرهم؛ لأنّه العلم البارز في الأُسرة النبوية، وقد أثارت منزلته الاجتماعية غيظ الأُمويّين وحقدهم، فأجمعوا على قتله للتخلّص منه.

2ـ أحداث دمشق:

لم يستبعد الباحثون والمؤرّخون تأثير أحداث دمشق في دفع الأُمويّين إلى قتل الإمام(ع)، وذلك لما يلي:

أوّلاً: تفوّق الإمام(ع) في الرمي على بني أُمية وغيرهم، حينما دعاه هشام إلى الرمي ظانّاً بأنّه(ع) سوف يفشل في رميه فلا يُصيب الهدف، فيتّخذ ذلك وسيلة للحطّ من شأنه والسخرية به أمام أهل الشام.

ولمّا رمى الإمام(ع) وأصاب الهدف عدّة مرّات بصورة مذهلة لم يعهد لها نظير في عمليات الرمي في العالم، ذُهل الطاغية هشام وأخذ يتميّز غيظاً، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصمّم منذ ذاك الوقت على اغتياله.

ثانياً: مناظرته(ع) مع هشام في شؤون الإمامة وتفوّق الإمام عليه، حتّى بان على هشام العجز، ممّا أدّى ذلك إلى حقده عليه.

ثالثاً: مناظرته(ع) مع عالم النصارى وتغلّبه عليه، حتّى اعترف بالعجز عن مجاراته أمام حشد كبير منهم، معترفاً بفضل الإمام(ع) وتفوّقه العلمي في أُمّة محمّد(ص).

وقد أصبحت تلك القضية بجميع تفاصيلها الحديث الشاغل لجماهير أهل الشام، ويكفي هذا الصيت العلمي أيضاً أن يكون من عوامل الحقد على الإمام(ع)، والتخطيط للتخلّص من وجوده.

كلّ هذه الأُمور بل وبعضها كان يكفي أن يكون وراء قتله(ع) على أيدي زمرة جاهلية افتقرت إلى أبسط الصفات الإنسانية، وحُرمت من أبسط المؤهّلات القيادية.

من وصاياه لولده الإمام الصادق(عليهما السلام)

1ـ قال الإمام الصادق(ع): «لمَّا حَضَرَتْ أَبِي(ع) الْوَفَاةُ، قَالَ: يَا جَعْفَرُ، أُوصِيكَ بِأَصْحَابِي خَيْراً، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، واللهِ لَأَدَعَنَّهُمْ ـ والرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي الْمِصْرِ ـ فَلَا يَسْأَلُ أَحَداً»(11).

2ـ أوصى ولده الإمام الصادق(ع) أن يُكفّنه في قميصه الذي كان يُصلّي فيه؛ ليكون شاهد صدقٍ عند الله على عظيم عبادته وطاعته له.

3ـ أوقف بعض أمواله على نوادب تندبه عشر سنين في منطقة مِنى، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّ مِنى أعظم مركز للتجمّع الإسلامي.

ووجود النوادب فيه ممّا يبعث المسلمين إلى السؤال عن سببه، فيخبرون بما جرى على الإمام الباقر(ع) من صنوف التنكيل من قبل الأُمويّين واغتيالهم له، حتّى لا يضيع ما جرى عليه منهم، ولا تخفيه أجهزة الإعلام الأُموي.

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع من ذي الحجّة 114ﻫ بالمدينة المنوّرة.

كيفية استشهاده(ع)

قُتل(ع) مسموماً بأمر إبراهيم بن الوليد بن يزيد عامل هشام بن عبد الملك على المدينة المنوّرة.

دفنه(ع)

تولّى الإمام الصادق(ع) تجهيز جثمان أبيه(ع)، وبعد تشييع حافل لم تشهد المدينة نظيراً له، جيء بجثمانه الطاهر إلى مقبرة البقيع، فدُفن بجوار مرقد عمّ أبيه الإمام الحسن المجتبى، وبجوار مرقد أبيه الإمام زين العابدين(عليهما السلام).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه الشيخ جعفر الهلالي(رحمه الله) بقوله:

«عُج على طيبةَ وحَيِّ الإماما ** باقر العلمِ مَن سَما إِعْظَاما

وابكِهِ في البَقيعِ مُنهدمَ القَبرِ ** وقَد كانَ شَامخاً يَتَسَامى

غَادَرَتهُ يدُ الجُناةِ بِفعلِ الحِقدِ ** فانهدَّ للصَّعيدِ رماما

لَم تُراقِبْ بهِ النَّبيَّ ولَم تَحفَظْ ** بهِ حُرمةً لهُ أو ذِماما

لَيتَ تِلكَ الأَكُفّ شُلَّتْ غَداةَ ** استَهْدَفَتْ من ذرى الكمالِ السَّناما

أَسَّسَتْها لَهُم أُميَّةُ أضغاناً ** فَعَلُوا عَلى الأَسَاسِ انتِقَاما

وأنَالوا الإِمامَ ظُلماً وَعسْفاً ** حِينَ جَارُوا وأَوْسَعُوهُ اهتِضَاما

إلى أن يقول:

وغَدا ابنُ الوَليدِ يَنْتَظرُ العر ** صةَ حَتَّى أحلَّ فيهِ الحِمَاما

دَسَّ سُمّاً لهُ نَقيعاً فَأَوْدَى ** بابنِ طَهَ وأثْكَلَ الإسْلَاما

فَقَضَى مِنهُ يَا لَهُ من مُصابٍ ** أَوْرَثَ القَلبَ لَوعةً وضراما

فنَعَتْهُ السَّماءُ والأرضُ شَجْواً ** وأسالَتْ لهُ الدُّموعَ سِجاما»(12).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 497، الأنوار البهية: 131.

2ـ بحار الأنوار 36/ 313.

3ـ الكافي 2/ 499 ح1.

4ـ الإرشاد 2/ 166.

5ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 197.

6ـ كشف الغمّة 2/ 344.

7ـ تحف العقول: 295.

8ـ المصدر السابق.

9ـ المصدر السابق.

10ـ رياض العلماء 4/ 216.

11ـ الكافي 1/ 306 ح2.

12ـ موسوعة المصطفى والعترة 8/ 498.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

وفاة رقية بنت الإمام الحسين (ع)

قرابتها بالمعصوم(1)

حفيدة الإمام علي والسيّدة فاطمة الزهراء(عليهما السلام)، وابنة الإمام الحسين، وابنة أخي الإمام الحسن، وأُخت الإمام زين العابدين، وعمّة الإمام الباقر(عليهم السلام).

اسمها ونسبها

رقية بنت الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

أُمّها

الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبية.

ولادتها

ولدت في عام 57ﻫ أو 58ﻫ بالمدينة المنوّرة.

حضورها في كربلاء

كانت(رضوان الله عليها) حاضرة يوم الطف في كربلاء، وهي بنت ثلاث سنين، ورأت بأُمّ عينيها الفاجعة الكبرى والمأساة العظمى، لما حلّ بأبيها الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه من القتل.

حضورها مع السبايا

أُخذت(رضوان الله عليها) أسيرة ضمن سبايا أهل البيت(عليهم السلام)، ومعهم رؤوس الشهداء إلى الكوفة، ثمّ منها إلى الشام.

أخبارها في الشام

أمر اللعين يزيد بن معاوية أن تُسكن السبايا في خربة من خربات الشام، وفي ليلة من الليالي قامت(رضوان الله عليها) فزعة من نومها وقالت: أين أبي الحسين؟ فإنّي رأيته الساعة في المنام مضطرباً شديداً، فلمّا سمعن النساء بكين وبكى معهنّ سائر الأطفال، وارتفع العويل والبكاء.

انتبه يزيد من نومه وقال: ما الخبر؟ فأخبروه بالواقعة، فأمر أن يذهبوا إليها برأس أبيها، فجاؤوا بالرأس الشريف إليها مغطّىً بمنديل، فوضِع بين يديها، فلمّا كشفت الغطاء رأت الرأس الشريف نادت: «يا أبتاهُ مَن الذي خضّبَكَ بدمائِكَ؟ يا أبتاهُ مَن الذي قطعَ وريدَكَ؟ يا أبتاهُ مَن الذي أيتمني على صغرِ سنِّي؟ يا أبتاهُ مَن بقيَ بعدَكَ نرجُوهُ؟ يا أبتاهُ مَن لليتيمةِ حتّى تكبر»؟

ثمّ إنّها وضعت فمها على فمه الشريف، وبكت بكاءً شديداً حتّى غشي عليها، فلمّا حرّكوها وجدوها قد فارقت روحها الحياة، فعلا البكاء والنحيب، واستجدّ العزاء، فلم يُرَ ذلك اليوم إلّا باكٍ وباكية.

وفاتها

تُوفّيت(رضوان الله عليها) في الخامس من صفر 61ﻫ بالعاصمة دمشق، ودُفنت بقرب المسجد الأُموي، وقبرها معروف يُزار.

من أقوال الشعراء فيها

1ـ قال السيّد مصطفى جمال الدين(رحمه الله) في قصيدة مكتوبة بماء الذهب على ضريحها، وفيها:

«في الشَّامِ في مَثْوَى يَزيدٍ مرقدٌ  **  يُنبيكَ كَيفَ دَمُ الشَّهادة يَخلُدُ

رقَدَتْ به بِنتُ الحُسينِ فأصْبَحَتْ  **  حتَّى حِجارةُ رُكنِهِ تَتَوقَّدُ

هيَّا استَفِيقِي يَا دِمَشْقُ وأَيقِظِي  **  وغْداً على وضر القُمَامَةِ يَرقُدُ

وَأريهِ كَيفَ تَربَّعَتْ في عَرشِهِ  **  تِلكَ الدِّماءُ يَضوعُ مِنها المَشهدُ

سَيَظلُّ ذِكرُكِ يَا رُقيَّةُ عِبرةً  **  للظَّالمينَ مَدَى الزَّمانِ يُخلَّدُ»

2ـ قال الشاعر السيّد سلمان هادي آل طعمة:

«ضَريحُكِ إِكليلٌ مِنَ الزَّهرِ مُورِقُ  **  بهِ العِشقُ مِن كُلِّ الجَوانبِ مُحدِقُ

مَلائكةُ الرَّحمنِ تَهبطُ حَولَهُ  **  تُسَبِّحُ فِي أرجَائِهِ وتُحَلِّقُ

شَمَمْتُ بِهِ عِطرَ الرُّبى مُتضوِّعاً  **  كَأَنَّ الصبا مِن رَوضةِ الخُلدِ يَعبَقُ

إِليهِ غَدا الملهوفُ مُختلج الرُّؤى  **  وعَيناهُ بالدَّمعِ الهتونِ تُرَقْرِقُ

كَريمةُ سِبطِ المُصطَفَى مَا أَجَلَّها  **  لَها يَنحَنِي المُجدُ الأَثيلُ ويُخفِقُ

يَتيمةُ أرضِ الشَّامِ ألفُ تَحيَّةٍ  **  إِليكِ وقَلبي بِالمودَّةِ يَنطِقُ»

ــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: السيّدة رقية بنت الإمام الحسين: 9.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد الإمام الحسن المجتبى (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو محمّد، الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

المجتبى، التقي، الزكي، السبط، الطيّب، السيّد، الولي.

أُمّه(ع)

فاطمة الزهراء بنت رسول الله(ص).

ولادته(ع)

ولد في الخامس عشر من رمضان 3ﻫ، وقيل: سنة 2ﻫ بالمدينة المنوّرة.

