مناسبت ها و اعمال ماه رجب   مركز آل البيت العالمي للمعلومات

ولادة الإمام محمد الباقر (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو جعفر، محمّد بن علي بن الحسين(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

الباقر، الشاكر، الهادي.

تلقيبه(ع) بالباقر

لقد جاء لقب الإمام(ع) بالباقر من قبل رسول الله(ص)، حيث قال: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِ عَلِيٍّ ـ أي: زين العابدين ـ وَلَداً اسْمُهُ اسْمِي، وَأَشْبَهُ النَّاسِ بِي، يَبْقُرُ الْعِلْمَ بَقْراً، وَيَنْطِقُ بِالحَقِّ، وَيَأْمُرُ بِالصَّوَاب‏»(2).

ومعنى الباقر ـ كما في المعاجم اللغوية ـ المتبحّر بالعلم، والمستخرج غوامضه وأسراره، والمحيط بفنونه.

فلقد امتاز(ع) على مَن سواه في جميع المجالات ـ العقائدية والفقهية والتفسيرية والحديثية والعرفانية ـ ممّا كان مثار دهشة وإعجاب أعلام الفكر والأدب.

أُمّه(ع)

أُمّ عبد الله، فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(ع).

ولادته(ع)

ولد في الأوّل من رجب 57ﻫ، وقيل: في الثالث من صفر 57ﻫ بالمدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 57 عاماً، وإمامته 18 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

الوليد بن عبد الملك، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك، هشام بن عبد الملك.

جوانب من شخصيته(ع)

الجانب الروحي: عن الإمام الصادق(ع) قال: «كَانَ أَبِي كَثِيرَ الذِّكْرِ، لَقَدْ كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَآكُلُ مَعَهُ الطَّعَامَ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ، وَلَوْ كَانَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَكُنْتُ أَرَى لِسَانَهُ لَازِقاً بِحَنَكِهِ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَّا، وَمَنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ أَمَرَهُ بِالذِّكْرِ»(3).

هذه الرواية تعكس مدى تعلّق الإمام(ع) بربّه، وتُعبّر في نفس الوقت عن نفس تدكدكت في عشق بارئها عزّ وجل، وطلب القرب منه سبحانه، واستجلاب لطفه العميم، والتوجّه إليه بكلّ كيانه، أي بروحه وقلبه وجوارحه، ممّا لا يكون إلّا عند أولياء الله سبحانه.

الجانب الاجتماعي: نعني به أساليب الإمام(ع) في كيفية التعامل مع مجتمعه في العصر الذي كان فيه، ولذلك مصاديق عديدة، منها ما جاء في الرواية الآتية:

«عن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن علي(عليهما السلام) الحاجة وجفاء الإخوان، فقال: بِئْسَ الْأَخُ أَخٌ يَرْعَاكَ غَنِيّاً وَيَقْطَعُكَ فَقِيراً، ثُمَّ أَمَرَ غُلَامَهُ فَأَخْرَجَ كِيساً فِيهِ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اسْتَنْفِقْ هَذَا، فَإِذَا نَفِدَتْ فَأَعْلِمْنِي»(4).

الجانب الفكري: لقد تفوّق الإمام الباقر(ع) على غيره في عصره بعمق تفكيره، وسموّ مكانته وشأنه العلمي في جميع العلوم الدنيوية والأُخروية.

فنجد عبد الله بن عمر يسأله الناس عن مسألة فلا يتمكّن من الإجابة عنها، فيوجّه سائله إلى الإمام الباقر(ع)، فيقبل السائل إلى الإمام(ع) فيُجيبه بلا تردّد عن مسألته العويصة التي عجز غيره عن الإجابة عنها.

ثمّ يعود السائل إلى ابن عمر، فيُخبره بالإجابة الفريدة، فيقول له ابن عمر: «إِنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مُفَهَّمُون‏»(5).

من حكمه(ع)

1ـ قال(ع): «مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْكِبْرِ، إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلَ مَا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَلَّ أَوْ كَثُر»(6).

2ـ قال(ع): «إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالضَّجَرَ؛ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقّاً، وَمَنْ ضَجِرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ»(7).

3ـ قال(ع): «مَنْ صَدَقَ لِسَانُهُ زَكَا عَمَلُهُ، وَمَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ، وَمَنْ حَسُنَ بِرُّهُ بِأَهْلِهِ زِيدَ فِي عُمُرِه»(8).

4ـ قال(ع): «مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَالتَّخَشُّعِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَتَعَهُّدِ الْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَذَوِي المَسْكَنَةِ وَالْغَارِمِينَ وَالْأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاء»(9).

من زوجاته(ع)

أُمّ فروة فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر التيمية، أُمّ حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفية، جارية.

من أولاده(ع)

1ـ الإمام جعفر الصادق(ع).

2ـ علي، قال عنه الشيخ الإصفهاني(قدس سره) في رياض العلماء: «كان من أعاظم أولاد مولانا الإمام الباقر(ع) وأكابرهم، ولغاية عظم شأنه لا يحتاج إلى التطويل في البيان»(10).

3ـ أُمّ سلمة «زوجة ابن عمّها عبد الله الباهر ابن الإمام زين العابدين(ع)».

4ـ زينب «زوجة عبيد الله بن محمّد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب».

5ـ فاطمة «روت حديثي الغدير والمنزلة عن عمّتها فاطمة بنت الإمام زين العابدين(ع)».

الدوافع التي أدّت بالأُمويّين إلى قتله(ع)

1ـ سُمو شخصيته(ع):

لقد كان(ع) أسمى شخصية في العالم الإسلامي، فقد أجمع المسلمون على تعظيمه والاعتراف له بالفضل، وكان مقصد العلماء من جميع البلاد الإسلامية.

وكان(ع) قد ملك عواطف الناس، واستأثر بإكبارهم وتقديرهم؛ لأنّه العلم البارز في الأُسرة النبوية، وقد أثارت منزلته الاجتماعية غيظ الأُمويّين وحقدهم، فأجمعوا على قتله للتخلّص منه.

2ـ أحداث دمشق:

لم يستبعد الباحثون والمؤرّخون تأثير أحداث دمشق في دفع الأُمويّين إلى قتل الإمام(ع)، وذلك لما يلي:

أوّلاً: تفوّق الإمام(ع) في الرمي على بني أُمية وغيرهم، حينما دعاه هشام إلى الرمي ظانّاً بأنّه(ع) سوف يفشل في رميه فلا يُصيب الهدف، فيتّخذ ذلك وسيلة للحطّ من شأنه والسخرية به أمام أهل الشام.

ولمّا رمى الإمام(ع) وأصاب الهدف عدّة مرّات بصورة مذهلة لم يعهد لها نظير في عمليات الرمي في العالم، ذُهل الطاغية هشام وأخذ يتميّز غيظاً، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصمّم منذ ذاك الوقت على اغتياله.

ثانياً: مناظرته(ع) مع هشام في شؤون الإمامة وتفوّق الإمام عليه، حتّى بان على هشام العجز، ممّا أدّى ذلك إلى حقده عليه.

ثالثاً: مناظرته(ع) مع عالم النصارى وتغلّبه عليه، حتّى اعترف بالعجز عن مجاراته أمام حشد كبير منهم، معترفاً بفضل الإمام(ع) وتفوّقه العلمي في أُمّة محمّد(ص).

وقد أصبحت تلك القضية بجميع تفاصيلها الحديث الشاغل لجماهير أهل الشام، ويكفي هذا الصيت العلمي أيضاً أن يكون من عوامل الحقد على الإمام(ع)، والتخطيط للتخلّص من وجوده.

كلّ هذه الأُمور بل وبعضها كان يكفي أن يكون وراء قتله(ع) على أيدي زمرة جاهلية افتقرت إلى أبسط الصفات الإنسانية، وحُرمت من أبسط المؤهّلات القيادية.

من وصاياه لولده الإمام الصادق(عليهما السلام)

1ـ قال الإمام الصادق(ع): «لمَّا حَضَرَتْ أَبِي(ع) الْوَفَاةُ، قَالَ: يَا جَعْفَرُ، أُوصِيكَ بِأَصْحَابِي خَيْراً، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، واللهِ لَأَدَعَنَّهُمْ ـ والرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي الْمِصْرِ ـ فَلَا يَسْأَلُ أَحَداً»(11).

2ـ أوصى ولده الإمام الصادق(ع) أن يُكفّنه في قميصه الذي كان يُصلّي فيه؛ ليكون شاهد صدقٍ عند الله على عظيم عبادته وطاعته له.

3ـ أوقف بعض أمواله على نوادب تندبه عشر سنين في منطقة مِنى، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّ مِنى أعظم مركز للتجمّع الإسلامي.

ووجود النوادب فيه ممّا يبعث المسلمين إلى السؤال عن سببه، فيخبرون بما جرى على الإمام الباقر(ع) من صنوف التنكيل من قبل الأُمويّين واغتيالهم له، حتّى لا يضيع ما جرى عليه منهم، ولا تخفيه أجهزة الإعلام الأُموي.

استشهاده(ع)

استُشهد في السابع من ذي الحجّة 114ﻫ بالمدينة المنوّرة.

كيفية استشهاده(ع)

قُتل(ع) مسموماً بأمر إبراهيم بن الوليد بن يزيد عامل هشام بن عبد الملك على المدينة المنوّرة.

دفنه(ع)

تولّى الإمام الصادق(ع) تجهيز جثمان أبيه(ع)، وبعد تشييع حافل لم تشهد المدينة نظيراً له، جيء بجثمانه الطاهر إلى مقبرة البقيع، فدُفن بجوار مرقد عمّ أبيه الإمام الحسن المجتبى، وبجوار مرقد أبيه الإمام زين العابدين(عليهما السلام).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه الشيخ جعفر الهلالي(رحمه الله) بقوله:

«عُج على طيبةَ وحَيِّ الإماما ** باقر العلمِ مَن سَما إِعْظَاما

وابكِهِ في البَقيعِ مُنهدمَ القَبرِ ** وقَد كانَ شَامخاً يَتَسَامى

غَادَرَتهُ يدُ الجُناةِ بِفعلِ الحِقدِ ** فانهدَّ للصَّعيدِ رماما

لَم تُراقِبْ بهِ النَّبيَّ ولَم تَحفَظْ ** بهِ حُرمةً لهُ أو ذِماما

لَيتَ تِلكَ الأَكُفّ شُلَّتْ غَداةَ ** استَهْدَفَتْ من ذرى الكمالِ السَّناما

أَسَّسَتْها لَهُم أُميَّةُ أضغاناً ** فَعَلُوا عَلى الأَسَاسِ انتِقَاما

وأنَالوا الإِمامَ ظُلماً وَعسْفاً ** حِينَ جَارُوا وأَوْسَعُوهُ اهتِضَاما

إلى أن يقول:

وغَدا ابنُ الوَليدِ يَنْتَظرُ العر ** صةَ حَتَّى أحلَّ فيهِ الحِمَاما

دَسَّ سُمّاً لهُ نَقيعاً فَأَوْدَى ** بابنِ طَهَ وأثْكَلَ الإسْلَاما

فَقَضَى مِنهُ يَا لَهُ من مُصابٍ ** أَوْرَثَ القَلبَ لَوعةً وضراما

فنَعَتْهُ السَّماءُ والأرضُ شَجْواً ** وأسالَتْ لهُ الدُّموعَ سِجاما»(12).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 497، الأنوار البهية: 131.

2ـ بحار الأنوار 36/ 313.

3ـ الكافي 2/ 499 ح1.

4ـ الإرشاد 2/ 166.

5ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 197.

6ـ كشف الغمّة 2/ 344.

7ـ تحف العقول: 295.

8ـ المصدر السابق.

9ـ المصدر السابق.

10ـ رياض العلماء 4/ 216.

11ـ الكافي 1/ 306 ح2.

12ـ موسوعة المصطفى والعترة 8/ 498.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

غزوة تبوك

 تاريخ الغزوة

۱ رجب ۹ﻫ، خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها ، وتُسمّى بغزوة العُسرة أي الشدّة.

سبب الغزوة

كان سبب الغزوة أنّ بعض التجّار قدموا من الشام إلى المدينة، فأشاعوا فيها، أنّ الروم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول الله(صلى الله عليه وآله) في عسكرٍ عظيم، وأنّ هرقل قد سار في جمع جنوده، وجلب معهم غسان وجذام وبهراء وعاملة، وقد قدم عساكره البلقاء ـ هي النصف الجنوبي لشرقي الأردن ـ، ونزل هو حمص.

فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصحابه إلى تبوك وهي من بلاد البلقاء، وبعث إلى القبائل حوله وإلى مكّة وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة وجهينة؛ فحثّهم على الجهاد والغزو.

وقد بيّن(صلى الله عليه وآله) للناس بُعد السفر وشدّة الحر وكثرة العدو؛ ليتأهّبوا، وأمر أصحاب الأموال أن يعينوا من لا قوّة به، ومن كان عنده شيء أخرجه، فتحملّوا صدقات كثيرة، وكان ذلك في زمن عسرة من الناس وشدّة، فسُمّي ذلك الجيش بجيش العُسرة.

وضرب رسول الله(صلى الله عليه وآله) عسكره فوق ثنية الوداع بمن تبعه من المهاجرين وقبائل العرب وبني كنانة وأهل تهامة ومزينة وجهينة وطي وتميم.

واستعمل الزبير على راية المهاجرين، وطلحة بن عبيد الله على الميمنة، وعبد الرحمن بن عوف على الميسرة.

وسار رسول الله(صلى الله عليه وآله)حتّى نزل الجرف ـ تبعد ميل أو فرسخ من المدينة ـ، فلمّا انتهى إلى الجرف لحقه الإمام علي(عليه السلام)، وأخبره بما قاله المنافقون في حقّه.

استخلاف الإمام علي(عليه السلام)

لمّا أراد النبي(صلى الله عليه وآله) الخروج إلى غزوة تبوك، استخلف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في أهله وولده وأزواجه ومهاجره.

فقال له: «يا علي إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك»(۱)، فحسده أهل النفاق، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروج النبي(صلى الله عليه وآله)، وعلموا أنّها تتحرّس به، ولا يكون للعدو فيها مطمع، فساءهم ذلك؛ لما يرجونه من وقوع الفساد والاختلاف عند خروج النبي(صلى الله عليه وآله) عن المدينة، فأرجفوا به(عليه السلام) وقالوا: لم يستخلفه رسول الله إكراماً له ولا إجلالاً ومودة، وإنّما استخلفه استثقالاً له.

فلمّا بلغ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم وفضيحتهم، فلحق بالنبي(صلى الله عليه وآله) فقال: «يا رسول الله، إنّ المنافقين يزعمون أنّك إنّما خلّفتني استثقالاً ومقتاً»، فقال رسول الله: «ارجع يا أخي إلى مكانك، فإنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي، ودار هجرتي وقومي، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي» فرجع إلى المدينة(۲).

وقيل: إنّما لم يستصحبه رسول الله(صلى الله عليه وآله) معه لما أخبره الله تعالى بأنّه لا يلقى حرباً، فكان بقاؤه(عليه السلام) في المدينة أهمّ؛ للخوف عليها من المنافقين والعرب الموتورين، وهذا أمر واضح جلي.

خطبة رسول الله(صلى الله عليه وآله)

لمّا تهيّأ رسول الله(صلى الله عليه وآله) للخروج إلى تبوك قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، إنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأولى القول كلمة التقوى، وخير الملل ملّة إبراهيم، وخير السنن سنّة محمّد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأُمور عزائمها، وشرّ الأُمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف القتلى الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتُّبع، وشرّ العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى، وشرّ المعذرة محضر الموت، وشرّ الندامة يوم القيامة.

ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلّا نزراً، ومنهم من لا يذكر الله إلّا هجراً، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما أُلقي في القلب اليقين، والارتياب من الكفر، والتباعد من عمل الجاهلية، والغلول من قيح جهنّم، والسكر جمر النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثمّ، والنساء حبائل إبليس، والشباب شعبة من الجنون.

وشرّ المكاسب كسب الربا، وشرّ الأكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقيّ من شقي في بطن أُمّه، وإنّما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى آخره، وملاك الأمر خواتيمه، وأربى الربا الكذب، وكلّ ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه.

ومن توكّل على الله كفاه، ومن صبر ظفر، ومن يعف يعف الله عنه، ومن كظم الغيظ آجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوّضه الله، ومن تبع السمعة يسمع الله به، ومن يصم يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذّبه، اللّهمّ اغفر لي ولأُمتي، اللّهمّ اغفر لي ولأُمتي، استغفر الله لي ولكم»(۳).

عدد المسلمين

أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) كلّ بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتّخذوا لواء أو راية، وخرج(صلى الله عليه وآله) في ثلاثين ألفاً من الناس، وعشرة آلاف فرس حتّى قدم تبوك.

المصالحة في تبوك

لمّا انتهى(صلى الله عليه وآله) إلى تبوك، أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأعطاه الجزية، وجاءه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية.

وأقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) بتبوك أيّاماً، ثمّ رجع إلى المدينة المنوّرة من دون حرب وقتال.

———————————

۱ـ الإرشاد ۱ /۱۵۵.

۲ـ اُنظر: مسند سعد بن أبي وقّاص: ۱۳۹.

۳ـ الاختصاص: ۳۴۲.

بقلم: محمد أمين نجف

ولادة الإمام علي الهادي (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، ويُقال له: أبو الحسن الثالث؛ تمييزاً له عن الإمام علي الرضا(ع) فإنّه أبو الحسن الثاني.

من ألقابه(ع)

الهادي، النقي، العالم، الفتّاح، المتوكّل، المرتضى، النجيب.

أُمّه(ع)

جارية اسمها سُمانة المغربية.

ولادته(ع)

ولد في الخامس عشر من ذي الحجّة 212ﻫ، وقيل: في الثاني من رجب 212ﻫ بقرية صريا، التي تبعد عن المدينة المنوّرة ثلاثة أميال.

زوجته(ع)

جارية اسمها سَوسَن المغربية.

من أولاده(ع)

الإمام الحسن العسكري(ع)، الحسين، محمّد، جعفر.

عمره(ع) وإمامته

عمره 41 عاماً، وإمامته 33 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

المعتصم بن هارون الرشيد، الواثق، المتوكّل.

مكانته(ع) العلمية

أجمع أرباب التاريخ والسير على أنّ الإمام(ع) كان علماً لا يُجارى من بين أعلام عصره، وقد ذكر الشيخ الطوسي(قدس سره) في كتابه الرجال مائة وخمسة وثمانين تلميذاً وراوياً، تتلمذوا عنده ورووا عنه.

