مناسبت ها و اعمال ماه ربيع الأول   مركز آل البيت العالمي للمعلومات

هجرة رسول الله (ص) إلى المدينة ومبيت الإمام علي (ع) على فراشه

خطّة قريش

بعد أن فشلت جميع الطرق التي اتّبعها مشركو قريش في صدّ النبي(صلى الله عليه وآله) عن أداء رسالته الإلهية، اتّفقوا على أن يرسل كلّ فخذ من قريش رجلاً مسلّحاً بسيفه، ثمّ يأتون إلى النبي(صلى الله عليه وآله) وهو نائم على فراشه، فيضربونه جميعاً بسيوفهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلّمهم، وبذلك يذهب دمه هدراً.

إخبار النبي(صلى الله عليه وآله) بخطّة قريش

أخبر جبرائيل(عليه السلام) النبي(صلى الله عليه وآله) بخطّة قريش، وأمره بالهجرة إلى المدينة المنوّرة، ونزل قوله تعالى: )وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ((۱).

دعوة الإمام علي للمبيت على فراش النبي(صلى الله عليه وآله)

دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) الإمام علياً(عليه السلام) وأخبره بخطّة قريش وبهجرته إلى المدينة المنوّرة، ثمّ قال له: «يا علي، إنّ الروح هبط عليَّ بهذه الآية آنفاً، يخبرني أنّ قريش اجتمعت على المكر بي وقتلي، وأنّه أُوحي إليَّ عن ربّي عزّ وجلّ أن أهجر دار قومي، وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي، وأنّه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي ومضجعي لتخفي بمبيتك عليه أثري، فما أنت قائل وصانع»؟ فقال علي(عليه السلام): «أو تسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله»؟ قال: «نعم»، فتبسّم علي(عليه السلام) ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لما أنبأه رسول الله(صلى الله عليه وآله) من سلامته(۲).

ثمّ نزل قوله عزّ وجلّ في حقّ علي(عليه السلام): )وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ((۳).

خروج النبي(صلى الله عليه وآله) من داره

خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أوّل الليل، والرصد من قريش قد أحاطوا بداره ينتظرون انتصاف الليل ونوم الأعين، فخرج(صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ قوله تعالى: )وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون((۴).

وأخذ النبي(صلى الله عليه وآله) بيده قبضة من تراب، فرمى بها على رؤوسهم، فما شعر القوم به حتّى تجاوزهم، ومضى إلى غار ثور، وفي الطريق التحق به أبو بكر.

فشل الخطّة

اقتحمت قريش دار النبي(صلى الله عليه وآله)، وهم شاهرون سيوفهم، وتهيج منهم رائحة الحقد والخبث والدناءة، فنهض الإمام علي(عليه السلام) من مضجعه في شجاعته المعهودة بوجوههم الإجرامية، فارتعد القوم وتراجعوا.

فلمّا عرفت قريش فشل خطّتها خرجت في طلب النبي(صلى الله عليه وآله)، فعمى الله أثره وهو نصب أعينهم، وصدّهم عنه، وأخذ بأبصارهم دونه وهُم دهاة العرب، ثمّ بعث الله العنكبوت فنسجت في وجه الغار فسترته، وبعث الله حمامتين فوقفتا بفم الغار، فأيّسهم ذلك من الطلب.

تاريخ الهجرة

۱ ربيع الأوّل ۱۳ للبعثة.

تاريخ الوصول إلى المدينة

وصل(صلى الله عليه وآله) إلى يثرب التي سُمِّيت فيما بعد بالمدينة المنوّرة في ۱۲ ربيع الأوّل.

دعوة الإمام علي(عليه السلام) إلى المدينة

بعد أن استقرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) في المدينة المنوّرة، كتب إلى الإمام علي(عليه السلام) كتاباً أمره فيه بالمسير إليه.

فخرج الإمام علي(عليه السلام) من مكّة بركب الفواطم متّجهاً نحو المدينة، ومعه فاطمة الزهراء(عليها السلام) وأُمّه فاطمة بنت أسد(رضي الله عنها) وفاطمة بنت الزبير، فلحقه جماعة متلثمّين من قريش، فعرفهم الإمام(عليه السلام) وقال لهم: «فإنِّي مُنطَلِق إلى ابن عمِّي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيثرب، فمن سرّه أن أفري لحمه وأُهريقَ دمه فليتعقبني، أو فليدنُ منّي»(۵).

ثمّ سار الإمام(عليه السلام) وفي كلّ مكان ينزل كان يذكر الله مع الفواطم قياماً وقعوداً، فلمّا وصلوا المدينة نزل قوله تعالى: )فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ((۶).

فقرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله) الآية عليهم، فالذكَر هو الإمام علي(عليه السلام)، والأنثى هُنّ الفَواطِم، ثمّ قال(صلى الله عليه وآله) للإمام علي(عليه السلام): «يَا عَلي، أنتَ أوّل هَذه الأُمّة إيماناً بالله ورسُولِه، وأوّلهم هِجْرة إلى الله ورسُولِه، وآخرهم عَهْداً برسولِه، لا يحبّك ـ والّذي نَفسي بِيَده ـ إلّا مُؤمِن قَد امتحنَ اللهُ قلبَه للإيمان، ولا يبغضُكَ إلّا مُنافِق أو كَافِر»(۷).

شعر الإمام علي(عليه السلام) بالمناسبة

وقد قال الإمام علي(عليه السلام) شعراً في المناسبة يذكر فيه مبيته على الفراش، ومقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الغار ثلاثاً:

وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى ***** ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

رسول إله الخلق إذ مكروا به ***** فنجّاه ذو الطول الكريم من المكر

وبات رسول الله بالشعب آمناً ***** وذلك في حفظ الإله وفي ستر

وبت أراعيهم وهم ينبؤوني ***** وقد صبرت نفسي على القتل والأسر

أردت به نصر الإله تبتّلاً ***** وأضمرته حتّى أوسد في قبري(۸).

————————-

۱ـ الأنفال: ۳۰.

۲ـ حلية الأبرار ۱ /۱۴۳.

۳ـ البقرة: ۲۰۷.

۴ـ يس: ۹.

۵ـ الأمالي للطوسي: ۴۷۱.

۶ـ آل عمران: ۱۹۵.

۷ـ الأمالي للطوسي: ۴۷۲.

۸ـ الفصول المختارة: ۵۹.

بقلم : محمد أمين نجف

وصول سبايا الإمام الحسين (ع) إلى المدينة

دخول بشير إلى المدينة(1)

قال بشير بن حذلم: لمّا قربنا من المدينة نزل علي بن الحسين(عليهما السلام) فحطّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه، وقال: «يا بشير، رحم الله أباك لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شي‏ء منه»؟ فقلت: بلى يابن رسول الله إنّي لشاعر، فقال(عليه السلام): «أُدخل المدينة، وانع أبا عبد الله(عليه السلام)».

قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتّى دخلت المدينة، فلمّا بلغت مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها ***** قتل الحسين فادمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرّج ***** والرأس منه على القناة يدار

ثمّ قال: هذا علي بن الحسين(عليه السلام) مع عمّاته وأخواته، قد حلّوا بساحتكم، ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرّفكم مكانه.

قال: فما بقيت في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلّا برزن من خدورهنّ، مكشوفة شعورهنّ، مخمّشة وجوههنّ، ضاربات خدودهنّ، يدعون بالويل والثبور، فلم أرَ باكياً وباكية أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه.

جارية تنعى الحسين(عليه السلام)

قال بشير: وسمعت جارية تنوح على الحسين(عليه السلام) فتقول:

نعى سيّدي ناع نعاه فأوجعا ***** وأمرضني ناع نعاه فأفجعا

فعيني جودا بالدموع وأسكبا ***** وجودا بدمعٍ بعد دمعكما معا

على من دهى عرش الجليل فزعزعا ***** فأصبح هذا المجد والدين أجدعا

على ابن نبي الله وابن وصيه ***** وإن كان عنا شاحط الدار أشسعا

ثمّ قالت: أيّها الناعي، جدّدت حزننا بأبي عبد الله(عليه السلام)، وخدشت منا قروحاً لما تندمل، فمن أنت رحمك الله؟ فقلت: أنا بشير بن حذلم، وجّهني مولاي علي بن الحسين(عليهما السلام)، وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) ونسائه.

قال: فتركوني مكاني وبادروني، فضربت فرسي حتّى رجعت إليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطّيت رقاب الناس، حتّى قربت من باب الفسطاط، وكان علي بن الحسين(عليه السلام) داخلاً، فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه خادم معه كرسي، فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك عن العَبرة، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء، وحنين النسوان والجواري، والناس يعزّونه من كلّ ناحية، فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة.

خطبة الإمام زين العابدين(عليه السلام)

ثمّ خطب الإمام(عليه السلام) بالناس فقال: «الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع في السماوات العُلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأُمور، وفجائع الدهور، وجليل الرزء، وعظيم المصائب.

أيّها القوم، إنّ الله له الحمد وله الشكر، قد ابتلانا بمصائب جليلة، ومصيبتنا ثلمة عظيمة في الإسلام، ورزية في الأنام، قُتل أبي الحسين وعترته وأنصاره، وسُبيت نساؤه وذرّيته، وطيف برأسه في البلدان على عالي السنان، فهذه الرزية تعلو على كلّ رزية، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، والسبع الطباق لفقده، وبكت البحار بأمواجها، والأرضون بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والطيور بأوكارها، والحيتان في لجج البحار، والوحوش في البراري والقفار، والملائكة المقرّبين، والسماوات والأرضين.

أيّها الناس، أيّ قلب لا ينصدع لقتله ولا يحزن لأجله؟ أيّها الناس، أصبحنا مشرّدين مطرودين مذودين شاسعين عن الأوطان، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ولا فاحشة فعلناها، فوالله لو أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أوصى إليهم في قتالنا لما زادوا على ما فعلوا بنا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها، وأفجعها وأكظها وأفظعها، وأمرّها وأفدحها، فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا فإنّه عزيز ذو انتقام».

شعر السيّدة أُمّ كلثوم(عليها السلام)

قالت السيّدة أُمّ كلثوم حين دخولها المدينة المنوّرة:

مدينة جدّنا لا تقبلينا ***** فبالحسرات والأحزان جينا

خرجنا منك بالأهلين جمعاً ***** رجعنا لا رجال ولا بنينا

ألا فأخبر رسول الله عنّا ***** بأنّا قد فُجعنا في أخينا

وإنّ رجالنا بالطفّ صرعى ***** بلا رؤوس وقد ذبحوا البنينا

ورهطك يا رسول الله أضحوا ***** عرايا بالطفوف مُسلّبينا

وقد ذبحوا الحسين ولم يراعوا ***** جنابك يا رسول الله فينا

فلو نظرت عيونك للأسارى ***** على قتب الجمال محمّلينا

رسول الله بعد الصون صارت ***** عيون الناس ناظرة إلينا

وكنت تحوطنا حتّى تولّت ***** عيونك ثارت الأعدا علينا

أفاطم لو نظرت إلى السبايا ***** بناتك في البلاد مشتّتينا

أفاطم لو نظرت إلى الحيارى ***** ولو أبصرت زين العابدينا

أفاطم لو رأيتينا سهارى ***** ومن سهر الليالي قد عمينا

أفاطم ما لقيت من عداك ***** ولا قيراط ممّا قد لقينا

فلو دامت حياتك لم تزالي ***** إلى يوم القيامة تندبينا

وعرّج بالبقيع وقف وناد ***** أين حبيب ربّ العالمينا

محاورة بشير مع أُمّ البنين

لمّا دخل بشير المدينة لينعى الحسين(عليه السلام)، التقى بأُمّ البنين ـ وهي أُمّ العباس ـ فقال لها: عظّم الله لك الأجر بولدك عبد الله، قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين، قال لها: عظّم الله الأجر بولدك جعفر، قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين، قال لها: عظّم الله لك الأجر بولدك عثمان، قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين، قال لها: عظّم الله لك الأجر بولدك العباس، قالت له: أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين، فقال: عظّم الله لك الأجر بأبي عبد الله الحسين، فصاحت ولطمت خدّها، وشقّت جيبها ونادت: وا حسيناه وا سيّداه.

تاريخ الوصول

۲ ربيع الأوّل ۶۱ﻫ، وصلت السبايا إلى المدينة، ووجدوا ديار أهلها خالية تنعى أهلها، وتندب سكّانها، ولنعم ما قال الشاعر:

مررت على أبيات آل محمّد ***** فلم أرها أمثالها يوم حلّت

فلا يبعد الله الديار وأهلها ***** وإن أصبحت منهم برغم تخلّت

————————————–

۱ـ اُنظر: اللهوف في قتلى الطفوف: ۱۱۵٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

وفاة سكينة بنت الإمام الحسين (ع)

قرابتها بالمعصوم(1)

حفيدة الإمام علي والسيّدة فاطمة الزهراء(عليهما السلام)، وابنة الإمام الحسين، وابنة أخي الإمام الحسن، وأُخت الإمام زين العابدين، وعمّة الإمام الباقر(عليهم السلام).

اسمها ونسبها

سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

أُمّها

الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبية.

ولادتها

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادتها ومكانها، إلّا أنّها كانت من أعلام القرن الثاني الهجري.

حضورها في كربلاء

كانت(رضوان الله عليها) حاضرة يوم الطف في كربلاء، ورأت بأُمّ عينيها الفاجعة الكبرى والمأساة العظمى، لما حلّ بأبيها الإمام الحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه من القتل، واعتنقت جسد أبيها بعد قتله(2).