تسميته(ع)

لمّا ولد الإمام الحسن(ع)، قالت السيّدة فاطمة(عليها السلام) للإمام علي(ع): «سَمِّهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَسُولَ اللهِ(ص). فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ، فَأُخْرِجَ إِلَيْهِ فِي خِرْقَةٍ صَفْرَاءَ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُفُّوهُ فِي صَفْرَاءَ؟ ثُمَّ رَمَى بِهَا وَأَخَذَ خِرْقَةً بَيْضَاءَ فَلَفَّهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ(ع): هَلْ سَمَّيْتَهُ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ‏ لِأَسْبِقَكَ بِاسْمِهِ، فَقَالَ(ص): وَمَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِمُحَمَّدٍ ابْنٌ فَاهْبِطْ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ وَهَنِّهِ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلِيّاً مِنْكَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، فَسَمِّهِ بِاسْمِ ابْنِ هَارُونَ. فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ(ع) فَهَنَّأَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُسَمِّيَهُ بِاسْمِ ابْنِ هَارُونَ. قَالَ: وَمَا كَانَ اسْمُهُ؟ قَالَ: شَبَّرُ. قَالَ: لِسَانِي عَرَبِيٌّ. قَالَ: سَمِّهِ الحَسَنَ. فَسَمَّاهُ الْحَسَنَ»(2).

شباهته برسول الله(ص)

قال أنس بن مالك: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللهِ(ص) مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِي وفاطمة»(3).

وكانت السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) تُرقّصه وتقول:

«أَشْبِهْ أَبَاكَ يَا حَسَنْ  **  وَاخْلَعْ عَنِ الحَقِّ الرَّسَن

واعْبُدْ إلهاً ذا مِنَنْ  **  وَلَا تُوَالِ ذَا الْإِحَن»(4).

وقال أبو بكر ابن أبي قحافة وهو حامله على عاتقه:

«بِأبي شَبِيهٌ بالنَّبي  **  غَيرَ شَبيهٍ بِعلي»(5).

كريم أهل البيت(عليهم السلام)

تُعتبر صفة الكرم والسخاء من أبرز الصفات التي تميّز بها الإمام الحسن(ع)، فكان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى كسوة عريان، أو إغاثة ملهوف، أو وفاء دين غريم، أو إشباع جوع جائع، وإلخ.

ومن هنا عُرف(ع) بكريم أهل البيت، فقد قاسم الله أمواله ثلاث مرّات، نصف يدفعه في سبيل الله، ونصف يبقيه له، بل وصل إلى أبعد من ذلك، فقد أخرج ماله كلّه مرّتين في سبيل الله ولا يبقي لنفسه شيئاً، فهو كجدّه رسول الله(ص) يعطي عطاء مَن لا يخاف الفقر، وهو سليل الأُسرة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾(6).

وآية أُخرى تحكي لسان حالهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأسيراً إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾(7).

وهو(ع) من الشجرة الطيّبة التي تُؤتي أُكلها كلّ حين، فمن كريم طبعه(ع) أنّه لا ينتظر السائل حتّى يسأله ويرى ذُلّ المسألة في وجهه، بل يُبادر إليه قبل المسألة فيُعطيه.

حروبه(ع)

شارك في فتوحات أفريقية وبلاد فارس، ما بين سنة (25ـ30) للهجرة، واشترك في جميع حروب أبيه الإمام علي(ع)، وهي: الجمل، صفّين، النهروان، كما قاد حرباً ضد معاوية بن أبي سفيان، ولكن لظروف أدّت إلى الصلح معه وإيقاف القتال.

من زوجاته(ع)

أُمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، أُمّ بشير بنت أبي مسعود عُقبة بن عمرو الخزرجي، خَولة بنت منظور الفزارية، جُعدة بنت الأشعث الكندي.

من أولاده(ع)

1ـ الحسن المثنّى، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «فَكَانَ رَجُلاً جَلِيلاً رَئِيساً فَاضِلاً وَرِعاً»(8).

2ـ الحسين الأثرم، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي ذَلِك‏‏»(9).

3ـ القاسم، خاطبه الإمام الحسين(ع) بعد استشهاده يوم الطف: «بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيكَ جَدُّك‏»(10).

4ـ عبد الله، خاطبه الإمام الحسين(ع) بعد إصابته يوم الطف: «يَا ابْنَ أَخِي، اصْبِرْ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، وَاحْتَسِبْ فِي ذَلِكَ الخَيْرَ، فَإِنَّ اللهَ يُلْحِقُكَ بِآبَائِكَ الصَّالِحِين»(11).

5ـ زيد، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «كَانَ جَلِيلَ الْقَدْرِ، كَرِيمَ الطَّبْعِ، ظَلِفَ النَّفْسِ، كَثِيرَ الْبِرِّ، وَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، وَ قَصَدَهُ النَّاسُ مِنَ الْآفَاقِ لِطَلَبِ فَضْلِه»(12).

6ـ فاطمة «زوجة الإمام زين العابدين».

عمره وإمامته(ع)

عمره 47 عاماً، وإمامته 10 سنوات.

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع من صفر 50ﻫ، وقيل: في الثامن والعشرين من صفر بالمدينة المنوّرة، ودُفن بمقبرة البقيع.

كيفية استشهاده(ع)

قُتل مسموماً على يد زوجته جعدة بنت الأشعث الكندي، بأمر من معاوية بن أبي سفيان.

قال الشيخ المفيد(قدس سره) «وضمن [أي: معاوية] لها أن يزوّجها بابنه يزيد، وأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم»(13)، ففعلت وسمّت الإمام الحسن(ع)، فسوّغها المال ولم يزوّجها من يزيد.

تشييعه(ع)

جاء موكب التشييع يحمل جثمان الإمام(ع) إلى المسجد النبوي ليدفنوه عند رسول الله(ص)، وليُجدِّدوا العهد معه، على ما كان قد وصّى به الإمام الحسين(ع).

فجاء مروان بن الحكم وبنو أُمية شاهرين سلاحهم، ومعهم عائشة بنت أبي بكر ـ وهي على بغل ـ إلى الموكب الحافل بالمهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر المؤمنين في المدينة المنوّرة.

فقال مروان: «يا رُبّ هيجاء هي خير من دعة! أيُدفن عثمان بالبقيع، ويُدفن حسن في بيت النبي! والله لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف»(14).

وقالت عائشة: «والله، لا يدخل داري مَن أكره»(15)، أو قالت: «مَا لِي وَلَكُمْ؟ تُرِيدُونَ أَنْ تُدْخِلُوا بَيْتِي مَنْ لَا أُحِب‏»(16).

وبذلك قال الشاعر:

«منعتهُ عن حرمِ النبيِّ ضلالةً ** وهوَ ابنُهُ فلأيِّ أمرٍ يُمنعُ

فكأنَّهُ روحُ النبيِّ وقد رأت ** بالبُعدِ بينهُما العلائقُ تُقطعُ»(17).

ولولا وصية الإمام الحسن(ع) لأخيه الإمام الحسين(ع) أَلّا يُراق في تشييعه ملء محجمةِ دمٍ، لَمَا ترك بنو هاشم لبني أُمية في ذلك اليوم كياناً.

لذا ناداهم الإمام الحسين(ع) قائلاً: «اللهَ اللهَ لَا تُضَيِّعُوا وَصِيَّةَ أَخِي، وَاعْدِلُوا بِهِ إِلَى‏ الْبَقِيعِ، فَإِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَيَّ إِنْ مُنِعْتُ مِنْ دَفْنِهِ مَعَ جَدِّهِ رَسُولِ اللهِ(ص) لَا أُخَاصِمْ أَحَداً، وَأَنْ أَدْفِنَهُ فِي الْبَقِيع»(18).

هذا وقبل أن يعدلوا بالجثمان، كانت سهام بني أُمية قد تواترت على جثمان الإمام(ع)، وأخذت سبعين سهماً مأخذها منه.

رثاء الإمام الحسين(ع) على قبره

«أأَدْهُنُ رَأْسي أَمْ أَطيبُ مَحاسِني  **  وَرَأْسُكَ مَعْفُورٌ وَأَنْتَ سَليبٌ

أَوْ اسْتَمْتِعُ الدُّنْيا لِشَيْء أُحِبُّهُ  **  أَلا كُلُّ ما أَدْنى إِلَيْكَ حَبيبٌ

فَلا زِلْتُ أَبْكي ما تَغَنَّتْ حَمامَةٌ  **  عَلَيْكَ، وَما هَبَّتْ صَبا وَجَنُوبٌ

وَما هَمَلَتْ عَيْني مِنَ الدَّمْعِ قَطْرَةً  **  وَمَا اخْضَرَّ في دَوْحِ الْحِجازِ قَضيبٌ

بُكائي طَويلٌ وَالدُّمُوعُ غَزيرةٌ  **  وَأَنْتَ بَعيدٌ وَالمَزارُ قَريبٌ

غَريبٌ وَأَطْرافُ الْبُيوُتِ تَحُوطُهُ  **  أَلا كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرابِ غَريبٌ

وَلا يَفْرَحُ الباقي خِلافَ الَّذي مَضى  **  وَكُلُّ فَتىً لِلْمَوتِ فيهِ نَصيبٌ

فَلَيْسَ حَريباً مَنْ أُصيبَ بِمالِهِ  **  وَلكِنَّ مَنْ وارى أخاهُ حريبٌ

نَسيبُكَ مَنْ أَمْسى يُناجيكَ طَرْفُهُ  **  وَلَيْسَ لِمَنْ تَحْتَ التُّرابِ نَسيبٌ»(19).

من وصاياه(ع)

1ـ قال(ع): «الْمِزَاحُ يَأْكُلُ الهَيْبَةَ، وَقَدْ أَكْثَرَ مِنَ الهَيْبَةِ الصَّامِت‏»(20).

2ـ قال(ع): «الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ، بَطِيئَةُ الْعَوْد»(21).

3ـ قال(ع): «عَلِّمِ النَّاسَ عِلْمَكَ، وَتَعَلَّمْ عِلْمَ غَيْرِكَ، فَتَكُونَ قَدْ أَتْقَنْتَ عِلْمَكَ، وَعَلِمْتَ مَا لَمْ تَعْلَم‏»(22).

4ـ قال(ع): «الْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ، وَالْبَعِيدُ مَنْ بَعَّدَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ، لَا شَيْ‏ءَ أَقْرَبُ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ يَدٍ إِلَى جَسَدٍ، وَإِنَّ الْيَدَ تَغُلُّ فَتُقْطَعُ، وَتُقْطَعُ فَتُحْسَم‏»(23).

5ـ قال(ع): «لَا أَدَبَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، وَلَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا هِمَّةَ لَهُ، وَلَا حَيَاءَ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ، وَرَأْسُ الْعَقْلِ مُعَاشَرَةُ النَّاسِ بِالجَمِيلِ، وَبِالْعَقْلِ تُدْرَكُ الدَّارَانِ جَمِيعاً، وَمَنْ حُرِمَ مِنَ الْعَقْلِ حُرِمَهُمَا جَمِيعاً»(24).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 401.

2ـ الأمالي للصدوق: 197ح209.

3ـ مسند أحمد 3/ 164.

4ـ مناقب آل أبي طالب 3/ 389.

5ـ صحيح البخاري 4/ 164.

6ـ الحشر: 9.

7ـ الإنسان: 8ـ9.

8ـ الإرشاد 2/ 23.

9ـ المصدر السابق 2/ 26.

10ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 169.

11ـ المصدر السابق: 192.

12ـ الإرشاد 2/ 21.

13ـ المصدر السابق 2/ 15.

14ـ تاريخ دمشق 13/ 290.

15ـ دلائل الإمامة: 161.

16ـ الإرشاد 2/ 18.

17. الأنوار البهية: 92.

18ـ الهداية الكبرى: 186.

18ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 45.

19ـ نزهة الناظر: 72 رقم9.

20ـ المصدر السابق: رقم13.

21ـ بحار الأنوار 75/ 111.

22ـ الكافي 2/ 643، ح7.

23ـ كشف الغمّة 2/ 194.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

معركة النهروان

بعد التحكيم الذي جرى في حرب صفين عاد الإمام علي ( عليه السلام ) بجيشه إلى الكوفة .