وكان مرجع أهل العلم والفقه والشريعة، وحفلت كتب الرواية والحديث والمناظرة والفقه والتفسير وأمثالها بما أُثر عنه، واستلهم من علومه ومعارفه.

هيبته(ع) في القلوب

قال محمّد بن الحسن الأشتر العلوي: «كُنْتُ مَعَ أَبِي عَلَى بَابِ المُتَوَكِّلِ، وَأَنَا صَبِيٌّ فِي جَمْعٍ‏ مِنَ النَّاسِ، مَا بَيْنَ طَالِبِيٍّ إِلَى عَبَّاسِيٍّ وَجَعْفَرِيٍّ، وَنَحْنُ وُقُوفٌ إِذْ جَاءَ أَبُو الْحَسَنِ، تَرَجَّلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ حَتَّى دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِمَ نَتَرَجَّلُ لِهَذَا الْغُلَامِ، وَمَا هُوَ بِأَشْرَفِنَا وَلَا بِأَكْبَرِنَا وَلَا بِأَسَنِّنَا، وَاللهِ لَا تَرَجَّلْنَا لَهُ.

فَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ: وَاللهِ لَتَتَرَجَّلُنَّ لَهُ صِغرَةً إِذَا رَأَيْتُمُوهُ ـ يعنون أبا الحسن(ع) ـ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَقْبَلَ، وَبَصُرُوا بِهِ حَتَّى تَرَجَّلَ لَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ: أَلَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تَرَجَّلُونَ لَهُ! فَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا مَلَكْنَا أَنْفُسَنَا حَتَّى تَرَجَّلْنَا»(2).

معجزاته(ع)

من خصائص الأئمّة(عليهم السلام) ارتباطهم المنقطع النظير بالله تعالى وبعالم الغيب، وذلك هو مقام العصمة والإمامة، ولهم ـ كالأنبياء ـ معاجز وكرامات، تُوثّق ارتباطهم بالله تعالى، وكونهم أئمّة معصومين، وللإمام الهادي(ع) أيضاً معاجز وكرامات سجّلتها كتب التاريخ، منها:

1ـ تتوّج بالإمامة العامّة في الثامنة من عمره الشريف(ع)، وهذا منصب يعجز عنه الكبار فضلاً عن الصغار، إلّا بتأييد من الله تعالى.

2ـ قال خيران الأسباطي: «قَدِمْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع) المَدِينَةَ، فَقَالَ لِي: مَا خَبَرُ الْوَاثِقِ عِنْدَكَ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ خَلَّفْتُهُ فِي عَافِيَةٍ، أَنَا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ عَهْداً بِهِ عَهْدِي بِهِ مُنْذُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.

قَالَ: فَقَالَ لِي: إِنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ يَقُولُونَ إِنَّهُ مَاتَ. فَلَمَّا أَنْ قَالَ لِيَ النَّاسَ عَلِمْتُ أَنَّهُ هُوَ، ثُمَّ قَالَ لِي: مَا فَعَلَ جَعْفَرٌ؟ قُلْتُ: تَرَكْتُهُ أَسْوَأَ النَّاسِ حَالاً فِي السِّجْنِ.

قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ، مَا فَعَلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ النَّاسُ مَعَهُ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ شُؤْمٌ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ وَقَالَ لِي: لَا بُدَّ أَنْ تَجْرِيَ مَقَادِيرُ اللهِ تَعَالَى وَأَحْكَامُهُ يَا خَيْرَانُ، مَاتَ الْوَاثِقُ وَقَدْ قَعَدَ المُتَوَكِّلُ جَعْفَرٌ، وَقَدْ قُتِلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ.

فَقُلْتُ: مَتَى جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: بَعْدَ خُرُوجِكَ بِسِتَّةِ أَيَّام‏»(3)، وبالفعل لم يمض سوى عدّة أيّام حتّى جاء مبعوث المتوكّل وشرح الأحداث، فكانت كما نقلها الإمام الهادي(ع).

3ـ نقل بعض الحفّاظ «أنّ امرأة زعمت أنّها شريفة بحضرة المتوكّل، فسأل عمّن يخبره بذلك، فدلّ على علي الرضا فجاء فأجلسه معه على السرير وسأله، فقال: إنّ الله حرّم لحم أولاد الحسين على السباع، فلتلق للسباع، فعُرض عليها بذلك فاعترفت بكذبها، ثمّ قيل للمتوكّل: ألا تُجرّب ذلك فيه، فأمر بثلاثة من السباع فجيء بها في صحن قصره ثمّ دعاه، فلمّا دخل بابه أغلق عليه والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها، فلمّا مشى في الصحن يريد الدرجة مشت إليه وقد سكنت وتمسّحت به ودارت حوله وهو يمسحها بكمّه ثمّ ربضت، فصعد للمتوكّل وتحدّث معه ساعة ثمّ نزل، ففعلت معه كفعلها الأوّل حتّى خرج، فأتبعه المتوكّل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكّل: افعل كما فعل ابن عمّك فلم يجسر عليه، وقال: أتريدون قتلي، ثمّ أمرهم أن لا يفشوا ذلك»(4).

مواجهته(ع) للحكم العباسي

لقد دوهم بيت الإمام(ع) ليلاً من قبل شراذم السلطة في مدينة سامراء، وتمّ تفتيشه فلم يجدوا فيه شيئاً يحسبونه وثيقة إدانة له، بل وجدوا الإمام(ع) جالساً على الحصى والرمل، وهو متّجه صوب القبلة إلى الله عزّ وجل، وكان يتلو آياتاً من القرآن الكريم، فحملوه على حالته هذه إلى المتوكّل العبّاسي ـ وهو أطغى سلاطين عصرهم ـ وأدخلوه عليه بحالته تلك، وكان الطاغية المتوكّل في مجلس شراب ولهو، وكان بيده كأس الخمر، فناوله إلى الإمام(ع)، فامتنع(ع) منه وقال: «ما خامر لحمي ودمي قط، فأعفني منه، فعأفاه، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إنّي لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بدّ أن تنشدني فأنشده:

بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ ** غُلْبُ الرِّجَالِ فَما أَغنتهُمُ الْقُلَلُ‏

وَاسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِمْ ** فَأُودِعُوا حُفَراً يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا

نَادَاهُمُ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا قُبروا ** أَيْنَ الْأَسِرَّةُ وَالتِّيجَانُ وَالحُلَلُ‏

أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنعَّمةً ** مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ‏

فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلهُمْ ** تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ يَقْتَتِلُ

قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْراً وَمَا شَرِبُوا ** فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا

وطَالما عَمَّروا دُوراً لِتُحصنِهِم ** ففَارَقُوا الدُّورَ والأهلينَ وانتقلُوا

وطَالمَا كَنَزُوا الأموالَ وادَّخَرُوا ** فَخلَّفُوهَا على الأعداءِ وارتَحلُوا

أضْحَتْ مَنازِلُهم قَفْراً مُعَطَّلةً ** وسَاكِنُوهَا إلى الأجداثِ قَد رَحلُوا

قال: فأشفق كلّ مَن حضر على علي، وظنّ أنّ بادرة تبدر منه إليه، قال: والله لقد بكى المتوكّل بكاء طويلاً حتّى بلّت دموعه لحيته، وبكى مَن حضره، ثمّ أمر برفع الشراب»(5).

استشهاده(ع)

استُشهد في الثالث من رجب 254ﻫ بسامراء المقدّسة، ودُفن فيها.

زياراته(ع)

من الزيارات المروية عنه(ع) زيارة الجامعة الكبيرة، وهي من أوسع الزيارات الجامعة وأشهرها، وقد قال عنها العلّامة المجلسي(قدس سره): «إنّها أصحّ الزيارات سنداً، وأعمّها مورداً، وأفصحها لفظاً، وأبلغها معنىً، وأعلاها شأناً»(6).

هذه الزيارة التي رواها موسى بن عبد الله النخعي عن الإمام الهادي(ع) بعدما سأله: «عَلِّمْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ قَوْلاً أَقُولُهُ بَلِيغاً كَامِلاً إِذَا زُرْتُ وَاحِداً مِنْكُمْ»(7)، فعلّمه(ع) هذه الزيارة الجامعة.

وقد تصدّى الكثير من العلماء الأعلام لشرحها وتفسيرها وتأويل ما ورد فيها ممّا يُوجب الإيهام، وفكّوا معانيها المغلقة دفعاً للاعتراض وردّاً للانتقاد، ومنهم العلّامة المجلسي الأب والد صاحب البحار، وكذلك السيّد محمّد السيّد عبد الكريم الطباطبائي البروجردي، والسيّد عبد الله شبّر، وغيرهم من الأعلام.

من وصاياه(ع)(8)

1ـ قال(ع): «مَنْ جَمَعَ لَكَ وُدَّهُ وَرَأْيَهُ، فَاجْمَعْ لَهُ طَاعَتَك‏».

2ـ قال(ع): «مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، فَلَا تَأْمَنْ شَرَّه».

3ـ قال(ع): «الدُّنْيَا سُوقٌ، رَبِحَ فِيهَا قَوْمٌ وَخَسِرَ آخَرُون‏».

4ـ قال(ع): «إِنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى، وَالْآخِرَةَ دَارَ عُقْبَى، وَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ سَبَباً، وَثَوَابَ الْآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضاً».

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد محسن الأمين العاملي(رحمه الله) بقوله:

«يَا رَاكبَ الشّدنيَّة الوَجناءِ ** عَرِّجْ عَلى قَبرٍ بسامرّاءِ

قَبرٌ تَضمَّنَ بَضعةً مِنْ أحمدٍ ** وحشاشةً للبَضعةِ الزَّهراءِ

قَبرٌ تَضمَّنَ مِن سُلالةِ حَيدرٍ ** بَدراً يَشقُّ حَنادسَ الظَّلماءِ

قَبرٌ سَما شَرفاً عَلى هَامِ السُّها ** وعَلا بِساكنِهِ عَلى الجوزاءِ

بعليٍّ الهَادي إلى نهجِ الهُدى ** والدِّينُ عَادَ مؤرّجَ الأرجاءِ

يا ابنَ النَّبيِّ المُصطَفى ووَصيِّهِ ** وابنَ الهُداةِ السَّادةِ الأُمناءِ

أنأوكَ بَغياً عَن مَرابعِ طِيبةٍ ** وقُلوبُهُم مَلأى مِن الشَّحْناءِ»(9).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 107، الأنوار البهية: 271.

2ـ إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 118.

3ـ الكافي 1/ 498 ح1.

4ـ الصواعق المحرقة: 205.

5ـ مروج الذهب 4/ 11.

6ـ بحار الأنوار 99/ 144.

7ـ من لا يحضره الفقيه 2/ 609 ح3213.

8ـ تحف العقول: 483.

9ـ المجالس السنية 5/ 655.

بقلم: محمد أمين نجف

استشهاد الإمام علي الهادي (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام علي الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، ويُقال له: أبو الحسن الثالث؛ تمييزاً له عن الإمام علي الرضا(ع) فإنّه أبو الحسن الثاني.

من ألقابه(ع)

الهادي، النقي، العالم، الفتّاح، المتوكّل، المرتضى، النجيب.

أُمّه(ع)

جارية اسمها سُمانة المغربية.

ولادته(ع)

ولد في الخامس عشر من ذي الحجّة 212ﻫ، وقيل: في الثاني من رجب 212ﻫ بقرية صريا، التي تبعد عن المدينة المنوّرة ثلاثة أميال.

زوجته(ع)

جارية اسمها سَوسَن المغربية.

من أولاده(ع)

الإمام الحسن العسكري(ع)، الحسين، محمّد، جعفر.

عمره(ع) وإمامته

عمره 41 عاماً، وإمامته 33 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

المعتصم بن هارون الرشيد، الواثق، المتوكّل.

مكانته(ع) العلمية

أجمع أرباب التاريخ والسير على أنّ الإمام(ع) كان علماً لا يُجارى من بين أعلام عصره، وقد ذكر الشيخ الطوسي(قدس سره) في كتابه الرجال مائة وخمسة وثمانين تلميذاً وراوياً، تتلمذوا عنده ورووا عنه.

وكان مرجع أهل العلم والفقه والشريعة، وحفلت كتب الرواية والحديث والمناظرة والفقه والتفسير وأمثالها بما أُثر عنه، واستلهم من علومه ومعارفه.

هيبته(ع) في القلوب

قال محمّد بن الحسن الأشتر العلوي: «كُنْتُ مَعَ أَبِي عَلَى بَابِ المُتَوَكِّلِ، وَأَنَا صَبِيٌّ فِي جَمْعٍ‏ مِنَ النَّاسِ، مَا بَيْنَ طَالِبِيٍّ إِلَى عَبَّاسِيٍّ وَجَعْفَرِيٍّ، وَنَحْنُ وُقُوفٌ إِذْ جَاءَ أَبُو الْحَسَنِ، تَرَجَّلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ حَتَّى دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِمَ نَتَرَجَّلُ لِهَذَا الْغُلَامِ، وَمَا هُوَ بِأَشْرَفِنَا وَلَا بِأَكْبَرِنَا وَلَا بِأَسَنِّنَا، وَاللهِ لَا تَرَجَّلْنَا لَهُ.

فَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ: وَاللهِ لَتَتَرَجَّلُنَّ لَهُ صِغرَةً إِذَا رَأَيْتُمُوهُ ـ يعنون أبا الحسن(ع) ـ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَقْبَلَ، وَبَصُرُوا بِهِ حَتَّى تَرَجَّلَ لَهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيُّ: أَلَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تَرَجَّلُونَ لَهُ! فَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا مَلَكْنَا أَنْفُسَنَا حَتَّى تَرَجَّلْنَا»(2).

معجزاته(ع)

من خصائص الأئمّة(عليهم السلام) ارتباطهم المنقطع النظير بالله تعالى وبعالم الغيب، وذلك هو مقام العصمة والإمامة، ولهم ـ كالأنبياء ـ معاجز وكرامات، تُوثّق ارتباطهم بالله تعالى، وكونهم أئمّة معصومين، وللإمام الهادي(ع) أيضاً معاجز وكرامات سجّلتها كتب التاريخ، منها:

1ـ تتوّج بالإمامة العامّة في الثامنة من عمره الشريف(ع)، وهذا منصب يعجز عنه الكبار فضلاً عن الصغار، إلّا بتأييد من الله تعالى.

2ـ قال خيران الأسباطي: «قَدِمْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ(ع) المَدِينَةَ، فَقَالَ لِي: مَا خَبَرُ الْوَاثِقِ عِنْدَكَ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ خَلَّفْتُهُ فِي عَافِيَةٍ، أَنَا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ عَهْداً بِهِ عَهْدِي بِهِ مُنْذُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.

قَالَ: فَقَالَ لِي: إِنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ يَقُولُونَ إِنَّهُ مَاتَ. فَلَمَّا أَنْ قَالَ لِيَ النَّاسَ عَلِمْتُ أَنَّهُ هُوَ، ثُمَّ قَالَ لِي: مَا فَعَلَ جَعْفَرٌ؟ قُلْتُ: تَرَكْتُهُ أَسْوَأَ النَّاسِ حَالاً فِي السِّجْنِ.

قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ، مَا فَعَلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ النَّاسُ مَعَهُ وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ شُؤْمٌ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ وَقَالَ لِي: لَا بُدَّ أَنْ تَجْرِيَ مَقَادِيرُ اللهِ تَعَالَى وَأَحْكَامُهُ يَا خَيْرَانُ، مَاتَ الْوَاثِقُ وَقَدْ قَعَدَ المُتَوَكِّلُ جَعْفَرٌ، وَقَدْ قُتِلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ.

فَقُلْتُ: مَتَى جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: بَعْدَ خُرُوجِكَ بِسِتَّةِ أَيَّام‏»(3)، وبالفعل لم يمض سوى عدّة أيّام حتّى جاء مبعوث المتوكّل وشرح الأحداث، فكانت كما نقلها الإمام الهادي(ع).

3ـ نقل بعض الحفّاظ «أنّ امرأة زعمت أنّها شريفة بحضرة المتوكّل، فسأل عمّن يخبره بذلك، فدلّ على علي الرضا فجاء فأجلسه معه على السرير وسأله، فقال: إنّ الله حرّم لحم أولاد الحسين على السباع، فلتلق للسباع، فعُرض عليها بذلك فاعترفت بكذبها، ثمّ قيل للمتوكّل: ألا تُجرّب ذلك فيه، فأمر بثلاثة من السباع فجيء بها في صحن قصره ثمّ دعاه، فلمّا دخل بابه أغلق عليه والسباع قد أصمت الأسماع من زئيرها، فلمّا مشى في الصحن يريد الدرجة مشت إليه وقد سكنت وتمسّحت به ودارت حوله وهو يمسحها بكمّه ثمّ ربضت، فصعد للمتوكّل وتحدّث معه ساعة ثمّ نزل، ففعلت معه كفعلها الأوّل حتّى خرج، فأتبعه المتوكّل بجائزة عظيمة، فقيل للمتوكّل: افعل كما فعل ابن عمّك فلم يجسر عليه، وقال: أتريدون قتلي، ثمّ أمرهم أن لا يفشوا ذلك»(4).

مواجهته(ع) للحكم العباسي

لقد دوهم بيت الإمام(ع) ليلاً من قبل شراذم السلطة في مدينة سامراء، وتمّ تفتيشه فلم يجدوا فيه شيئاً يحسبونه وثيقة إدانة له، بل وجدوا الإمام(ع) جالساً على الحصى والرمل، وهو متّجه صوب القبلة إلى الله عزّ وجل، وكان يتلو آياتاً من القرآن الكريم، فحملوه على حالته هذه إلى المتوكّل العبّاسي ـ وهو أطغى سلاطين عصرهم ـ وأدخلوه عليه بحالته تلك، وكان الطاغية المتوكّل في مجلس شراب ولهو، وكان بيده كأس الخمر، فناوله إلى الإمام(ع)، فامتنع(ع) منه وقال: «ما خامر لحمي ودمي قط، فأعفني منه، فعأفاه، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه، فقال: إنّي لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بدّ أن تنشدني فأنشده:

بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ ** غُلْبُ الرِّجَالِ فَما أَغنتهُمُ الْقُلَلُ‏

وَاسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِمْ ** فَأُودِعُوا حُفَراً يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا

نَادَاهُمُ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا قُبروا ** أَيْنَ الْأَسِرَّةُ وَالتِّيجَانُ وَالحُلَلُ‏

أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنعَّمةً ** مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَالْكِلَلُ‏

فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلهُمْ ** تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ يَقْتَتِلُ

قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْراً وَمَا شَرِبُوا ** فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا

وطَالما عَمَّروا دُوراً لِتُحصنِهِم ** ففَارَقُوا الدُّورَ والأهلينَ وانتقلُوا

وطَالمَا كَنَزُوا الأموالَ وادَّخَرُوا ** فَخلَّفُوهَا على الأعداءِ وارتَحلُوا

أضْحَتْ مَنازِلُهم قَفْراً مُعَطَّلةً ** وسَاكِنُوهَا إلى الأجداثِ قَد رَحلُوا

قال: فأشفق كلّ مَن حضر على علي، وظنّ أنّ بادرة تبدر منه إليه، قال: والله لقد بكى المتوكّل بكاء طويلاً حتّى بلّت دموعه لحيته، وبكى مَن حضره، ثمّ أمر برفع الشراب»(5).