حضورها مع السبايا

أُخذت(رضوان الله عليها) أسيرة ضمن سبايا أهل البيت(عليهم السلام)، ومعهم رؤوس الشهداء إلى الكوفة، ثمّ منها إلى الشام، وبعدها عادت مع أخيها الإمام زين العابدين(ع) والسبايا إلى المدينة المنوّرة.

حبّ الإمام الحسين(ع) لها

روي أنّ يزيد بن معاوية لمّا أُدخل عليه نساء أهل البيت(عليهم السلام) قال للرباب (أُم سكينة): أنتِ التي كان يقول فيكِ الحسين وفي ابنتك سكينة:

«لعَمرُكَ إنَّنِي لأُحبُّ داراً  **  تكونُ بها سُكينةُ والربابُ

أُحبُّهُما وأبذلُ جُلَّ مالي  **  وليسَ لعاتبِ عندي عتابُ»(3).

فقالت: نعم. والظاهر من الشعر أنّه(ع) كان يُحبّها حبّاً شديداً.

شعرها

ممّا روي من شعرها(رضوان الله عليها) قولها:

«لَقَدْ حَطَّمَتْنَا في الزَّمانِ نَوائبُهُ  **  ومزَّقَنا أنْيَابُهُ ومَخَالِبُه

وأخنى على الدَّهرِ في دارِ غُربةٍ  **  ودَيَّت بما أخشى عليَّ عَقارِبُه

تمزَّقنا أيدي الزَّمانُ وجدُّنا  **  رسولٌ الذي عَمَّ الأنامَ مواهبُهُ

ولَمْ يَبْقَ لي رُكنٌ ألوذُ بِظلِّهِ  **  إذا غَالَبَني من الأمرِ مَا لا أُغَالِبُه»(4).

وفاتها

تُوفّيت(رضوان الله عليها) في الخامس من ربيع الأوّل 117ﻫ بالمدينة المنوّرة، ودُفنت فيها.

رثاؤها

ممّن رثاها الشاعر سيف بن عميرة النخعي الكوفي ـ من أصحاب الإمامينِ الصادق والكاظم(عليهما السلام) ـ بقوله:

«وسكينةٌ عنها السَّكينةُ فَارَقَتْ  **  لما ابْتَدَيْتَ بِفرقَةٍ وتَغَيُّرِ

ورُقيَّةٌ رقَّ الحَسُودُ لِضَعفِها  **  وغَدا لِيَعذرَهَا الذي لَم يعذرِ

ولأُمِّ كُلثومٍ يَجدُّ جَديدُها  **  لثّم عقيب دُمُوعِهَا لم يكرّر

لَمْ أنْسَها وسكينةُ وَرُقَيَّةُ  **  يَبْكِينَهُ بِتَحَسُّرٍ وَتَزَفُّرِ»(5).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: أعيان الشيعة 3/ 491، عقيلة قريش آمنة بنت الحسين: 27.

2ـ اُنظر: اللهوف في قتلى الطفوف: 79.

3ـ مقاتل الطالبيين: 59.

4ـ شرح إحقاق الحق 33/ 758.

5ـ السيّدة رقية بنت الإمام الحسين: 18.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد الإمام الحسن العسكري (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو محمّد، الحسن بن علي بن محمّد العسكري(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

العسكري، التقي، الزكي، السراج، الخالص، الصامت.

أُمّه(ع)

جارية اسمها سَوْسَن المغربية، وقيل: حديث.

ولادته(ع)

ولد في الثامن من ربيع الثاني 232ﻫ بالمدينة المنوّرة.

زوجته(ع)

جارية اسمها نرجس بنت يشوعا بن قيصر الروم.

أولاده(ع)

له ولد واحد، وهو الإمام محمّد المهدي الحجّة المنتظر(عجّل الله تعالى فرجه).

عمره(ع) وإمامته

عمره 28 عاماً، وإمامته 6 أعوام.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

المتوكّل، المنتصِر، المستعِين، المعتَز، المهتدِي، المعتمِد العباسي.

من صفاته وأخلاقه(ع)

قال القطب الراوندي: «فقد كانت خلائقه كأخلاق رسول الله(ص)، وكان رجلاً أسمر، حسن القامة، جميل الوجه، جيّد البدن، حديث السن، له بسالة تذلّ لها الملوك، وله هيبة تسخّر له الحيوانات، كما سخّرت لآبائه(عليهم السلام) بتسخير الله لهم إيّاها دلالة وعلامة على حجج الله تعالى.

وله هيئة حسنة تُعظّمه الخاصّة والعامّة اضطراراً، ويُبجّلونه ويُقدّرونه‏ لفضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وصلاحه وإصلاحه.

وكان جليلاً نبيلاً فاضلاً كريماً، يحتمل الأثقال، ولا يتضعضع للنوائب، أخلاقه على طريقة واحدة خارقة للعادة»(2).

وقال أحمد بن عبيد الله بن خاقان: «مَا رَأَيْتُ وَلَا عَرَفْتُ بِسُرَّ مَنْ رَأَى رَجُلاً مِنَ الْعَلَوِيَّةِ مِثْلَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الرِّضَا فِي هَدْيِهِ وَسُكُونِهِ وَعَفَافِهِ وَنُبْلِهِ وَكَرَمِهِ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَبَنِي هَاشِمٍ، وَتَقْدِيمِهِمْ إِيَّاهُ عَلَى ذَوِي السِّنِّ مِنْهُمْ وَالْخَطَرِ، وَكَذَلِكَ الْقُوَّادِ وَالْوُزَرَاءِ وَعَامَّةِ النَّاس‏»(3).

عبادته(ع)

إنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هم القدوة والأُسوة في عبادتهم لله وإخلاصهم له تعالى، والتعلّق به دون غيره، وروي أنّ الإمام العسكري(ع) عندما أُودع في السجن وكّل به رجلان من الأشرار بقصد إيذائه، فتأثّرا به وأصبحا من الفضلاء، فقيل لهما: «وَيْحَكُمَا مَا شَأْنُكُمَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالا لَهُ: مَا نَقُولُ فِي رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَتَشَاغَلُ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْنَا ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُنَا، وَدَاخَلَنَا مَا لَا نَمْلِكُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا»(4).

من كراماته(ع)

قال علي بن الحسن بن سابور: «قُحِطَ النَّاسُ بِسُرَّ مَنْ ‏رَأَى فِي زَمَنِ الْحَسَنِ الْأَخِيرِ(ع)، فَأَمَرَ المُتَوَكِّلِ الْحَاجِبَ وَأَهْلَ المَمْلَكَةِ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ.

فَخَرَجُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ إِلَى المُصَلَّى يَسْتَسْقُونَ وَيَدْعُونَ فَمَا سُقُوا، فَخَرَجَ الْجَاثَلِيقُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَمَعَهُ النَّصَارَى وَالرُّهْبَانُ، وَكَانَ فِيهِمْ رَاهِبٌ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ هَطَلَتِ السَّمَاءُ بِالمَطَرِ.

وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَهَطَلَتِ السَّمَاءُ بِالمَطَرِ، فَشَكَّ أَكْثَرُ النَّاسِ وَتَعَجَّبُوا وَصَبَوْا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْحَسَنِ وَكَانَ مَحْبُوساً، فَاسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَبْسِهِ وَقَالَ: الْحَقْ أُمَّةَ جَدِّكَ فَقَدْ هَلَكَتْ.

فَقَالَ لَهُ: إِنِّي خَارِجٌ فِي الْغَدِ، وَمُزِيلُ الشَّكِّ إِنْ شَاءَ اللهُ.

فَخَرَجَ الْجَاثَلِيقُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالرُّهْبَانُ مَعَهُ، وَخَرَجَ الْحَسَنُ(ع) فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَصُرَ بِالرَّاهِبِ وَقَدْ مَدَّ يَدَهُ أَمَرَ بَعْضَ مَمَالِيكِهِ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَأْخُذَ مَا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ فَفَعَلَ، وَأَخَذَ مِنْ بَيْنَ سَبَّابَتِهِ وَالْوُسْطَى عَظْماً أَسْوَدَ، فَأَخَذَ الْحَسَنُ(ع) بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اسْتَسْقِ الْآنَ. فَاسْتَسْقَى وَكَانَتِ السَّمَاءُ مُتَغَيِّمَةً فَتَقَشَّعَتْ، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: مَا هَذَا الْعَظْمُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ.

فَقَالَ(ع): هَذَا رَجُلٌ مَرَّ بِقَبْرِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ، فَوَقَعَ فِي يَدِهِ هَذَا الْعَظْمُ، وَمَا كُشِفَ عَنْ عَظْمِ نَبِيٍّ إِلَّا هَطَلَتِ السَّمَاءُ بِالمَطَر»(5).

«لحَا اللهُ قوماً وَازَنُوكَ بِمَن عَتَى  **  عَلى اللهِ عُدواناً فَهدّمَ دِينَه

يَظنُّونَ أنَّ القَطرَ يَنزلُ سُرعةً  **  إذا مَدَّ مَن غَطَّى العُقولَ يَمينَه

ولَمْ يَعلمَوا عَظمَ النَّبيِّ بِكَفِّهِ  **  ومِنْ أينَ هَذا السِّرُّ يَستخرجُونَه

فَلولاكَ رُدَّت للتَّنَصُّرِ أُمَّةٌ  **  لِجدِّكَ قِدماً دِينَهُ يَرتَضونَهُ

أيَا شَرَّ خَلقِ اللهِ كَيفَ عَمَدْتُمُ  **  إلى نُورِ خَلَّاقِ الوَرى تُطْفِئونَهُ

صَلاةُ إلهي لا تَزالُ تَحفُّهُ  **  مَتى البان أَهْفَى الرِّيحُ مِنهُ غُصونَهُ»(6).

في بركة السباع

«سُلِّمَ أَبُو مُحَمَّدٍ(ع) إِلَى نِحْرِيرٍ، وَكَانَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ وَيُؤْذِيهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَنْ فِي مَنْزِلِكَ، وَذَكَرَتْ لَهُ صَلَاحَهُ وَعِبَادَتَهُ، وَقَالَتْ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَأَرْمِيَنَّهُ بَيْنَ السِّبَاعِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فِي ذَلِكَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَرَمَى بِهِ إِلَيْهَا، وَلَمْ‏ يَشُكُّوا فِي أَكْلِهَا لَهُ، فَنَظَرُوا إِلَى المَوْضِعِ لِيَعْرِفُوا الْحَالَ، فَوَجَدُوهُ(ع) قَائِماً يُصَلِّي وَهِيَ حَوْلَهُ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى دَارِهِ»(7).

ولله درّ مَن قال:

لَحَى اللهُ هذا الخَارجيَّ بِما جَنَا  **  على مَن لهُ أمرُ الخلافةِ والأمرُ

أيَرمي بهذا النُّورِ بَغياً بِبِركةِ  **  السِّباعِ ولم يَنهه رَدعٌ ولا زَجرُ

فَنفسي فِداءٌ للذي جَارَ دَهرُهُ  **  عَليهِ فَأرداهُ الخداعةُ والعُذرُ

فَإنِّي عليهِ بعدَ ذلكَ في غِنىً  **  ونِيرانُ أَحزانِي يَزيدُ لها سِعْرُ

وكَيفَ وقَدْ مضّت مُصيبته التي  **  تَكوَّرَ مِنها الشَّمسُ والنَّجمُ والبَدرُ

وخَرَّتْ لَهُ السَّبعُ الطِّباقُ وزُلزِلَتْ  **  لها طَبَقاتُ الأرضِ بَلْ نَضبَ البَحرُ

فيَا مُدَّعِي حُبَّ الإمامِ فَنُحْ لَهُ  **  بِشَجوٍ عَظيمٍ في الزَّمانِ لهُ نَشرُ

وشُقَّ لَهُ جَيبَ التَّصبُّرِ والعَزا  **  ومُتْ أَسَفاً حَيّاً وإنْ ضَمَّكَ القَبرُ»(8).

وقال الشيخ محمّد حسين الإصفهاني(قدس سره) بالمناسبة:

«حَتَّى إذَا أُلقيَ في السِّباعِ  **  وهُوَ ابنُ لَيثِ غَابةِ الإبداعِ

شِبلُ عَليٍّ أَسدُ اللهِ ولا  **  يرى لديهِ الأسد إلَّا مثلا»(9).

كيفية استشهاده(ع)

أصبحت قيادته(ع) وامتدادها الجماهيري بين أوساط الأُمّة الإسلامية مصدر خطرٍ على السلطة العبّاسية، فأخذ الخليفة أحمد المعتمِد بن جعفر المتوكّل العباسي يُفكّر جدّياً بتصفية شخص الإمام العسكري(ع)، فدسّ إليه السُم(10).