وفجأة خرجت مجموعة من الجيش تِعدَادها أربعة آلاف مقاتل ، امتنعت من دخول الكوفة ، وسلَكَت طريقاً إلى منطقة ( حروراء ) ، واستقرَّت بها .

وقِوَام هذه الفئة المتمرِّدة كان من الفئات التي أجبرت الإمام علي ( عليه السلام ) على قبول التحكيم في صِفِّين .

وأعلنت هذه الفئة مبرِّرات خروجها تحت شعار : لا حُكمَ إلاَّ لله ، ونحن لا نرضى بأن تحكم الرجال في دين الله .

وقد كان قبول التحكيم منا خطيئة ، ونحن الآن تُبْنا ورجعنا عن ذلك ، وطالبوا الإمام ( عليه السلام ) بالرجوع ، وإلاَّ فنحن منك براء .

فأوضح لهم الإمام ( عليه السلام ) أنَّ الأخلاق الإسلامية تقتضي الوفاء بالعهد ، والذي هو : الهُدنة لمدة عام ، وهو ما أُبرِم بين المعسكرين .

وقال الإمام ( عليه السلام ) لهم : ( وَيْحَكُمْ ، بعد الرِّضا والعهْدِ والميثاقِ أرجَع ؟ ) .

استمرَّ الخوارج المارقون في غيِّهم ، وأشتدَّ خطرهم بانضمام أعداد جديدة لمعسكرهم ، وراحوا يُعلنون القول بشرك معسكر الإمام ( عليه السلام ) ، ورأوا استباحة دمائهم ، ولكن الإمام ( عليه السلام ) لم يتعرض لهم ، وأعطاهم الفرصة عَسى أن يعودوا إلى الرأي السديد .

غير أنَّهم بدأوا يشكِّلون خطراً حقيقياً على دولة الإمام ( عليه السلام ) من الداخل ، وبدأ خطرهم يتعاظم عندما قتلوا الصحابي الجليل عبد الله بن خباب ( رضوان الله عليه ) ، وبقروا بطن زوجته وهي حامل ، وقتلوا نساءً من قبيلة طي .

فأرسل إليهم الإمام ( عليه السلام ) الصحابي الحارث بن مُرَّة العبدي ، لكي يتعرَّف إلى حقيقة الموقف ، غَير أنَّهم قتلوه كذلك .

فلما عَلم الإمام ( عليه السلام ) بالأمر ، تقدَّم نحوهم بجيش من منطقة الأنبار ، وبذل مساعيه من أجل إصلاح الموقف دون إراقة الدماء ، فبعث إليهم أن يرسلوا إليه قتلة عبد الله بن الخباب ، والحارث العبدي ، وغيرهما ، وهو يكفُّ عنهم .

ولكنَّهم أجابوه أنهم كُلّهم قاموا بالقتل .

فأرسل الإمام ( عليه السلام ) إليهم الصحابي قيس بن سعد ، فوعظهم وحذَّرهم ، وطالبهم بالرجوع عن جواز سفك دماء المسلمين وتكفيرهم دون مُبرِّرٍ مقنع .

وتابع الإمام ( عليه السلام ) موقفه الإنساني ، فأرسل إليهم أبا أيوب الأنصاري ، فوعظهم ورفع راية ونادى : مَنْ جاء تحت هذه الراية – مِمَّن لم يقتل – فهو آمن ، ومن انصرَفَ إلى الكوفة أو المدائن فهو آمن لا حاجة لنا به ، بعد أن نُصيبَ قَتَلَة إخواننا .

وقد نجَحَت المحاولة الأخيرة نجاحاً جزئياً ، حيث تفرَّق منهم أعداد كبيرة ، ولم يبقَ إلا أربعة آلاف معاند ، فقاموا بالهجوم على جيش الإمام ( عليه السلام ) ، فأمر الإمام ( عليه السلام ) أصحابه بالكَفِّ عنهم حتى يبدءوا بالقتال .

فلما بدءوا بقتال جيش الإمام ( عليه السلام ) شَدَّ عليهم الإمام علي ( عليه السلام ) بسيفه ذي الفقار ، ثم شَدَّ أصحابُه فأفنوهم عن آخرهم ، إلاَّ تسعة نفر فرُّوا ، وتحقَّق الظفر لراية الحق ، وكان ذلك في التاسع من صفر سنة ( ۳۸ هـ ) .

هذه قصة معركة النَّهْرَوَان التي سُحق فيها الخوارج ، الذين سبق لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن سَمَّاهم بـ( المارقين ) ، في حديثٍ رَواهُ أبو سعيد الخدري حيث قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( إنَّ قَوماً يخرُجُون ، يَمرُقون مِن الدِّينِ مروق السَّهم مِن الرمية ) .

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين

اسمه وكنيته ونسبه(1)

أبو عمارة، خُزيمة بن ثابت بن عمارة الأوسي الأنصاري، المعروف بخُزيمة ذي الشهادتين.

تلقيبه بذي الشهادتين

جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) شهادته كشهادة رجلين، وذلك لحادثة، وهي: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) اشترى فرساً من إعرابي فأنكر البيع، فشهد له خُزيمة ولم يكن حاضراً عند الشراء، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): «أشهدتنا؟ فقال له: لا يا رسول الله، ولكنّي علمت أنّك قد اشتريت، أفأصدّقك بما جئت به من عند الله، ولا أصدّقك على هذا الإعرابي الخبيث.

قال: فعجب له رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال: يا خُزيمة شهادتك شهادة رجلين»(۲).

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه من أعلام القرن الأوّل الهجري.

صحبته

كان(رضي الله عنه) من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله)، والإمام علي(عليه السلام).

جوانب من حياته

* اشترك مع النبي(صلى الله عليه وآله) في معركة بدر وما بعدها من المعارك.

* كانت راية بني خطمة بيده يوم فتح مكّة.

* كان من السابقين الأوّلين الذين رجعوا إلى الإمام علي(عليه السلام)(۳).

* اشترك مع الإمام علي(عليه السلام) في حربي الجمل وصفّين.

* كان من الذين وصفهم الإمام الرضا(عليه السلام) بقوله: «الذين مضوا على منهاج نبيّهم(صلى الله عليه وآله)، ولم يغيّروا، ولم يبدّلوا مثل:… خُزيمة بن ثابت ذي الشهادتين… وأمثالهم رضي الله عنهم، ورحمة الله عليهم»(۴).

من أقوال العلماء فيه

۱ـ قال السيّد علي خان المدني(قدس سره): «وكان خُزيمة من كبار الصحابة»(۵).

۲ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «اتّضح من خلال مواقفه المشرّفة من يوم إسلامه إلى يوم شهادته أنّه في أعلى مراتب الوثاقة والجلالة، وأنّه من القلائل الذين عصمهم الله في الفتنة العظمى بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)»(۶).

روايته للحديث

يعتبر من رواة الحديث في القرن الأوّل الهجري، فقد روى أحاديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله).

شعره

لم يُنقل من شعره إلّا الشيء اليسير، مع أنّه كان يجيد الشعر ويقوله منذ زمن مبكّر على عهد النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله)، فمن شعره ما نظمه في قضية تصدّق الإمام علي(عليه السلام)بالخاتم حين ركوعه في الصلاة:

«أبا حسنٍ تفديك نفسي وأُسرتي ** وكلُّ بطيءٍ في الهُدى ومُسارعِ

أيذهب مدح من محبّك ضائعاً ** وما المدح في جنب الإله بضائعِ

فأنتَ الذي أعطيتَ إذ كنتَ راكعاً ** زكاةً فَدتْكَ النفسُ يا خيرَ راكعِ

فأنزلَ فيك اللهُ خيرَ ولايةٍ ** وبَيّنها في مُحكماتِ الشرائعِ»(۷).

وقوله يوم السقيفة:

«ما كنتُ أحسبُ هذا الأمر منتقلاً ** عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن

أليس أوّل مَن صلّى لقبلتكم ** وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهداً بالنبي ** ومن جبريل عون له في الغسل والكفن

فما ذا الذي ردّكم عنه فنعرفه ** ها أنّ بيعتكم من أغبن الغبن»(۸).

وقوله لمّا بُويع الإمام علي(عليه السلام) على منبر رسول الله(صلى الله عليه وآله):

«إذا نحن بايعنا عليّاً فحسبنا ** أبو حسن ممّا نخاف من الفتن

وجدناه أولى الناس بالناس إنّه ** أطبّ قريشاً بالكتاب وبالسنن

وإنّ قريشاً ما تشقّ غباره ** إذا ما جرى يوماً على الضمّر البدن

وفيه الذي فيهم من الخير كلّه ** وما فيهم مثل الذي فيه من حسن

وصيّ رسول الله من دون أهله ** وفارسه قد كان في سالف الزمن

وأوّل مَن صلّى من الناس كلّهم ** سوى خيرة النسوان والله ذو منن

وصاحب كبش القوم في كلّ وقعة ** يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن

فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه ** إمامهم حتّى أغيب في الكفن»(۹).

وقوله يوم الجمل يخاطب عائشة:

«أعائش خلّي عن علي وعيبه ** بما ليس فيه إنّما أنت والده

وصيّ رسول الله من دون أهله ** وأنت على ما كان من ذاك شاهده

وحسبكِ منه بعض ما تعلمينه ** ويكفيكِ لو لم تعلمي غير واحده

إذا قيل ماذا عِبت منه رميته ** بخذل ابن عفّان وما تلك آبده

وليس سماء الله قاطرة دماً لذاك ** وما الأرض الفضاء بمائده»(۱۰).

وقوله يوم صفّين:

«قد مرّ يومان وهذا الثالث ** هذا الذي يلهث فيه اللاهث

هذا الذي يبحث فيه الباحث ** كم ذا يُرجى أن يعيش الماكث

الناس موروث ومنهم وارث ** هذا علي مَن عصاه ناكث»(۱۱).

موقفه من خلافة أبي بكر

كان(رضي الله عنه) من الاثني عشر رجلاً الذين قاموا في المسجد النبوي بعد وفاة النبي‏(صلى الله عليه وآله)، حينما رقى أبو بكر المنبر في أوّل جمعة له، فوعظوه وخوّفوه من الله سبحانه وتعالى، ودافعوا عن أحقّية الإمام علي(عليه السلام) بالخلافة، حيث قال: «يا أبا بكر، ألست تعلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري؟ قال: نعم، قال: فأشهد بالله أنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: أهل بيتي يفرقون بين الحقّ والباطل، وهم الأئمّة الذين يُقتدى بهم»(۱۲).

شهادته بحديث الغدير

«عن الأصبغ قال: نشد علي الناس في الرحبة: مَن سمع النبي(صلى الله عليه وآله) يوم غدير خُم ما قال إلّا قام، ولا يقوم إلّا مَن سمع رسول الله يقول. فقام بضعة عشر رجلاً فيهم… وخُزيمة بن ثابت… فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: ألا أنّ الله عزّ وجل وليي وأنا وليّ المؤمنين، ألا فمَن كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبّه، وأبغض مَن أبغضه، وأعن مَن أعانه»(۱۳).

كيفية استشهاده

قال عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري: «كنت بصفّين فرأيت رجلاً أبيض اللحية معتماً متلثماً ما يرى منه إلّا أطراف لحيته يقاتل أشدّ قتال، فقلت: يا شيخ تقاتل المسلمين؟ فحسر لثامه وقال: نعم أنا خُزيمة سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: قاتل مع علي جميع مَن يقاتل»(۱۴).

استشهاده

استُشهد(رضي الله عنه) في ۹ صفر ۳۷ﻫ بحرب صفّين، ودُفن في منطقة صفّين.