استشهاده(ع)

استُشهد في الثالث من رجب 254ﻫ بسامراء المقدّسة، ودُفن فيها.

زياراته(ع)

من الزيارات المروية عنه(ع) زيارة الجامعة الكبيرة، وهي من أوسع الزيارات الجامعة وأشهرها، وقد قال عنها العلّامة المجلسي(قدس سره): «إنّها أصحّ الزيارات سنداً، وأعمّها مورداً، وأفصحها لفظاً، وأبلغها معنىً، وأعلاها شأناً»(6).

هذه الزيارة التي رواها موسى بن عبد الله النخعي عن الإمام الهادي(ع) بعدما سأله: «عَلِّمْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ قَوْلاً أَقُولُهُ بَلِيغاً كَامِلاً إِذَا زُرْتُ وَاحِداً مِنْكُمْ»(7)، فعلّمه(ع) هذه الزيارة الجامعة.

وقد تصدّى الكثير من العلماء الأعلام لشرحها وتفسيرها وتأويل ما ورد فيها ممّا يُوجب الإيهام، وفكّوا معانيها المغلقة دفعاً للاعتراض وردّاً للانتقاد، ومنهم العلّامة المجلسي الأب والد صاحب البحار، وكذلك السيّد محمّد السيّد عبد الكريم الطباطبائي البروجردي، والسيّد عبد الله شبّر، وغيرهم من الأعلام.

من وصاياه(ع)(8)

1ـ قال(ع): «مَنْ جَمَعَ لَكَ وُدَّهُ وَرَأْيَهُ، فَاجْمَعْ لَهُ طَاعَتَك‏».

2ـ قال(ع): «مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، فَلَا تَأْمَنْ شَرَّه».

3ـ قال(ع): «الدُّنْيَا سُوقٌ، رَبِحَ فِيهَا قَوْمٌ وَخَسِرَ آخَرُون‏».

4ـ قال(ع): «إِنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ بَلْوَى، وَالْآخِرَةَ دَارَ عُقْبَى، وَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيَا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ سَبَباً، وَثَوَابَ الْآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدُّنْيَا عِوَضاً».

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد محسن الأمين العاملي(رحمه الله) بقوله:

«يَا رَاكبَ الشّدنيَّة الوَجناءِ ** عَرِّجْ عَلى قَبرٍ بسامرّاءِ

قَبرٌ تَضمَّنَ بَضعةً مِنْ أحمدٍ ** وحشاشةً للبَضعةِ الزَّهراءِ

قَبرٌ تَضمَّنَ مِن سُلالةِ حَيدرٍ ** بَدراً يَشقُّ حَنادسَ الظَّلماءِ

قَبرٌ سَما شَرفاً عَلى هَامِ السُّها ** وعَلا بِساكنِهِ عَلى الجوزاءِ

بعليٍّ الهَادي إلى نهجِ الهُدى ** والدِّينُ عَادَ مؤرّجَ الأرجاءِ

يا ابنَ النَّبيِّ المُصطَفى ووَصيِّهِ ** وابنَ الهُداةِ السَّادةِ الأُمناءِ

أنأوكَ بَغياً عَن مَرابعِ طِيبةٍ ** وقُلوبُهُم مَلأى مِن الشَّحْناءِ»(9).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 107، الأنوار البهية: 271.

2ـ إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 118.

3ـ الكافي 1/ 498 ح1.

4ـ الصواعق المحرقة: 205.

5ـ مروج الذهب 4/ 11.

6ـ بحار الأنوار 99/ 144.

7ـ من لا يحضره الفقيه 2/ 609 ح3213.

8ـ تحف العقول: 483.

9ـ المجالس السنية 5/ 655.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد يعقوب بن إسحاق السكيت

اسمه وكنيته ونسبه(1)

أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق السكّيت الدورقي الأهوازي، والسكّيت لقب أبيه إسحاق، وعُرف أبوه بهذا اللقب لفرط سكوته.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته، إلّا أنّه من أعلام القرن الثالث الهجري، وولد في الدورق، قرب مدينة الأهواز في إيران.

صحبته

كان(رضي الله عنه) من أصحاب الإمامين الجواد والهادي(عليهما السلام).

من أقوال العلماء فيه

۱ـ قال الشيخ النجاشي(قدس سره): «وكان وجهاً في علم العربية واللغة، ثقة، مصدّقاً لا يطعن عليه، وله كتب»(۲).

۲ـ قال السيّد علي البروجردي(قدس سره): «وهو من أجلّاء الشيعة وأصحاب الأئمّة»(۳).

۳ـ قال الشيخ عباس القمّي(قدس سره): «كان ثقة جليلاً من عظماء الشيعة»(۴).

۴ـ قال السيّد محسن الأمين(قدس سره): «كان علماً من أعلام الشيعة وعظمائهم وثقاتهم، ومن خواص الإمامين محمّد التقي وعلي النقي(عليهما السلام)، وكان حامل لواء الشعر والأدب والنحو واللغة في عصره»(۵).

من أقوال علماء السنّة فيه

۱ـ قال المرزباني(ت:۳۸۴ﻫ): «وكان عالماً بنحو الكوفيين، وعلم القرآن واللغة والشعر، راوية ثقة»(۶).

۲ـ قال الخطيب البغدادي(ت:۴۶۳ﻫ): «كان من أهل الفضل والدين، موثوقاً بروايته»(۷).

روايته للحديث

يعتبر من رواة الحديث في القرن الثالث الهجري، فقد روى أحاديث عن الإمام الجواد(عليه السلام).

من مؤلّفاته

إصلاح المنطق، الأصوات، الأضداد، تهذيب الألفاظ، الطير، ما اتّفق لفظه واختلف معناه، ما صنعه من شعر الشعراء، المذكّر والمؤنّث، المقصور والممدود، النبات، الوحش.

سبب استشهاده

روي أنّ المتوكّل العبّاسي كان قد ألزمه تأديب ولديه ـ المعز والمؤيّد ـ فقال له يوماً: أيّما أحبّ إليك، ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فأجابه: والله إنّ قنبر خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك. فأمر المتوكّل جلاوزته، فأخرجوا لسانه من قفاه، فمات(۸).

استشهاده

استُشهد(رضي الله عنه) في ۵ رجب ۲۴۴ﻫ.

ومن العجب أنّه نظم هذين البيتين قبل قتله بأيّام:

«يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه *** وليس يُصاب المرء من عثرة الرِجل

فعثرته في القول تذهب رأسه *** وعثرته في الرِجل تبرأ في مهل»(۹).

—————————

۱- اُنظر: معجم رجال الحديث ۲۱ /۱۳۸ رقم۱۳۷۳۹٫

۲- رجال النجاشي: ۴۴۹ رقم۱۲۱۴٫

۳- طرائف المقال ۲ /۶۶۸٫

۴- الكنى والألقاب ۱ /۳۱۴٫

۵- أعيان الشيعة ۱۰ /۳۰۵٫

۶- مرآة الجنان ۲ /۱۱۰٫

۷- تاريخ بغداد ۱۴ /۲۷۴ رقم۷۵۶۶٫

۸- اُنظر: وفيات الأعيان ۶ /۴۰۰٫

۹- المصدر السابق ۶ /۳۹۹٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

ولادة الإمام محمد الجواد (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو جعفر، ويُقال له: أبو جعفر الثاني؛ تمييزاً له عن الإمام الباقر(ع)، أبو علي.

من ألقابه(ع)

الجواد، التقي، الزكي، القانع، المرتضى، المنتجب.

أُمّه(ع)

جارية اسمها سبيكة النوبية، وسمّاها الرضا(ع) الخَيزران.

ولادته(ع)

ولد في العاشر من رجب 195ﻫ بالمدينة المنوّرة.

البشارة بولادته(ع)

مرّ على عمر الإمام الرضا(ع) ـ أبو الإمام الجواد(ع) ـ أكثر من أربعين سنة ولم يُرزق بولد، فكان هذا الأمر مَدعاة لقلق الشيعة؛ لأنّها تعتقد بأنّ الإمام التاسع سيكون ابن الإمام الثامن.

ولهذا كانوا ينتظرون بفارغ الصبر أن يَمُنّ الله عزّ وجل على الإمام الرضا(ع) بولد، حتّى أنّهم في بعض الأحيان كانوا يذهبون إلى الإمام(ع) ويطلبون منه أن يدعو الله سبحانه بأن يرزقه ولداً، وهو(ع) يُسلّيهم، ويقول لهم ما معناه: إنّ اللهَ سوف يرزقني ولداً يكون الوارث والإمام من بعدي.

ما ورد في ولادته(ع)

تروي السيّدة حكيمة بنت الإمام الكاظم(ع) كيفية المولد العظيم، وما لازمته من الكرامات، فتقول: «لمَّا حَضَرَتْ وِلَادَةُ الْخَيْزُرَانِ أُمِّ أَبِي جَعْفَرٍ(ع)، دَعَانِي الرِّضَا فَقَالَ لِي: يَا حَكِيمَةُ، احْضُرِي وِلَادَتَهَا، وَادْخُلِي وَإِيَّاهَا وَالْقَابِلَةَ بَيْتاً.

وَوَضَعَ لَنَا مِصْبَاحاً وَأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا أَخَذَهَا الطَّلْقُ طُفِيَ الْمِصْبَاحُ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا طَسْتٌ، فَاغْتَمَمْتُ بِطَفْيِ الْمِصْبَاحِ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَدَرَ أَبُو جَعْفَرٍ(ع) فِي الطَّسْتِ، وَإِذَا عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ رَقِيقٌ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ يَسْطَعُ نُورُهُ حَتَّى أَضَاءَ الْبَيْتَ فَأَبْصَرْنَاهُ، فَأَخَذْتُهُ فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِي، وَنَزَعْتُ عَنْهُ ذَلِكَ الْغِشَاءَ، فَجَاءَ الرِّضَا فَفَتَحَ الْبَابَ، وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ أَمَرِهِ، فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ فِي المَهْدِ.

وَقَالَ لِي: يَا حَكِيمَةُ، الْزَمِي مَهْدَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ نَظَرَ يَمِينَهُ وَيَسَارَهُ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ. فَقُمْتُ ذَعِرَةً فَزِعَةً، فَأَتَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ(ع) فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ هَذَا الصَّبِيِّ عَجَباً. فَقَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا حَكِيمَةُ، مَا تَرَوْنَ مِنْ عَجَائِبِهِ أَكْثَر»(2).

من زوجاته(ع)

1ـ جارية، اسمها سُمانة المغربية، 2ـ أُمّ الفضل بنت عبد الله المأمون العبّاسي.

من أولاده(ع)

الإمام علي الهادي(ع)، موسى المبرقع، حكيمة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 25 عاماً، وإمامته 17 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، محمّد المعتصم بن هارون الرشيد.

مكانته(ع) العلمية

لقد ساهم الإمام الجواد(ع) في إغناء مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) واستمرارها، وحفظ تراثها، وكان ذلك واضحاً مدّة إمامته، وقد امتازت هذه المرحلة من الإمامة بالاعتماد على الرواية والنصّ عن الرسول(ص)، وكذلك الاستنباط والفهم من الكتاب والسنّة النبوية المباركة.

لقد قام الإمام الجواد(ع) بالتدريس وتعليم العلماء والتلامذة سبل استيعاب علوم الشريعة المحمّدية الغنية بالمعارف، وحثّهم على كتابة وتدوين وحفظ ما يلقيه عليهم، وما ألقاه آباؤه الطاهرون من قبل على تلامذتهم الروّاد.

كما أمرهم بالتأليف والتصنيف ونشر ما بحوزتهم وما حصلوا عليه، وبيان علوم الشريعة المقدّسة وتفقيه المسلمين، أو الردّ على الآراء المنحرفة والخرافات والتمحّلات الشيطانية التي وقع فيها الكثيرون.

استدعاؤه(ع) من قبل المعتصم العباسي

بُويع الخليفة العبّاسي المعتصم سنة 218ﻫ، وما أن استَتَبّ له أمر الملك وانقادت له البلاد شرقاً وغرباً، حتّى أخذ يتناهى إلى سمعه بروز نجم الإمام الجواد(ع)، واستقطابه لجماهير الأُمّة، وأخذه بزمام المبادرة شيئاً فشيئاً.

وتتسارع التقارير إلى الحاكم الجديد بتحرّك الإمام(ع) وسط الأُمّة الإسلامية.

وعلى أساس ذلك قرّر المعتصم العبّاسي ـ وبمشورة مستشاريه ووزرائه، ومنهم قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الأيادي الجهمي المعروف ببغضه لأهل البيت(عليهم السلام) والذي كان يُسيطر على المعتصم وقراراته وسياسته ـ أن يبعث بكتاب إلى واليه على المدينة المنوّرة، محمّد بن عبد الملك الزيّات في عام 219ﻫ بحمل الإمام الجواد(ع) بكلّ إكرام وإجلال، وعلى أحسن مركب إلى بغداد.

فلم يكن بُدّ للإمام(ع) من الاستجابة لهذا الاستدعاء الذي يُشمّ منه الإجبار والإكراه، وقد أحسّ(ع) بأنّ رحلته هذه هي الأخيرة، ولا عودة بعدها.

لذلك فقد خلّف ابنه الإمام الهادي(ع) في المدينة، بعد أن اصطحبه معه إلى مكّة لأداء مراسم الحج، وأوصى له بوصاياه، وسلّمه مواريث الإمامة، وأشهد أصحابه بأنّه(ع) إمامهم من بعده.

وتستمرّ الاستعدادات لترحيل الإمام(ع) إلى بغداد، ويستمهلهم الإمام(ع) لحين انتهاء الموسم.

وفعلاً، يُؤدّي الإمام الجواد(ع) مراسم الحج، ويترك مكّة فور أداء المناسك معرّجاً على مدينة الرسول(ص)؛ ليُخلّف(ع) فيها ابنه الوصي الوريث.

خروجه(ع) إلى بغداد

يبدو أنّ الإمام الجواد(ع) خرج من المدينة مُتّجهاً إلى بغداد غير زائرٍ قبر جدّه المصطفى(ص)، وكأنّه(ع) أراد بهذه العملية التعبير عن احتجاجه على هذا الاستدعاء، وأنّ خروجه من مدينة جدّه(ص) إنّما هو مكره عليه.

وصوله(ع) إلى بغداد

وأخيراً ينتهي به(ع) المسير إلى بغداد ـ عاصمة الدولة العبّاسية ـ مقرُّه(ع) ومثواه الأخير الأبدي، ودخلها لليلتين بقيتا من المحرّم سنة 220ﻫ.

وما أن وصل(ع) إليها وحطّ فيها رحاله، حتّى أخذ المعتصم يُدبّر ويعمل الحيلة في قتله(ع) بشكلٍ سرّي، ولذلك فقد شكّل مُثلّثاً لتدبير عملية الاغتيال بكلّ هدوء.

مثلّث الاغتيال

على الرغم من تعدّد الروايات في كيفية شهادة الإمام الجواد(ع)، إلّا أنّ أغلبها تُجمع على أنّ الإمام(ع) اُغتيل مسموماً.

وأنّ مثلّث الاغتيال قد تمثّل في زوجته أُمّ الفضل وهي بنت المأمون، وهي المباشر الأوّل، قدّمت للإمام عنباً مسموماً، وتمثّل أيضاً في أخيها جعفر، والمدبّر والمساعد لهم على هذا الأمر هو محمّد المعتصم ابن هارون الرشيد.

فقد ذكر ذلك غير واحد من المؤرّخين، ومنهم المؤرّخ الشهير المسعودي حيث قال: «لمّا انصرف أبو جعفر(ع) إلى العراق، لم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يُدبّران ويعملان على قتله(ع).

فقال جعفر لأُخته أُمّ الفضل في ذلك؛ لأنّه وقف على انحرافها عنه وغَيرتها عليه؛ لتفضيله أُمّ أبي الحسن ابنه عليها، مع شدّة محبّتها له؛ ولأنّها لم تُرزق منه ولداً، فأجابت أخاها جعفراً، وجعلوا سمّاً في شيءٍ من عنب رازقيٍ…»(3).

استشهاده(ع)

استُشهد في آخر ذي القعدة 220ﻫ بالعاصمة بغداد، ودُفن بجوار مرقد جدّه الإمام موسى الكاظم(ع) في الكاظمية المقدّسة.

من وصاياه(ع)(4)

1ـ قال(ع): «الْعَامِلُ بِالظُّلْمِ، وَالمُعِينُ عَلَيْهِ، وَالرَّاضِي بِهِ شُرَكَاءُ».

2ـ قال(ع): «أَرْبَعُ خِصَالٍ تُعِينُ اْمَرْءَ عَلَى الْعَمَلِ: الصِّحَّةُ وَالْغِنَى وَالْعِلْمُ وَالتَّوْفِيقُ» .

3ـ قال(ع): «إِنَّ لِلهِ عِبَاداً يَخُصُّهُمْ بِالنِّعَمِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ، وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِم‏».

4ـ قال(ع): «مَنِ اسْتَغْنَى بِاللهِ افْتَقَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَمَنِ اتَّقَى اللهَ أَحَبَّهُ النَّاسُ وَإِنْ كَرِهُوا».

5ـ قال(ع): «لَنْ يَسْتَكْمِلَ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْثِرَ دِينَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ، وَلَنْ يَهْلِكَ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِه‏».