استشهاده(ع)

استُشهد في الثامن من ربيع الأوّل 260ﻫ بسامراء المقدّسة، ودُفن بجوار مرقد أبيه الإمام الهادي(ع).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد صالح القزويني(رحمه الله) بقوله:

«أيَا صَفوةَ الهَادِي ويَا مُحيِيَ الهُدى  **  ومُحكِمَ دينِ المُصطَفَى وهوَ دَارسُ

ولمَّا مَضَى الهَادي أريتَ مَعاجِزاً  **  بِها أُرغِمَتْ مِن شَانِئيكَ المَعاطِسُ

بِنفسِيَ ما نَالَتْ بهِ سُرَّ مَن رأى  **  فخاراً لهُ تَعنُو النُّجومُ الكَوانسُ

بِنفسِيَ مَن أبكى النَّبيَّ مُصابُهُ  **  وأظْلَمَ فِيهِ دِينُهُ وهو شَامسُ

بِنَفسِيَ مَحبوساً على حَبسِ حَقِّهِ  **  مَضَى وعَليهِ المكرماتُ حَبائسُ

بِنَفسِيَ مَن في كُلِّ يَومٍ تَسومُهُ  **  هَواناً بَنو العبَّاسِ وهيَ عَوابسُ

بِنَفسِيَ مَسموماً تَشَفَّتْ بِهِ العِدى  **  قَضَى وبها لم تُشفَ مِنهُ النَّسائسُ

بِنَفسِيَ مَكروباً قَضى بَعدَ سُمِّه  **  بَكاهُ المُوالي والعَدوُّ المشَاكسُ

فلا كانَ يَومُ العَسكريِّ فَإنَّه  **  لَيومٌ على الدِّينِ الحَنيفي نَاحِسُ»(11).

من وصاياه(ع)(12)

1ـ قال(ع): «خَيْرُ إِخْوَانِكَ مَنْ نَسِيَ ذَنْبَكَ إِلَيْه‏».

2ـ قال(ع): «أَضْعَفُ الْأَعْدَاءِ كَيْداً مَنْ أَظْهَرَ عَدَاوَتَه».

3ـ قال(ع): «حُسْنُ الصُّورَةِ جَمَالٌ ظَاهِرٌ، وَحُسْنُ الْعَقْلِ جَمَالٌ بَاطِن‏».

4ـ قال(ع): «مَنْ أنَسَ بِاللهِ اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاس‏».

5ـ قال(ع): «جُعِلَتِ الخَبَائِثُ فِي بَيْتٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الْكَذِب».

6ـ قال(ع): «مَنْ كَانَ الْوَرَعُ سَجِيَّتَهُ، وَالْإِفْضَالُ جَنِيَّتَهُ، انْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَتَحَصَّنَ بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ مِنْ وُصُولِ نَقْصٍ إِلَيْه».

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 129، الأنوار البهية: 301.

2ـ الخرائج والجرائح 2/ 901.

3ـ الكافي 1/ 503 ح1.

4ـ الإرشاد 2/ 334.

5ـ الخرائج والجرائح 1/ 441 رقم23.

6ـ وفيات الأئمّة: 405.

7ـ الإرشاد 2/ 334.

8ـ وفيات الأئمّة: 411.

9ـ الأنوار القدسية: 122.

10ـ اُنظر: بحار الأنوار 50/ 335، نقلاً عن مصباح الكفعمي.

11ـ المجالس السنية 5/ 673.

12ـ نزهة الناظر: 145.

بقلم: محمد أمين نجف

تتويج الإمام المهدي (ع)

تتويج من؟

بعد شهادة الإمام العسكري(عليه السلام) في ۸ ربيع الأوّل ۲۶۰ﻫ، توّج ابنه الإمام المهدي(عليه السلام) بتاج الخلافة والإمامة للمسلمين في ۹ ربيع الأوّل ۲۶۰ﻫ.

فرحة التتويج

تفرح الشيعة في مثل هذا اليوم، وتقيم الاحتفالات لهذا التتويج؛ وذلك لأنّه أوّل يوم من إمامة وخلافة منجي البشرية، وآخر الحجج لله على أرضه، وتأمل أن يعجّل الله تعالى فرج إمام زمانها الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام) في أقرب وقت ممكن، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، كما بشّر بذلك جدُّه محمّد(صلى الله عليه وآله) في أحاديث متواترة، نقلتها كتب المسلمين سنّة وشيعة.

عمره(عليه السلام) عند التتويج

تسلّم الإمام المهدي(عليه السلام) مهام الإمامة وهو ابن خمس سنين، فهو بذلك يكون أصغر الأئمّة(عليهم السلام) سنّاً عند تولّيه الإمامة، وليس هذا بدعاً من الأُمور في تاريخ الأنبياء والرسل وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

فقد سبق الإمام المهدي(عليه السلام) بعض أنبياء الله تعالى، كعيسى ويحيى(عليهما السلام) وفق نصّ القرآن الكريم بعمر ثمان سنين، وسبقه جدّه الإمام الهادي(عليه السلام) لتسلّم الإمامة وكان عمره ثمان سنين، وسبقه الإمام الجواد(عليه السلام) وعمره الشريف سبع أو تسع سنين.

فلا يؤثّر صغر السنّ في قابلية الإفاضة الربّانية على الشخص، ولذا نرى الذين ترجموا للإمام المهدي(عليه السلام) من علماء المذاهب الإسلامية قد اعتبروا تسلّمه للإمامة وهو في هذا السنّ ـ خمس سنين ـ أمراً عادياً في سيرة الأئمّة(عليهم السلام).

قال ابن حجر الهيثمّي الشافعي في ذيل ترجمته للإمام الحسن العسكري(عليه السلام): «ولم يخلّف ـ الإمام العسكري ـ غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة»(۱).

وقال الشيخ عبد الرحمن الجامي الحنفي في مرآة الأسرار، في ترجمة الإمام المهدي(عليه السلام): «وكان عمره عند وفاة والده الإمام الحسن العسكري خمس سنين، وجلس على مسند الإمامة، وكما أعطى الحق تعالى يحيى بن زكريا الحكمة والكرامة في حال الطفولية، وأوصل عيسى بن مريم إلى المرتبة العالية في زمن الصبا، كذلك هو في صغر السنّ، جعله الله إماماً، وخوارق العادات الظاهرة له ليست قليلة بحيث يسعها هذا المختصر»(۲).

ومن يلاحظ هذا الشيخ الأخير الجامي الحنفي يستند إلى تجارب الأنبياء السابقين(عليهم السلام) التي تنفي أن يستبعد أحد الإمامة عن الصغير مادام الإمام مخصوصاً ومسدّداً من الله تعالى في صغره بالكرامات فضلاً عن كبره، لا يمكن صدورها عن غير الإمام، وقد كان جملة منها في زمان إمامة أبيه(عليه السلام)، وبعضها الآخر في زمان إمامته(عليه السلام).

وكان أوّل مهامه بعد تسلّمه الإمامة الصلاة على أبيه الإمام العسكري(عليه السلام) في داره، وقبل إخراج جسده الطاهر إلى الصلاة الرسمية التي خطّطتها السلطة الجائرة آنذاك، وكان ذلك أمراً مهمّاً في إثبات إمامته المباركة، حيث لا يصلّي على الإمام المعصوم إلّا الإمام المعصوم.

مستحبّات هذا اليوم

يستحبّ في هذا اليوم الإنفاق والإطعام، والتوسعة في نفقة العيال، فقد روي أنّه من أنفق في اليوم شيئاً غفر الله له ذنوبه، ويستحب لبس الجديد والشكر والعبادة، وهو يوم نفي الهموم والغموم والأحزان.

الغيبة الصغرى وفائدته(عليه السلام) في الغيبة

وفي مثل هذا اليوم غاب الإمام المهدي(عليه السلام) عن أنظار الناس، وبدأت بغيابه الغيبة الصغرى التي استمرت سبعين عاماً. وهنا لا بأس أن نبيّن فائدة الإمام المهدي(عليه السلام) في زمن الغيبة.

لاشكّ ولا ريب أنّ الإمام المهدي(عليه السلام) حجّة الله تعالى على الخلق، بمعنى أنّ الله تعالى يحتجّ به على عباده يوم القيامة، وعليه فالحجّية مهمّة من مهام الإمام ووظائفه.

فغيابه(عليه السلام) عن أنظار الخلق ـ بمعنى أنّ الخلق لا يراه بينما هو يراهم ـ لا يضرّ على هذا المعنى من الحجّية، فهو ناظر إلى أعمالنا، ومطّلع عليها.

وإن قلنا: إنّ معنى الحجّية هو الالتزام بأقوال الإمام(عليه السلام) وأوامره ونواهيه والعمل عليها، فغيابه(عليه السلام) أيضاً لا يضرّ، إذ يكفي في صحّة إطلاق الحجّية بهذا المعنى هو التزام المؤمن بأنّه إذا صدر أمر أو نهي من الإمام سوف يطبّقه ويسير على نهجه، سواء صدر ذلك فعلاً أو لم يصدر، كما في زمن الغيبة.

علماً أنّ وجود الإمام(عليه السلام) لا يقتصر على الحجّية، بل له مهام وفوائد ووظائف أُخرى كثيرة جدّاً، بحيث يكون الانتفاع به كالشمس إذا غيّبتها السحاب، كما ورد ذلك في روايات أهل البيت(عليهم السلام).

فقد سُئل النبي(صلى الله عليه وآله) عن كيفية الانتفاع بالإمام المهدي(عليه السلام) في غيبته فقال: «إي والذي بعثني بالنبوّة، إنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها السحاب»(۳).

وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال ـ بعد أن سُئل عن كيفية انتفاع الناس بالحجّة الغائب المستور ـ: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(۴).

وروي أنّه خرج من الناحية المقدّسة إلى إسحاق بن يعقوب على يد محمّد بن عثمان: «وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب»(۵).

فيمكن أن يقال: إنّ الشبه بين مهدي هذه الأُمّة، وبين الشمس المجلّلة بالسحاب من عدّة وجوه:

۱ـ المهدي(عليه السلام) كالشمس في عموم النفع، فنور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسّطه.

۲ـ إنّ منكر وجود المهدي(عليه السلام) كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار.

۳ـ إنّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلّ آن انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيّام غيبته(عليه السلام)، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلّ وقت وزمان، ولا ييأسون منه.

۴ـ إنّ الشمس قد تخرج من السحاب على البعض دون الآخر، فكذلك يمكن أن يظهر في غيبته لبعض الخلق دون البعض.

۵ـ إنّ شعاع الشمس يدخل البيوت بقدر ما فيها من النوافذ، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع، فكذلك الخلق إنّما ينتفعون بأنوار هدايته بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسّهم ومشاعرهم، من الشهوات النفسية والعلائق الجسمانية، والالتزام بأوامر الله والتجنّب عن معاصيه، إلى أن ينتهي الأمر حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب.

——————————

۱ـ الصواعق المحرقة: ۲۰۸٫

۲ـ أعيان الشيعة ۲/ ۶۹٫

۳ـ كمال الدين وتمام النعمة: ۲۵۳٫

۴ـ المصدر السابق: ۲۰۷٫

۵ـ المصدر السابق: ۴۸۵٫

بقلم: محمد أمين نجف

زواج رسول الله (ص) من السيدة خديجة

مقدّمة

لا بدّ للنبيّ(صلى الله عليه وآله) من الاقتران بامرأة تتناسب مع عظمة شخصيّته، وتتجاوب مع أهدافه السامية، ولم يكن في دنيا النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) امرأة تصلح لذلك غير السيّدة خديجة(رضي الله عنها)؛ لما ينتظرها من جهاد، وبذل، وصبر.

وشاءت حكمة الله تعالى أن يتّجه قلب خديجة نحو النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وأن تتعلّق بشخصيّته وتطلب منه أن يقترن بها، فيقبل النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذلك، ويتمّ الزواج منها في العاشر من ربيع الأوّل قبل بعثته(صلى الله عليه وآله) بخمسة عشر عاماً .

وكان حينذاك عمر النبيّ(صلى الله عليه وآله) لم يتجاوز الخامسة والعشرين، وعمرها(رضي الله عنها) لم يتجاوز الأربعين سنة.

صفات الزوجين

كانت(رضي الله عنها) من خيرة نساء قريش، وأكثر نسائهم مالاً، وأجملهم حسناً، وكانت تُدعى في العصر الجاهلي بـ (الطاهرة) و (سيّدة قريش).

وقد خطبها أكابر قريش وبذلوا الأموال لذلك، ومنهم: عقبة بن أبي معيط، والصلت بن أبي يهاب، وأبو جهل، وأبو سفيان، فرفضتهم كاملاً وأبدت رغبتها بالاقتران بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)؛ لما عرفت عنه من النبل، وسموّ نسب، وشرف وعفّة، وأخلاق لا تُضاهى، وصفات كريمة فائقة.

بداية العلاقة

كانت(رضي الله عنها) ذات تجارة وأموال، وقد سمعت وعلمت عن خُلق النبيّ(صلى الله عليه وآله) السامي وأمانته وشرفه البالغ، حيث كان يُسمّى في الجاهلية بـ(الصادق الأمين)، فتمنّت أن يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله) أحد مَن يتّجر لها بأموالها الطائلة؛ لأمانته المشهودة وخُلقه الرفيع.

فبادرت بإرسال مَن يرغّبه بالعمل في تجارتها والطلب إليها بالعمل، فرفض النبيّ(صلى الله عليه وآله) الطلب منها، فأرسلت هي طالبة منه العمل في تجارتها، فوافق(صلى الله عليه وآله).

فكان النبيّ(صلى الله عليه وآله) مضارباً بأموالها وتجارتها، أو مشاركاً لها في ذلك، حيث إنّه(صلى الله عليه وآله) ما استؤجر بشيء، ولا كان أجيراً لأحد.

فكرة الزواج

عند عودة النبيّ(صلى الله عليه وآله) من الشام في تجارته الأُولى لخديجة ومعه ميسرة ـ غلام خديجة ـ وقد ربحوا أضعافاً مضاعفة عمّا كان من قبل من أرباح، سرّت خديجة بذلك أيّما سرور، وزاد عطفها فيها شوقاً له(صلى الله عليه وآله) ما سمعت من ميسرة غلامها من أخلاقه وصفاته وفراسته ونبله، فازدادت معزّة النبيّ ومحبّته في نفسها، وأخذت تحدّث نفسها بالزواج منه قبل بعثته.