تأبينه

حسبه(رضي الله عنه) من الإكرام والتجليل ما أبّنه به الإمام علي(عليه السلام) وتلهّف عليه، وتشوّق إليه، وأثنى عليه، حيث قال: «أين إخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحقّ! أين عمّار! وأين ابن التيّهان! وأين ذو الشهادتين ـ أي خُزيمة بن ثابت الأنصاري ـ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية»(۱۵).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: معجم رجال الحديث ۸/ ۵۰ رقم۴۲۵۷، أعيان الشيعة ۶/ ۳۱۷٫

2ـ الكافي ۷/ ۴۰۱ ح۱٫

3ـ اُنظر: رجال الكشّي ۱/ ۱۸۲ح۷۸٫

4ـ عيون أخبار الرضا ۱/ ۱۳۴ ح۱٫

5ـ الدرجات الرفيعة: ۳۱۱٫

6ـ تنقيح المقال ۲۵/ ۲۸۸ رقم۷۵۴۱٫

7ـ مناقب آل أبي طالب ۲/ ۲۱۱٫

8ـ الدر النظيم: ۴۰۱٫

9ـ الفصول المختارة: ۲۶۷٫

10ـ شرح نهج البلاغة ۱/ ۱۴۶٫

11ـ وقعة صفّين: ۳۹۸٫

12ـ الخصال: ۴۶۴ ح۴٫

13ـ أُسد الغابة ۳/ ۳۰۷٫

14ـ مختصر أخبار شعراء الشيعة: ۴۰٫

15ـ شرح نهج البلاغة ۱۰/ ۹۹ الخطبة۱۸۳٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد الإمام علي الرضا (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام علي بن موسى بن جعفر الرضا(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، ويُقال له: أبو الحسن الثاني؛ تمييزاً له عن الإمام الكاظم(ع) فإنّه أبو الحسن الأوّل، أبو علي.

من ألقابه(ع)

الرضا، الصابر، الرضي، الوفي، الفاضل.

تلقيبه(ع) بالرضا

روي عن البزنطي قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى(ع): إِنَّ قَوْماً مِنْ مُخَالِفِيكُمْ يَزْعُمُونَ أَبَاكَ إِنَّمَا سَمَّاهُ الْمَأْمُونُ الرِّضَا لِمَا رَضِيَهُ لِوِلَايَةِ عَهْدِهِ.

فَقَالَ: كَذَبُوا وَاللهِ وَفَجَرُوا، بَلِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَمَّاهُ الرِّضَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ رِضىً لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سَمَائِهِ، وَرِضىً لِرَسُولِهِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ فِي أَرْضِهِ.

قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَلَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آبَائِكَ المَاضِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ رِضىً لِلهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وَالْأَئِمَّةِ(عليهم السلام)؟ فَقَالَ: بَلَى. فَقُلْتُ: فَلِمَ سُمِّيَ أَبُوكَ مِنْ بَيْنِهِمْ الرِّضَا؟

قَالَ: لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ المُخَالِفُونَ مِنْ أَعْدَائِهِ، كَمَا رَضِيَ بِهِ المُوَافِقُونَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ آبَائِهِ(ع)، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مِنْ بَيْنِهِمْ الرِّضَا(ع)»(2).

أُمّه(ع)

جارية اسمها تُكتم. وقيل: نجمة.

ولادته(ع)

ولد في الحادي عشر من ذي القعدة 148ﻫ بالمدينة المنوّرة.

سيرته(ع)

روي في كتب السيرة عن سيرته المباركة الشيء الكثير، فمنها: أنّه ما جفا أحداً بكلام قطّ، ولا قطع على أحدٍ كلامه حتّى يفرغ منه، وما ردّ أحداً عن حاجةٍ قدر عليها، ولا مدّ رجليه بين يدي جليسٍ له قطّ، ولا اتّكأ بين يدي جليسٍ له قطّ، ولم يسمع منه أحد في يومٍ ما أنّه شتم أحداً من مواليه أو مماليكه.

كان ضحكه التبسّم، وإذا جلس عند المائدة أجلس مواليه ومماليكه معه حتّى البوّاب والسائس، وكان قليل النوم كثير العبادة، كثير الصوم في الأيّام، وكثيراً ما يتصدّق بالسر.

علمه(ع)

لقد شهد له(ع) موافقوه ومخالفوه بكثرة علمه الوافر، حتّى أنّ محمّد بن عيسى اليقطيني قال: «لمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَمْرِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)، جَمَعْتُ مِنْ مَسَائِلِهِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَأَجَابَ عَنْهُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَلْفَ مَسْأَلَة»(3).

وعن أبي الصلت الهروي قال: «ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا(عليهما السلام)، ولا رآه عالم إلّا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم، حتّى ما بقي أحد منهم إلّا أقرّ له بالفضل وأقرّ على نفسه بالقصور»(4).

تواضعه(ع)

روي عنه(ع) أنّه لمّا سافر إلى خراسان دعا ـ وهو في الطريق ـ بمائدةٍ له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقال له بعض أصحابه: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَوْ عَزَلْتَ لِهؤُلَاءِ مَائِدَةً؟

فَقَالَ: «مَهْ؛ إِنَّ الرَّبَّ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- وَاحِدٌ، وَالْأُمَّ وَاحِدَةٌ، وَالْأَبَ وَاحِدٌ، وَالجَزَاءَ بِالْأَعْمَال‏»(5).

كرمه(ع)

روي في كرمه(ع) وسخائه الكثير، منها أنّه: مرّ به رجل فقال له: «أَعْطِنِي عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِكَ. قَالَ(ع): لَا يَسَعُنِي ذَلِكَ. فَقَالَ: عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِي. قَالَ: إِذاً فَنَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ أَعْطِهِ مِائَتَيْ دِينَار»(6).

عمره وإمامته(ع)

عمره 55 عاماً، وإمامته 20 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

هارون الرشيد، محمّد الأمين وعبد الله المأمون ابنا هارون الرشيد.

من زوجاته(ع)

1ـ جارية اسمها سبيكة النوبية، وقيل: الخَيزران.

2ـ أُمّ حبيب بنت المأمون العباسي.

من أولاده(ع)

الإمام محمّد الجواد(ع)، إبراهيم، الحسين، فاطمة.

من كلماته(ع)

1ـ قال(ع): «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الْقِيلَ وَالْقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَال»(7).

2ـ قال(ع): «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ»(8).

3ـ قال(ع): «صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ، وَعَدُوُّهُ جَهْلُه‏»(9).

4ـ قال(ع): «لَيْسَ لِبَخِيلٍ رَاحَةٌ، وَلَا لِحَسُودٍ لَذَّةٌ، وَلَا لِمَلُولٍ وَفَاءٌ، وَلَا لِكَذُوبٍ مُرُوَّة»(10).

كيفية استشهاده(ع)

نتيجة للصراع الدائر بين أهل البيت(عليهم السلام) وأنصارهم، وبين بني العباس ـ بالإضافة إلى بروز شخصية الإمام الرضا(ع) وتفوّقها على شخصية المأمون ـ دفع المأمون إلى التفكير بشكلٍ جدّي بتصفية الإمام(ع) واغتياله، وتمّ له ذلك عن طريق دس السمّ للإمام(ع).

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع عشر من صفر 203ﻫ، وقيل: اليوم الأخير من صفر، بمدينة طوس في خراسان، ودُفن في مشهد المقدّسة.

الإمام(ع) مع دعبل الخزاعي

عن أبي الصلت الهروي قال: «دَخَلَ دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيُّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع) بِمَرْوَ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ(ص)، إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِيكَ قَصِيدَةً، وَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُنْشِدَهَا أَحَداً قَبْلَكَ، فَقَالَ(ع): هَاتِهَا. فَأَنْشَدَه:‏

مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلَاوَةٍ ** وَمَنْزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ الْعَرَصَاتِ‏

فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:‏

أَرَى فَيْئَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسِّماً ** وَأَيْدِيَهُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ صِفْرَاتٍ‏

 بَكَى أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع) وَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ يَا خُزَاعِيُّ. فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:‏

إِذَا وُتِرُوا مَدُّوا إِلَى وَاتِرِيهِمْ ** أَكُفّاً عَنِ الْأَوْتَارِ مُنْقَبِضَاتٍ‏

جَعَلَ أَبُو الْحَسَنِ(ع) يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ وَيَقُولُ: أَجَلْ وَاللهِ، مُنْقَبِضَاتٍ. فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:‏

لَقَدْ خِفْتُ فِي الدُّنْيَا وَأَيَّامِ سَعْيِهَا ** وَإِنِّي لَأَرْجُو الْأَمْنَ بَعْدَ وَفَاتِي‏

قَالَ الرِّضَا(ع): آمَنَكَ اللهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:‏

وَقَبْرٌ بِبَغْدَادَ لِنَفْسٍ زَكِيَّةٍ ** تَضَمَّنَهَا الرَّحْمَنُ فِي الْغُرُفَاتِ‏

قَالَ لَهُ الرِّضَا(ع): أَفَلَا أُلْحِقُ لَكَ بِهَذَا المَوْضِعِ بَيْتَيْنِ بِهِمَا تَمَامُ قَصِيدَتِكَ. فَقَالَ: بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ الله.‏

وَقَبْرٌ بِطُوسٍ يَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ ** تَوَقَّدُ فِي الْأَحْشَاءِ بِالحُرُقَاتِ‏

إِلَى الحَشْرِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ قَائِماً ** يُفَرِّجُ عَنَّا الهَمَّ وَالْكُرُبَاتِ‏

 فَقَالَ دِعْبِلٌ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، هَذَا الْقَبْرُ الَّذِي بِطُوسَ قَبْرُ مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ الرِّضَا(ع): قَبْرِي، وَلَا تَنْقَضِي الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى تَصِيرَ طُوسُ مُخْتَلَفَ شِيعَتِي وَزُوَّارِي، أَلَا فَمَنْ زَارَنِي فِي غُرْبَتِي بِطُوسَ، كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفُوراً لَه»(11).

كيفية سمّه(ع)

قال الإمام الرضا(ع): «يَا أَبَا الصَّلْتِ، غَداً أَدْخُلُ هَذَا الْفَاجِرَ، فَإِنْ خَرَجْتُ وَأَنَا مَكْشُوفُ الرَّأْسِ فَتَكَلَّمْ أُكَلِّمْكَ، وَإِنْ خَرَجْتُ وَأَنَا مُغَطَّى الرَّأْسِ فَلَا تُكَلِّمْنِي.

قَالَ أَبُو الصَّلْتِ: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا مِنَ الْغَدِ لَبِسَ ثِيَابَهُ، وَجَلَسَ فِي مِحْرَابِهِ يَنْتَظِرُ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ غُلَامُ المَأْمُونِ، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَلَبِسَ نَعْلَهُ وَرِدَاءَهُ، وَقَامَ يَمْشِي وَأَنَا أَتَّبِعُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى المَأْمُونِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقُ عِنَبٍ، وَأَطْبَاقُ فَاكِهَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبِيَدِهِ عُنْقُودُ عِنَبٍ قَدْ أَكَلَ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، فَلَمَّا بَصُرَ بِالرِّضَا(ع) وَثَبَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ، وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الْعُنْقُودَ.

وَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، هَلْ رَأَيْتَ عِنَباً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا! فَقَالَ الرِّضَا: رُبَّمَا كَانَ عِنَباً حَسَناً يَكُونُ مِنَ الجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ: كُلْ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ الرِّضَا: أَوَ تُعْفِينِي مِنْهُ؟ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، مَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ لَعَلَّكَ تَتَّهِمُنَا بِشَيْ‏ءٍ، فَتَنَاوَلَ الْعُنْقُودَ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ الرِّضَا(ع) ثَلَاثَ حَبَّاتٍ، ثُمَّ رَمَى بِهِ وَقَامَ، فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ: إِلَى أَيْنَ؟

قَالَ: إِلَى حَيْثُ وَجَّهْتَنِي. وَخَرَجَ(ع) مُغَطَّى الرَّأْسِ، فَلَمْ أُكَلِّمْهُ حَتَّى دَخَلَ الدَّارَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُغْلَقَ الْبَابُ فَغُلِقَ، ثُمَّ نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَمَكَثْتُ وَاقِفاً فِي صَحْنِ الدَّارِ مَهْمُوماً مَحْزُوناً، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ، إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ شَابٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ، قَطَطُ الشَّعْرِ، أَشْبَهُ النَّاسِ بِالرِّضَا(ع)، فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ دَخَلْتَ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ!