6ـ قال(ع): «الْفَضَائِلُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ، أَحَدُهَا: الْحِكْمَةُ، وَقِوَامُهَا فِي الْفِكْرَةِ، وَالثَّانِي: الْعِفَّةُ، وَقِوَامُهَا فِي الشَّهْوَةِ، وَالثَّالِثُ: الْقُوَّةُ، وَقِوَامُهَا فِي الْغَضَبِ، وَالرَّابِعُ: الْعَدْلُ، وَقِوَامُهُ فِي اعْتِدَالِ قُوَى النَّفْسِ».

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد مهدي الأعرجي(رحمه الله) بقوله:

«إنْ أردتَ النَّجاةَ يَومَ المَعادِ ** جُدْ بِدمعٍ على الإِمامِ الجَوادِ

لَستُ أنساهُ حِينَ أشخَصَهُ المَأمونُ ** مِن يَثربٍ إلى بَغدادِ

قَد قَضَى ببَغداد وهو غَريبٌ ** بِفؤادٍ مِن شُعلةِ السُّمِّ صَادي

والتي قدَّمَتْ لهُ السُّمَّ أُمُّ الفَضلِ ** بُغضاً منها لأُمِّ الهادي

تَركوا نَعشَهُ بِقنطرةِ الرَّيَّان ** مُلقىً آلُ الشِّقا والعِنادِ

فاسْتَمَاتَتْ أشياعُهُ نَحوَ حَملِ النَّعشِ ** كي لا يَبقَى رَهينَ الوِهادِ»(5).

ــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 89، الأنوار البهية: 248.

2ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 394.

3ـ إثبات الوصية: 219.

4ـ كشف الغمّة 3/ 138ـ140.

5ـ موسوعة المصطفى والعترة 13/ 468.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

ولادة الإمام علي بن أبي طالب (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، أبو الحسين، أبو السبطين، أبو الريحانتين، أبو تراب… .

من ألقابه(ع)

أمير المؤمنين، إمام المتّقين، قائد الغُرّ المُحجّلين، يعسوب الدين، الأنزع البطين، سيّد الأوصياء، أسد الله الغالب، المرتضى، حيدر.

أُمّه(ع)

فاطمة بنت أسد بن هاشم.

ولادته(ع)

ولد في الثالث عشر من رجب، قبل البعثة النبوية بعشر سنين، وبعد عام الفيل بثلاثين سنة في جوف الكعبة بمكّة المكرّمة.

كيفية ولادته(ع)

قال الإمام الصادق(ع): «كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَيَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ جَالِسَيْنِ مَا بَيْنَ فَرِيقِ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى فَرِيقِ عَبْدِ الْعُزَّى بِإِزَاءِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، إِذْ أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمِّ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع)، وَكَانَتْ حَامِلَةً بِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع) لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ يَوْمَ التَّمَامِ.

قَالَ: فَوَقَفَتْ بِإِزَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَدْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ، فَرَمَتْ بِطَرْفِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: أَيْ رَبِّ، إِنِّي مُؤْمِنَةٌ بِكَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِكَ الرَّسُولُ، وَبِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلْتَهُ، وَإِنِّي مُصَدِّقَةٌ بِكَلَامٍ جَدِّي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَإِنَّهُ بَنَى بَيْتَكَ الْعَتِيقَ، فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الْبَيْتِ وَمَنْ بَنَاهُ، وَبِهَذَا المَوْلُودِ الَّذِي فِي أَحْشَائِي الَّذِي يُكَلِّمُنِي وَيُؤْنِسُنِي بِحَدِيثِهِ، وَأَنَا مُوقِنَةٌ أَنَّهُ إِحْدَى آيَاتِكَ وَدَلَائِلِكَ لمَّا يَسَّرْتَ عَلَيَّ وِلَادَتِي.

قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَيَزِيدُ بْنُ قَعْنَبٍ: لمَّا تَكَلَّمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ وَدَعَتْ بِهَذَا الدُّعَاءِ، رَأَيْنَا الْبَيْتَ قَدِ انْفَتَحَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَخَلَتْ فَاطِمَةُ فِيهِ، وَغَابَتْ عَنْ أَبْصَارِنَا، ثُمَّ عَادَتِ الْفَتْحَةُ وَالْتَزَقَتْ بِإِذْنِ اللهِ، فَرُمْنَا أَنْ نَفْتَحَ الْبَابَ لِيَصِلَ إِلَيْهَا بَعْضُ نِسَائِنَا، فَلَمْ يَنْفَتِحِ الْبَابُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَبَقِيَتْ فَاطِمَةُ فِي الْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. قَالَ: وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، وَتَتَحَدَّثُ المُخَدَّرَاتُ فِي خُدُورِهِنَّ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ انْفَتَحَ الْبَيْتُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ دَخَلَتْ فِيهِ، فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ(ع) عَلَى يَدَيْهَا.

ثُمَّ قَالَتْ: مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنَّ اللهَ اخْتَارَنِي مِنْ خَلْقِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى المُخْتَارَاتِ مِمَّنْ مَضَى قَبْلِي، وَقَدِ اخْتَارَ اللهُ آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ فَإِنَّهَا عَبَدَتِ اللهَ سِرّاً فِي مَوْضِعٍ لَا يُحَبُّ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ فِيهِ إِلَّا اضْطِرَاراً، وَمَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ حَيْثُ اخْتَارَهَا اللهُ، وَيَسَّرَ عَلَيْهَا وِلَادَةَ عِيسَى، فَهَزَّتِ الْجِذْعَ الْيَابِسَ مِنَ النَّخْلَةِ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى تُسَاقِطَ عَلَيْهَا رُطَباً جَنِيّاً، وَإِنَّ اللهَ اخْتَارَنِي وَفَضَّلَنِي عَلَيْهِمَا، وَعَلَى كُلِّ مَنْ مَضَى قَبْلِي مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، لِأَنِّي وَلَدْتُ فِي بَيْتِهِ الْعَتِيقِ، وَبَقِيتُ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ آكُلُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَأَوْرَاقِهَا، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ وَوَلَدِي عَلَى يَدَيَّ هَتَفَ بِي هَاتِفٌ وَقَالَ:

يَا فَاطِمَةُ، سَمِّيهِ عَلِيّاً، فَأَنَا الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، وَإِنِّي خَلَقْتُهُ مِنْ قُدْرَتِي، وَعِزِّ جَلَالِي، وَقِسْطِ عَدْلِي، وَاشْتَقَقْتُ اسْمَهُ مِنْ اسْمِي، وَأَدَّبْتُهُ بِأَدَبِي، وَفَوَّضْتُ إِلَيْهِ أَمْرِي، وَوَقَّفْتُهُ عَلَى غَامِضِ عِلْمِي، وَوُلِدَ فِي بَيْتِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُؤَذِّنُ فَوْقَ بَيْتِي، وَيَكْسِرُ الْأَصْنَامَ وَيَرْمِيهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَيُعَظِّمُنِي وَيُمَجِّدُنِي وَيُهَلِّلُنِي، وَهُوَ الْإِمَامُ بَعْدَ حَبِيبِي وَنَبِيِّي وَخِيَرَتِي مِنْ خَلْقِي مُحَمَّدٍ رَسُولِي، وَوَصِيُّهُ، فَطُوبَى لِمَنْ أَحَبَّهُ وَنَصَرَهُ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَذَلَهُ وَجَحَدَ حَقَّهُ»(2).

من زوجاته(ع)

السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت رسول الله(ص)، فاطمة بنت حزام بن خالد العامرية الكلابية المعروفة بأُمّ البنين، أسماء بنت عُميس بن النعمان الخثعمية، خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع، أُمّ حبيب بنت ربيعة بن بُجير التغلبية.

من أولاده(ع)

الإمام الحسن، الإمام الحسين، زينب الكبرى، زينب الصغرى (أُمّ كلثوم)، المحسن السقط، العباس، جعفر، عبد الله، عثمان، عمرالأطرف، محمّد الحنفية.

عمره وإمامته وحكومته(ع)

عمره 63 عاماً، وإمامته 30 عاماً، وحكومته أكثر من 4 سنوات.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

أبو بكر، عمر بن الخطّاب، عثمان بن عفّان.

حروبه(ع)

اشترك(ع) في حروب رسول الله(ص) جميعها، عدا غزوة تبوك، حيث أمره(ص) بالبقاء في المدينة المنوّرة؛ وذلك لإدارة شؤونها.

أمّا الحروب التي قادها بنفسه في زمن خلافته(ع) فهي: الجمل، صفّين، النهروان.

ما قيل في حقّه(ع)

1ـ قال محمّد ابن إدريس ـ إمام الشافعية ـ: «عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسداً، وكتمها محبّوه خوفاً، وخرج ما بين ذين ما طبق الخافقين»(3).

2ـ  قال أحمد بن حنبل ـ إمام الحنابلة ـ: «ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله(ص) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب(ع)»(4).

3ـ روى محمّد بن عمر الواقدي: «إنّ عليّاً(ع) كان من معجزات النبي(ص)، كالعصا لموسى(ع)، وإحياء الموتى لعيسى(ع)»(5).

4ـ قال الدكتور طه حسين: «كان الفرق بين علي(ع) ومعاوية عظيماً في السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمناً بالخلافة، ويرى أنّ من الحقّ عليه أن يُقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس، أمّا معاوية فإنّه لا يجد في ذلك بأساً ولا جناحاً، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما يُحبّون»(6).

5ـ قال خليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض: «احتياج الكلّ إليه واستغناؤه عن الكلّ، دليل على أنّه إمام الكلّ»(7).

6ـ قال الدكتور السعادة: «قد أجمع المؤرّخون وكتب السير على أنّ علي بن أبي طالب(ع) كان ممتازاً بمميّزات كبرى لم تجتمع لغيره، هو أُمّة في رجل»(8).

7ـ قال ابن أبي الحديد المعتزلي: «اُنظر إلى الفصاحة كيف تُعطي هذا الرجل قيادها، وتملّكه زمامها، فسبحان الله مَن منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة، أن يكون غلام من أبناء عرب مكّة لم يُخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة من‏ أفلاطون وأرسطو، ولم يُعاشر أرباب الحكم الخلقية، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط، ولم يرب بين الشجعان، لأنّ أهل مكّة كانوا ذوي تجارة، وخرج أشجع من كلّ بشرٍ مشى على الأرض»(9).

8ـ قال الفخر الرازي: «ومَن اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه»(10).

9ـ قال جبران خليل جبران: «إنّ علي بن أبي طالب(ع) كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى مَن عداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدّة الاقتراب ممسوس في ذات الله»(11).

استشهاده(ع)

استُشهد في الحادي والعشرين من شهر رمضان 40ﻫ بمدينة الكوفة، ودُفن بمنطقة الغري في النجف الأشرف.

كيفية استشهاده(ع)

ضربه الملعون عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالسيف على رأسه(ع)، وهو في صلاته النافلة بمحراب مسجد الكوفة.

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه الشاعر أبو الأسود الدؤلي(رحمه الله) بقوله:

«أَلا يا عَينُ وَيحكِ فَاسْعِدينَا  **  أَلا فَابكي أميرَ المؤمنينا

رُزِئنا خيرَ مَن رَكِبَ المَطايا  **  وفارسَها ومَن رَكِبَ السَّفينا

ومَن لبسَ النَّعالَ ومَن حَذاها  **  ومَن قَرأ المثاني والمئينا

فكلُّ مَناقبِ الخَيراتِ فيهِ  **  وحُبُّ رسولِ ربِّ العَالمينا

وكنَّا قَبْلَ مقتلِهِ بخيرٍ  **  نرى مَولَى رَسولِ اللهِ فينا»(12).

ورثاه السيّد محمّد جمال الهاشمي الكلبايكاني(رحمه الله) بقوله:

«رُزءٌ لَهُ الإسلامُ ضَجَّ وحَادِثٌ  **  مِن وقعِهِ قَلبُ الهُدَى يَتَصدَّعُ

اللهُ أكبرُ أيُّ جُرمٍ ذِكرُهُ  **  يُدمي القُلوبَ فَتَسْتَهِلُّ الأدمُعُ

يَا ليلةَ القَدرِ اذهبي مَفجُوعةً  **  فَلقدْ قَضى فيكِ الإمامُ الأنزعُ»(13).

فضل زيارته(ع)(14)

من الروايات الواردة في فضل زيارة الإمام علي(ع):

1ـ روي عن الإمام الصادق(ع) عن آبائه عن رسول الله(ص) أنّه قال: «مَنْ زَارَ عَلِيّاً بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَهُ الجَنَّة».

2ـ قال الإمام الصادق(ع): «إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لَتُفَتَّحُ عِنْدَ دُعَاءِ الزَّائِرِ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع)، فَلَا تَكُنْ عَنِ الْخَيْرِ نَوَّاما».

3ـ قال الإمام الصادق(ع): «مَنْ تَرَكَ زِيَارَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع) لَمْ يَنْظُرِ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَلَا تَزُورُونَ مَنْ تَزُورُهُ المَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ(عليهم السلام)، إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ(ع) أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْأَئِمَّةِ، وَلَهُ مِثْلُ ثَوَابِ أَعْمَالِهِمْ، وَعَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فُضِّلُوا».

ــــــــــــــــــــــــــ

اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 303.

2ـ الأمالي للطوسي: 706 ح1511.

3ـ الروضة لابن شاذان: 19.

4ـ المستدرك على الصحيحين 3/ 107.

5ـ فهرست ابن النديم: 111.

6ـ علي وبنوه: 59.

7ـ عبقرية الإمام للدكتور مهدي محبوبة: 138.

8ـ مقدّمة الإمام علي للدكتور السعادة.

9ـ شرح نهج البلاغة 16/ 146.

10ـ تفسير الفخر الرازي 1/ 207.

11ـ حاشية الشفاء: 566، باب الخليفة والإمام.

12ـ أعيان الشيعة 7/ 403.

13ـ مستدركات أعيان الشيعة 2/ 291.

14ـ المقنعة: 462، الباب 6.

بقلم: محمد أمين نجف

وفاة العباس بن عبد المطلب

قرابته بالمعصوم(1)

عمّ رسول الله(ص)، وعمّ الإمام علي(ع).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو الفضل العباس بن عبد المطّلب بن هاشم.

أُمّه

نتيلة بنت خباب بن كليب النمرية.

ولادته

ولد حوالي عام 56 قبل الهجرة بمكّة المكرّمة.

مكانته ومواقفه

كان رئيساً في قريش أيّام الجاهلية، وإليه ترجع عمارة المسجد الحرام، حضر بيعة العقبة الثانية مع رسول الله(ص) قبل أن يُسلم، وشهد بدراً مع المشركين مكرهاً، فأُسر وافتدى نفسه.

رجع إلى مكّة بعد أن أسلم، وكتم إسلامه، وهاجر إلى المدينة المنوّرة قبل الفتح بقليل، وشهد مع رسول الله(ص) فتح مكّة وحنين، وكان في حنين آخذاً بلجام بغلة النبي(ص).

أسره في غزوة بدر

اشترك مع المشركين في غزوة بدر مكرهاً، وقد أُسر فيها.

«قال محمّد بن إسحاق: فلمّا قُدم بالأسرى إلى المدينة، قال رسول الله (ص): إفدِ نفسَكَ يا عباس، وابني أخويكَ عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، وحليفكَ عقبة بن عمرو، فإنّكَ ذو مالٍ.

فقال العباس: يا رسول الله، إنّي كنت مسلماً، ولكن القوم استكرهوني.

فقال(ص): اللهُ أعلمَ بإسلامِكَ، إن يكن ما قلتَ حقّاً فإنَّ اللهَ يُجزيك بهِ، وأمّا ظاهرُ أمركَ فقد كانَ علينا، فافتدِ نفسَكَ.

وقد كان رسول الله(ص) أخذ منه عشرين أوقية من ذهب أصابها معه حين أُسر، فقال العباس: يا رسول الله، احسبها لي من فدائي، فقال(ص): ذاكَ شيءٌ أعطانا اللهُ منكَ.

فقال: يا رسول الله، فإنّه ليس لي مال، قال: فأينَ المالُ الذي وضعتهُ بمكّة حينَ خرجتَ عندَ أُمِّ الفضل بنت الحارث، وليسَ معكُما أحدٌ، ثمَّ قلتَ: إن أصبتُ في سفري هذا فللفضلِ كذا وكذا، ولعبدِ الله كذا وكذا، ولقُثمِ كذا وكذا.

فقال العباس: والذي بعثك بالحقّ يا رسول الله، ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، وإنّي لأعلم أنّك رسول الله، ثمّ فدى نفسه وابني أخويه وحليفه»(2).

من أقوال العلماء فيه

1ـ قال السيّد الخوئي(قدس سره): «إنّ العباس لم يثبت له مدح، ورواية الكافي الواردة في ذمّه صحيحة السند، ويكفي هذا منقصة له، حيث لم يهتمّ بأمر علي بن أبي طالب(ع)، ولا بأمر الصدّيقة الطاهرة في قضية فدك، معشار ما اهتمّ به في أمر ميزابه»(3).

2ـ قال الشيخ النمازي الشاهرودي(قدس سره): «اختلفت الأقوال والأخبار في حقّه، والأولى الإرجاع إلى الكتب المفصّلة، مثل كتاب العلّامة المامقاني، فإنّه نقل الأخبار المادحة والذامّة وقال: الذامّة منها أقوى دلالة ـ إلى أن قال في آخره : ـ فغاية إكرامنا له سكوتنا في حقّه»(4).

من زوجاته

أُم الفضل لُبانة بنت الحارث بن خزن الهلالية(5). أو:

أُم الفضل لُبانة بنت الحرث بن حرب الهلالية(6).

من أولاده

1ـ الفضل «نزل مع الإمام علي(ع) إلى قبر رسول الله(ص) لدفنه»(7).

2ـ عبد الله، قال عنه العلّامة الحلّي(قدس سره): «كان محبّاً لعلي(ع) وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين(ع) أشهر من أن يَخفى»(8).

3ـ أبو محمّد عبيد الله، عدّه الشيخ الطوسي(قدس سره) من أصحاب الإمام الحسن المجتبى(ع)، وقال عنه: «لحق بمعاوية»(9).

4ـ قُثم «كان أشبه الناس برسول الله(ص)، تولّى نيابة المدينة في أيّام علي(ع)، وشهد فتح سمرقند فاستُشهد بها»(10).

5و6ـ عبد الرحمن وأبو العباس معبد «استُشهدا بإفريقيا في زمن عثمان بن عفّان»(11).

