من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو النضر بن الحارث، وسنتطرق باختصار إلى سيرته وأنّه من شخصيات قريش الشجاعة في الجاهلية وانه اشترك في الحرب مع المشركين في معركة بدر، وأن أمير المؤمنين (ع) قتله، وأنه تولى كتابة الصحيفة التي بموجبها قاطعت قريش بني هاشم، كما سنذكر الآيات القرآنية التي نزلت في ذمه وبيان كفره.
سيرة النضر بن الحارث
هو أبو قائد، وقيل: أبو قتيلة الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ بن كلاب القرشيّ، العبدريّ.
من شخصيّات قريش وشجعانها في الجاهليّة، وابن خالة رسول الله (ص). لمّا جاء الإسلام استمرّ على كفره وشركه باللّه، وأصبح من ألدّ خصوم رسول الله (ص) والمسلمين، وأخذ يؤذي رسول الله (ص) ويكذّبه.
كان مطّلعا على كتب الفرس وتواريخهم، ويكثر مخالطة ومجالسة اليهود والنصارى، وكان أوّل من غنّى على العود من العرب بألحان الفرس.
في السنة الثانية من الهجرة اشترك مع المشركين في واقعة بدر الكبرى، وكان حاملا لأحد ألويتهم، فأسّره المسلمون، وقدّموه بين يدي رسول الله (ص)، فأمر الإمام أمير المؤمنين (ع) بقتله، فقتله بالأثيل قرب المدينة المنوّرة.
كان النضر بن الحارث من جملة المتآمرين على اغتيال رسول الله (ص) في الليلة التي غادرها وهاجر إلى المدينة، وجعل الإمام أمير المؤمنين (ع) في فراشه.
تولّى كتابة الصحيفة التي بموجبها قاطعت قريش بني هاشم، فدعا عليه رسول الله (ص) فشلّت أصابعه.
القرآن العظيم والنضر بن الحارث
قال المترجم له وجماعة من الكفّار لرسول الله (ص): لن نؤمن بك حتّى يأتينا كتاب مكتوب من اللّه، ومع الكتاب أربعة من الملائكة يشهدون بأنّه من اللّه، فنزلت الآية الكريمة: ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ[1].
وجاء النضر بن الحارث مع جماعة من المشركين إلى رسول الله (ص) وقالوا له: لو جعل معك يا محمّد ملك يحدّث عنك الناس ويرى معك، فنزلت الآية المباركة: وقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ[2].
وفي أحد الأيّام جاء مع جماعة على شاكلته من المشركين إلى رسول الله (ص) وهو يقرأ القرآن، فأخذوا يستمعون إليه، ثمّ قالوا للمترجم له: ما يقول محمّد؟ قال: والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول، إلّا أنّي أرى يحرّك شفتيه ويتكلّم بشيء، وما يقول إلّا أساطير الأوّلين، مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية، فنزلت الآية الكريمة: ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ…[3].
كان يقول: إنّ اللات والعزّى سوف يشفعان لي، فنزلت فيه الآية المباركة: ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ…[4].
وكان يقول النضر بن الحارث: إن جاءنا نذير لنكوننّ من أهدى الأمم، فنزلت فيه الآية الكريمة: وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها…[5].
ونزلت في النضر بن الحارث الآيات التالية:
1ـ يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي…[6].
2ـ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ[7].
3ـ وإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا…[8].
جاء يوما إلى رسول الله (ص) وقال: يا رسول اللّه أنت سيّد أولاد آدم، وأخوك عليّ سيّد العرب، وابنتك فاطمة سيّدة نساء العالم، وولداك الحسن والحسين من شبّان الجنّة، وعمّك حمزة سيّد الشهداء، وابن عمّك جعفر له جناحان يطير بهما في الجنّة، فأيّ شيء لسائر قريش والعرب من المنزلة والرتبة؟ فقال رسول الله (ص): «أقسم باللّه بأنّ المقامات التي ذكرتها لم أمنحها أنا لهم، بل اللّه سبحانه منحها لهم» فأعرض المترجم له بوجهه عن رسول الله (ص) وقال: إلهي إن كنت أنت المانح لهم تلك المناقب العليّة فأنزل علينا حجارة من السماء، أو أنزل علينا عذابا أليما، فنزلت فيه الآية المباركة: وإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ[9].