خطبة السيّدة خديجة(رضي الله عنها)

قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «لمّا أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يتزوّج خديجة بنت خويلد، أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش، حتّى دخل على ورقة بن نوفل عمّ خديجة، فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال: الحمد لربّ هذا البيت، الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرّية إسماعيل، وأنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا الحكّام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه.

ثمّ إنّ ابن أخي هذا ـ يعني رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ ممّن لا يُوزن برجلٍ من قريش إلّا رجح به، ولا يُقاس به رجل إلّا عظم عنه، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلاًّ في المال فإنّ المال رِفدٌ جارٍ، وظلٌّ زائل، وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها، والمهر عليَّ في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، وله ـ وربّ هذا البيت ـ حظّ عظيم، ودِين شائع، ورأي كامل.

ثمّ سكت أبو طالب، وتكلّم عمّها وتلجلج، وقصر عن جواب أبي طالب، وأدركه القطع والبهر، وكان رجلاً من القسّيسين، فقالت خديجة مبتدئة: يا عمّاه، إنّك وإن كنت أولى بنفسي منّي في الشهود، فلستَ أولى بي من نفسي، قد زوّجتك يا محمّد نفسي، والمهر عليّ في مالي، فأمر عمّك فلينحر ناقة فليولم بها، وادخل على أهلك.

قال أبو طالب: اشهدوا عليها بقبولها محمّداً وضمانها المهر في مالها.

فقال بعض قريش: يا عجباه! المهر على النساء للرجال؟ فغضب أبو طالب غضباً شديداً، وقام على قدميه، وكان ممّن يهابه الرجال ويُكره غضبه، فقال: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا، طُلبت الرجالُ بأغلى الأثمان وأعظم المهر، وإذا كانوا أمثالكم لم يُزوّجوا إلّا بالمهر الغالي. ونحر أبو طالب ناقة، ودخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأهله»(۱).

الزوجة الباكرة

قيل: إنّه(صلى الله عليه وآله) لم يتزوّج بكراً غير عائشة، وأمّا خديجة، فيقولون: إنّها قد تزوّجت قبله(صلى الله عليه وآله) برجلين، ولها منهما بعض الأولاد، وهما عتيق بن عائذ بن عبد الله المخزومي، وأبو هالة التميمي. أمّا نحن فنقول: إنّنا نشكّ في دعواهم تلك، ونحتمل جدّاً أن يكون كثير ممّا يُقال في هذا الموضوع قد صنعته يد السياسة.

فالسيّدة خديجة(رضي الله عنها) لم تتزوّج بأحدٍ قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟! وذلك:

أوّلاً: قال ابن شهرآشوب: «وروى أحمد البلاذري، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي، وأبو جعفر في التلخيص: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) تزوّج بها، وكانت عذراء».

ثانياً: قال أبو القاسم الكوفي: «إنّ الإجماع من الخاصّ والعام، من أهل الآثار ونقلة الأخبار، على أنّه لم يبق من أشراف قريش ومن ساداتهم وذوي النجدة منهم، إلّا من خطب خديجة ورام تزويجها، فامتنعت على جميعهم من ذلك، فلمّا تزوّجها رسول الله(صلى الله عليه وآله) غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها: خطبك أشراف قريش وأمراؤهم فلم تتزوّجي أحداً منهم، وتزوّجت محمّداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له؟!

فكيف يجوز في نظر أهل الفهم أن تكون خديجة، يتزوّجها أعرابي من تميم، وتمتنع من سادات قريش وأشرافها على ما وصفناه؟! ألا يعلم ذوو التمييز والنظر أنّه من أبين المحال، وأفظع المقال»؟!

ثالثاً: كيف لم يعيّرها زعماء قريش ـ الذين خطبوها فردّتهم ـ بزواجها من أعرابي بوّال على عقبيه؟!

رابعاً: لقد روي أنّه كانت لخديجة أُخت اسمها هالة، تزوّجها رجل مخزومي، فولدت له بنتاً اسمها هالة، ثمّ خلف عليها ـ أي على هالة الأُولى ـ رجل تميمي يُقال له: أبو هند، فأولدها ولداً اسمه هند.

وكان لهذا التميمي امرأة أُخرى قد ولدت له زينب ورقية، فماتت، ومات التميمي، فلحق ولده هند بقومه، وبقيت هالة أُخت خديجة والطفلتان اللتان من التميمي وزوجته الأُخرى، فضمّتهم خديجة إليها، وبعد أن تزوّجت بالنبيّ(صلى الله عليه وآله) ماتت هالة، فبقيت الطفلتان في حجر خديجة والنبيّ(صلى الله عليه وآله).

وكان العرب يزعمون: أنّ الربيبة بنت، ولأجل ذلك نُسبتا إليه(صلى الله عليه وآله)، مع أنّهما ابنتا أبي هند زوج أُختها(۲).

تاريخ الزواج

۱۰ ربيع الأوّل ۱۵ عاماً قبل البعثة.

————————

۱- الكافي ۵/ ۳۷۴٫

۲- اُنظر: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ۲/ ۱۲۱٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

وفاة إبراهيم ابن رسول الله (ص)

قرابته بالمعصوم

ابن النبي محمّد(ص)، وأخو السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وخال الإمامينِ الحسن والحسين(عليهما السلام).

اسمه ونسبه

إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب.

أُمّه

مارية بنت شمعون القبطية.

ولادته

ولد في ذي الحجّة 8ﻫ بالمدينة المنوّرة.

مراسيم ولادته

خرجت قابلته سلمى ـ إحدى جواري رسول الله(ص) ـ إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنّ السيّدة مارية قد ولدت غلاماً، فجاء أبو رافع إلى رسول الله(ص) مبشّراً، فسمّاه(ص) إبراهيم، وعقّ عنه يوم سابعه، وحلق رأسه، وتصدّق بزنة شعره فضّة على المساكين، وأمر بدفن شعره في الأرض(1).

مرضعته

تنافست نساء الأنصار أيّهن ترضعه، فأعطاه رسول الله(ص) إلى أُمّ بردة الأنصارية، خولة بنت المنذر بن زيد، وزوجها البراء بن أوس، وكان(ص) يأتي أُمّ بردة فيقيل عندها، ويُؤتى بإبراهيم، ولكن تُوفّي دون السنتين، فأتمّ الله رضاعه في الجنّة.

مات فداء للحسين(ع)

قال ابن عباس: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ(ص) وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ تَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا، وَتَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا، إِذْ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ بِوَحْيٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا سَرَى عَنْهُ(ص) قَالَ: أَتَانِي جَبْرَئِيلُ مِنْ رَبِّي فَقَالَ:

يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: لَسْتُ أَجْمَعُهُمَا، فَافْدِ أَحَدَهُمَا بِصَاحِبِهِ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَبَكَى، وَنَظَرَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَبَكَى، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ أُمُّهُ أَمَةٌ، وَمَتَى مَاتَ لَمْ يَحْزَنْ عَلَيْهِ غَيْرِي، وَأُمُّ الحُسَيْنِ فَاطِمَةُ وَأَبُوهُ عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي لَحمِي وَدَمِي، وَمَتَى مَاتَ حَزِنَتْ ابْنَتِي وَحَزِنَ ابْنُ عَمِّي، وَحَزِنْتُ أَنَا عَلَيْهِ، وَأَنَا أُؤْثِرُ حُزْنِي عَلَى حُزْنِهِمَا، يَا جَبْرَئِيلُ يُقْبَضُ إِبْرَاهِيمَ فَدَيْتُهُ بِالحُسَيْنِ، قَالَ:

فَقُبِضَ بَعْدَ ثَلَاثَ، فَكَانَ النَّبِيِّ إِذَا رَأَى الْحُسَيْنَ مُقْبِلًا قَبَّلَهُ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَرَشَّفَ ثَنَايَاهُ وَقَالَ: فَدَيْتُ مَنْ فَدَيْتُهُ بِابْنِي إِبْرَاهِيم»(2).

قول النبي(ص) عند موت ولده

قالت أسماء بنت يزيد الأنصارية: «لمّا تُوفّي ابن رسول الله(ص) إبراهيم، بكى رسول الله(ص)، فقال له المعزّى: أنت أحقّ مَن عظّم الله حقّه، قال رسول الله(ص): تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّب،‏َ لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صادقٌ وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعُ الْأَوَّل، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُون»(3).

وفاته

تُوفّي(رضوان الله عليه) في الثامن عشر من رجب 10ﻫ، وقيل: العاشر من ربيع الأوّل 10ﻫ بالمدينة المنوّرة، وقام الإمام علي(ع) بتجهيزه، ودُفن بمقبرة البقيع.

زيارته

وردت في زيارته هذه الفقرات التي تدلّ على عظمته وفضله عند الله تعالى:

«أَشْهَدُ أَنَّكَ قَد اِخْتَارَ اَللهُ لَكَ دَارَ إِنْعَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْكَ أَحْكَامَهُ، أَوْ يُكَلِّفَكَ حَلاَلَهُ وَحَرَامَهُ، فَنَقَلَكَ إِلَيْهِ طَيِّباً زَاكِياً مَرْضِيّاً طَاهِراً مِنْ كُلِّ نَجَسٍ، مُقَدَّساً مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَبَوَّأَكَ جَنَّةَ اَلمَأْوَى، وَرَفَعَكَ إِلَى اَلدَّرَجَاتِ اَلْعُلَى، وَصَلَّى اَللهُ عَلَيْكَ صَلاَةً تَقَرُّ بِهَا عَيْنُ رَسُولِهِ، وَتُبَلِّغُهُ أَكْبَرَ مَأْمُولِهِ»(4).

ــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: الطبقات الكبرى 1/ 135.

2ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 81.

3ـ سنن ابن ماجة 1/ 506 ح1589.

4ـ بحار الأنوار 97/ 218.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

وفاة عبد المطلب بن هاشم

قرابته بالمعصوم

جدّ رسول الله(ص)، وجدّ الإمام علي(ع).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو الحارث عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف.

أُمّه

سلمى بنت عمرو بن زيد الخزرجية.

ولادته

ولد بالمدينة المنوّرة، ولد وفي رأسه شيبة، فقيل له: شيبة الحمد ـ رجاء أن يكبر ويشيخ ويكثر حمد الناس له ـ وقد حقّق الله ذلك، فكثر حمدهم له؛ «لأنّه كان مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأُمور، فكان شريف قريش وسيّدها كمالاً وفعالاً من غير مدافع»(1).

من أقوال المعصومين(عليهم السلام) فيه

1ـ قال رسول الله(ص): «قَالَ لِي جَبْرَئِيلُ: إِنَّ اللهَ مُشَفِّعُكَ فِي سِتَّةٍ: بَطْنٍ حَمَلَتْكَ ـ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ـ، وَصُلْبٍ أَنْزَلَكَ ـ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ـ، وَحَجْرٍ كَفَلَكَ ـ أَبِي طَالِبٍ ـ، وَبَيْتٍ آوَاكَ ـ عَبْدِ المُطَّلِبِ ـ، وَأَخٍ كَانَ لَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ… وَثَدْيٍ أَرْضَعَتْكَ ـ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْب»(2).

2ـ قال الإمام علي(ع): «وَاللهِ مَا عَبَدَ أَبِي وَلَا جَدِّي عَبْدُ المُطَّلِبِ وَلَا هَاشِمٌ وَلَا عَبْدُ مَنَافٍ صَنَماً قَطُّ. قِيلَ لَهُ: فَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؟ قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ(ع) مُتَمَسِّكِينَ بِه‏»(3).

3ـ قال الإمام الصادق(ع): «يُبْعَثُ عَبْدُ المُطَّلِبِ أُمَّةً وَحْدَهُ، عَلَيْهِ بَهَاءُ المُلُوكِ وَسِيمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِالْبَدَاءِ.

قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أَرْسَلَ رَسُولَ اللهِ(ص) إِلَى رُعَاتِهِ فِي إِبِلٍ قَدْ نَدَّتْ لَهُ فَجَمَعَهَا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَتُهْلِكُ آلَكَ إِنْ تَفْعَلْ فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكَ.

فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ(ص) بِالْإِبِلِ، وَقَدْ وَجَّهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ، وَفِي كُلِّ شِعْبٍ فِي طَلَبِهِ، وَلمَّا رَأَى رَسُولَ اللهِ(ص) أَخَذَهُ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَا وَجَّهْتُكَ بَعْدَ هَذَا فِي شَيْ‏ءٍ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُغْتَالَ فَتُقْتَل»(4).

توضيح: «قوله(ع): فِي إِبِلٍ قَدْ نَدَّتْ لَهُ، أي نفرت وذهبت على وجهها شاردة.

وقوله(ع): أَتُهْلِكُ آلَكَ، أي أتُهلك مَن جعلته أهلك، ووعدت أنّه سيصير نبيّاً، ثمّ تفطّن بإمكان البداء فقال: إن تفعل فأمر آخر بدا لك فيه، فظهر أنّه كان قائلاً بالبداء.

والاغتيال: هو أن يُخدع ويُقتل في موضع لا يراه أحد»(5).

إيمانه

كان يُؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، ويُؤيّد ذلك قوله للناس: «لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم الله منه، ويُصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم، ومات حتف أنفه، ولم تُصبه عقوبة، فقيل لعبد المطّلب ذلك، ففكّر ثمّ قال: فوالله إنّ وراء هذه الدار داراً، يُجزى المحسن بإحسانه، والمسيء يُعاقب على إساءته»(6).