وفاته

تُوفّي في الرابع عشر من رجب 32ﻫ بالمدينة المنوّرة، ودُفن بمقبرة البقيع(12).

ـــــــــــــ

1ـ اُنظر: الدرجات الرفيعة: 79.

2ـ شرح نهج البلاغة 14/ 183.

3ـ معجم رجال الحديث 10/ 254 رقم6189.

4ـ مستدركات علم رجال الحديث 4/ 348 رقم7443.

5ـ اُنظر: الطبقات الكبرى 4/ 6، أُسد الغابة 5/ 550.

6ـ الدرجات الرفيعة: 99.

7ـ اُنظر: تهذيب الأحكام 1/ 296 ح869.

8ـ خلاصة الأقوال: 190 رقم1.

9ـ رجال الطوسي: 69 رقم634.

10ـ البداية والنهاية 8/ 85.

11ـ الاستيعاب 2/ 838 رقم1431.

12ـ اُنظر: الطبقات الكبرى 4/ 31.

بقلم: محمد أمين نجف

وفاة السيدة زينب بنت الإمام علي (عليهما السلام)

قرابتها بالمعصوم(1)

سبط رسول الله(ص)، وابنة الإمام علي والسيّدة فاطمة الزهراء(عليهما السلام)، وأُخت الإمامينِ الحسن والحسين، وعمّة الإمام زين العابدين(عليهم السلام).

اسمها ونسبها

زينب بنت علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

كنيتها ولقبها

كنيتها: أُمّ كلثوم، أُمّ الحسن، ولقبها: الصدّيقة الصغرى، زينب الكبرى، العقيلة، عقيلة بني هاشم، عقيلة الطالبيين، الموثّقة، العارفة، العالمة غير المعلّمة، الكاملة، عابدة آل علي… .

أُمّها

فاطمة الزهراء بنت رسول الله(عليهما السلام).

ولادتها

ولدت في الخامس من جمادى الأُولى 5ﻫ بالمدينة المنوّرة.

من أقوال العلماء فيها

1ـ قال ابن الأثير(ت: 630ﻫ): «وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة»(2).

2ـ قال السيّد محسن الأمين(قدس سره): «كانت زينب(عليها السلام) من فضليات النساء، وفضلها أشهر من أن يُذكر، وأبين من أن يسطر، وتُعلم جلالة شأنها وعلوّ مكانها وقوّة حجّتها ورجاحة عقلها وثبات جنانها وفصاحة لسانها وبلاغة مقالها حتّى كأنّها تفرع عن لسان أبيها أمير المؤمنين(ع) من خطبها بالكوفة والشام، واحتجاجها على يزيد وابن زياد»(3).

3ـ قال السيّد الخوئي(قدس سره): «إنّها شريكة أخيها الحسين(ع) في الذبّ عن الإسلام والجهاد في سبيل الله، والدفاع عن شريعة جدّها سيّد المرسلين، فتراها في الفصاحة كأنّها تفرغ عن لسان أبيها، وتراها في الثبات تنبئ عن ثبات أبيها، لا تخضع عند الجبارة، ولا تخشى غير الله سبحانه، تقول حقّاً وصدقاً، لا تُحرّكها العواصف، ولا تزيلها القواصف، فحقّاً هي أُخت الحسين(ع) وشريكته في سبيل عقيدته وجهاده»(4).

جلالة قدرها

قال يحيى المازني: «كنت في جوار أمير المؤمنين(ع) في المدينة مدّة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول الله(ص) تخرج ليلاً، والحسن عن يمينها، والحسين عن شمالها، وأمير المؤمنين(ع) أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين(ع) فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن(ع) مرّة عن ذلك، فقال(ع): أخشى أن ينظرَ أحدٌ إلى شخصِ أُختِكَ زينب»(5).

وفي هذا قال الشيخ حسن سبتي(رحمه الله):

«إنْ قَصَدَتْ تَزُورُ قَبرَ جَدِّها  **  شَوقاً إليهِ إذ هُمُ بِيَثرِبا

أخرجَها لَيلاً أميرُ المُؤمنينَ  **  والحُسينُ والزَّكيُّ المُجتبى

يَسبقُهُم أَبوهُمٌ فَيُطفِئُ  **  الضَّوءَ الذي في القَبرِ قَدْ تَرتَّبا

قِيلَ لهُ لِمْ ذَا فَقالَ إنَّني  **  أَخشَى بِأنْ تَنظرَ عَينٌ زَينبا»(6).

«وجاء في بعض الأخبار أنّ الحسين(ع) كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها، وكان يُجلسها في مكانه»(7).

«ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الأخبار من أنّها دخلت على الحسين(ع) وكان يقرأ القرآن، فوضع القرآن على الأرض وقام إجلالاً لها»(8).

وخاطبها الإمام زين العابدين(ع) بقوله: «وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللهِ عَالِمَةٌ غَيْرُ مُعَلَّمَةٍ، وَفَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَة»(9).

روايتها للحديث

تُعتبر من رواة الحديث في القرن الأوّل الهجري، وقد وقعت في أسناد كثير من الروايات، فقد روت أحاديث عن الإمام علي والسيّدة فاطمة الزهراء والإمامينِ  الحسن والحسين(عليهم السلام).

أخبارها في كربلاء

كان لها(عليها السلام) في واقعة كربلاء المكان البارز في جميع المواطن، فهي التي كانت تشفي العليل وتُراقب أحوال أخيها الحسين(ع) ساعةً فساعة، وتُخاطبه وتسأله عند كلّ حادث، وهي التي كانت تُدبّر أمر العيال والأطفال، وتقوم في ذلك مقام الرجال.

والذي يُلفت النظر أنّها في ذلك الوقت كانت متزوّجة، فاختارت صحبة أخيها وإمامها على البقاء عند زوجها، وزوجها راضٍ بذلك، وقد أمر ولديه بلزوم خالهما والجهاد بين يديه، فمَن كان لها أخ مثل الحسين(ع)، وهي بهذا الكمال الفائق، فلا يستغرب منها تقديم أخيها وإمامها على بعلها.

ندبتها لأخيها الحسين(ع)

ندبت(عليها السلام) أخاها الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء: «بِأَبِي مَنْ فُسْطَاطُهُ‏ مُقَطَّعُ الْعُرَى، بِأَبِي مَنْ لَا غَائِبٌ فَيُرْتَجَى، وَلَا جَرِيحٌ فَيُدَاوَى، بِأَبِي مَنْ نَفْسِي لَهُ الْفِدَاءُ، بِأَبِي المَهْمُومُ حَتَّى قَضَى، بِأَبِي الْعَطْشَانُ حَتَّى مَضَى، بِأَبِي مَنْ شَيْبَتُهُ تَقْطُرُ بِالدِّمَاءِ، بِأَبِي مَنْ جَدُّهُ مُحَمَّدٌ المُصْطَفَى…»(10).

أخبارها في الكوفة

لمّا جيء بسبايا أهل البيت(عليهم السلام) إلى الكوفة بعد واقعة الطف، أخذ أهل الكوفة ينوحون ويبكون، فقال حذلم بن ستير: ورأيت زينب بنت علي(عليهما السلام)، فلم أرَ خَفِرة (عفيفة) قطّ أنطق منها، كأنّها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين(ع)، وقد أومأتْ إلى الناس أن اسكتوا، فارتدّتْ الأنفاس، وسكتتْ الأصوات، فقالت:

«الحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى أَبِي رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَيَا أَهْلَ الخَتْلِ وَالخَذْلِ، فَلَا رَقَأَتِ الْعَبْرَةُ، وَلَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ، فَمَا مَثَلُكُمْ إِلَّا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً، تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ، أَلَا وَهَلْ فِيكُمْ إِلَّا الصَّلَفُ النَّطَف‏…»(11).

أخبارها في الشام

أرسل عبيد الله بن زياد ـ والي الكوفة ـ السيّدة زينب(عليها السلام) مع سبايا آل البيت(عليهم السلام) ـ بناءً على طلب من يزيد بن معاوية ـ ومعهم رأس الحسين(ع) وباقي الرؤوس إلى الشام، فعندما دخلوا على يزيد دعا برأس الحسين(ع) فوضع بين يديه، وأخذ ينكت ثنايا الإمام الحسين(ع) بقضيب خيزران، فقامت(عليها السلام) له في ذلك المجلس، وخطبت قائلة:

«الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَآلِهِ أَجْمَعِين‏… أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ وَآفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا نُسَاقُ كَمَا تُسَاقُ الْأُسَرَاءُ، أَنَّ بِنَا عَلَى اللهِ هَوَاناً، وَبِكَ عَلَى اللهِ كَرَامَةً، فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ، وَنَظَرْتَ إِلَى عِطْفِكَ حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا مُسْتَوْثَقَةً حِينَ صَفَا لَكَ مُلْكُنَا وَسُلْطَانُنَا، فَمَهْلاً مَهْلاً، أَنَسِيتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، ثُمَّ تَقُولُ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ وَلَا مُسْتَعْظِمٍ :

          فَأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُّوا فَرَحاً  **  ثُمَّ قَالُوا يَا يَزِيدُ لَا تُشَلُ‏

مُتَنَحِّياً عَلَى ثَنَايَا أَبِي عَبْدِ اللهِ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ تَنْكُتُهَا بِمِخْصَرَتِكَ، وَكَيْفَ‏ لَا تَقُولُ ذَلِكَ وَقَدْ نَكَأْتَ الْقَرْحَةَ، وَاسْتَأْصَلْتَ الشَّأْفَةَ بِإِرَاقَتِكَ دِمَاءَ الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ، وَتَهْتِفُ بِأَشْيَاخِكَ لَتَرِدَنَّ مَوْرِدَهُمْ.

اللَّهُمَّ خُذْ بِحَقِّنَا، وَانْتَقِمْ لَنَا مِنْ ظَالِمِنَا، فَمَا فَرَيْتَ إِلَّا جِلْدَكَ، وَلَا حَزَزْتَ إِلَّا لحْمَكَ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، فَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى وَعَلَيْهِ المُتَّكَلُ، فَوَ اللهِ لَا تَمْحُو ذَكَرْنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَالحَمْدُ لِلهِ الَّذِي خَتَمَ لِأَوَّلِنَا بِالسَّعَادَةِ، وَلآِخِرِنَا بِالشَّهَادَةِ، وَيُحْسِنُ عَلَيْنَا الْخِلَافَةَ، إِنَّهُ رَحِيمٌ وَدُود»(12).

زوجها

ابن عمّها، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

من أولادها

علي أبو محمّد الزينبي «كان من الأجواد»(13)، وعون ومحمّد «استُشهدا في واقعة الطف».

وفاتها

تُوفّيت(عليها السلام) في الخامس عشر من رجب 62ﻫ، واختُلِف في مكان دفنها، فمنهم مَن قال: في مصر، ومنهم مَن قال: في الشام، ومنهم مَن قال: في المدينة المنوّرة.

من أقوال الشعراء فيها

1ـ قال الشيخ جعفر النقدي(رحمه الله):

«عَقيلةُ أَهلِ بَيتِ الوَحيِ بِنتُ  **  الوَصيِّ المُرتَضى مَولَى المَوالي

شَقيقةُ سِبطَي المُختارِ مَن قَد  **  سَمَت شَرفاً على هَامِ الهِلالِ

حَكَتْ خَيرَ الأنامِ عُلاً وفَخراً  **  وحَيدرَ في الفَصيحِ مِنَ المقالِ

وفَاطمَ عفّةً وتُقىً ومَجداً  **  وأَخلاقاً وفي كَرمِ الخلالِ

رَبيبةُ عِصمةٍ طَهُرَتْ وطَابَتْ  **  وفَاقَتْ في الصِّفاتِ وفي الفِعالِ

فَكانَتْ كَالأئمّةِ في هُداهَا  **  وإِنقاذِ الأَنامِ مِن الضَّلالِ

وكانَ جِهادُها باللَّيلِ أَمضَى  **  مِن البِيضِ الصَّوارمِ والنِّصالِ

وكانَتْ في المُصلَّى إذ تُناجي  **  وتَدعُو اللهَ بالدَّمعِ المذالِ

ملائِكةُ السَّماءِ على دُعاها  **  تُؤَمِّن في خُضوعٍ وابتهالِ

روَتْ عن أُمِّها الزَّهرا عُلوماً  **  بها وصَلَتْ إلى حَدِّ الكَمالِ

مَقاماً لَم يكن تَحتاجُ فيه  **  إلى تَعليمِ عِلمٍ أو سُؤالِ

ونَالَتْ رُتبةً في الفَخرِ عَنها  **  تَأخَّرتِ الأوَاخرُ والأوالي

فَلولا أُمُّها الزَّهراءُ سَادَتْ  **  نِساءَ العالمينَ بِلا جِدالِ»(14).

2ـ قال الشيخ حسن سبتي(رحمه الله):

«رُوحي لها الفِداءُ مِن مَصونةٍ  **  زَكيّةٍ كَريمةٍ ذَاتِ إبَا

ذَاتِ عَفافٍ وَوَقارٍ وحِجىً **  مَن شَرُفَتْ أُمّاً وجَدّاً وأبَا

أَحمدُ جَدِّي وعَليٌّ والِدِي  **  وفَاطمٌ أُمٌّ فَأكرِم نَسَبَا

تَكفَّلَتْ أثقَلَ ما في الدَّارِ  **  بَعد أُمِّها مِنْ أيَّام الصِّبا

وَجُرِّعَتْ مَا جُرِّعَتْهُ أُمُّها  **  من الأذَى ما مِنهُ تُنْسَفُ الرُّبَى

عَيْبَةُ عِلمٍ غير أنَّ عِلمَها  **  غَريزةٌ ولم يَكنْ مُكتَسَبَا

عالِمةٌ عامِلةٌ لربِّها  **  طُولَ المدى سِوَى التُّقَى لن تُصبِحا

تَقيةٌ مِن أهلِ بَيتِ عِصمةٍ  **  شَقيقَةُ السِّبطِ الحُسينِ المجتبى

صِدِّيقةٌ كُبرى لِجَمِّ عِلمِها  **  طَاشَتْ بها الألبابُ والفِكْرُ كَبَا

فَيَا لها دَاعيةٌ إلى الهُدى  **  في حَلِّ كلِّ مُشكلٍ قد صَعُبَا

ذَاتُ فَصاحةٍ إذا ما نَطَقَتْ  **  حِيناً تَخالُ المرتضى قَد خَطَبَا

سَلْ مَجلِسَ الشَّامِ ومَا حَلَّ بهِ  **  مُذْ خَطَبَتْ مَاجَ بِهم واضْطَرَبَا»(15).

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: أعيان الشيعة 7/ 137.

2ـ أُسد الغابة 5/ 469.

3ـ أعيان الشيعة 7/ 137.

4ـ معجم رجال الحديث 24/ 219 رقم15659.

5ـ وفيات الأئمّة: 435.

6ـ المصدر السابق: 477.

7ـ المصدر السابق: 436.

8ـ المصدر السابق: 437.

9ـ الاحتجاج 2/ 31.

10ـ اللهوف في قتلى الطفوف: 78.

11ـ الأمالي للمفيد: 321 مجلس38 ح8.

12ـ اللهوف في قتلى الطفوف: 105.

13ـ اُنظر: أنساب الأشراف2/ 67.

14ـ وفيات الأئمّة: 442.

15ـ المصدر السابق: 477.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

تغيير القبلة في صلاة رسول الله (ص)

مقدمة

صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن معه من المسلمين إلى بيت المقدس فترة من الزمن، فلمّا زاد إيذاء اليهود لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد تنامي قوّة المسلمين وانتشار الإسلام، وقول اليهود: أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا، كانوا يرون في إتباع المسلمين لقبلتهم سند وافتخار لهم.

فاغتمَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لذلك وشقّ عليه، حتّى نزلت الآية: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّماء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كُنْتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطْرَه، وإِنَّ الذين أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أنّه الحقُّ من ربّهم ، وما اللهُ بغافلٍ عَمًّا يعملون) (۱)، فكان تغيير القبلة واحداً من مظاهر الابتعاد عن اليهود واجتنابهم.

إنّ النصارى كانوا يتّجهون في عباداتهم نحو الشرق، واليهود نحو الغرب، وقرّر الله تعالى أن تكون الكعبة قبلة للمسلمين، وكانت في اتجاه الجنوب وسطاً بين الاتجاهين.

الحادثة برواية الإمام الصادق(عليه السلام)

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (تحوّلت القبلة إلى الكعبة، بعدما صلّى النبي (صلى الله عليه وآله) بمكّة ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس، وبعد مهاجرته إلى المدينة صلّى إلى بيت المقدس سبعة أشهر)، قال: (ثمّ وجهه الله إلى مكّة، وذلك أنّ اليهود كانوا يعيرون على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويقولون أنت تابع لنا، تصلّي إلى قبلتنا، فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك غمّاً شديداً.

وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء، ينتظر من الله في ذلك أمراً، فلمّا أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بنى سلمة، وقد صلّى من الظهر ركعتين، فنزل جبرائيل فأخذ بعضديه وحوّله إلى الكعبة وأنزل عليه: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فكان قد صلّى ركعتين إلى بيت المقدّس وركعتين إلى الكعبة، فقالت اليهود والسفهاء: ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) (۲).

فوائد تغيير القبلة

كانت نتيجة ذلك القطيعة التامّة بين المسلمين واليهود، حيث كان اليهود يقلّلون من شأن المسلمين بسبب عدم استقلالهم في القبلة وتوجههم نحو القدس، والتي يعتبرونها قبلتهم.

والإعلان عن استقلالية هذا الدين، وفضل مكّة التي ينتمي إليها المهاجرون، وموطن هذا الدين ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وكذلك تعبيراً عن انتساب الإسلام للحنفية التي جاء بها النبي إبراهيم (عليه السلام) المشيّد لأركان الكعبة.

إنّ اتّخاذ الكعبة قبلة، كان من شأنه كسب رضا العرب واستمالة قلوبهم، وترغيبهم في الإسلام، ونبذ الأصنام، وخاصة أنّ الكعبة كانت موضع احترام العرب وتقديسهم منذ أن رفع النبي إبراهيم (عليه السلام) قواعدها.