فَقَالَ: الَّذِي جَاءَ بِي مِنَ المَدِينَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، هُوَ الَّذِي أَدْخَلَنِي الدَّارَ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ. فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ لِي: أَنَا حُجَّةُ اللهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا الصَّلْتِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

ثُمَّ مَضَى نَحْوَ أَبِيهِ(ع)، فَدَخَلَ وَأَمَرَنِي بِالدُّخُولِ مَعَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الرِّضَا(ع) وَثَبَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ، وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ سَحَبَهُ سَحْباً إِلَى فِرَاشِهِ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع) يُقَبِّلُهُ، وَيُسَارُّهُ بِشَيْ‏ءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، وَرَأَيْتُ عَلَى شَفَتَيِ الرِّضَا(ع) زُبْداً أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَرَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَلْحَسُهُ بِلِسَانِهِ.

ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ ثَوْبِهِ وَصَدْرِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَ شَيْئاً شَبِيهاً بِالْعُصْفُورِ، فَابْتَلَعَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَضَى الرِّضَا(ع)»(12).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه الشيخ عبد الحسين شُكر(رحمه الله) بقوله:

«للهِ رُزءٌ هَدَّ أركانَ الهُدى  **  مِن بَعدِهِ قُل للرَّزايا هُوني

للهِ يومٌ لابنِ موسى زَلزلَ السَّـ‍  **  بعَ الطِّباقَ فَأعْوَلَتْ بِرَنينِ

يَومٌ بهِ أَشجَى البَتولةَ خَائنٌ  **  يُدعَى بعكسِ الأمرِ بالمأمونِ

يومٌ بهِ أضحى الرِّضا مُتجرّعاً  **  سُمّاً بكأسِ عَداوةٍ وضُغونِ

فَقَضى عليهِ المجدُ حُزناً إذ قَضَى  **  والدِّينُ ناحَ ومُحكمُ التَّبيينِ

فمَنِ المُعزِّي المرتَضى أنَّ الرِّضا  **  نَالَ العِدى منهُ قَديمَ ديونِ»(13).

ثواب زيارته(ع)

1ـ قال أبو الصلت الهروي: سمعت الرضا(ع) يقول: «وَاللهِ، مَا مِنَّا إِلَّا مَقْتُولٌ شَهِيدٌ. فَقِيلَ لَهُ: فَمَنْ يَقْتُلُكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ؟

قَالَ: شَرُّ خَلْقِ اللهِ فِي زَمَانِي يَقْتُلُنِي بِالسَّمِّ، يَدْفِنُنِي فِي دَارِ مَضِيعَةٍ وَبِلَادِ غُرْبَةٍ، أَلَا فَمَنْ زَارَنِي فِي غُرْبَتِي، كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ أَجْرَ مِائَةِ أَلْفِ شَهِيدٍ، وَمِائَةِ أَلْفِ صِدِّيقٍ، وَمِائَةِ أَلْفِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ، وَمِائَةِ أَلْفِ مُجَاهِدٍ، وَحُشِرَ فِي زُمْرَتِنَا، وَجُعِلَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الجَنَّةِ رَفِيقَنَا»(14).

2ـ قال أبو الصلت الهروي: سمعت الرضا(ع) يقول: «هَذِهِ تُرْبَتِي وَفِيهَا أُدْفَنُ، وَسَيَجْعَلُ اللهُ هَذَا المَكَانَ مُخْتَلَفَ شِيعَتِي وَأَهْلِ مَحَبَّتِي، وَاللهِ مَا يَزُورُنِي مِنْهُمْ زَائِرٌ، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ مِنْهُمْ مُسَلِّمٌ، إِلَّا وَجَبَ لَهُ غُفْرَانُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ بِشَفَاعَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ»(15).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 39، الأنوار البهية: 207.

2ـ عيون أخبار الرضا 1/ 22 ح1.

3ـ الغَيبة للطوسي: 73 ح79.

4ـ إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 64.

5ـ الكافي 8/ 230 ح296.

6ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 360.

7ـ الكافي 5/ 301 ح5.

8ـ المصدر السابق 2/ 643 ح5.

9ـ المصدر السابق 1/ 11 ح4.

10ـ تحف العقول: 450.

11ـ عيون أخبار الرضا 1/ 294 ح34.

12ـ الأمالي للصدوق: 760 ح17.

13ـ المجالس السنية 5/ 615.

14ـ الأمالي للصدوق: 120 ح8.

15ـ عيون أخبار الرضا 1/ 147 ح1.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

أربعينية الإمام الحسين (ع)

تاريخ الأربعينية

۲۰ صفر ۶۱ﻫ.

زيارة جابر الأنصاري في الأربعينية

كان جابر بن عبد الله الأنصاري(رضي الله عنه) ـ من صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ أوّل من زار قبر الإمام الحسين(عليه السلام) بعد مرور أربعين يوماً من شهادته.

يقول عطا مولى جابر: «كنت مع جابر بن عبد الله الأنصاري يوم العشرين من صفر، فلمّا وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها، ولبس قميصاً كان معه طاهراً، ثمّ قال لي: أمعكَ من الطيب يا عطا؟ قلت: معي سُعد، فجعل منه على رأسه وسائر جسده، ثمّ مشى حافياً حتّى وقف عند رأس الحسين(عليه السلام)، وكبّر ثلاثاً، ثمّ خرّ مغشياً عليه، فلمّا أفاق سَمعتُه يقول: السلام عليكم يا آلَ الله… »(۱).

زيارة سبايا الحسين(عليه السلام) في الأربعينية

عند رجوع موكب السبايا من الشام إلى المدينة المنوّرة، وصلوا إلى مفترق طريق، أحدهما يؤدّي إلى العراق، والآخر إلى الحجاز، فقالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء.

فوصلوا يوم العشرين من صفر ـ أي يوم الأربعين ـ إلى كربلاء، فزاروا قبر الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وأقاموا مأتم العزاء، وبقوا على تلك الحال أيّاماً(۲).

لقاء جابر بالإمام زين العابدين(عليه السلام)

بينا جابر وعطا ومن معهما كانوا يزورون الحسين(عليه السلام) إذا بسوادٍ قد طلع عليهم من ناحية الشام، فقال جابر لعبده: انطلق إلى هذا السواد وآتِنا بخبره، فإن كانوا من أصحاب عمر بن سعد فارجع إلينا، لعلّنا نلجأ إلى ملجأ، وإن كان زين العابدين(عليه السلام) فأنت حُرٌّ لوجه الله تعالى.

مضى العبد، فما أسرع أن رجع وهو يقول: يا جابر، قم واستقبل حرم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، هذا زين العابدين قد جاء بعمّاته وأخواته.

فقام جابر يمشي حافي الأقدمين، مكشوف الرأس، إلى أن دنا من الإمام زين العابدين، فقال(عليه السلام) له: «أنْتَ جابر»؟ قال: نعم يابن رسول الله، فقال الإمام(عليه السلام): «يا جابر هاهُنا والله قُتلت رجالُنا، وذُبحِت أطفالُنا، وسُبيَت نساؤنا، وحُرقت خيامُنا»(۳).

استحباب زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)

لقد أفتى فقهاء الشيعة باستحباب زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)، لوجود روايات وردت عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)؛ تحثّ شيعتهم وأتباعهم على زيارته(عليه السلام)، لاسيّما في أوقات مخصوصة.

روايات في زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)

۱ـ قال الإمام العسكري(عليه السلام): «علاماتُ المؤمن خمس: صلاةُ إِحدى وخمسين، وزيارةُ الأربعين، والتختُّم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»(۴).

۲ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «وليس من ملك ولا نبي في السماوات، إلّا وهم يسألون الله أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين(عليه السلام)، ففوج ينزل وفوج يعرج»(۵).

۳ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ موسى بن عمران سأل ربّه زيارة قبر الحسين بن علي، فزاره في سبعين ألف من الملائكة»(۶).

۴ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «وكّل الله بقبر الحسين أربعة آلاف ملكاً، شُعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة، فمن زاره عارفاً بحقّه، شيّعوه حتّى يبلغوه مأمنه، وإن مرض عادوه غدوة وعشياً، وإذا مات شهدوا جنازته، واستغفروا له إلى يوم القيامة».

۵ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): «مروا شيعتنا بزيارة الحسين، فإنّ زيارته تدفع الهدم والحرق والغرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقرّ له بالإمامة من الله».

۶ـ قال الإمام الكاظم(عليه السلام): «من زار قبر الحسين عارفاً بحقّه، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر».

زيارة المسلمين في الأربعينية

تأسياً بسباياً الإمام الحسين(عليه السلام)، واستجابة لطلب الأئمّة(عليهم السلام) ورغبة في الأجر والثواب، يقوم المسلمون ـ وخاصّة الشيعة ـ بزيارة قبر الإمام الحسين(عليه السلام) في يوم الأربعين، حيث يأتون إليه من كلّ صوب ومكان مشياً على الأقدام لما فيه من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلّا الله الملك العلاّم.

كما يقومون بإحياء هذه الذكرى بإقامة مجالس العزاء والمأتم، واستذكار ما جرى على الحسين(عليه السلام) وأهل بيته في كربلاء، وما جرى لسباياه من كربلاء إلى الكوفة، ومنها إلى الشام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ بحار الأنوار ۹۸/ ۳۲۹٫

2ـ اُنظر: توضيح المقاصد: ۷، لواعج الأشجان: ۲۳۹٫

3ـ لواعج الأشجان: ۲۴۱٫

4ـ بحار الأنوار ۹۵/ ۳۴۸٫

5ـ الكافي ۴/ ۵۸۸٫

6ـ مناقب آل أبي طالب ۳/ ۲۷۲، وبقية الروايات في المصدر.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

وفاة رسول الله (ص)

اسمه ونسبه(ص)(1)

محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم، وينتهي نسبه الشريف إلى النبي إبراهيم الخليل(ع).

كنيته(ص) ولقبه

أبو القاسم، أبو إبراهيم، ويُلقّب بالمصطفى.

من أوصافه(ص) في القرآن

الأُمّي، خاتم النبيّين، الداعي، الرؤوف، الرحمة، الرحيم، الشاهد، العبد، الكريم، المبشّر، المبين، المُدّثّر، المُزّمّل، النذير، النعمة، النور.

أُمّه(ص)

آمنة بنت وهب بن عبد مناف الزهرية.

ولادته(ص)

ولد(ص) في السابع عشر من ربيع الأوّل في عام الفيل ـ المصادف 571 ميلادي ـ بمكّة المكرّمة، وسُمّي بعام الفيل؛ لأنّ مكّة تعرّضت فيه لعدوان أبرهة الحبشي صاحب جيش الفيل، فجعل الله كيدهم في تضليل، كما ورد في سورة الفيل من القرآن الكريم.