وقال الشيخ المفيد(قدس سره): «اتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله(ص) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب مؤمنون بالله عزّ وجل موحّدون له.

واحتجّوا في ذلك بالقرآن والأخبار، قال الله عزّ وجل: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. وقال رسول الله(ص): لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُنِيَ مِنْ أَصْلَابِ الطَّاهِرِينَ إِلَى أَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ حَتَّى أَخْرَجَنِي فِي عَالَمِكُمْ هَذَا»(7).

موقفه من أصحاب الفيل

عندما جاء أبرهة الأشرم لهدم الكعبة في حادثة أصحاب الفيل، قابله عبد المطّلب وطلب منه أن يردّ عليه إبلاً له أخذها الجيش، فقال أبرهة: ألا تطلب منّي أن أعود عن هدم البيت ـ الكعبة ـ؟! فأجابه عبد المطّلب بكلمة الإيمان الراسخ: «أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّاً سيمنعه… فقال عبد المطّلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:

يَا رَبِّ لا أرْجُو لهُمْ سِواكا  **  يَا رَبِّ فَامنَعْ مِنهُمُ حِمَاكا

إنَّ عَدوَّ البَيتِ مَن عَادَاكا  **  اِمْنَعهُمُ أنْ يُخرِبوا قُرَاكا»(8).

ثمّ عقّب بقوله: يا معشر قريش، لا يصل إلى هدم هذا البيت، فإنّ له ربّاً يحميه ويحفظه، فأهلك الله أبرهة وجيشه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورة الفيل بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مّأْكُولٍ﴾.

سننه

قد سنّ كثيراً من السنن التي أقرّها الإسلام: كقطع يد السارق، وفرض الدية مائة من الإبل، والوفاء بالنذر، ونهى أن يطوف في البيت ـ الكعبة ـ عريان، وحدّد الطواف بسبعة أشواط، وحرّم الخمر والزنا ونكاح المحارم، ونهى عن وأد البنات، وكان «يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثّهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيّات الأُمور»(9).

فرحه بولادة النبي(ص)

فرح فرحاً شديداً بولادة رسول الله(ص)، فأخذه من أُمّه وأدخله الكعبة، وقام عندها يدعو الله ويشكره على ما أعطاه، وقال يؤمئذٍ:

«الحَمدُ لِلهِ الَّذِي أَعْطَانِي  **  هَذَا الغُلامَ الطَّيِّبَ الأرْدَانِ

قَدْ سَادَ في المَهدِ عَلَى الغِلمانِ  **  أُعيذُهُ بِاللهِ ذِيْ الأركانِ

حَتَّى أراهُ بَالغَ البُنيانِ  **  أُعيذُهُ مِنْ شَرِّ ذِي شنانِ

مِن حَاسِدٍ مُضْطَرِبِ العِنانِ»(10).

كفالته للنبي(ص)

كفل النبي(ص) بعد وفاة أبيه، وقام بتربيته وحفظه أحسن قيام، ورقّ عليه رقّة لم يرقّها على ولده، وكان يُقرّبه منه ويُدنيه، ولا يأكل طعاماً إلّا أحضره، وكان يدخل عليه إذا خلا وإذا نام، ويجلس على فراشه فيقول: دعوه.

ولمّا صار عمره(ص) ستّ سنين، أخرجته أُمّه إلى أخواله بني عدي بن النجّار بالمدينة تزورهم، ومعها أُمّ أيمن، فبقيت عندهم شهراً، ثمّ رجعت به أُمّه إلى مكّة، فتُوفّيت بالأبواء بين المدينة ومكّة، فعادت به أُمّ أيمن إلى مكّة إلى جدّه عبد المطّلب، فبقي في كفالته من حين وفاة أبيه ثمان سنين(11).

تناله شفاعة النبي(ص)

قال الإمام الصادق(ع): «هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(ص) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَفَّعَكَ فِي خَمْسَةٍ: فِي‏ بَطْنٍ حَمَلَكَ ـ وَهِيَ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ـ، وَفِي صُلْبٍ أَنْزَلَكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ـ، وَفِي حَجْرٍ كَفَلَكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ ـ، وَفِي بَيْتٍ آوَاكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَبُو طَالِبٍ ـ، وَفِي أَخٍ كَانَ لَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ»(12).

وصيّته بالنبي(ص)

أوصى عند احتضاره ولده أبا طالب برسول الله(ص) قائلاً:

«يَا أَبَا طَالِبٍ، انْظُرْ أَنْ تَكُونَ حَافِظاً لِهَذَا الْوَحِيدِ الَّذِي لَمْ يَشَمَّ رَائِحَةَ أَبِيهِ، وَلَا ذَاقَ شَفَقَةَ أُمِّهِ، انْظُرْ يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَسَدِكَ بِمَنْزِلَةِ كَبِدِكَ، فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ بَنِيَّ كُلَّهُمْ وَأَوْصَيْتُكَ بِهِ لِأَنَّكَ مِنْ أُمِّ أَبِيهِ.

يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنْ أَدْرَكْتَ أَيَّامَهُ فَاعْلَمْ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أَبْصَرِ النَّاسِ وَأَعْلَمِ النَّاسِ بِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّبِعَهُ فَافْعَلْ، وَانْصُرْهُ بِلِسَانِكَ وَيَدِكَ وَمَالِكَ، فَإِنَّهُ وَاللهِ سَيَسُودُكُمْ، وَيَمْلِكُ مَا لَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آبَائِي.

يَا أَبَا طَالِبٍ، مَا أَعْلَمُ أَحَداً مِنْ آبَائِكَ مَاتَ عَنْهُ أَبُوهُ عَلَى حَالِ أَبِيهِ، وَلَا أُمُّهُ عَلَى حَالِ أُمِّهِ، فَاحْفَظْهُ لِوَحْدَتِهِ»(13).

من زوجاته

1ـ فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية.

2ـ هالة بنت وهب بن عبد مناف الزهرية.

3ـ نتيلة بنت خباب بن كليب النمرية.

من أولاده

1ـ الحارث «جمع النبي(ص) عشيرته في دار عمّه الحارث، لمّا أمره الله تعالى بإظهار الأمر بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾»(14).

2ـ أبو طالب، قال عنه الإمام الصادق(ع): «إِنَّ مَثَلَ أَبِي طَالِبٍ مَثَلُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَسَرُّوا الْإِيمَانَ وَأَظْهَرُوا الشِّرْكَ، فَآتَاهُمُ اللهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ»(15).

3ـ الزبير «بعثه أبوه عبد المطّلب إلى يثرب ليمرّض أخاه عبد الله والد رسول الله(ص)، فمكث عنده حتّى حضر وفاته ودفنه».

4ـ عبد الله «أبو النبي(ص)».

5ـ حمزة، قال عنه الإمام علي(ع): «أَلَا وَإِنَّ أَفْضَلَ الخَلْقِ بَعْدَ الْأَوْصِيَاءِ الشُّهَدَاءُ، أَلَا وَإِنَّ أَفْضَلَ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِب‏»(16).

6ـ العباس «كان رئيساً في قريش أيّام الجاهلية، وإليه ترجع عمارة المسجد الحرام، حضر بيعة العقبة الثانية مع رسول الله(ص) قبل أن يُسلم، وشهد بدراً مع المشركين مكرهاً، فأُسر وافتدى نفسه»(17).

7ـ أروى، قال السيّد الأمين(قدس سره): «صحابية شاعرة فصيحة، سبقت إلى الإسلام، فأسلمت بمكّة في أوائل البعثة، وهاجرت إلى المدينة»(18).

8ـ أميمة «أعطاها النبي(ص) في خيبر أربعين وسقاً من التمر»(19).

9ـ عاتكة، قال عنها ابن سعد (ت: 230ﻫ): «ثمّ أسلمت عاتكة بنت عبد المطّلب في مكّة، وهاجرت إلى المدينة»(20).

10ـ صفية «كانت من أشجع النساء، وقد سجّلت موقفاً شجاعاً يوم خيبر عندما قتلت يهودياً جاء ليتجسّس على المسلمين، بعدما جبُن حسّان بن ثابت عن قتله»(21).

وفاته

تُوفّي(رضوان الله عليه) في العاشر من ربيع الأوّل 45 قبل الهجرة بمكّة المكرّمة، ودُفن بمقبرة الحَجُون، وعمر النبي(ص) ثمان سنين.

قال اليعقوبي: «وأعظمت قريش موته، وغُسّل بالماء والسدر ـ وكانت قريش أوّل مَن غسّل الموتى بالسدر ـ ولُفّ في حُلّتين من حُلل اليمن، قيمتهما ألف مثقال ذهب، وطُرح عليه المسك حتّى ستره، وحُمل على أيدي الرجال عدّة أيّام إعظاماً وإكراماً وإكباراً لتغييبه في التراب»(22).

رثاؤه

ممّن رثاه ابنته أروى بقولها:

«بَكَتْ عَينِي وحَقَّ لَهَا البُكاءُ  **  على سَمِحٍ سَجيّتُه الحَياءُ

عَلى سَهلِ الخليفةِ أَبطحيٍّ  **  كريمِ الخيمِ نيّتُه العلاءُ

عَلى الفيَّاضِ شَيبةِ ذِي المعَالي  **  أبوهُ الخيرُ لَيسَ له كفاءُ

طويلُ الباعِ أملسُ شيظميٌّ  **  أغَرٌّ كان غرّته ضياءُ

ومَعقِلُ مالكٍ وربيعُ فِهرٍ  **  وفاصلُها إذا التبسَ القَضاءُ»(23).

كما رثته ابنته عاتكة بقولها:

«ألا يَا عَينُ وَيحكِ أَسْعِديني  **  بِدَمعٍ واكِفٍ هَطِلٍ غَزِيرِ

عَلى رَجُلٍ أَجَلِّ النَّاسِ أَصْلاً  **  وَفَرْعاً في المَعَالي والظُّهورِ

طَويلِ البَاعِ أروع شيظمي  **  أَغَرَّ كَغُرَّةِ القَمَرِ المُنِيرِ

وأَبْكِي هَاشِماً وَبَنِي أَبِيهِ  **  فَقدْ فَارقْتُ ذَا كَرمٍ وخَيرِ

وَغَيْثاً للقُرَى في كُلِّ أَرْضٍ  **  إذا ضَنَّ الغَنيُّ عَلَى الفَقيرِ

فَقدْنا مِنْ قُريشٍ في البَرايَا  **  سَحابَ النَّاسِ في السَّنَةِ النرورِ»(24).

ـــــــــــــــــــــــــ

1ـ السيرة الحلبية 1/ 6.

2ـ شرح نهج البلاغة 14/ 67.

3ـ كمال الدين وتمام النعمة 1/ 174ح32.

4ـ الكافي 1/ 447 ح24.

5ـ اُنظر: شرح أُصول الكافي 7/ 179.

6ـ رسائل المرتضى 3/ 224.

7ـ أوائل المقالات: 45.

8ـ تاريخ الطبري 1/ 553.

9ـ الملل والنحل 2/ 239.

10ـ الطبقات الكبرى 1/ 103.

11ـ اُنظر: المصدر السابق 1/ 118.

12ـ أوائل المقالات: 45.

13ـ كمال الدين وتمام النعمة 1/ 172 ح28.

14ـ اُنظر: تاريخ اليعقوبي 2/ 27.

15ـ الكافي 1/ 448 ح28.

16ـ المصدر السابق 1/ 450 ح34.

17ـ اُنظر: الدرجات الرفيعة: 79.

18ـ أعيان الشيعة 3/ 245 رقم766.

19ـ اُنظر: الطبقات الكبرى 8/ 46.

20ـ اُنظر: الاستيعاب 4/ 1780، تفسير القمّي 1/ 256.

21ـ السيرة النبوية لابن هشام 3/ 711.

22ـ تاريخ اليعقوبي 2/ 13.

23ـ سيرة ابن إسحاق 1/ 46 ح50.

24ـ الفضائل لابن شاذان: 46.

بقلم: محمد أمين نجف

ولادة نفيسة بنت الحسن

قرابتها بالمعصوم(1)

من أحفاد الإمام الحسن المجتبى(ع).

اسمها ونسبها

نفيسة بنت الحسن بن زيد ابن الإمام الحسن المجتبى(ع).

ولادتها

ولدت في 11 ربيع الأوّل 145ﻫ بمكّة المكرّمة.

زواجها

تزوّجت من إسحاق المؤتمن ابن الإمام الصادق(ع) في رجب 161ﻫ.

من أولادها

القاسم، أُمّ كلثوم.

جوانب من حياتها

نشأت في بداية حياتها في مكّة المكرّمة، وعندما دخلت سنتها الخامسة ذهبت في صحبة والدها إلى المدينة المنوّرة، وأخذ أبوها يُلقّنها ما تحتاجه من أُمور دينها ودنياها، وكانت تسمع من شيوخ المسجد النبوي ما يلقونه من علوم الفقه والحديث.

وكانت وهي في المدينة لا تُفارق حرم جدّها المصطفى(ص)، قارئة ذاكرة باكية راكعة ساجدة ضارعة داعية، وقد حجّت بيت الله الحرام ثلاثين حجّة، أكثرها مشياً على الأقدام.

وقال الزركلي في الأعلام: «صاحبة المشهد المعروف بمصر، تقية صالحة، عالمة بالتفسير والحديث…»(2).