متى تمّ تغيير القبلة

تمّ تغيير القبلة ۱۷ رجب ۲ هـ ـ وقيل: ۸ محرم ۲ هـ ـ أثناء الركعة الثانية من صلاة الظهر، فقد أخذ جبرائيل (عليه السلام) يد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأداره نحو المسجد الحرام، فتبعه الرجال والنساء في المسجد، وقد صلّى الرسول (صلى الله عليه وآله) مع أصحابه ركعتين، واستدار معه المسلمين تجاه الكعبة وصلّى الركعتين الباقيتين، فكان أوّل صلواتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين، وكانت صلاة العصر من هذا اليوم أوّل صلاة كاملة صلاّها (صلى الله عليه وآله) تجاه الكعبة المشرّفة.

وقد طعن السفهاء من المشركين وأهل الكتاب وقالوا: ما وَلاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فنزل قوله تعالى: (َيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (۳) .

أسرار تغيير القبلة

تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة آثار لدى الجميع تساؤلات عديدة، أُولئك الذين قالوا أنّ الأحكام ينبغي أن تبقى ثابتة، راحوا يتساءلون عن سبب هذا التغيير، فلو كانت القبلة الصحيحة هي الكعبة، فلماذا لم يؤمر المسلمون بالصلاة نحوها منذ البدء؟ وإن كانت بيت المقدس فلم هذا التغيير؟

وأعداء الإسلام وجدوا الفرصة سانحة لبث سمومهم ولإعلامهم المضاد، قالوا: إنّ تغيير القبلة تمّ بدافع عنصري، وزعموا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) اتّجه أوّلاً إلى قبلة الأنبياء السابقين، ثمّ عاد إلى قبلة قومه بعد تحقيق انتصاراته، ولمّا يئس منهم استبدل الكعبة بها.

ولكنّ الله سبحانه أجاب على هذا الاعتراض ـ وأمر رسوله (صلى الله عليه وآله) أن: (قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

فليس لمكان قداسة ذاتية، إنّما يكتسب قداسته بإذن الله، وكلّ مكان ملك لله، والمهمّ هو الطاعة والاستسلام لربّ العالمين، وكسر أوثان التعصّب واللجاج والأنانية في النفوس (۴).

—————————-

۱ـ البقرة: ۱۴۴.

۲ـ تفسير مجمع البيان ۱ /۴۱۴.

۳ـ البقرة: ۱۴۲.

۴ـ أُنظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ۱ /۴۰۸.

بقلم: محمد أمين نجف

وفاة إبراهيم ابن رسول الله (ص)

قرابته بالمعصوم

ابن النبي محمّد(ص)، وأخو السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وخال الإمامينِ الحسن والحسين(عليهما السلام).

اسمه ونسبه

إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب.

أُمّه

مارية بنت شمعون القبطية.

ولادته

ولد في ذي الحجّة 8ﻫ بالمدينة المنوّرة.

مراسيم ولادته

خرجت قابلته سلمى ـ إحدى جواري رسول الله(ص) ـ إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنّ السيّدة مارية قد ولدت غلاماً، فجاء أبو رافع إلى رسول الله(ص) مبشّراً، فسمّاه(ص) إبراهيم، وعقّ عنه يوم سابعه، وحلق رأسه، وتصدّق بزنة شعره فضّة على المساكين، وأمر بدفن شعره في الأرض(1).

مرضعته

تنافست نساء الأنصار أيّهن ترضعه، فأعطاه رسول الله(ص) إلى أُمّ بردة الأنصارية، خولة بنت المنذر بن زيد، وزوجها البراء بن أوس، وكان(ص) يأتي أُمّ بردة فيقيل عندها، ويُؤتى بإبراهيم، ولكن تُوفّي دون السنتين، فأتمّ الله رضاعه في الجنّة.

مات فداء للحسين(ع)

قال ابن عباس: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ(ص) وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ تَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا، وَتَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا، إِذْ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ بِوَحْيٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا سَرَى عَنْهُ(ص) قَالَ: أَتَانِي جَبْرَئِيلُ مِنْ رَبِّي فَقَالَ:

يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: لَسْتُ أَجْمَعُهُمَا، فَافْدِ أَحَدَهُمَا بِصَاحِبِهِ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَبَكَى، وَنَظَرَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَبَكَى، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ أُمُّهُ أَمَةٌ، وَمَتَى مَاتَ لَمْ يَحْزَنْ عَلَيْهِ غَيْرِي، وَأُمُّ الحُسَيْنِ فَاطِمَةُ وَأَبُوهُ عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّي لَحمِي وَدَمِي، وَمَتَى مَاتَ حَزِنَتْ ابْنَتِي وَحَزِنَ ابْنُ عَمِّي، وَحَزِنْتُ أَنَا عَلَيْهِ، وَأَنَا أُؤْثِرُ حُزْنِي عَلَى حُزْنِهِمَا، يَا جَبْرَئِيلُ يُقْبَضُ إِبْرَاهِيمَ فَدَيْتُهُ بِالحُسَيْنِ، قَالَ:

فَقُبِضَ بَعْدَ ثَلَاثَ، فَكَانَ النَّبِيِّ إِذَا رَأَى الْحُسَيْنَ مُقْبِلًا قَبَّلَهُ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَرَشَّفَ ثَنَايَاهُ وَقَالَ: فَدَيْتُ مَنْ فَدَيْتُهُ بِابْنِي إِبْرَاهِيم»(2).

قول النبي(ص) عند موت ولده

قالت أسماء بنت يزيد الأنصارية: «لمّا تُوفّي ابن رسول الله(ص) إبراهيم، بكى رسول الله(ص)، فقال له المعزّى: أنت أحقّ مَن عظّم الله حقّه، قال رسول الله(ص): تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّب،‏َ لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صادقٌ وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعُ الْأَوَّل، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُون»(3).

وفاته

تُوفّي(رضوان الله عليه) في الثامن عشر من رجب 10ﻫ، وقيل: العاشر من ربيع الأوّل 10ﻫ بالمدينة المنوّرة، وقام الإمام علي(ع) بتجهيزه، ودُفن بمقبرة البقيع.

زيارته

وردت في زيارته هذه الفقرات التي تدلّ على عظمته وفضله عند الله تعالى:

«أَشْهَدُ أَنَّكَ قَد اِخْتَارَ اَللهُ لَكَ دَارَ إِنْعَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْكَ أَحْكَامَهُ، أَوْ يُكَلِّفَكَ حَلاَلَهُ وَحَرَامَهُ، فَنَقَلَكَ إِلَيْهِ طَيِّباً زَاكِياً مَرْضِيّاً طَاهِراً مِنْ كُلِّ نَجَسٍ، مُقَدَّساً مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَبَوَّأَكَ جَنَّةَ اَلمَأْوَى، وَرَفَعَكَ إِلَى اَلدَّرَجَاتِ اَلْعُلَى، وَصَلَّى اَللهُ عَلَيْكَ صَلاَةً تَقَرُّ بِهَا عَيْنُ رَسُولِهِ، وَتُبَلِّغُهُ أَكْبَرَ مَأْمُولِهِ»(4).

ــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: الطبقات الكبرى 1/ 135.

2ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 81.

3ـ سنن ابن ماجة 1/ 506 ح1589.

4ـ بحار الأنوار 97/ 218.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

فتح خيبر

مكان فتح خيبر

خيبر بلسان اليهود: الحصن، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير، وهي تبعد مسيرة يومين عن المدينة المنوّرة.

وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون، وهي: حصن ناعم، حصن الصعب بن معاذ، حصن قلعة الزبير، حصن أبي، حصن النزار، والحصون الثلاثة الأُولى تقع في منطقة يقال لها (النطاة)، وأمّا الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمّى بالشق.

أمّا الشطر الثاني ويُعرف بالكتيبة، ففيه ثلاثة حصون فقط: حصن القموص، حصن الوطيح، حصن السلالم.

تاريخ فتح خيبر

سار الجيش الإسلامي لفتح خيبر في جمادى الأُولى ۷ﻫ، وقد تمّ فتح خيبر في ۲۴ رجب ۷ﻫ على أغلب الأقوال، حيث حاصرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بضعاً وعشرين ليلة.

سبب التوجّه لفتح خيبر

لم يكن بين رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبين يهود خيبر عهد، بخلاف بني قنيقاع والنضير وقريضة، فقد كان بين الرسول(صلى الله عليه وآله) وبينهم عهد، ومعنى ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) توجّه إليهم ليدعوهم إلى الإسلام أو قبول الجزية أو الحرب، فلمّا لم يسلموا ولم يقبلوا الجزية حاربهم.

وكان يهود خَيبر مضاهرين ليهود غطفان على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وغطفان قصدت خيبر ليضاهروا اليهود فيها، ثمّ خافوا المسلمين على أهليهم وأموالهم فرجعوا، فكان هذا سبب خروج النبي(صلى الله عليه وآله) إليهم.

عدّة وعدد المسلمين

كان المسلمون في هذه الغزوة ۱۴۰۰ شخصاً، ومعهم ۲۰۰ فرس.

الاقتراب من خيبر

ذكر ابن إسحاق بإسناده، عن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه، عن جدّه قال: خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى خيبر حتّى إذا كنّا قريباً منها وأشرفنا عليها، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «قفوا»، فوقف الناس، فقال: «اللّهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن، وربّ الأرضين السبع وما أقللن، وربّ الشياطين وما أظللن، إنّا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّ هذه القرية، وشرّ أهلها، وشرّ ما فيها، أقدموا باسم الله»(۱).

التعسكر حول خيبر

وصل الجيش الإسلامي إلى خيبر ليلاً، فعسكروا حوله، فلمّا طلعت الشمس، وأصبح اليهود، فتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم، فلمّا نظروا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) قالوا: محمّد والخميس ـ أي الجيش ـ وولّوا هاربين إلى حصونهم.

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «الله أكبر، خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»(۲)، فحاصرهم بضع عشرة ليلة، وكان أوّل حصونهم قد افتتح هو حصن ناعم، ثمّ القموص، ثمّ حصن الصعب بن معاذ، ثمّ الوطيح والسلالم، وكان آخر الحصون فتحاً حصن خيبر.

إعطاء الراية لعلي(عليه السلام)

بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) أبا بكر برايته ـ وكانت بيضاء ـ لفتح خيبر، ولكن رجع أبو بكر ولم يَكُ فتح وقد جهد.

ثمّ بعث(صلى الله عليه وآله) في الغد عمر بن الخطّاب برايته ومعه الناس، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه، فجاؤوا يجبِّنُونه ويجبِّنُهم كسابقه.

وخرجت كتائب اليهود يتقدّمهم ياسر أو ناشر ـ أخ مرحب ـ فكشفت الأنصار حتّى انتهوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فاشتدّ ذلك على رسول الله، وقال(صلى الله عليه وآله): «لأبعثنّ غداً رجلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّانه، لا يولّي الدبر، يفتح الله على يديه»(۳).

وفي رواية أُخرى: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرار، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه»(۴)، فتطاولت الأعناق لترى لمن يعطي الراية غداً، ورجا كلّ واحد من قريش أن يكون صاحب الراية غداً.

وكان الإمام علي(عليه السلام) أرمد العين، فدعاه(صلى الله عليه وآله)، فقيل له: إنّه يشتكي عينيه، فلمّا جاء الإمام علي(عليه السلام) أخذ(صلى الله عليه وآله) من ماء فمه، ودَلّك عينيه، فبرئتا حتّى كأن لم يكن بهما وجع.

ثمّ قال(صلى الله عليه وآله): «اللّهمّ أكفه الحرّ والبرد»، فما اشتكى من عينيه، ولا من الحرّ والبرد بعد ذلك أبداً، فعقد(صلى الله عليه وآله) للإمام(عليه السلام) ودفع الراية إليه، وقال له: «قاتل ولا تلتفت حتّى يفتح الله عليك».

فقال الإمام علي(عليه السلام): «يا رسول الله، علام أُقاتلهم»؟

فقال(صلى الله عليه وآله): «على أن يشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأنِّي رسول الله، فإذا فعلوا ذلك حقنوا منِّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقِّها، وحسابهم على الله عزّ وجلّ»(۵).

وزاد في رواية: «واخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم تتصدّق بها في سبيل الله»(۶).

خروج الإمام علي(عليه السلام) لخيبر

قال سلمه: فخرج ـ الإمام(عليه السلام) ـ والله يُهروِل وأنا خلفه، نتّبع أثره، حتّى ركز رايته تحت الحصن، فاطّلع إليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: «أنا علي بن أبي طالب»، فقال اليهودي: علوتم أو غلبتم.

وخرج إليه أهل الحصن، وكان أوّل من خرج إليه أخ مرحب وكان فارساً شجاعاً، فانكشف المسلمون وثبت الإمام علي(عليه السلام)، فتضاربا فقتله الإمام علي(عليه السلام)، وانهزم اليهود إلى الحصن.

فلمّا علم مرحب بمقتل أخيه نزل مسرعاً وقد لبس درعين وتقلّد بسيفين واعتمّ بعمامتين، ولبس فوقهما مغفراً وحجراً قد أثقبه قدر البيضة لعينيه، ومعه رمح لسانه ثلاثة أشبار، وهو يرتجز ويقول:

قَدْ علِمَت خَيْبَرُ أنِّي مَرْحَبُ ***** شَاكي السلاح بَطلٌ مُجرّبُ

أطعنُ أحياناً وحِيناً أضرِبُ ***** إذا اللُّيوث أقبلَتْ تَلتَهِبُ

فردّ علي(عليه السلام) عليه، وقال:

أنَا الذي سَمّتْني أُمِّي حَيْدَرة ***** أكِيلُكُم بالسَيف كَيل السندَرَة

لَيثٌ بِغابَاتٍ شَديد قَسوَرَة

وحيدرة: اسم من أسماء الأسد، فاختلفا ضربتين، فبدره الإمام علي(عليه السلام) فضربه فقدّ الحجر والمغفر ورأسه، حتّى وقع السيف في أضراسه فقتله.

فكبّر الإمام علي(عليه السلام) وكبّر معه المسلمون، فانهزم اليهود إلى داخل الحصن وأغلقوا باب الحصن عليهم، وكان الحِصنُ مُخندقاً حوله، فتمكّن الإمام علي(عليه السلام) من الوصول إلى باب الحصن، فعالجه وقلعه، وأخذ باب الحصن الكبيرة العظيمة التي طولها أربعون ذراعاً، فجعلها جسراً فعبر المسلمون الخندق، وظفروا بالحصن ونالوا الغنائم(۷)؟

قال الإمام الباقر(عليه السلام): «انتهى ـ أي علي(عليه السلام) ـ إلى باب الحصن، وقد أُغلق في وجهه، فاجتذبه اجتذاباً وتترّس به، ثمّ حمله على ظهره، واقتحم الحصن اقتحاماً، واقتحم المسلمون والباب على ظهره، فوالله ما لقيَ عليٌّ من الناس تحت الباب أشدّ ممّا لقيَ من الباب، ثمّ رمى بالباب رمياً»(۸).

وقد حاول حمل هذا الباب أربعون رجلاً فلم يتمكّنوا، حتّى تكاملوا سبعين فتمّ لهم حمله، قال ابن أبي الحديد المعتزلي في ذلك:

يا قالع الباب التي عن هزّها ***** عجزت أكفّ أربعون وأربعُ

فلمّا فرغ(عليه السلام) من فتح خيبر قال: «والله ما قلعتُ بابَ خيبر وقذفتُ به ورائي أربعين ذراعاً، لم تحس أعضائي بقوّةٍ سدية وحركة غريزية بشرية، ولكنّي أُيِّدت بقوّة ملكوتية، ونفسٍ بنور ربّها مضيئة، وأنا من أحمد(صلى الله عليه وآله) كالضوء من الضوء، لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت، ولو أردت أن أنتهز فرصة من رقابها لما بقيت، ومن لم يبالِ متى حتفه عليه ساقط، كان جنانه في الملمّات رابط»(۹).

شعر حسّان بن ثابت في ذلك

لمّا دفع رسول الله(صلى الله عليه وآله) الراية إلى أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، أنشأ حسّان بن ثابت بهذه المناسبة شعراً:

وكان علي أرمد العين يبتغي ***** دواءً فلمّا لم يحسّ مداويا

شفاه رسول الله منه بتفلة ***** فبورك مرقياً وبورك راقيا

فقال سأُعطي الراية اليوم ***** صارماً كَمِيّاً محبّاً للرسول مواليا

يحبّ إلهي والإله يحبّه به ***** به يفتح الله الحصون العواليا

فأصفى بها دون البريّة كلّها ***** علياً وسمّاه الوزير المؤاخيا(۱۰).

شعر ابن أبي الحديد في ذلك

ألم تخبر الأخبار في فتح خيبر ***** ففيها لذي اللب الملب أعاجيب

وفوز علي بالعلى فوزها به ***** فكلّ إلى كلّ مضاف ومنسوب(۱۱).

قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعلي(عليه السلام)

قال الإمام علي(عليه السلام): «قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم فَتحتُ خيبر: لولا أن تقول فيك طوائف من أُمّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك اليوم مقالاً بحيث لا تمرّ على ملأ من المسلمين إلّا أخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك؛ يستَشفُون به، ولكن حسبك أن تكون منّي وأنا منك ترثني وأرثك، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي.

يا علي، أنت تؤدّي ديني وتقاتل على سنّتي، وأنت في الآخرة أقرب الناس منّي، وإنّك على الحوض خليفتي تذود عنه المنافقين، وأنت أوّل من يرد عليَّ الحوض، وأنت أوّل داخلٍ في الجنّة من أُمّتي، وأنّ شيعتك على منابرٍ من نور، رواء مرويون مُبيضّة وجوههم حولي، أشفع لهم، فيكونون غداً في الجنّة جيراني، وأنّ أعداءك غداً ظِماءٌ مُظمَئون مسودّةٌ وجوههم، مُقمَحون ومُقمَعون يُضرَبون بالمقامع، وهي سياط من نار مقتحمين.

حربك حربي، وسلمك سلمي، وسرّك سرّي، وعلانيتك علانيتي، وسريرة صدرك كسريرة صدري، وأنت باب علمي، وأنّ ولدك ولدي، ولحمك لحمي، ودمك دمي، وأنّ الحقّ معك، والحقّ على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، والإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وأنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أُبشّرك أنّك أنت وعترتك في الجنّة، وعدوّك في النار، لا يرد عليَّ الحوض مبغض لك، ولا يغيب عنه محبّ لك»(۱۲).

قال علي(عليه السلام): «فخررت ساجداً لله تعالى وحمدته على ما أنعمه عليّ من الإسلام والقرآن، وحبّبني إلى خاتم النبيّين وسيّد المرسلين(صلى الله عليه وآله)»(۱۳).