من كراماته(ص) عند الولادة

1ـ قالت السيّدة آمنة: «لمَّا حَمَلْتُ بِهِ لَمْ أَشْعُرْ بِالْحَمْلِ، وَلَمْ يُصِبْنِي مَا يُصِيبُ النِّسَاءَ مِنْ ثِقَلِ الْحَمْلِ، فَرَأَيْتُ فِي نَوْمِي كَأَنَّ آتٍ أَتَانِي فَقَالَ لِي: قَدْ حَمَلْتِ بِخَيْرِ الْأَنَامِ، فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الْوِلَادَةِ خَفَّ عَلَيَّ ذَلِكَ حَتَّى وَضَعْتُهُ، وَهُوَ يَتَّقِي الْأَرْضَ بِيَدِهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: وَضَعْتِ خَيْرَ الْبَشَرِ، فَعَوِّذِيهِ بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ مِنْ شَرِّ كُلِّ بَاغٍ وَحَاسِد»(2).

2ـ قال الإمام الصادق(ع): «أَصْبَحَتِ الْأَصْنَامُ عَلَى وُجُوهِهَا، وَارْتَجَسَ إِيْوَانُ كِسْرَى، وَسَقَطَ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَافَةً، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ، وَلَمْ تُخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَلَمْ يَبْقَ سَرِيرٌ لِمَلِكٍ إِلَّا أَصْبَحَ مَنْكُوساً، وَالمَلِكُ مُخْرَساً لَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَهِ ذَلِكَ، وَانْتُزِعَ عِلْمُ الْكَهَنَةِ، وَبَطَلَ سِحْرُ السَّحَرَةِ، وَلَمْ تَبْقَ كَاهِنَةٌ فِي الْعَرَبِ إِلَّا حُجِبَتْ عَنْ صَاحِبِهَا»(3).

أُمّه الرضاعية

حليمة بنت عبد الله السعدية.

شعر عبد المطّلب في ولادته(ص)

لمّا سمع جدّه عبد المطّلب بولادته(ص) فرح فرحاً كثيراً، ودخل على السيّدة آمنة، وقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه، وقال:

«الحَمدُ لِلهِ الَّذِي أَعْطَانِي  **  هَذَا الغُلامَ الطَّيِّبَ الأرْدَانِ

قَدْ سَادَ في المَهدِ عَلَى الغِلمانِ  **  أُعيذُهُ بِاللهِ ذِيْ الأركانِ

حَتَّى أراهُ بَالغَ البُنيانِ  **  أُعيذُهُ مِنْ شَرِّ ذِي شنانِ

مِن حَاسِدٍ مُضْطَرِبِ العِنانِ»(4).

من زوجاته(ص)

خديجة بنت خويلد الأسدية، ابنة عمّته زينب بنت جحش الأسدية، ابنة عمّته أُمّ سلمة هند بنت أبي أُمية المخزومية، زينب بنت خزيمة الهلالية، ميمونة بنت الحارث الهلالية، سودة بنت زمعة العامرية، مارية بنت شمعون القبطية، أُمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموية، عائشة بنت أبي بكر التيمية، حفصة بنت عمر بن الخطّاب.

أولاده(ص)

إبراهيم، عبد الله، القاسم، زينب، فاطمة الزهراء(عليها السلام).

بعثته(ص)

بُعث(ص) في السابع والعشرين من رجب بمكّة المكرّمة، بعد أن بلغ عمره الشريف أربعين عاماً.

هجرته(ص)

هاجر(ص) من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة في بداية شهر ربيع الأوّل بعد مرور ثلاثة عشر عاماً من بعثته، وذلك لشدّة أذى المشركين له ولأصحابه.

معاركه(ص)

أذن الله تعالى له(ص) بقتال المشركين والكفّار والمنافقين، فخاض معهم معارك كثيرة، منها: معركة بدر، معركة أُحد، معركة الخندق أو الأحزاب، معركة خيبر، معركة حُنين.

عمره(ص) ومدّة نبوّته

عمره 63 عاماً، ومدّة نبوّته 23 عاماً.

من وصاياه(ص)(5)

1ـ قال(ص): «شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِه».

2ـ قال(ص): «يَا عَلِيُّ، ثَلَاثٌ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتَحْلُمَ عَمَّنْ جَهِلَ عَلَيْكَ.

يَا عَلِيُّ، بَادِرْ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ أَرْبَعٍ: شَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِك‏».

3ـ قال(ص): «جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا».

ثواب زيارته(ص)(6)

1ـ قال(ص): «مَنْ أَتَانِي زَائِراً كُنْتُ شَفِيعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

2ـ قال(ص): «مَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ الْقِيَامَة».

3ـ قال(ص): «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ وَفَاتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي، وَكُنْتُ لَهُ شَهِيداً وَشَافِعاً يَوْمَ الْقِيَامَة».

4ـ قال(ص): «مَنْ زَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ هَاجَرَ إِلَيَّ فِي حَيَاتِي، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَابْعَثُوا إِلَيَّ السَّلَامَ فَإِنَّهُ يَبْلُغُنِي».

وفاته(ص)

تُوفّي(ص) في الثامن والعشرين من صفر 11ﻫ بالمدينة المنوّرة، ودُفن ببيته، ومن ثَمّ صار بيته مسجداً، ويُعرف اليوم بالمسجد النبوي الشريف.

تجهيزه(ص)

تولّى الإمام علي(ع) تجهيزه، ولم يُشاركه أحد فيه، فقام(ع) بتغسيله وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، ووقف على حافّة قبره قائلاً: «إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ، وَإِنَّ الجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ، وَإِنَّ المُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَقَلِيل‏»(7).

رثاؤه(ص)(8)

ممّن رثاه الإمام علي(ع) بقوله:

«نَفْسِي عَلَى زَفَراتِها مَحبُوسَةٌ  **  يَا لَيتَها خَرجَتْ معَ الزَّفراتِ

لا خَيرَ بَعدَكَ في الحَيَاةِ وإنَّما  **  أَخْشَى مَخَافَةَ أنْ تَطُولَ حَيَاتِي»

وقال(ع) أيضاً:

«أَمِنْ بَعدِ تَكفينِ النَّبيِّ ودَفنِهِ  **  بِأثْوَابِهِ آسى عَلَى هَالِكٍ ثَوى

رُزِئْنَا رَسُولَ اللهِ فِينَا فَلَنْ نَرى  **  بِذَاكَ عَديلاً مَا حَيِيْنا مِنَ الوَرى»

كما رثته ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) بقولها:

«قُلْ للمُغَيَّبِ تَحتَ أطْبَاقِ الثَّرى  **  إنْ كُنتَ تَسْمَعُ صَرخَتِي ونِدَائيَا

صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أنَّها ** صُبَّتْ على الأيَّامِ صِرْنَ لَياليَا

فَلأجعلَنَّ الحُزنَ بَعدَكَ مُؤنِسِي  **  وَلأجعلَنَّ الدَّمعَ فِيكَ وِشَاحِيَا

مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُربَةَ أَحمَدٍ  **  ألَّا يَشَمَّ مَدى الزَّمانِ غَواليَا»

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 42.

2ـ كمال الدين وتمام النعمة 1/ 196ح41.

3ـ مناقب آل أبي طالب 1/ 30.

4ـ الطبقات الكبرى 1/ 103.

5ـ من لا يحضره الفقيه 4/ 353، 357، 381.

6ـ كامل الزيارات: 41.

7ـ شرح نهج البلاغة 19/ 195.

8ـ مناقب آل أبي طالب 1/ 240.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد الإمام الحسن المجتبى (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو محمّد، الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

المجتبى، التقي، الزكي، السبط، الطيّب، السيّد، الولي.

أُمّه(ع)

فاطمة الزهراء بنت رسول الله(ص).

ولادته(ع)

ولد في الخامس عشر من رمضان 3ﻫ، وقيل: سنة 2ﻫ بالمدينة المنوّرة.

تسميته(ع)

لمّا ولد الإمام الحسن(ع)، قالت السيّدة فاطمة(عليها السلام) للإمام علي(ع): «سَمِّهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَسُولَ اللهِ(ص). فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ، فَأُخْرِجَ إِلَيْهِ فِي خِرْقَةٍ صَفْرَاءَ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُفُّوهُ فِي صَفْرَاءَ؟ ثُمَّ رَمَى بِهَا وَأَخَذَ خِرْقَةً بَيْضَاءَ فَلَفَّهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ(ع): هَلْ سَمَّيْتَهُ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ‏ لِأَسْبِقَكَ بِاسْمِهِ، فَقَالَ(ص): وَمَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لِمُحَمَّدٍ ابْنٌ فَاهْبِطْ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ وَهَنِّهِ وَقُلْ لَهُ: إِنَّ عَلِيّاً مِنْكَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، فَسَمِّهِ بِاسْمِ ابْنِ هَارُونَ. فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ(ع) فَهَنَّأَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُسَمِّيَهُ بِاسْمِ ابْنِ هَارُونَ. قَالَ: وَمَا كَانَ اسْمُهُ؟ قَالَ: شَبَّرُ. قَالَ: لِسَانِي عَرَبِيٌّ. قَالَ: سَمِّهِ الحَسَنَ. فَسَمَّاهُ الْحَسَنَ»(2).

شباهته برسول الله(ص)

قال أنس بن مالك: «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللهِ(ص) مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِي وفاطمة»(3).

وكانت السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) تُرقّصه وتقول:

«أَشْبِهْ أَبَاكَ يَا حَسَنْ  **  وَاخْلَعْ عَنِ الحَقِّ الرَّسَن

واعْبُدْ إلهاً ذا مِنَنْ  **  وَلَا تُوَالِ ذَا الْإِحَن»(4).

وقال أبو بكر ابن أبي قحافة وهو حامله على عاتقه:

«بِأبي شَبِيهٌ بالنَّبي  **  غَيرَ شَبيهٍ بِعلي»(5).

كريم أهل البيت(عليهم السلام)

تُعتبر صفة الكرم والسخاء من أبرز الصفات التي تميّز بها الإمام الحسن(ع)، فكان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى كسوة عريان، أو إغاثة ملهوف، أو وفاء دين غريم، أو إشباع جوع جائع، وإلخ.

ومن هنا عُرف(ع) بكريم أهل البيت، فقد قاسم الله أمواله ثلاث مرّات، نصف يدفعه في سبيل الله، ونصف يبقيه له، بل وصل إلى أبعد من ذلك، فقد أخرج ماله كلّه مرّتين في سبيل الله ولا يبقي لنفسه شيئاً، فهو كجدّه رسول الله(ص) يعطي عطاء مَن لا يخاف الفقر، وهو سليل الأُسرة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾(6).

وآية أُخرى تحكي لسان حالهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأسيراً إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾(7).

وهو(ع) من الشجرة الطيّبة التي تُؤتي أُكلها كلّ حين، فمن كريم طبعه(ع) أنّه لا ينتظر السائل حتّى يسأله ويرى ذُلّ المسألة في وجهه، بل يُبادر إليه قبل المسألة فيُعطيه.

حروبه(ع)

شارك في فتوحات أفريقية وبلاد فارس، ما بين سنة (25ـ30) للهجرة، واشترك في جميع حروب أبيه الإمام علي(ع)، وهي: الجمل، صفّين، النهروان، كما قاد حرباً ضد معاوية بن أبي سفيان، ولكن لظروف أدّت إلى الصلح معه وإيقاف القتال.

من زوجاته(ع)

أُمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، أُمّ بشير بنت أبي مسعود عُقبة بن عمرو الخزرجي، خَولة بنت منظور الفزارية، جُعدة بنت الأشعث الكندي.

من أولاده(ع)

1ـ الحسن المثنّى، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «فَكَانَ رَجُلاً جَلِيلاً رَئِيساً فَاضِلاً وَرِعاً»(8).

2ـ الحسين الأثرم، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي ذَلِك‏‏»(9).

3ـ القاسم، خاطبه الإمام الحسين(ع) بعد استشهاده يوم الطف: «بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيكَ جَدُّك‏»(10).

4ـ عبد الله، خاطبه الإمام الحسين(ع) بعد إصابته يوم الطف: «يَا ابْنَ أَخِي، اصْبِرْ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، وَاحْتَسِبْ فِي ذَلِكَ الخَيْرَ، فَإِنَّ اللهَ يُلْحِقُكَ بِآبَائِكَ الصَّالِحِين»(11).