وقد سمع منها الحديث محمّد بن إدريس الشافعي ـ إمام الشافعية ـ، ولمّا مات أُدخلت جنازته إلى دارها وصلّت عليه بوصيةٍ منه.

مرضها

مرضت(رضوان الله عليها) في أواخر حياتها، فلمّا حلّت عليها أوّل جمعة من شهر رمضان، اشتدّ بها المرض وزاد عليها الألم وهي صائمة، فدخل عليها الأطبّاء، فأشاروا عليها بالإفطار؛ لحفظ قوّتها، ولتتغلّب على مرضها، فرفضت. وروي أنّها أنشدت:

اصرِفُوا عَنِّي طَبِيبي  **  ودَعُوني وحَبِيبي

زادَ بي شَوقي إِلَيهِ  **  وغَرامي في لَهيبِ

طَابَ هَتكِي في هَوَاهُ  **  بَينَ وَاشٍ ورَقيبِ

لا أُبالي بفواتٍ  **  حَيثُ قَد صارَ نَصيبي

لَيسَ مَنْ لَامَ بِعَذلٍ  **  عَنهُ فيهِ بِمُصِيبِ

جَسَدي رَاضٍ بِسُقْمِي ** وجُفُونِي بِنَحيبي

فانصرف الأطبّاء وقد شدّهم الإعجاب بقوّة يقينها وثبات دينها، فسألوها الدعاء، فقالت لهم خيراً ودعت لهم.

وشاءت السيّدة نفيسة أن تختم حياتها بتلاوة القرآن الحكيم، وبينما كانت تتلو سورة الأنعام، حتّى إذا بلغت قوله تعالى: ﴿لهُمْ دَارُ السّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ تُوفّيت، فدُفنت في قبرها الذي حفرته بيدها، والذي كانت تنزل فيه تُصلّي.

وفاتها

تُوفّيت(رضوان الله عليها) في شهر رمضان 208ﻫ بمدينة القاهرة في مصر، وقبرها معروف يُزار.

دفنها

لمّا تُوفّيت أراد زوجها أن ينقلها إلى المدينة المنوّرة، فسألوه أهل مصر أن يدفنها عندهم، فدُفنت في البيت الذي كانت تسكنه.

وقيل: طلب أهل مصر في تركها عندهم للتبرّك، وبذلوا لزوجها مالاً كثيراً فلم يرضَ، فرأى النبي(ص) فقال له: «يا إسحاق، لا تُعارض أهل مصر في نفيسة، فإنّ الرحمة تنزل عليهم ببركتها».

من أقوال الشعراء فيها

1ـ قال شاعر:

«شَكوتُ إلى ذَوي التَّصريفِ حَالي  **  ومَا أَلقاهُ مِن نَفسي التَّعيسَة

وقُلتُ لهم: ألا ترثوا لِذُلِّي  **  وضَعفي مِن مَهمَّاتٍ بَئيسَة

فَقَالوا اذْهَبْ لِصَاحبةِ المَعالي  **  وصَاحبةِ المَقاليدِ الأنيسَة

وبِنتُ الأكرَمينَ أباً وأُمّاً  **  تغثكَ بهمّةٍ كبرى نفيسة

فإنَّا كُلَّنا نَسعَى إلَيهَا  **  لِتصرفَ كُربةً كبرى مجيسَة

فَسَلْها لا تخفي من سوءِ أمرٍ  **  أَتَسألُ غَيرَها وَهي الرَّئيسَة».

2ـ قال شاعر آخر:

«يا مَن كَرامَاتُها كالشَّمسِ ظَاهرةٌ  **  ومَن لها رُتبةٌ فاقَتْ عُلى الرُّتَبِ

قَد حُزْتِ أَعظمَ فَخرٍ جَلَّ مَطلَبُهُ  **  حَيثُ انتَسَبْتِ لِخيرِ العُجْمِ والعَربِ

نَفيسةُ الجَاهِ أنَّى جِئْتُ مُشتكياً  **  مَا لستُ أحملُهُ مِن زَائدِ العطبِ

قُولِي قَبِلتُكَ يَا مِسكينُ كُنْ فَرِحاً  **  لَكَ َ البِشَارةُ مِنِّي صوت في الحسبِ».

ـــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: مستدرك سفينة البحار 10/ 120.

2ـ الأعلام 8/ 44.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

ولادة رسول الله (ص)

اسمه ونسبه(صلى الله عليه وآله)

النبي محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، وينتهي نسبه الشريف إلى النبي إبراهيم الخليل(عليه السلام).

كنيته(صلى الله عليه وآله) ولقبه

كنيته أبو القاسم، أبو إبراهيم، ولقبه المصطفى.

تاريخ ولادته(صلى الله عليه وآله) ومكانها

۱۷ ربيع الأوّل ۴۰ عام قبل البعثة النبوية، الموافق ۵۷۱ ميلادي، مكّة المكرّمة.

وهو العام الذي يُسمّى بـ(عام الفيل)، حيث تعرّضت فيه مكّة لعدوان أبرهة الحبشي صاحب جيش الفيل، فجعل الله كيدهم في تضليل، كما ورد في سورة الفيل من القرآن الكريم.

أُمّه(صلى الله عليه وآله) وزوجته

أُمّه السيّدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف، زوجته السيّدة خديجة بنت خويلد الأسدي، أُمّ السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وله زوجات أُخر.

مدّة عمره(صلى الله عليه وآله) ونبوّته

عمره ۶۳ سنة، ونبوّته ۲۳ سنة.

حمله(صلى الله عليه وآله)

حملت به أُمّه أيّام التشريق، وقالت: فما وجدت له مشقّة حتّى وضعته.

ثمّ خرج أبوه عبد الله وأُمّه حامل به في تجارة له إلى الشام، فلمّا عاد نزل على أخواله بني النجّار بالمدينة، فمرض هناك ومات، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) حمل.

وكان أبوه عبد الله فقيراً، لم يخلّف غير خمسة من الإبل وقطيع غنم وجارية اسمها بركة، وتكنّى أُمّ أيمن، وهي التي حضنت النبي(صلى الله عليه وآله)(۱).

شعر عبد المطّلب فيه(صلى الله عليه وآله)

لمّا سمع عبد المطّلب ـ جدّ النبي(صلى الله عليه وآله) ـ بولادة النبي فرح فرحاً كثيراً، ودخل على السيّدة آمنة(رضي الله عنها)، وقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه، وقال:

الحمد لله الذي أعطاني ***** هذا الغلام الطيّب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان ***** أُعيذه بالله ذي الأركان

حتّى أراه بالغ البنيان ***** أُعيذه من شرّ ذي شنان

من حاسد مضطرب العنان(۲).

رضاعه(صلى الله عليه وآله)

أرضعته أوّلاً ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابنها مسروح أيّاماً قبل أن تقدّم حليمة السعدية، وكانت أرضعت قبله(صلى الله عليه وآله) عمّه حمزة.

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) والسيّدة خديجة يكرماها، واعتقها أبو لهب بعد الهجرة، فكان(صلى الله عليه وآله) يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتّى ماتت، فسأل عن ابنها مسروح، فقيل: مات، فسأل عن قرابتها، فقيل: ماتوا.

ثمّ أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، من بني سعد بن بكر، وكان أهل مكّة يسترضعون لأولادهم نساء أهل البادية طلباً للفصاحة، ولذلك قال(صلى الله عليه وآله): «أنا أفصح من نطق بالضاد، بيد أنّي من قريش واستُرضعت في بني سعد».

فجاء عشرة نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن الرضاع، وفيهنّ حليمة، فأصبن الرضاع كلّهن إلّا حليمة، وكان معها زوجها الحارث المكنّى أبا ذؤيب، وولدها منه عبد الله، فعرض عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقالت: يتيم ولا مال له، وما عست أُمّه أن تفعل. فخرج النسوة وخلفنها، فقالت لزوجها: ما ترى قد خرج صواحبي، وليس بمكّة غلام يسترضع إلّا هذا الغلام اليتيم، فلو أنّا أخذناه، فإنّي أكره أن أرجع بغير شيء.

فقال لها: خذيه عسى الله أن يجعل لنا فيه خيراً، فأخذته فوضعته في حجرها، فدرّ ثدياها حتّى روي وروي أخوه، وكان أخوه لا ينام من الجوع. فبقي عندها سنتين حتّى فطم، فقدموا به على أُمّه زائرين لها، وأخبرتها حليمة ما رأت من بركته فردّته معها، ثمّ ردّته على أُمّه وهو ابن خمس سنين ويومين.

وقدمت حليمة على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعدما تزوّج، فبسط لها رداءه، وأعطتها خديجة أربعين شاةً، وأعطتها بعيراً.

وجاءت إليه(صلى الله عليه وآله) يوم حُنين، فقام إليها وبسط لها رداءه، فجلست عليه(۳).

من الكرامات الظاهرة عند ولادته(صلى الله عليه وآله)

۱ـ روى علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن رجاله قال: «كان بمكّة يهودي يقال له يوسف، فلمّا رأى النجوم تُقذف وتتحرّك ليلة ولد النبي(صلى الله عليه وآله) قال: هذا نبي قد ولد في هذه الليلة؛ لأنّا نجد في كتبنا إنّه إذا ولد آخر الأنبياء رُجمت الشياطين وحُجبوا عن السماء.

فلمّا أصبح جاء إلى نادي قريش فقال: هل وُلد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: قد ولد لعبد الله بن عبد المطّلب ابن في هذه الليلة، قال: فاعرضوه عليَّ. فمشوا إلى باب آمنة، فقالوا لها: أخرجي ابنك، فأخرجته في قماطه، فنظر في عينه وكشف عن كتفيه، فرأى شامة سوداء وعليها شعيرات، فلمّا نظر إليه اليهودي وقع إلى الأرض مغشياً عليه، فتعجّبت منه قريش وضحكوا منه.

فقال: أتضحكون يا معشر قريش؟ هذا نبي السيف، ليبيرنكم، وذهبت النبوّة عن بني إسرائيل إلى آخر الأبد. وتفرّق الناس يتحدّثون بخبر اليهودي»(۴).

۲ـ قالت أُمّه السيّدة آمنة: لمّا قربت ولادة رسول الله(صلى الله عليه وآله) رأيت جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي، فذهب الرعب عنّي، وأتيت بشربة بيضاء وكنت عطشى فشربتها، فأصابني نور عال.

ثمّ رأيت نسوة كالنخل طوالاً تحدّثني، وسمعت كلاماً لا يشبه كلام الآدميين، حتّى رأيت كالديباج الأبيض قد ملأ بين السماء والأرض، وقائل يقول: خذوه من أعزّ الناس… فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) رافعاً إصبعه إلى السماء.

ورأيت سحابة بيضاء تنزل من السماء حتّى غشيته، فسمعت نداءً: طوفوا بمحمّد شرق الأرض وغربها والبحار، لتعرفوه باسمه ونعته وصورته.

ثمّ انجلت عنه الغمامة، فإذا أنا به في ثوب أبيض من اللبن، وتحته حرير خضراء، وقد قبض على ثلاث مفاتيح من اللؤلؤ الرطب، وقائل يقول: قبض محمّد على مفاتيح النصرة والريح والنبوّة.

ثمّ أقبلت سحابة أُخرى فغيّبته عن وجهي أطول من المرّة الأُولى، وسمعت نداءً: «طوفوا بمحمّد الشرق والغرب وأعرضوه على روحاني الجنّ والأنس والطير والسباع، وأعطوه صفاء آدم، ورقّة نوح، وخلّة إبراهيم، ولسان إسماعيل، وكمال يوسف، وبشرى يعقوب، وصوت داود، وزهد يحيى، وكرم عيسى»(۵).

۳ـ قالت السيّدة آمنة: «لمّا حملت به لم أشعر بالحمل ولم يصبني ما يصيب النساء من ثقل الحمل، فرأيت في نومي كأنّ آتٍ أتاني فقال لي: قد حملت بخير الأنام، فلمّا حان وقت الولادة خفّ عليّ ذلك حتّى وضعته، وهو يتّقي الأرض بيديه وركبتيه، وسمعت قائلاً يقول: وضعت خير البشر، فعوّذيه بالواحد الصمد من شرّ كلّ باغ وحاسد»(۶).

۴ـ قال ابن عبّاس: «لمّا كانت الليلة التي وُلد فيها النبي(صلى الله عليه وآله) ارتجّ إيوان كسرى، وسقط منه أربعة عشر شرافة، وغاضت بحيرة ساوة، وانقطع وادي السماوة، ولم تجرِ بحيرة طبرية، وخمدت بيوت النار»(۷).

————————————

۱ـ اُنظر: أعيان الشيعة ۱ /۲۱۸.

۲ـ اُنظر: المصدر السابق.

۳ـ اُنظر: أعيان الشيعة ۱ /۲۱۸.

۴ـ مناقب آل أبي طالب ۱ /۳۰.

۵ـ المصدر السابق ۱ /۲۸.

۶ـ كمال الدين وتمام النعمة: ۱۹۶.

۷ـ العدد القوية: ۱۲۲.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

************************************************************************************************************************

ولادة الإمام جعفر الصادق (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام جعفر بن محمّد بن علي الصادق(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو عبد الله، أبو إسماعيل، أبو موسى.

من ألقابه(ع)

الصادق، الصابر، الطاهر، الفاضل، الكامل، الكافل، المنجي.