ولإصراره على كفره وامتناعه عن قبول نصائح رسول الله (ص) وإرشاداته نزلت فيه الآية الكريمة: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[10].
ولمّا نزلت آيات قرب الساعة والقيامة قال المترجم له: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء – أي يستعجل العذاب – فنزلت الآية المباركة: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ[11].
ونزلت فيه الآية الكريمة: وإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ…[12].
وشملته الآية المباركة: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً[13].
ولمّا شاهد النضر بن الحارث والكفّار اجتهاد رسول الله (ص) في عبادته لله وجدّه في ذلك قالوا: يا محمّد! إنّك لتشقى بترك ديننا، فنزلت الآية: طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى[14].
ونزلت فيه الآية الكريمة: ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ[15].
والآية المباركة: ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ[16].
وشملته الآية الكريمة: ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ...[17]. وذلك لاستهزائه والمشركين من النبي محمد المصطفى (ص) بنزول العذاب عليهم.
ونزلت في النضر بن الحارث الآية المباركة: وقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ…[18].
والآية الكريمة: ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ...[19].
كانت أكثر تجارته من بلاد فارس، فكان يسمع أخبار الفرس وتواريخهم فيقصّها ويرويها لقريش، ويقول لهم: إنّ محمدا يحدّثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدّثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، فكانوا يستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه الآية المباركة: ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ[20].
ونزلت فيه الآية الكريمة: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ[21].
والآية المباركة: يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها…[22].
كان رسول الله (ص) إذا جلس وقرأ القرآن، أو حدّث الناس ووعظهم، كان المترجم له يجمع الناس خلف رسول الله (ص) ويحدّثهم بأساطير الفرس وغيرهم، ويقول: أنا أحسن من محمّد حديثا، وما حديثه إلّا أساطير الأوّلين، فنزلت فيه الآية الكريمة: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ[23].
لمّا دعا على نفسه وسأل العذاب، فأنزل اللّه عز وجل عليه العذاب يوم بدر، فقتله الإمام أمير المؤمنين (ع)، فنزلت فيه الآية المباركة: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ[24].
الاستنتاج
أن المقالة تسرد سيرة النضر بن الحارث، ابن خالة رسول الله (ص)، ومِن شجعان قريش ثم ظلّ على كفره حتى بات من ألد أعداء المسلمين. كان مطّلعاً على تاريخ الفرس، كثير مخالطة اليهود والنصارى، وأول من غنّى على العود من العرب بألحان فارسية. شارك في بدر كحامِل ألوية المشركين، فأسّره المسلمون وأمر علي بن أبي طالب بقتله فقتله قرب المدينة. كان من المتآمرين على اغتيال رسول الله حين هاجر، وكتب الصحيفة التي قاطعت بني هاشم. نزلت في شأنه آيات قرآنية كُشِف بها كُفره وادعاءاته، وذُكِر موقفه في عدة مواضع من القرآن الكريم.
الهوامش
[1] الأنعام: 7.
[2] الأنعام: 8.
[3] الأنعام: 25.
[4] الأنعام: 94.
[5] الأنعام: 109.
[6] الأعراف: 187.
[7] الأنفال: 22.
[8] الأنفال: 31.
[9] الأنفال: 32.
[10] الأنفال: 33.
[11] النحل: 1.
[12] النحل: 24.
[13] الكهف: 6.
[14] طه: 1 ـ 2.
[15] الحجّ: 3.
[16] الحج: 9.
[17] الحج: 47.
[18] الفرقان: 5 ـ 6.
[19] العنكبوت: 53.
[20] لقمان: 6.
[21] الجاثية: 7.
[22] الجاثية: 8.
[23] القلم: 15.
[24] المعارج: 1.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379 ش.