5ـ زيد، قال عنه الشيخ المفيد(قدس سره): «كَانَ جَلِيلَ الْقَدْرِ، كَرِيمَ الطَّبْعِ، ظَلِفَ النَّفْسِ، كَثِيرَ الْبِرِّ، وَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، وَ قَصَدَهُ النَّاسُ مِنَ الْآفَاقِ لِطَلَبِ فَضْلِه»(12).

6ـ فاطمة «زوجة الإمام زين العابدين».

عمره وإمامته(ع)

عمره 47 عاماً، وإمامته 10 سنوات.

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع من صفر 50ﻫ، وقيل: في الثامن والعشرين من صفر بالمدينة المنوّرة، ودُفن بمقبرة البقيع.

كيفية استشهاده(ع)

قُتل مسموماً على يد زوجته جعدة بنت الأشعث الكندي، بأمر من معاوية بن أبي سفيان.

قال الشيخ المفيد(قدس سره) «وضمن [أي: معاوية] لها أن يزوّجها بابنه يزيد، وأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم»(13)، ففعلت وسمّت الإمام الحسن(ع)، فسوّغها المال ولم يزوّجها من يزيد.

تشييعه(ع)

جاء موكب التشييع يحمل جثمان الإمام(ع) إلى المسجد النبوي ليدفنوه عند رسول الله(ص)، وليُجدِّدوا العهد معه، على ما كان قد وصّى به الإمام الحسين(ع).

فجاء مروان بن الحكم وبنو أُمية شاهرين سلاحهم، ومعهم عائشة بنت أبي بكر ـ وهي على بغل ـ إلى الموكب الحافل بالمهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر المؤمنين في المدينة المنوّرة.

فقال مروان: «يا رُبّ هيجاء هي خير من دعة! أيُدفن عثمان بالبقيع، ويُدفن حسن في بيت النبي! والله لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف»(14).

وقالت عائشة: «والله، لا يدخل داري مَن أكره»(15)، أو قالت: «مَا لِي وَلَكُمْ؟ تُرِيدُونَ أَنْ تُدْخِلُوا بَيْتِي مَنْ لَا أُحِب‏»(16).

وبذلك قال الشاعر:

«منعتهُ عن حرمِ النبيِّ ضلالةً ** وهوَ ابنُهُ فلأيِّ أمرٍ يُمنعُ

فكأنَّهُ روحُ النبيِّ وقد رأت ** بالبُعدِ بينهُما العلائقُ تُقطعُ»(17).

ولولا وصية الإمام الحسن(ع) لأخيه الإمام الحسين(ع) أَلّا يُراق في تشييعه ملء محجمةِ دمٍ، لَمَا ترك بنو هاشم لبني أُمية في ذلك اليوم كياناً.

لذا ناداهم الإمام الحسين(ع) قائلاً: «اللهَ اللهَ لَا تُضَيِّعُوا وَصِيَّةَ أَخِي، وَاعْدِلُوا بِهِ إِلَى‏ الْبَقِيعِ، فَإِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَيَّ إِنْ مُنِعْتُ مِنْ دَفْنِهِ مَعَ جَدِّهِ رَسُولِ اللهِ(ص) لَا أُخَاصِمْ أَحَداً، وَأَنْ أَدْفِنَهُ فِي الْبَقِيع»(18).

هذا وقبل أن يعدلوا بالجثمان، كانت سهام بني أُمية قد تواترت على جثمان الإمام(ع)، وأخذت سبعين سهماً مأخذها منه.

رثاء الإمام الحسين(ع) على قبره

«أأَدْهُنُ رَأْسي أَمْ أَطيبُ مَحاسِني  **  وَرَأْسُكَ مَعْفُورٌ وَأَنْتَ سَليبٌ

أَوْ اسْتَمْتِعُ الدُّنْيا لِشَيْء أُحِبُّهُ  **  أَلا كُلُّ ما أَدْنى إِلَيْكَ حَبيبٌ

فَلا زِلْتُ أَبْكي ما تَغَنَّتْ حَمامَةٌ  **  عَلَيْكَ، وَما هَبَّتْ صَبا وَجَنُوبٌ

وَما هَمَلَتْ عَيْني مِنَ الدَّمْعِ قَطْرَةً  **  وَمَا اخْضَرَّ في دَوْحِ الْحِجازِ قَضيبٌ

بُكائي طَويلٌ وَالدُّمُوعُ غَزيرةٌ  **  وَأَنْتَ بَعيدٌ وَالمَزارُ قَريبٌ

غَريبٌ وَأَطْرافُ الْبُيوُتِ تَحُوطُهُ  **  أَلا كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرابِ غَريبٌ

وَلا يَفْرَحُ الباقي خِلافَ الَّذي مَضى  **  وَكُلُّ فَتىً لِلْمَوتِ فيهِ نَصيبٌ

فَلَيْسَ حَريباً مَنْ أُصيبَ بِمالِهِ  **  وَلكِنَّ مَنْ وارى أخاهُ حريبٌ

نَسيبُكَ مَنْ أَمْسى يُناجيكَ طَرْفُهُ  **  وَلَيْسَ لِمَنْ تَحْتَ التُّرابِ نَسيبٌ»(19).

من وصاياه(ع)

1ـ قال(ع): «الْمِزَاحُ يَأْكُلُ الهَيْبَةَ، وَقَدْ أَكْثَرَ مِنَ الهَيْبَةِ الصَّامِت‏»(20).

2ـ قال(ع): «الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ، بَطِيئَةُ الْعَوْد»(21).

3ـ قال(ع): «عَلِّمِ النَّاسَ عِلْمَكَ، وَتَعَلَّمْ عِلْمَ غَيْرِكَ، فَتَكُونَ قَدْ أَتْقَنْتَ عِلْمَكَ، وَعَلِمْتَ مَا لَمْ تَعْلَم‏»(22).

4ـ قال(ع): «الْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ، وَالْبَعِيدُ مَنْ بَعَّدَتْهُ المَوَدَّةُ وَإِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ، لَا شَيْ‏ءَ أَقْرَبُ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِنْ يَدٍ إِلَى جَسَدٍ، وَإِنَّ الْيَدَ تَغُلُّ فَتُقْطَعُ، وَتُقْطَعُ فَتُحْسَم‏»(23).

5ـ قال(ع): «لَا أَدَبَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، وَلَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا هِمَّةَ لَهُ، وَلَا حَيَاءَ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ، وَرَأْسُ الْعَقْلِ مُعَاشَرَةُ النَّاسِ بِالجَمِيلِ، وَبِالْعَقْلِ تُدْرَكُ الدَّارَانِ جَمِيعاً، وَمَنْ حُرِمَ مِنَ الْعَقْلِ حُرِمَهُمَا جَمِيعاً»(24).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 401.

2ـ الأمالي للصدوق: 197ح209.

3ـ مسند أحمد 3/ 164.

4ـ مناقب آل أبي طالب 3/ 389.

5ـ صحيح البخاري 4/ 164.

6ـ الحشر: 9.

7ـ الإنسان: 8ـ9.

8ـ الإرشاد 2/ 23.

9ـ المصدر السابق 2/ 26.

10ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 169.

11ـ المصدر السابق: 192.

12ـ الإرشاد 2/ 21.

13ـ المصدر السابق 2/ 15.

14ـ تاريخ دمشق 13/ 290.

15ـ دلائل الإمامة: 161.

16ـ الإرشاد 2/ 18.

17. الأنوار البهية: 92.

18ـ الهداية الكبرى: 186.

18ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 45.

19ـ نزهة الناظر: 72 رقم9.

20ـ المصدر السابق: رقم13.

21ـ بحار الأنوار 75/ 111.

22ـ الكافي 2/ 643، ح7.

23ـ كشف الغمّة 2/ 194.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد الإمام علي الرضا (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام علي بن موسى بن جعفر الرضا(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، ويُقال له: أبو الحسن الثاني؛ تمييزاً له عن الإمام الكاظم(ع) فإنّه أبو الحسن الأوّل، أبو علي.

من ألقابه(ع)

الرضا، الصابر، الرضي، الوفي، الفاضل.

تلقيبه(ع) بالرضا

روي عن البزنطي قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى(ع): إِنَّ قَوْماً مِنْ مُخَالِفِيكُمْ يَزْعُمُونَ أَبَاكَ إِنَّمَا سَمَّاهُ الْمَأْمُونُ الرِّضَا لِمَا رَضِيَهُ لِوِلَايَةِ عَهْدِهِ.

فَقَالَ: كَذَبُوا وَاللهِ وَفَجَرُوا، بَلِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَمَّاهُ الرِّضَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ رِضىً لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سَمَائِهِ، وَرِضىً لِرَسُولِهِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ فِي أَرْضِهِ.

قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَلَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آبَائِكَ المَاضِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ رِضىً لِلهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وَالْأَئِمَّةِ(عليهم السلام)؟ فَقَالَ: بَلَى. فَقُلْتُ: فَلِمَ سُمِّيَ أَبُوكَ مِنْ بَيْنِهِمْ الرِّضَا؟

قَالَ: لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ المُخَالِفُونَ مِنْ أَعْدَائِهِ، كَمَا رَضِيَ بِهِ المُوَافِقُونَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ آبَائِهِ(ع)، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مِنْ بَيْنِهِمْ الرِّضَا(ع)»(2).

أُمّه(ع)

جارية اسمها تُكتم. وقيل: نجمة.

ولادته(ع)

ولد في الحادي عشر من ذي القعدة 148ﻫ بالمدينة المنوّرة.

سيرته(ع)

روي في كتب السيرة عن سيرته المباركة الشيء الكثير، فمنها: أنّه ما جفا أحداً بكلام قطّ، ولا قطع على أحدٍ كلامه حتّى يفرغ منه، وما ردّ أحداً عن حاجةٍ قدر عليها، ولا مدّ رجليه بين يدي جليسٍ له قطّ، ولا اتّكأ بين يدي جليسٍ له قطّ، ولم يسمع منه أحد في يومٍ ما أنّه شتم أحداً من مواليه أو مماليكه.

كان ضحكه التبسّم، وإذا جلس عند المائدة أجلس مواليه ومماليكه معه حتّى البوّاب والسائس، وكان قليل النوم كثير العبادة، كثير الصوم في الأيّام، وكثيراً ما يتصدّق بالسر.

علمه(ع)

لقد شهد له(ع) موافقوه ومخالفوه بكثرة علمه الوافر، حتّى أنّ محمّد بن عيسى اليقطيني قال: «لمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَمْرِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(ع)، جَمَعْتُ مِنْ مَسَائِلِهِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَأَجَابَ عَنْهُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَلْفَ مَسْأَلَة»(3).

وعن أبي الصلت الهروي قال: «ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا(عليهما السلام)، ولا رآه عالم إلّا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم، حتّى ما بقي أحد منهم إلّا أقرّ له بالفضل وأقرّ على نفسه بالقصور»(4).

تواضعه(ع)

روي عنه(ع) أنّه لمّا سافر إلى خراسان دعا ـ وهو في الطريق ـ بمائدةٍ له، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقال له بعض أصحابه: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَوْ عَزَلْتَ لِهؤُلَاءِ مَائِدَةً؟

فَقَالَ: «مَهْ؛ إِنَّ الرَّبَّ- تَبَارَكَ وَتَعَالى‏- وَاحِدٌ، وَالْأُمَّ وَاحِدَةٌ، وَالْأَبَ وَاحِدٌ، وَالجَزَاءَ بِالْأَعْمَال‏»(5).