تلقيبه(ع) بالصادق

لقد جاء لقب الإمام(ع) بالصادق من قبل رسول الله(ص)، حيث قال: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِهِ ـ أي صُلب محمّد الباقر ـ كَلِمَةَ الحَقِّ وَلِسَانَ الصِّدْقِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَمَا اسْمُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: جَعْفَرٌ، صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ وَفِعَالِهِ، الطَّاعِنُ عَلَيْهِ كَالطَّاعِنِ عَلَيَّ، وَالرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيّ‏»(2).

أُمّه(ع)

أُمّ فروة فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر التيمية.

ولادته(ع)

ولد في السابع عشر من ربيع الأوّل 83ﻫ بالمدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 65 عاماً، وإمامته 34 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

من الأُمويّين خمسة: هشام بن عبد الملك، الوليد بن يزيد بن عبد الملك، يزيد بن الوليد بن عبد الملك، إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، مروان بن محمّد المعروف بالحمار.

ومن العبّاسيين اثنان: أبو العباس عبد الله المعروف بالسفّاح؛ لفرط جوره وظلمه، وكثرة ما سفح من دم وقتل من الناس الكثيرين، أبو جعفر المنصور المعروف بالدوانيقي؛ لأنّه كان ولفرط شحّه وبخله وحبّه للمال يُحاسب حتّى على الدوانيق، والدوانيق جمع دانق، وهو أصغر جزء من النقود في عهده.

من زوجاته(ع)

جارية، اسمها حميدة بنت صاعد البربرية المغربية، فاطمة بنت الحسين الأثرم ابن الإمام المجتبى(ع).

من أولاده(ع)

الإمام موسى الكاظم(ع)، إسماعيل الأعرج، إسحاق المؤتمن، عبد الله الأفطح، علي العُريضي، محمّد الديباج، فاطمة.

رواياته(ع)

وردت عن الإمام الصادق(ع) روايات كثيرة جدّاً، وفي مختلف العلوم والمعارف، فقد روي أنّ الناس نقلوا عنه(ع) من العلوم ما لم يُنقل عن أحدٍ من أهل بيته(عليهم السلام)، فقد عدّ علماء علم الرجال أسماء الراوين عنه(ع) من الثقات، فكانوا أربعة آلاف راوي(3).

فقد روى عنه راوٍ واحد ـ وهو أبان بن تغلب ـ ثلاثين ألف حديث(4).

قال الحسن بن علي الوشّاء من أصحاب الإمام الرضا(ع): «أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ، كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد(ع)»(5).

والسبب في أخذ حديث الإمام الصادق(ع) هو لأنّ حديثه حديث رسول الله(ص) كما قال: «حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي، وَحَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي، وَحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الحُسَيْنِ، وَحَدِيثُ الحُسَيْنِ حَدِيثُ الحَسَنِ، وَحَدِيثُ الحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع)، وَحَدِيثُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ(ص)، وَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَل»(6).

من أقوال العلماء فيه(ع)

1ـ قال الشيخ المفيد(قدس سره): «وَنَقَلَ النَّاسُ عَنْهُ مِنَ الْعُلُومِ مَا سَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ، وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْعُلَمَاءِ مَا نُقِلَ عَنْه»(7).

2ـ قال الشيخ محمّد بن طلحة الشافعي(ت: 652ﻫ): «هو من عظماء أهل البيت وساداتهم(عليهم السلام)، ذو علوم جمّة، وعبادة موفرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبّع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه…»(8).

3ـ قال مالك بن أنس إمام المالكية: «والله ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد(ع) زهداً وفضلاً وعبادة وورعاً، وكنت أقصده فيُكرمني ويقبل عليّ»(9).

وقال أيضاً: «وكان(ع) رجلاً لا يخلو من ثلاث خصال: إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإمّا ذاكراً، وكان من عظماء العبّاد، وأكابر الزهّاد الذين يخشون الله عزّ وجل، وكان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد»(10).

4ـ قال ابن الصبّاغ المالكي(ت: 855ﻫ): «كان جعفر الصادق ابن محمّد بن علي بن الحسين(عليهم السلام) من بين إخوانه خليفة أبيه محمّد بن علي(عليهما السلام) ووصيّه، والقائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل، وكان أنبههم ذكراً، وأعظمهم قدراً، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نُقل عنه من الحديث»(11).

5ـ قال حسن بن زياد: «سمعت أبا حنيفة وسُئل: مَن أفقه مَن رأيت؟ فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد»(12).

تضييق المنصور له(ع)

لقد ازداد تضييق المنصور العبّاسي على الإمام الصادق(ع)، وأخذ يُمهّد لقتله، فقد روى الفضل بن الربيع عن أبيه قال: «دعاني المنصور فقال: إنّ جعفر بن محمّد يُلحد في سلطاني، قتلني الله إن لم أقتله. فأتيته، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فتطهّر ولبس ثياباً أحسبه قال جدداً، فأقبلت به فاستأذنت له، فقال: أدخله، قتلني الله إن لم أقتله، فلمّا نظر إليه مقبلاً قام من مجلسه فتلقّاه وقال: مرحباً بالنقي الساحة، البرئ من الدغل والخيانة، أخي وابن عمّي. فأقعده معه على سريره وأقبل عليه بوجهه، وسأله عن حاله، ثمّ قال: سلني عن حاجتك.

فقال: أهل مكّة والمدينة قد تأخّر عطاؤهم فتأمر لهم به. قال: أفعل. ثمّ قال: يا جارية ائتني بالتحفة. فأتته بمدهن زجاج فيه غالية فغلّفه بيده وانصرف، فاتبعته، فقلت: يا ابن رسول الله، أتيت بك ولا أشكّ أنّه قاتلك، فكان منه ما رأيت، وقد رأيتك تحرّك شفتيك بشيء عند الدخول فما هو؟ قال: قلت: اللَّهُمَّ احْرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكْنُفْنِي بِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَاحْفَظْنِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، وَلَا تُهْلِكْنِي‏ وَأَنْتَ رَجَائِي…»(13).

استشهاده(ع)

استُشهد في الخامس والعشرين من شوال 148ﻫ بالمدينة المنوّرة.

دفنه(ع)

تولّى الإمام الكاظم(ع) تجهيز جثمان أبيه(ع)، وبعد تشييعه دُفن بجوار مرقد أبيه الإمام محمّد الباقر، وجدّه الإمام علي زين العابدين، والإمام الحسن المجتبى(عليهم السلام) بمقبرة البقيع.

من وصاياه(ع)

1ـ قال(ع): «إِيَّاكُمْ وَالخُصُومَةَ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُورِثُ النِّفَاقَ، وَتُكْسِبُ الضَّغَائِنَ، وَتَسْتَجِيزُ [تَسْتَجِيرُ] الْكَذِب»(14).

2ـ قال(ع): «مَنْ أُعْطِيَ ثَلَاثاً لَمْ يُمْنَعْ ثَلَاثاً، مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ أُعْطِيَ الإِجَابَةَ، ومَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ أُعْطِيَ الزِّيَادَةَ، ومَنْ أُعْطِيَ التَّوَكُّلَ أُعْطِيَ الْكِفَايَةَ.

ثُمَّ قَالَ: أتَلَوْتَ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾، وقَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾»(15).

3ـ قال(ع): «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ رَبَّه شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاه فَلْيَيْأَسْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، ولَا يَكُونُ لَه رَجَاءٌ إِلَّا عِنْدَ الله، فَإِذَا عَلِمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِه لَمْ يَسْأَلِ اللَه شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاه»(16).

4ـ قال(ع): «لَا تَمْزَحْ فَيَذْهَبَ نُورُكَ، وَلَا تَكْذِبْ فَيَذْهَبَ بَهَاؤُكَ، وَإِيَّاكَ وَخَصْلَتَيْنِ: الضَّجَرَ وَالْكَسَلَ، فَإِنَّكَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ، وَإِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقّاً»(17).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد محسن الأمين(رحمه الله) بقوله:

«تَبكِي العُيونُ بِدمعِها المتورِّدِ  **  حُزناً لِثَاوٍ في بَقيعِ الغَرقدِ

تَبكي العُيونُ دَماً لِفقدِ مُبرَّزٍ  **  مِن آلِ أحمدَ مِثلُه لم يُفقدِ

أيُّ النَّواظِرِ لا تَفيضُ دُمُوعُها  **  حُزناً لمأتمِ جَعفرِ بنِ مُحمَّدِ

الصَّادقُ الصِّدّيقُ بَحرُ العِلمِ مِصـ  **  باحُ الهُدى والعَالِمُ المتهجّدِ

رُزءٌ لهُ أركانُ دِينِ مُحمَّدٍ  **  هُدَّتْ ونابَ الحُزنُ قَلبَ مُحمَّدِ

رُزءٌ لهُ تَبكِي شَريعةُ أحمدٍ  **  وتَنوحُ مُعوِلَةً بِقلبٍ مُكمدِ

رُزءٌ بِقلبِ الدِّينِ أثبتَ سَهمَهُ  **  ورَمى حُشاشةَ قلبِ كُلِّ مُوحِّدِ

ماذا جَنَتْ آلُ الطَّليقِ وما الذي  **  جَرَّت على الإسلامِ من صُنعٍ رَدِي

كَم أنزَلَتْ مُرَّ البَلاءِ بِجعفرٍ  **  نَجمِ الهُدى مَأمونِ شِرعةِ أحمدِ

كَم شَرَّدَتهُ عن مَدينةِ جدِّهِ  **  ظُلماً تجشِّمُه السرى في فدفد

كَمْ قد رَأى المنصورُ منهُ عَجائباً  **  ورَأى الهُدَى لَكنَّهُ لم يَهتدِ

لَم يَحفظُوا المختارَ في أولادِهِ  **  وسِواهُمُ مِن أحمدٍ لم يُولَد

لَم يَكفِ مَا صَنَعَتْ بِهم أعداؤهُم  **  زَمنَ الحَياةِ ومَا اعتَدَاهُ المُعتدي

حَتَّى غَدَتْ بَعدَ المماتِ خَوارجٌ  **  في الظُّلمِ بالماضينَ منهُم تَقتَدِي

هُدِمَتْ ضَرائحُ فوقَهُم قد شُيِّدَتْ  **  مَعقودةً مِن فَوقِ أشرفِ مَرقدِ»(18).

ــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 513، الأنوار البهية: 147.

2ـ كفاية الأثر: 83.

3ـ اُنظر: الإرشاد 2/ 179.

4ـ اُنظر: رجال النجاشي: 12 رقم7.

5ـ رجال النجاشي: 40 رقم80.

6ـ الكافي 1/ 53 ح14.

7ـ الإرشاد 2/ 179.

8ـ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 436.

9ـ الأمالي للصدوق: 636 ح852.

10ـ المصدر السابق: 234 ح247.

11ـ الفصول المهمّة 2/ 907.

12ـ الكامل لابن عدي 2/ 132.

13ـ سير أعلام النبلاء 6/ 266.

14ـ الأمالي للصدوق: 503 ح691.

15ـ الكافي 2/ 65 ح6.

16ـ المصدر السابق 2/ 148 ح2.

17ـ الأمالي للصدوق: 636 ح853.

18ـ المجالس السنية 5/ 516.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

صلح الإمام الحسن المجتبى (ع)

تاريخ الصلح

۲۶ ربيع الأوّل ۴۱ﻫ.

ظروف ما قبل الصلح

بعد استلام الإمام الحسن(عليه السلام) لمنصب الإمامة، كانت أنباء جيش الشام تذاع في الكوفة والبصرة وسائر البلاد، مع شيء من المبالغة، وكان الجميع يعلم أنّ حرباً وشيكة تنتظرهم.

وعندما حشّد معاوية جيشه الجرّار الذي انتهى عدده إلى ستّين ألفاً، وقاده هو بنفسه بعدما استخلف مكانه الضحّاك، كان على الإمام الحسن(عليه السلام) أن يحشّد قوّة الحقّ أيضاً لتقابل جولة الباطل.

بيد أنّه(عليه السلام) رأى أن يراسله قبل ذلك؛ إتماماً للحجّة وقطعاً للعذر، فأرسل إليه كتاباً، هذا بعضه: «وإنّما حملني إلى الكتابة إليك، الأعذار فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم أنِّي أحقُّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كلّ أوّاب حفيظ، ومَن له قلب منيب، واتّقِ الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين.

فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تُنازع الأمر أهله ومَن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلّا التمادي في غيِّك، سرتُ إليك بالمسلمين فحاكمتك، حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين»(۱).

وبعدها تُبودلت الرسائل بين القيادتين، ومنها رسائل الإمام الحسن(عليه السلام) التي كانت تقوم على الحجّة الدامغة التي ملاكها النقد والتجربة. ورسائل معاوية التي تقوم على المراوغة، وإعطاء العهود والمواثيق على تقسيم بيت المال على حساب الوجاهات، والمراتب القبلية الزائفة.

بعد ذلك وردت الأنباء بخبر احتشاد الجيش الأُموي وابتدائه بالمسير إلى الكوفة.

وكان على الإمام(عليه السلام) أن يتصدّى لمقابلته، ولكنّ طريقة تعبئة الجند عند الإمام(عليه السلام) كانت تختلف كثيراً عن طريقة معاوية في ذلك، فمعاوية كان ينتقي ذوي الضمائر الميّتة، والقلوب السود، فيشتريها بأموال المسلمين.

وكان يستدعي بعض النصارى فيغريهم بالأموال الطائلة لمحاربة الإمام(عليه السلام)، وهم آنذاك لا يرون فصيلاً من ذلك؛ لأنّهم كانوا يرون في شخص الإمام(عليه السلام) المثال الكامل للإسلام، ذلك الدين الذي يبغضونه ويعادونه.