فرحتان في وقتٍ واحد

لمّا افتتح رسول الله(صلى الله عليه وآله) خيبر أتاه البشير بقدوم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة إلى المدينة، فقال: «ما أدري بأيّهما أنا أَسَرُّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟»(۱۴).

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «لمّا قدم جعفر بن أبي طالب(عليه السلام) من أرض الحبشة، تلقّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلمّا نظر جعفر إلى رسول الله حجل ـ يعني مشى على رجلٍ واحدة ـ إعظاماً لرسول الله، فقبّل رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما بين عينيه»(۱۵).

وروى زرارة عن الإمام الباقر(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لمّا استقبل جعفراً التزمه ثمّ قبّل بين عينيه»، قال: «وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن أُمية الضمري إلى النجاشي عظيم الحبشة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم، وكان أمر عمراً أن يتقدّم بجعفر وأصحابه، فجهّز النجاشي جعفراً وأصحابه بجهازٍ حسن، وأمر لهم بكسوة وحملهم في سفينتين»(۱۶).

مناقب الإمام علي(عليه السلام)

قال الحارث بن مالك: أتيت مكّة فلقيت سعد بن وقّاص، فقلت: هل سمعت لعليّ منقبة؟ قال: شهدت أربعاً لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من الدنيا أُعمّر فيها مثل عمر نوح(عليه السلام):

الأُولى: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوماً وليلة، ثمّ قال لعلي: «اتبع أبا بكر فخذها فبلّغها، وردّ عليّ أبا بكر»، فرجع أبو بكر، فقال لرسول الله: أنزل فيَّ شيء؟ قال: «لا إلّا خير، إلّا أنّه ليس يبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي ـ أو قال: من أهل بيتي ـ».

الثانية: كنّا مع النبي(صلى الله عليه وآله) فنودي فينا ليلاً: ليخرج من في المسجد إلّا آل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وآل علي.

فخرجنا نجرّ نعالنا، فلمّا أصبحنا أتى العباس النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، أخرجت أعمامك وأصحابك، وأسكنت هذا الغلام؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «ما أنا أمرت بإخراجكم ولا إسكان هذا الغلام، إنّ الله هو الذي أمر به».

والثالثة: إنّ نبي الله(صلى الله عليه وآله) بعث عمر وسعد إلى خيبر، فخرج عمر وسعد، فرجع عمر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله…»، إلى أن قال: فدعا علياً، فقالوا: إنّه أرمد، فجيء به يُقاد، فقال له: «افتح عينك»، قال: «لا أستطيع». قال: فتفل في عينيه ريقه، ودلّكهما بإبهامه، وأعطاه الراية.

والرابعة: يوم غدير خم، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأبلغ، ثمّ قال: «أيّها الناس، ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم»؟ ثلاث مرّات، قالوا: بلى.

قال: «أدن يا علي»، فرفع يده ورفع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يده حتّى نظرت إلى بياض إبطيه، فقال: «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه» حتّى قالها ثلاث مرّات(۱۷).

——————————-

۱ـ تفسير مجمع البيان ۹/ ۲۰۰٫

۲ـ صحيح البخاري ۱ /۱۵۲٫

۳ـ المستدرك على الصحيحين ۳ /۳۸، المعجم الصغير ۲/ ۱۱٫

۴ـ اُنظر: تاريخ مدينة دمشق ۴۱/ ۲۱۹٫

۵ـ أعيان الشيعة ۱ /۲۷۰٫

۶ـ صحيح البخاري ۴ /۲۰۷، ۵/ ۷۷٫

۷ـ أعيان الشيعة ۱ /۲۷۱٫

۸ـ إعلام الورى بأعلام الهدى ۱/ ۲۰۸٫

۹ـ عيون المعجزات: ۷٫

۱۰ـ الإرشاد ۱ /۱۲۸٫

۱۱ـ الوافي بالوفيات ۱۸ /۴۸٫

۱۲ـ ينابيع المودّة ۱ /۲۰۰، الأمالي للصدوق: ۱۵۶٫

۱۳ـ حلية الأبرار ۲/ ۷۰٫

۱۴ـ المستدرك ۳ /۲۰۸، البداية والنهاية ۳ /۹۸٫

۱۵ـ ذخائر العقبى: ۲۱۴، المعجم الأوسط ۶/ ۳۳۴٫

۱۶ـ بحار الأنوار ۲۱ /۲۳٫

۱۷ـ شرح إحقاق الحق ۲۲/ ۳۴۳، نقلاً عن مختصر تاريخ دمشق ۱۷/ ۱۳۰٫

بقلم: محمد أمين نجف

استشهاد الإمام موسى الكاظم (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام موسى بن جعفر بن محمّد الكاظم(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو الحسن، أبو إبراهيم، أبو علي، أبو إسماعيل.

من ألقابه(ع)

الكاظم، العبد الصالح، الصابر، الأمين، أبو الحسن الأوّل، أبو الحسن الماضي.

أُمّه(ع)

جارية، اسمها حَميدة بنت صاعد البربرية المغربية المعروفة بحميدة المصفّاة.

ولادته(ع)

ولد في السابع من صفر 128ﻫ بالأبواء قرب المدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 55 عاماً، وإمامته 35 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

أبو جعفر المنصور المعروف بالدوانيقي؛ لأنّه كان ولفرط شحّه وبخله وحبّه للمال يُحاسب حتّى على الدوانيق، والدوانيق جمع دانق، وهو أصغر جزء من النقود في عهده، محمّد المهدي، موسى الهادي، هارون الرشيد.

عبادته(ع)

أجمع الرواة على أنّه(ع) كان من أعظم الناس طاعة لله، ومن أكثرهم عبادة له، وكان من مظاهر عبادته(ع) أنّه إذا وقف مصلّياً بين يدي الخالق العظيم أرسل ما في عينيه من دموع وخفق قلبه، وكذلك إذا ناجى(ع) ربّه أو دعاه.

يقول الرواة: إنّه(ع) كان يُصلّي نوافل الليل، ويَصلها بصلاة الصبح، ثمّ يُعقّب حتّى تطلع الشمس، ويخرّ لله ساجداً، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد لله حتّى يقرب زوال الشمس.

وكان من مظاهر الطاعة عنده(ع) أنّه دخل مسجد جدّه رسول الله(ص) في أوّل الليل، فسجد(ع) سجدة واحدة وهو يقول بنبرات ترتعش خوفاً من الله: «عَظُمَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِك»(2)، وجعل(ع) يُردّد هذا الدعاء بإنابة وإخلاص وبكاء حتّى أصبح الصباح.

وحينما أودعه الطاغية الظالم هارون الرشيد العبّاسي في ظلمات السجون، تفرّغ(ع) للعبادة، وشكر الله على ذلك قائلاً: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَسْأَلُكَ أَنْ تُفَرِّغَنِي لِعِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ وَقَدْ فَعَلْتَ، فَلَكَ الحَمْد»(3).

وكان الطاغية هارون يشرف من أعلى قصره على السجن، فيبصر ثوباً مطروحاً في مكان خاصّ لم يتغيّر عن موضعه، وعجب من ذلك، وراح يقول للربيع: ما ذاك الثوب الذي أراه كلّ يوم في ذلك الموضع؟

فيُجيبه الربيع قائلاً: يا أمير المؤمنين، ما ذاك بثوب، وإنّما هو موسى بن جعفر، له في كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، وبهر الطاغية وقال: أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم، قلت: فما لك قد ضيّقت عليه الحبس؟ قال: هيهات، لابدّ من ذلك!(4).

زهده(ع)

زهد(ع) في الدنيا، وأعرض عن مباهجها وزينتها، وآثر طاعة الله تعالى على كلّ شيء، وكان بيته خالياً من جميع أمتعة الحياة، وقد تحدّث عنه إبراهيم بن عبد الحميد فقال: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ(ع) فِي بَيْتِهِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَإِذَا لَيْسَ فِي الْبَيْتِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا خَصَفَةٌ وَسَيْفٌ مُعَلَّقٌ وَمُصْحَف»(5).

وكان كثيراً ما يتلو على أصحابه سيرة الصحابي الثائر العظيم أبي ذر الغفاري الذي طلّق الدنيا ولم يحفل بأيّ شيء من زينتها، ناقلاً لهم قول أبي ذر: «جَزَى اللهُ الدُّنْيَا عَنِّي مَذَمَّةً بَعْدَ رَغِيفَيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ، أَتَغَدَّى بِأَحَدِهِمَا وَأَتَعَشَّى بِالْآخَرِ، وَبَعْدَ شَمْلَتَيِ الصُّوفِ أَتَّزِرُ بِإِحْدَاهُمَا وَأَتَرَدَّى بِالْأُخْرَى»(6).

من زوجاته(ع)

جارية اسمها تُكتم.

من أولاده(ع)

الإمام علي الرضا(ع)، إبراهيم، أحمد، إسحاق، إسماعيل، حمزة، عبد الله، القاسم، محمّد العابد، العباس، هارون، فاطمة المعصومة(عليها السلام).

سجنه(ع)

أمر هارون الرشيد بسجن الإمام الكاظم(ع)، ثمّ أخذ ينقله من سجنٍ إلى سجن، حتّى أدخله سجن السندي بن شاهك الذي لم تدخل الرحمة إلى قلبه، وقد تنكّر لجميع القيم، فكان لا يُؤمن بالآخرة، ولا يرجو لله وقاراً، فقابل الإمام(ع) بكلّ قسوة وجفاء، فضيّق عليه في مأكله ومشربه، وكَبّله بالقيود، ويقول الرواة: إنّه قيّده(ع) بثلاثين رطلاً من الحديد.

رسالته(ع) إلى هارون

أرسل(ع) رسالة إلى هارون الرشيد أعرب فيها عن نقمته عليه، قال فيها: «لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا انْقَضَى عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ، حَتَّى نَقْضِيَ جَمِيعاً إِلَى يَوْمَ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءٌ، يَخْسَرُ فِيهِ المُبْطِلُون‏»(7).

وحكت هذه الرسالة ما ألمّ بالإمام(ع) من الأسى في السجن، وأنّه سيُحاكم الطاغية هارون الرشيد أمام الله تعالى في يوم يخسر فيه المبطلون.

استشهاده(ع)

استُشهد في الخامس والعشرين من رجب 183ﻫ بالعاصمة بغداد، ودُفن بالكاظمية المقدّسة.

كيفية استشهاده(ع)

عهد هارون إلى السندي بن شاهك باغتيال الإمام(ع)، فدسّ له سُمّاً فاتكاً في رطب، وأجبره السندي على تناوله، فأكل(ع) منه رطبات يسيرة، فقال له السندي: زِد على ذلك، فرمقه الإمام(ع) بطرفه وقال له: «حسبُكَ، قد بلغتُ ما تحتاجُ إليه فيما أُمرتَ به»(8).

وتفاعل السمّ في بدنه(ع)، وأخذ يُعاني الآلام القاسية، وقد حَفّت به الشرطة القُساة، ولازمه السندي، وكان يُسمعه مُرّ الكلام وأقساه، ومنع عنه جميع الإسعافات ليُعجّل له النهاية المحتومة.

تشييعه(ع)

خرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمانه(ع)، وخرجت الشيعة وهي تلطم الصدور وتذرف الدموع.

وسارت مواكب التشييع في شوارع بغداد وهي متّجهة إلى محلّة باب التبن، وقد ساد عليها الحزن، حتّى انتهت إلى مقابر قريش في بغداد، فحُفِر للجثمان العظيم قبر فواروه فيه.

من وصاياه(ع)(9)

1ـ قال(ع) لبعض شيعته: «أَيْ فُلَانُ، اتَّقِ اللهَ وَقُلِ الحَقَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُكَ؛ فَإِنَّ فِيهِ نَجَاتَكَ، أَيْ فُلَانُ، اتَّقِ اللهَ وَدَعِ الْبَاطِلَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَجَاتُكَ؛ فَإِنَّ فِيهِ هَلَاكَكَ».

2ـ قال(ع): «إِيَّاكَ أَنْ تَمْنَعَ فِي طَاعَةِ اللهِ، فَتُنْفِقَ مِثْلَيْهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ».

3ـ قال(ع): «المُؤْمِنُ مِثْلُ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ، كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ».

4ـ قال(ع) عند قبر حضره: «إِنَّ شَيْئاً هَذَا آخِرُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُزْهَدَ فِي أَوَّلِهِ، وَإِنَّ شَيْئاً هَذَا أَوَّلُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُخَافَ آخِرُهُ».

رثاؤه

ممّن رثاه السيّد مهدي الأعرجي(رحمه الله) بقوله:

«لَهفِي وَهَل يُجدِي أسى لَهفِي على  **  موسى بنِ جَعفر عِلَّةِ الإيجادِ

ما زالَ يُنقَلُ في السُّجونِ مُعانياً  **  عضَّ القُيودِ ومُثقَلَ الأصفادِ

قَطَعَ الرَّشيدُ عَليهِ فَرضَ صَلاتِهِ  **  قَسْراً وأظهرَ كامِنَ الأحقادِ

حتَّى إليهِ دَسَّ سُمّاً قَاتلاً  ** فَأصابَ أقصى مُنيةٍ ومُرادِ

وَضعوا على جِسرِ الرَّصافةِ نَعشَهُ  **  وعَليهِ نادى بالهَوانِ مُنادِ»(10).

ــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 2/ 5، الأنوار البهية: 177.

2ـ الإرشاد 2/ 231.

3ـ الإرشاد 2/ 240.

4ـ اُنظر: عيون أخبار الرضا 2/ 89.

5ـ قرب الإسناد: 310 ح1208.

6ـ الكافي 2/ 134 ح17.

7ـ كشف الغمّة 3/ 9.

8ـ إثبات الوصية: 200.

9ـ تحف العقول: 408.

10ـ رياض المدح والرثاء: 566.

بقلم: محمد أمين نجف

وفاة أبي طالب

قرابته بالمعصوم

عمّ رسول الله(ص)، وأبو الإمام علي(ع)، وجدّ الإمامينِ الحسن والحسين(عليهما السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو طالب عبد مناف بن عبد المطّلب بن هاشم.

أُمّه

فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية.

ولادته

ولد حوالي عام 88 قبل الهجرة، أي قبل ولادة النبي(ص) بخمسة وثلاثين عاماً، ومن المحتمل أنّه ولد في مكّة باعتباره مكّيّاً.

إيمانه

لمّا بُعث النبي محمّد(ص) إلى البشرية مبشّراً ومنذراً، صدّقه أبو طالب وآمن بما جاء به من عند الله، ولكنّه لم يُظهر إيمانه تمام الإظهار، بل كتمه ليتمكّن من القيام بنصرة رسول الله(ص) ومَن أسلم معه.

قال الشيخ المفيد(قدس سره): «اتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله(ص) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب مؤمنون بالله عزّ وجل موحّدون له… .

وأجمعوا على أنّ عمّه أبا طالب رحمه الله مات مؤمناً، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنّها تُحشر في جملة المؤمنين»(1).

وقال الشيخ الصدوق(قدس سره): «اعتقادنا في آباء النبي أنّهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله، وأنّ أبا طالب كان مسلماً، وأُمّه آمنة بنت وهب كانت مسلمة»(2).

من الأدلّة على إيمانه

أ ـ روايات أهل البيت(عليهم السلام)، نذكر منها:

1ـ قال العباس بن عبد المطّلب: «قلتُ لرسولِ اللهِ(ص): يا بنَ أخي، ما ترجُو لأبي طالبٍ عمّك؟ قال: أرجو لهُ رحمةً من ربِّي وكلّ خير»(3).

2ـ قال الإمام علي(ع): «مَا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ حَتَّى أَعْطَى رَسُولَ اللهِ(ص) مِنْ نَفْسِهِ الرِّضَا»(4).

وواضح أنّ رسول الله(ص) لا يرضى إلّا عن المؤمنين.

3ـ قال الإمام علي(ع): «وَاللهِ مَا عَبَدَ أَبِي وَلَا جَدِّي عَبْدُ المُطَّلِبِ وَلَا هَاشِمٌ وَلَا عَبْدُ مَنَافٍ صَنَماً قَطُّ، قِيلَ: وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؟ قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ مُتَمَسِّكِينَ بِه‏»(5).

4ـ قال الإمام علي(ع): «كَانَ وَاللهِ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مُؤْمِناً مُسْلِماً، يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَخَافَةً عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ تُنَابِذَهَا قُرَيْش‏»(6).

5ـ قال أبو بصير ليث المرادي: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع): سَيِّدِي إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ!

فَقَالَ(ع): كَذَبُوا وَاللهِ إِنَّ إِيمَانَ أَبِي طَالِبٍ لَوْ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَإِيمَانَ هَذَا الخَلْقِ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى إِيمَانِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: كَانَ وَاللهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ أَنْ يُحَجَّ عَنْ أَبِي النَّبِيِّ وَأُمِّهِ وَعَنْ أَبِي طَالِبٍ حَيَاتَهُ، وَلَقَدْ أَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ بِالحَجِّ عَنْهُمْ بَعْدَ مَمَاتِه‏»(7).

6ـ عن يونس بن نباتة، عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «يَا يُونُسُ، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي إِيمَانِ أَبِي طَالِبٍ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، يَقُولُونَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهَا أُمُّ رَأْسِهِ.

فَقَالَ: كَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مِنْ رُفَقَاءِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً»(8).

7ـ قال الإمام الصادق(ع): «إِنَّ مَثَلَ أَبِي طَالِبٍ مَثَلُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَسَرُّوا الْإِيمَانَ وَأَظْهَرُوا الشِّرْكَ، فَآتَاهُمُ اللهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ»(9).

ب ـ إجماع علماء مذهب الشيعة على إسلامه بل إيمانه، وإجماعهم هذا حجّة، وقد وافقهم على إسلامه(رضوان الله عليه) من علماء السنّة جماعة، لكن عامّهم على خلاف ذلك.

وقد وافق أكثر الزيدية الشيعة على إسلامه(رضوان الله عليه)، وبعض من شيوخ المعتزلة، وجماعة من الصوفية، وغيرهم.