كرمه(ع)

روي في كرمه(ع) وسخائه الكثير، منها أنّه: مرّ به رجل فقال له: «أَعْطِنِي عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِكَ. قَالَ(ع): لَا يَسَعُنِي ذَلِكَ. فَقَالَ: عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِي. قَالَ: إِذاً فَنَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ أَعْطِهِ مِائَتَيْ دِينَار»(6).

عمره وإمامته(ع)

عمره 55 عاماً، وإمامته 20 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

هارون الرشيد، محمّد الأمين وعبد الله المأمون ابنا هارون الرشيد.

من زوجاته(ع)

1ـ جارية اسمها سبيكة النوبية، وقيل: الخَيزران.

2ـ أُمّ حبيب بنت المأمون العباسي.

من أولاده(ع)

الإمام محمّد الجواد(ع)، إبراهيم، الحسين، فاطمة.

من كلماته(ع)

1ـ قال(ع): «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الْقِيلَ وَالْقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَال»(7).

2ـ قال(ع): «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ»(8).

3ـ قال(ع): «صَدِيقُ كُلِّ امْرِئٍ عَقْلُهُ، وَعَدُوُّهُ جَهْلُه‏»(9).

4ـ قال(ع): «لَيْسَ لِبَخِيلٍ رَاحَةٌ، وَلَا لِحَسُودٍ لَذَّةٌ، وَلَا لِمَلُولٍ وَفَاءٌ، وَلَا لِكَذُوبٍ مُرُوَّة»(10).

كيفية استشهاده(ع)

نتيجة للصراع الدائر بين أهل البيت(عليهم السلام) وأنصارهم، وبين بني العباس ـ بالإضافة إلى بروز شخصية الإمام الرضا(ع) وتفوّقها على شخصية المأمون ـ دفع المأمون إلى التفكير بشكلٍ جدّي بتصفية الإمام(ع) واغتياله، وتمّ له ذلك عن طريق دس السمّ للإمام(ع).

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع عشر من صفر 203ﻫ، وقيل: اليوم الأخير من صفر، بمدينة طوس في خراسان، ودُفن في مشهد المقدّسة.

الإمام(ع) مع دعبل الخزاعي

عن أبي الصلت الهروي قال: «دَخَلَ دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيُّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا(ع) بِمَرْوَ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ(ص)، إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِيكَ قَصِيدَةً، وَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُنْشِدَهَا أَحَداً قَبْلَكَ، فَقَالَ(ع): هَاتِهَا. فَأَنْشَدَه:‏

مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلَاوَةٍ ** وَمَنْزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ الْعَرَصَاتِ‏

فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:‏

أَرَى فَيْئَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسِّماً ** وَأَيْدِيَهُمْ مِنْ فَيْئِهِمْ صِفْرَاتٍ‏

 بَكَى أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا(ع) وَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ يَا خُزَاعِيُّ. فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:‏

إِذَا وُتِرُوا مَدُّوا إِلَى وَاتِرِيهِمْ ** أَكُفّاً عَنِ الْأَوْتَارِ مُنْقَبِضَاتٍ‏

جَعَلَ أَبُو الْحَسَنِ(ع) يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ وَيَقُولُ: أَجَلْ وَاللهِ، مُنْقَبِضَاتٍ. فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:‏

لَقَدْ خِفْتُ فِي الدُّنْيَا وَأَيَّامِ سَعْيِهَا ** وَإِنِّي لَأَرْجُو الْأَمْنَ بَعْدَ وَفَاتِي‏

قَالَ الرِّضَا(ع): آمَنَكَ اللهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:‏

وَقَبْرٌ بِبَغْدَادَ لِنَفْسٍ زَكِيَّةٍ ** تَضَمَّنَهَا الرَّحْمَنُ فِي الْغُرُفَاتِ‏

قَالَ لَهُ الرِّضَا(ع): أَفَلَا أُلْحِقُ لَكَ بِهَذَا المَوْضِعِ بَيْتَيْنِ بِهِمَا تَمَامُ قَصِيدَتِكَ. فَقَالَ: بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ الله.‏

وَقَبْرٌ بِطُوسٍ يَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ ** تَوَقَّدُ فِي الْأَحْشَاءِ بِالحُرُقَاتِ‏

إِلَى الحَشْرِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ قَائِماً ** يُفَرِّجُ عَنَّا الهَمَّ وَالْكُرُبَاتِ‏

 فَقَالَ دِعْبِلٌ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، هَذَا الْقَبْرُ الَّذِي بِطُوسَ قَبْرُ مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ الرِّضَا(ع): قَبْرِي، وَلَا تَنْقَضِي الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى تَصِيرَ طُوسُ مُخْتَلَفَ شِيعَتِي وَزُوَّارِي، أَلَا فَمَنْ زَارَنِي فِي غُرْبَتِي بِطُوسَ، كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفُوراً لَه»(11).

كيفية سمّه(ع)

قال الإمام الرضا(ع): «يَا أَبَا الصَّلْتِ، غَداً أَدْخُلُ هَذَا الْفَاجِرَ، فَإِنْ خَرَجْتُ وَأَنَا مَكْشُوفُ الرَّأْسِ فَتَكَلَّمْ أُكَلِّمْكَ، وَإِنْ خَرَجْتُ وَأَنَا مُغَطَّى الرَّأْسِ فَلَا تُكَلِّمْنِي.

قَالَ أَبُو الصَّلْتِ: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا مِنَ الْغَدِ لَبِسَ ثِيَابَهُ، وَجَلَسَ فِي مِحْرَابِهِ يَنْتَظِرُ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ غُلَامُ المَأْمُونِ، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَلَبِسَ نَعْلَهُ وَرِدَاءَهُ، وَقَامَ يَمْشِي وَأَنَا أَتَّبِعُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى المَأْمُونِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقُ عِنَبٍ، وَأَطْبَاقُ فَاكِهَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبِيَدِهِ عُنْقُودُ عِنَبٍ قَدْ أَكَلَ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ، فَلَمَّا بَصُرَ بِالرِّضَا(ع) وَثَبَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ، وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الْعُنْقُودَ.

وَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، هَلْ رَأَيْتَ عِنَباً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا! فَقَالَ الرِّضَا: رُبَّمَا كَانَ عِنَباً حَسَناً يَكُونُ مِنَ الجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ: كُلْ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ الرِّضَا: أَوَ تُعْفِينِي مِنْهُ؟ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، مَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ لَعَلَّكَ تَتَّهِمُنَا بِشَيْ‏ءٍ، فَتَنَاوَلَ الْعُنْقُودَ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ الرِّضَا(ع) ثَلَاثَ حَبَّاتٍ، ثُمَّ رَمَى بِهِ وَقَامَ، فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ: إِلَى أَيْنَ؟

قَالَ: إِلَى حَيْثُ وَجَّهْتَنِي. وَخَرَجَ(ع) مُغَطَّى الرَّأْسِ، فَلَمْ أُكَلِّمْهُ حَتَّى دَخَلَ الدَّارَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُغْلَقَ الْبَابُ فَغُلِقَ، ثُمَّ نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَمَكَثْتُ وَاقِفاً فِي صَحْنِ الدَّارِ مَهْمُوماً مَحْزُوناً، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ، إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ شَابٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ، قَطَطُ الشَّعْرِ، أَشْبَهُ النَّاسِ بِالرِّضَا(ع)، فَبَادَرْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ دَخَلْتَ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ!

فَقَالَ: الَّذِي جَاءَ بِي مِنَ المَدِينَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، هُوَ الَّذِي أَدْخَلَنِي الدَّارَ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ. فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ لِي: أَنَا حُجَّةُ اللهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا الصَّلْتِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ.

ثُمَّ مَضَى نَحْوَ أَبِيهِ(ع)، فَدَخَلَ وَأَمَرَنِي بِالدُّخُولِ مَعَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الرِّضَا(ع) وَثَبَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ، وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ سَحَبَهُ سَحْباً إِلَى فِرَاشِهِ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ(ع) يُقَبِّلُهُ، وَيُسَارُّهُ بِشَيْ‏ءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، وَرَأَيْتُ عَلَى شَفَتَيِ الرِّضَا(ع) زُبْداً أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَرَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَلْحَسُهُ بِلِسَانِهِ.

ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ ثَوْبِهِ وَصَدْرِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَ شَيْئاً شَبِيهاً بِالْعُصْفُورِ، فَابْتَلَعَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَضَى الرِّضَا(ع)»(12).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه الشيخ عبد الحسين شُكر(رحمه الله) بقوله:

«للهِ رُزءٌ هَدَّ أركانَ الهُدى  **  مِن بَعدِهِ قُل للرَّزايا هُوني

للهِ يومٌ لابنِ موسى زَلزلَ السَّـ‍  **  بعَ الطِّباقَ فَأعْوَلَتْ بِرَنينِ

يَومٌ بهِ أَشجَى البَتولةَ خَائنٌ  **  يُدعَى بعكسِ الأمرِ بالمأمونِ

يومٌ بهِ أضحى الرِّضا مُتجرّعاً  **  سُمّاً بكأسِ عَداوةٍ وضُغونِ

فَقَضى عليهِ المجدُ حُزناً إذ قَضَى  **  والدِّينُ ناحَ ومُحكمُ التَّبيينِ

فمَنِ المُعزِّي المرتَضى أنَّ الرِّضا  **  نَالَ العِدى منهُ قَديمَ ديونِ»(13).

ثواب زيارته(ع)

1ـ قال أبو الصلت الهروي: سمعت الرضا(ع) يقول: «وَاللهِ، مَا مِنَّا إِلَّا مَقْتُولٌ شَهِيدٌ. فَقِيلَ لَهُ: فَمَنْ يَقْتُلُكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ؟

قَالَ: شَرُّ خَلْقِ اللهِ فِي زَمَانِي يَقْتُلُنِي بِالسَّمِّ، يَدْفِنُنِي فِي دَارِ مَضِيعَةٍ وَبِلَادِ غُرْبَةٍ، أَلَا فَمَنْ زَارَنِي فِي غُرْبَتِي، كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ أَجْرَ مِائَةِ أَلْفِ شَهِيدٍ، وَمِائَةِ أَلْفِ صِدِّيقٍ، وَمِائَةِ أَلْفِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ، وَمِائَةِ أَلْفِ مُجَاهِدٍ، وَحُشِرَ فِي زُمْرَتِنَا، وَجُعِلَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الجَنَّةِ رَفِيقَنَا»(14).

2ـ قال أبو الصلت الهروي: سمعت الرضا(ع) يقول: «هَذِهِ تُرْبَتِي وَفِيهَا أُدْفَنُ، وَسَيَجْعَلُ اللهُ هَذَا المَكَانَ مُخْتَلَفَ شِيعَتِي وَأَهْلِ مَحَبَّتِي، وَاللهِ مَا يَزُورُنِي مِنْهُمْ زَائِرٌ، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيَّ مِنْهُمْ مُسَلِّمٌ، إِلَّا وَجَبَ لَهُ غُفْرَانُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ بِشَفَاعَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ»(15).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 39، الأنوار البهية: 207.

2ـ عيون أخبار الرضا 1/ 22 ح1.

3ـ الغَيبة للطوسي: 73 ح79.

4ـ إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 64.

5ـ الكافي 8/ 230 ح296.

6ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 360.

7ـ الكافي 5/ 301 ح5.

8ـ المصدر السابق 2/ 643 ح5.

9ـ المصدر السابق 1/ 11 ح4.

10ـ تحف العقول: 450.

11ـ عيون أخبار الرضا 1/ 294 ح34.

12ـ الأمالي للصدوق: 760 ح17.

13ـ المجالس السنية 5/ 615.

14ـ الأمالي للصدوق: 120 ح8.

15ـ عيون أخبار الرضا 1/ 147 ح1.

بقلم: محمد أمين نجف

برای این بخش اعمالی ثبت نشده است

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

تم النسخ
الرجاء تسجيل الدخول