أمّا الإمام(عليه السلام)، فإنّه كان يلاحظ في الجند أشياء كثيرة، ولم يكن يعد الناس بالوعود الفارغة ثمّ يخلفها بعد أن يستتب له الأمر، ولم يكن يهب ولاية البلاد المختلفة بغير حساب لهذا أو ذاك.

ولا كان يحمل الناس على الحرب حملاً قاسياً وهم لها منكرون، ولم يكن يبيح للجند الفتك، وهتك الحرمات، وابتياع الأسرى.

وهو(عليه السلام) يعتبر عدوّه فئة باغية من المسلمين، يجب أن تُردع بأحسن طريقة ممكنة، ولكنّ معاوية وحزبه كانوا يرون مقابليهم عدّواً سياسياً يجب أن يُمزّق بأيّ أُسلوبٍ كان.

ولذلك كان جمع الجيش ميسّراً عند معاوية، وعلى عكس الأمر عند الإمام(عليه السلام)، حيث كان ذلك من الصعوبة بمكان.

جيش الإمام(عليه السلام)

لقد قسّم المؤرّخون جيش الإمام الحسن(عليه السلام) إلى الأقسام التالية:

الأوّل: الشيعة المخلصون الذين اتّبعوه(عليه السلام) لأداء واجبهم الديني وإنجاز مهمّتهم الإنسانية، وهم قلّة.

الثاني: الخوارج الذين كانوا يريدون محاربة معاوية والحسن(عليه السلام)، فالآن وقد سنحت الظروف فليحاربوا معاوية حتّى يأتي دور الحسن(عليه السلام).

الثالث: أصحاب الفتن والمطامع، الذين يبتغون من الحرب مَغنماً لدنياهم.

الرابع: شكّاكون لم يعرفوا حقيقة الأمر من هذه الحرب، فجاؤوا يلتمسون الحُجّة لأيٍّ تكون يكونون معه.

الخامس: أصحاب العصبية، الذين اتّبعوا رؤساء القبائل، على استفزازهم لهم على حساب القبيلة، والنوازع الشخصية.

هذه هي العناصر الأساسية للجيش، وهي طبعاً لا تفي لإنجاز المهمّة التي تكون من أجلها، حيث إنّ الحرب تريد الإيمان والوحدة والطاعة.

ثمّ بعث بأوّل سرية لتشكّل مقدّمة الجيش تحت إمرة عبيد الله بن العباس، الذي فُضّل لهذه المهمّة من جهاتٍ شتّى:

أوّلها: لأنّه كان الداعية الأوّل للحرب.

ثانيها: لأنّه كان ذا سُمعة طيّبة في الأوساط.

ثالثها: لأنّه كان موتوراً بولديه العزيزين الذين قتلهما جنود معاوية.

رابعها: كانت له قرابة مع الإمام(عليه السلام).

وزحف ابن العباس بالجيش إلى مسكنٍ على نهر دجلة، التقى بمعسكر معاوية، ينتظر تلاحق السريّات الأُخرى من الكوفة.

وفي الكوفة خليط من الناس مختلفون، فهناك من أنصار معاوية الذين أفسدتهم هدايا الحزب الأُموي ومواعيده.

وهناك بعض الخوارج القشريين، وهناك مَن يثبّط الناس عن الجهاد، وهناك أهل البصائر يُلهبون حماس الشعب ويحرّضونهم لقتال أهل البغي بشتّى أساليب الاستنهاض.

والإمام الحسن(عليه السلام) لا يزال يبعث الخطباء المفوّهين، والوجهاء البارزين إلى الأطراف، يدعوهم إلى نصرته، ولكنّ أهل الكوفة كانوا باردين كالثلج أمام هذه الدعوة لأنّ الحروب الطاحنة التي سبقت عهد الإمام(عليه السلام) – من الجمل إلى صفّين والنهروان – قد أنهكتهم.

وقد أعرب الإمام الحسن(عليه السلام) عن هذه العلّة التي تثبّط عزيمة أهل الكوفة عن الخروج معه، قائلاً: «وكنتم تتوجّهون معنا ودينُكم أَمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أَمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا، ثمّ أصبحتم تصدّون قتيلين، قتيلاً بصفّين تبكون عليهم، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر»(۲).

الحرب النفسية

فعلت المكائد التي حاكها معاوية فعلها، حيث كان قد سخّر طائفةً غير قليلة من ذوي الأطماع، يدبّرون له مؤامراته، فيبثّون الشائعات عن قوّة جيش الشام وقلّة جند الكوفة وضعفه، وعدم القدرة على مقاومته.

وعملت الدنانير والدراهم عملها الخبيث، فإذا بالعدّة المعتمد عليها من قُوّاد جيش الإمام الحسن(عليه السلام) ينهارون أمام قوّة إعلام معاوية، أو قوّة إغرائه.

ورغم أنّ قيادة السرية من جيش الإمام(عليه السلام) كانت حكيمة تحت لواء عبيد الله بن العباس، فقد ذهبت ضحية مكر معاوية وتغرير القائد، وإليك القصّة:

أرسل الإمام الحسن(عليه السلام) ابن عمّه لملاقاة جيش معاوية وكتب إليه هذه الوصية: «يابن العم، إنّي باعث إليك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء مضر، الرجل منهم يريد الكتيبة، فسر بهم، وأَلن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وافرش لهم جناحك، وأَدنهم من مجالسك، فإنّهم بقيّة ثقات أمير المؤمنين.

وسر بهم على شطِّ الفرات، ثمّ امضِ حتّى تسير بمسكن، ثمّ امضِ حتّى تستقبل بهم معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتّى آتيك، فإنّي على أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كلّ يوم، وشاور هذين – يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس -، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتّى يقاتلك، فإن فعل فقاتله، وإن أُصبت فقيس بن سعد، فإن أُصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس»(۳).

ثمّ سار بنفسه – بعد أيّام – في عددٍ هائل من الجيش، لعلّه كان ثلاثين ألفاً أو يزيدون، حتّى بلغ مظلم ساباط التي كانت قريبة من المدائن.

فعملت دسائس معاوية في مقدّمة جيش الإمام(عليه السلام)، فأُذيع بين الناس نبأ كان له أثر عميق في صفوف الجيش، وكان النبأ يقول: إنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح، فلم تقتلون أنفسكم؟

خيانة قادة الجيش

ثمّ أخذ معاوية يستميل قادة الجيش بالمال والوعود، فإذا هم يتسلّلون إليه في خفاء، ويكتب عبيد الله نبأ ذلك إلى الإمام(عليه السلام).

ولكنّ مؤامرته تلك لم تكن بذات أهمّية، إلى أن اشترى ضمير القائد الأعلى، فكتب إليه يقول: «إنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلّم الأمر إليَّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً، وإلّا دخلت وأنت تابع، ولك إن أجبتني الآن أعطيك ألف ألف درهم، يعجّل لك في هذا الوقت النصف، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر»(۴).

فانسلّ عبيد الله القائد العام دون أن يُخبر أحداً، فأصبح الجيش يبحث عن القائد ليُقيم بهم صلاة الصبح فلا يجده، فقام قيس يُصلّي بالناس الصبح، ثمّ لمّا انتهى خطب فيهم يهدّئ روع الناس، ويُطمئن قلوبهم، ويقول: إنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيومٍ خيراً قط، إنّ أباه عمّ رسول الله خرج يقاتله ببدر، فأسّره كعب بن عمرو الأنصاري، فأُتي به رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأخذ فداءه، فقسّمه بين المسلمين.

وإنّ أخاه عبد الله ولّاه عليّ على البصرة، فسرق ماله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري، وزعم أنّ ذلك له حلال، وإنّ هذا ولّاه عليّ على اليمن، فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده حتّى قُتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع.

فإذا بالجيش يصيح مؤيّداً: «الحمد لله الذي أخرجه من بيننا». إلّا أنّ هذا الجيش الذي هرب قائده إلى معسكر العدو، لم يكن في وضع يقاوم جيش معاوية، لذلك تفرّق أكثره ولم يبقَ منه إلّا ربع عدده، أي أربعة آلاف فقط، وهذا العدد الهائل الذي انتقص من اثني عشر ألفاً، بعث الخيبة في نفوس الجند في المقدّمة.

وبدأ بعضهم يتسلّلون إلى معاوية، وكتب بعضهم إليه أن لو شئت جئنا بالحسن إليك أسيراً، ولو شئت قتلناه.

وجاءت عطايا معاوية التي زادت على مئة ألف غالباً، ووعوده بتزويج بناته لهذا القائد أو ذاك.

وهكذا نستطيع أن نعرف مدى ضغط الظروف التي أجبرت الإمام(عليه السلام) على الصلح، من هذه الخطبة اللّاهبة التي ألقاها على مسامع المساومين بالضمائر، الذين كانوا يشكّلون الأغلبية الساحقة من جيشه(عليه السلام).

ويظهر من هذه الخطبة أنّهم كانوا متأثّرين بدعايات معاوية إلى حدٍّ بعيد، حيث كانوا يلحُّون على الإمام(عليه السلام) بالتنازل عن حقّه، ومبايعة معاوية، والإمام(عليه السلام) يأبى عليهم ذلك.

كما يظهر أنّه كان من الوجهاء مَن فكّر في اغتيال الإمام(عليه السلام)، كما اغتال صاحبه أباه(عليه السلام).

الإكراه على الصلح

أكرهت الظروف الصعبة الإمام الحسن(عليه السلام) على الصلح مع معاوية. فكتب إلى معاوية أو كتب إليه معاوية، على اختلاف بين المؤرّخين في شأن الصلح، ورضي الطرفان بذلك بعد أن اتّفقا على بنوده التي لم تكن ترجع إلى الإمام(عليه السلام) إلّا بالخير، وعلى الأُمّة إلّا بالصلاح.

ومن راجع كلمات الإمام الحسن(عليه السلام) التي قالها بعد الصلح لأصحابه بعد أن أنكروا عليه ذلك، يعرف مدى تأثّر قضيته بالظروف المعاكسة التي لم تزل ترفع إليهم بالفتنة إثر الفتنة.

فقد قال(عليه السلام) لأحدهم إذ ذاك: «لستُ مُذِلّ المؤمنين، ولكنّي مُعِزُّهم، ما أردتُ بمُصالحتي معاوية إلّا أن أدفع عنكم القتل، عندما رأيت من تتباطئ أصحابي عن الحرب، ونُكولهم عن القتال»(۵).

وقال(عليه السلام) لآخر في هذا الشأن – وقد كان من الخوارج الذين لم يكن بغضهم للحسن(عليه السلام) وشيعته بأقلّ من بغضهم لمعاوية وأصحابه -: «يا أهل العراق، إنّه سَخي بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إيّاي، وانتهابكم متاعي»(۶).

«ويحك أيّها الخارجي! إنّي رأيتُ أهل الكوفة قوماً لا يُوثق بهم، وما اغتُرّ بهم إلّا من ذُلّ، وليس أحدٌ منهم يوافق رأي الآخر، ولقد لقي أبي منهم أُموراً صعبة وشدائد مُرّة، وهي أسرع البلاد خراباً»(۷).

وثيقة الصلح

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلِّم إليه ولاية أمر المسلمين على:

۱ـ أن يعمل فيهم بكتاب الله وسُنّة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين.

۲ـ وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحدٍ من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.

۳ـ وعلى أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامّهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم.

۴ـ وعلى أنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله على أحدٍ من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه.

۵ـ وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليّ، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحدٍ من أهل بيت رسول الله غائلةً سرّاً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أُفُقٍ من الآفاق، شهد عليه بذلك، وكفى بالله شهيداً»(۸).

والموثوق أنّ محلّ الصُلح كان مسكن ساباط؛ قريباً من موقع مدينة بغداد اليوم، حيث كان معسكر الإمام الحسن(عليه السلام).
فلمّا أن تمّ ذلك رجع الإمام(عليه السلام) بمن معه إلى الكوفة.

نقض العهد

بعد الصلح سار معاوية إلى النخيلة ـ موضع قرب الكوفة ـ وكان يوم جمعة، فصلّى الضحى عند ذلك وخطبهم فقال في خطبته: «إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدميّ لا أفي بشيءٍ منها له»(۹).

ثمّ اتّجه إلى الكوفة وأقام فيها عدّة أيّام، وأخذ البيعة له من أهلها كرهاً، ثمّ صعد المنبر وخطب فيهم، وذكر أمير المؤمنين والحسن(عليهما السلام) بسوء، وكان الحسن والحسين(عليه السلام) جالسين عند ذلك.

فأجابه(عليه السلام): «أيّها الذاكر عليّاً، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند، وجدّي رسول الله وجدّك حرب، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرّنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً»(۱۰).

————————–

۱- شرح نهج البلاغة ۱۶ /۳۴.

۲- بحار الأنوار ۴۴ /۲۱.

۳- الغدير ۲ /۸۳.

۴- مقاتل الطالبيين: ۴۲.

۵- الأخبار الطوال: ۲۲۱.

۶- الكامل في التاريخ ۳ /۴۰۵.

۷- أعيان الشيعة ۷ /۲۷۲.

۸- بحار الأنوار ۴۴ /۶۵.

۹- الإرشاد ۲/۱۴.

۱۰- المصدر السابق ۲ /۱۵. شرح نهج البلاغة ۱۶ /۴۷.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

برای این بخش اعمالی ثبت نشده است

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

تم النسخ
الرجاء تسجيل الدخول