ج ـ أشعاره(رضوان الله عليه) التي تُنبئ عن إسلامه، ونذكر هنا أحد عشر شاهداً من شعره، وهي:

1ـ ألمْ تَعلمُوا أنَّا وَجدنَا مُحمَّداً  **  نَبيّاً كَمُوسَى خُطَّ في أوَّلِ الكتبِ

2ـ نبيٌّ أتاهُ الوَحيُ مِن عندِ ربِّهِ  **  ومَن قالَ لا يَقرعْ بها سِنَّ نَادمِ

3ـ يا شَاهدَ اللهِ عليَّ فاشهدِ  **  إنّي على دينِ النَّبيِّ أحمدِ

4ـ يا شاهدَ الوحي من عندِ ربِّهِ  **  إنّي على دينِ النَّبيِّ أحمدِ

5ـ أنتَ الرَّسولُ رسولُ اللهِ نَعلمُهُ  **  عليكَ نُزِّلَ من ذي العِزَّةِ الكتبُ

6ـ بِظُلمِ نبيٍّ جاءَ يَدعُو إلى الهُدى  **  وأَمرٍ أَتى مِن عندِ ذي العَرشِ قيِّم

7ـ لقد أكرمَ اللهُ النبيَّ محمّداً  **  فأكرمُ خَلقِ اللهِ في النَّاسِ أحمدُ

8ـ وخَيرُ بني هاشمٍ أحمدُ  **  رَسولُ الإلهِ على فترة

9ـ والله لا أخذلُ النَّبيَّ ولا  **  يخذلُهُ من بَني ذو حَسَبِ

10ـ قال مخاطباً ملك الحبشة ويدعوه إلى الإسلام:

«لِيَعلمَ خَيرُ النَّاسِ أنَّ مُحمَّداً  **  رَسولٌ كموسى والمسيحِ ابنِ مريم

أتَى بالهُدى مِثلَ الذي أتَيَا بهِ  **  فكلٌّ بِحمدِ اللهِ يَهدي ويَعصِمُ

وأنَّكم تَتلونَهُ في كِتابِكُم  **  بِصدقِ حَديثٍ لا حَديثَ المجمجم

فلا تَجعلُوا للهِ نِدّاً وأسلِمُوا  **  فإنَّ طريقَ الحقِّ ليسَ بمُظلمِ»(10).

11ـ قال مخاطباً أخاه حمزة(رضوان الله عليهما):

«فَصَبراً أبَا يَعلَى عَلَى دِينِ أَحْمَدَ  **  وكُنْ مُظْهِراً لِلدِّينِ وُفِّقْتَ صَابراً

نَبيٌّ أتى بِالحَقِّ مِنْ عِندِ رَبِّهِ  **  بِصِدقٍ وَعَزمٍ لا تَكُنْ حَمْزُ كافراً

فَقَدْ سَرَّنِي إذْ قُلْتَ لَبَّيكَ مُؤمِناً  **  فَكُنْ لِرسولِ اللهِ في اللهِ نَاصِراً

ونَادِ قُريشاً بالَّذِي قَدْ أتيتَهُ  **  جِهاراً وَقُلْ مَا كَانَ أَحمدُ سَاحراً»(11).

كفالته للنبي(ص)

تُوفّي أخوه عبد الله ـ والد النبي(ص) ـ والنبي حمل في بطن أُمّه، وحينما ولد(ص) تكفّله جدّه عبد المطّلب، ولمّا حضرت الوفاة لعبد المطّلب أوصى ولده أبا طالب بحفظ رسول الله(ص) وحياطته وكفالته، وكان عمره(ص) ثماني سنين، فكفله أبو طالب وقام برعايته أحسن قيام.

حبّه للنبي(ص)

كان(رضوان الله عليه) يُحبّ النبي(ص) حبّاً شديداً، وفي بعض الأحيان إذا رآه كان يبكي ويقول: «إذا رأيته ذكرت أخي»(12)، وكان عبد الله أخاه لأبويه.

حنوّه على النبي(ص)

لمّا أدخلت قريش بني هاشم الشعب إلّا أبا لهب وأبا سفيان بن الحرث، فبقي القوم بالشعب ثلاث سنين، وكان رسول الله(ص) إذا أخذ مضجعه وعرف مكانه، جاءه أبو طالب فأنهضه عن فراشه وأضجع ابنه أمير المؤمنين(ع) مكانه.

فقال له أمير المؤمنين(ع) ذات ليلة: «يَا أَبَتَاهْ إِنِّي مَقْتُول‏»، فقال:

«اِصبِرَنْ يا بُنيَّ فالصَّبرُ أحْجَى  **  كلُّ حيٍّ مصيرهُ لشعوبِ

قَد بَذلناكَ والبلاءُ شَديدٌ  **  لِفِداءِ الحبيبِ وابنِ الحبيبِ

لِفِداء الأغرِّ ذي الحَسَبِ الثَّاقبِ  **  والباعِ والكريمِ النَّجيبِ

إنْ تُصِبْكَ المنونُ فالنَّبلُ تُرمى  **  فَمُصيبٌ منها وغيرُ مُصيبِ

كلُّ حيٍّ وإن تملى بِعَيشٍ  **  آخذٌ من خِصَالِها بِنصيبِ

فأجابه أمير المؤمنين(ع):

أتأمُرُني بالصَّبرِ في نَصرِ أحمدٍ  **  ووَالله ما قُلتُ الذي قلتُ جَازِعا

ولكنَّني أحبَبْتُ أن ترَ  نُصرتي  **  وتَعلمَ إنِّي لَمْ أَزَلْ لَكَ طَائعاً

وسَعْيي لِوجهِ اللهِ في نَصرِ أحمدٍ  **  نبيِّ الهُدى المحمودِ طِفلاً ويافعاً»(13).

تناله شفاعة النبي(ص)

قال الإمام الصادق(ع): «هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(ص) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَفَّعَكَ فِي خَمْسَةٍ: فِي‏ بَطْنٍ حَمَلَكَ ـ وَهِيَ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ـ، وَفِي صُلْبٍ أَنْزَلَكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ـ، وَفِي حَجْرٍ كَفَلَكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ ـ، وَفِي بَيْتٍ آوَاكَ ـ وَهُوَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أَبُو طَالِبٍ ـ، وَفِي أَخٍ كَانَ لَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ»(14).

حُرّم على النار

قال الإمام الصادق(ع): «نَزَلَ جَبْرَئِيلُ(ع) عَلَى النَّبِيِّ(ص) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ النَّارَ عَلَى صُلْبٍ أَنْزَلَكَ، وَبَطْنٍ حَمَلَكَ، وَحَجْرٍ كَفَلَكَ، فَالصُّلْبُ صُلْبُ أَبِيكَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَالْبَطْنُ الَّذِي حَمَلَكَ فَآمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ، وَأَمَّا حَجْرٌ كَفَلَكَ فَحَجْرُ أَبِي طَالِب‏»(15).

من زوجاته

ابنة عمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم.

من أولاده

1ـ طالب، له شعر في مدح النبي(ص)، ومنه يظهر إسلامه، حيث قال:

«وخَيرُ بَني هَاشِمٍ أحمدٌ  **  رَسولُ الإلهِ عَلَى فَترة»(16).

2ـ عقيل، خاطبه النبي(ص) بقوله: «إنّي أُحبّكَ حبّينِ، حُبّاً لقرابتِكَ منِّي، وحُبّاً لما كنتُ أعلم من حُبِّ عمِّي إيّاكَ»(17).

3ـ جعفر الطيّار، لمّا قُتل قال النبي(ص): «إِنَّ اللهَ عزّ وجل أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الجَنَّةِ حَيْثُ يشَاء» (18).

4ـ الإمام علي(ع) «زوج فاطمة الزهراء(عليها السلام)».

5ـ أُمّ هاني فاختة، قال النبي(ص): «مَعَاشِرَ النَّاسِ، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ النَّاسِ… عَمّاً وَعَمَّةً؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، عَمُّهُمَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّتُهُمَا أُمُّ هَانِي بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ»(19).

6ـ جُمانة «أعطاها النبي(ص) في خيبر ثلاثين وسقاً من التمر»(20).

وفاته

تُوفّي(رضوان الله عليه) في السابع من شهر رمضان 10 للبعثة النبوية الشريفة بشعب أبي طالب في مكّة المكرّمة، وقيل: تُوفّي في السادس والعشرين من رجب 10 للبعثة النبوية الشريفة، ودُفن في مقبرة الحَجُون.

تجهيزه

«لمّا قُبض(رحمه الله)، أتى أمير المؤمنين(ع) رسول الله(ص)، فآذنه بموته، فتوجّع لذلك النبي(ص) وقال: امْضِ يَا عَلِيُّ، فَتَوَلَّ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَتَحْنِيطَهُ، فَإِذَا رَفَعْتَهُ عَلَى سَرِيرِهِ فَأَعْلِمْنِي‏.

ففعل ذلك أمير المؤمنين(ع)، فلمّا رفعه على السرير اعترضه النبي(ص) فَرَقّ له وقال: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ، وَجُزِيتَ خَيْراً، يَا عَمِّ، فَلَقَدْ رَبَّيْتَ وَكَفَّلْتَ صَغِيراً، وَآزَرْتَ وَنَصَرْتَ كَبِيراً.

ثمّ أقبل على الناس فقال: أَمَا وَاللهِ، لَأَشْفَعَنَّ لِعَمِّي شَفَاعَةً يَعْجَبُ منهَا أَهْلُ الثَّقَلَيْن»(21).

ــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ أوائل المقالات: 45.

2ـ الاعتقادات: 110، باب40.

3ـ الدرجات الرفيعة: 49.

4ـ شرح نهج البلاغة 14/ 71.

5ـ كمال الدين وتمام النعمة 1/ 174 ح32.

6ـ بحار الأنوار 35/ 114 ح51.

7ـ المصدر السابق ح44.

8ـ كنز الفوائد: 80.

9ـ الكافي 1/ 448 ح28.

10ـ روضة الواعظين: 141.

11ـ إيمان أبي طالب للمفيد: 34.

12ـ شرح نهج البلاغة 14/ 64.

13ـ الفصول المختارة: 59.

14ـ الخصال 1/ 293 ح59.

15ـ الكافي 1/ 446 ح21.

16ـ شرح نهج البلاغة 14/ 78.

17ـ الاستيعاب 3/ 1078 رقم1834.

18ـ المصدر السابق 1/ 242 رقم327.

19ـ الأمالي للصدوق: 532 ح702.

20ـ اُنظر: الاستيعاب 4/ 1801 رقم3271.

21ـ إيمان أبي طالب للمفيد: 25.

بقلم: محمد أمين نجف

المبعث النبوي

ظاهرة الوحي

كانت ظاهرة الوحي الإلهي في الجاهلية مشكلة فكرية وعقائدية صعبة الفهم، عسيرة الاستيعاب، أمّا بالنسبة للفكر الإيماني فليست هي إلّا تعبيراً عن استمرار العناية الإلهية وتتابع الألطاف الربّانية، رحمة بالإنسان الضالّ المنحرف، وإنقاذاً له.

الله تعالى لم يخلق الإنسان ويتركه مهملاً ضائعاً بلا رعاية، بل جعل له الوحي وسيلة لتعريفه بنفسه وبربِّه وبخالقه وبعالمه، وسبيلاً إلى هدايته لتنظيم حياته وتعامله مع أبناء جنسه وكيفية توجّهه إلى خالقه.

حملة الرسالة

وشاء اللطف الإلهي والعناية الربّانية للعباد أن يختار لهم أفراداً مخصوصين ومؤهّلين للاتّصال بالألطاف الإلهية لحمل الرسالة وتبليغ الأمانة إلى البشر، فكان الأنبياء والرسل.

قال الله تعالى: )اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ((۱).

وقال الله تعالى: )وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ((۲).

النبي(صلى الله عليه وآله) قبل البعثة

كان النبي(صلى الله عليه وآله) في أواخر العقد الثالث من عمره الشريف يُلقى إليه الوحي عن طريق الإلهام والانكشاف له من خلال الرؤية الصادقة، فكان يرى في المنام الرؤية الصادقة، وهي درجة من درجات الوحي.

فأوّل ما بدأ به رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الوحي الرؤية الصادقة، فكان لا يرى رؤياً إلّا جاءت مثل فلق الصبح.

ثمّ حبّب الله إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء؛ وهو كهف صغير في أعلى جبل حراء، في الشمال الشرقي من مكّة، فكان(صلى الله عليه وآله) يتحنّث فيه ويتعبّد، إذ ينقطع عن عالم الحسِّ والمادّة، ويستغرق في التأمّل والتعالي نحو عالم الغيب والملكوت، والاتّجاه إلى الله تعالى.

تاريخ البعثة

۲۷ رجب ۱۳ قبل الهجرة.

بعثة النبي(صلى الله عليه وآله)

حينما بلغ(صلى الله عليه وآله) الأربعين من عمره، أتاه جبرائيل(عليه السلام) في غار حراء، فألقى إليه كلمة الوحي وأبلغه بأنّه نبيّ هذه البشرية والمبعوث إليها.

وتفيد الروايات أنّ أوّل آيات القرآن الكريم التي قرأها جبرائيل على نبيّنا(صلى الله عليه وآله) هي: )بِسْمِ اللهِ الْرّحْمَنِ الْرّحِيْمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ((۳).

وبعد تلقِّيه(صلى الله عليه وآله) ذلك البيان الإلهي، عاد النبي إلى أهله، وهو يحمل كلمة الوحي، ومسؤولية حمل الأمانة التي كان ينتظر شرف التكليف بها، فعاد واضطجع في فراشه، وتدثّر ليمنح نفسه قِسطاً من الراحة والاسترخاء، ويفكِّر ويتأمّل فيما كُلِّف به.

فجاءه الوحي ثانية، وأمره بالقيام وترك الفراش والبدء بالدعوة والإنذار، إذ جاء هذا الخطاب في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الْمُدّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ( (۴).

بداية الدعوة

فانطلق(صلى الله عليه وآله) مستجيباً لأمر الله تعالى مبشِّراً بدعوته، وكان أوّل من دعاه إلى سبيل الله وفاتحه زوجته السيّدة خديجة بنت خويلد۱، وابن عمِّه الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) الذي كان صبيّاً في العاشرة من عمره، فآمنا به وصدّقاه، ثمّ آمن به مملوكه زيد بن حارثة، فكانت النواة الأُولى لبدء الدعوة الإلهية الكبرى.

فقد كان(صلى الله عليه وآله) يختار أصحابه فرداً فرداً، ولم يوجِّه دعوته إلى الجميع في تلك المرحلة، إلى أن جاء الأمر الإلهي: )وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ((۵)، فبدأت دعوته العلنية.

الأعمال المستحبّة في ليلة المبعث

الأوّل: الغُسل.

الثاني: زيارة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهي أفضل أعمال هذه الليلة.

الثالث: قراءة هذا الدعاء: «اللّهمّ اِنّي اَساَلُكَ بِالتّجَلِّي الاَْعْظَمِ في هذِهِ اللّيْلَةِ مِنَ الشّهْرِ الْمُعَظّمِ وَالْمُرْسَلِ الْمُكَرّمِ اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمّد وَآلِهِ… ». للمزيد راجع كتاب مفاتيح الجنان.

الأعمال المستحبّة في يوم المبعث

الأوّل: الغُسل.

الثاني: الصيام، وهذا اليوم أحد الأيّام الأربعة التي خصّت بالصيام بين أيّام السنة، ويعدل صومه صيام سبعين سنة.

الثالث: الإكثار من الصلاة على محمّد وآل محمّد.

الرابع: زيارة النبي وزيارة أمير المؤمنين(عليهما السلام).

للمزيد راجع كتاب مفاتيح الجنان.

————————

۱ـ الحج: ۷۵٫

۲ـ الأنعام: ۱۲۴٫

۳ـ العلق: ۱ـ۵٫

۴ـ المدّثر: ۱ـ۴٫

۵ـ الشعراء: ۲۱۴٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

خروج الإمام الحسين (ع) من المدينة إلى مكة

تاريخ الخروج

۲۷ رجب ۶۰ﻫ، خرج ركب الإمام الحسين(عليه السلام) نحو مكّة المكرّمة، وسار معه(عليه السلام) نفر من أهل بيته وأصحابه، وبرفقته نساؤه وأبناؤه، وأُخته السيّدة زينب الكبرى(عليها السلام)، يخترقون قلب الصحراء ويجتازون كثبان الرمال.

دوافع الخروج

۱ـ استبداد واستئثار الأُمويين بالسلطة.

۲ـ القتل والإرهاب وسفك الدماء الذي كانت تمارسه السلطة الأُموية.

۳ـ العبث بأموال الأُمّة الإسلامية، ممّا أدّى إلى نشوء طبقة مترفة على حساب طبقة محرومة.

۴ـ الانحراف السلوكي وانتشار مظاهر الفساد الاجتماعي.

۵ـ غياب قوانين الإسلام في كثير من المواقع المهمّة، وتحكّم المزاج والمصلحة الشخصية.

۶ـ ظهور طبقة من وضّاع الأحاديث والمحرِّفين لسُنّة النبي(صلى الله عليه وآله)، وذلك لتبرير مواقف السلطة.

هدف الخروج

أشار الإمام الحسين(عليه السلام) في إحدى رسائله إلى الهدف من خروجه بقوله: «وإنِّي لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفسِداً ولا ظَالِماً، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جَدِّي(صلى الله عليه وآله)، أُريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهَى عنِ المنكر، وأسيرُ بِسيرَةِ جَدِّي، وأبي علي بن أبي طَالِب»(۱).

زيارة قبر جدّه(صلى الله عليه وآله)

زار الإمام الحسين(عليه السلام) ـ قبل خروجه من المدينة المنوّرة ـ قبر جدِّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) زيارة المُودِّع الذي لا يعود، فقد كان يعلم(عليه السلام) أن لا لقاء له مع مدينة جدِّه(صلى الله عليه وآله)، ولن يزور قبره بعد اليوم، وأنّ اللقاء سيكون في مستقرِّ رحمة الله، وأنّه لن يلقى جدّه إلّا وهو يحمل وسام الشهادة وشكوى الفاجعة.

فوقف الإمام(عليه السلام) إلى جوار القبر الشريف، فصلّى ركعتين، ثمّ وقف بين يدي جدِّه(صلى الله عليه وآله) يُناجي ربّه قائلاً: «اللّهمّ هَذا قَبْر نَبيِّك مُحمّدٍ(صلى الله عليه وآله)، وأنَا ابنُ بنتِ نَبيِّك، وقد حَضَرني مِن الأمرِ مَا قد عَلمت، اللّهمّ إنِّي أحِبُّ المَعروف، وأنكرُ المُنكَر، وأنَا أسألُكَ يَا ذا الجَلال والإكرام، بِحقِّ القبرِ ومن فيه، إلّا مَا اختَرْتَ لي مَا هُو لَكَ رِضىً، ولِرسولِك رِضَى»(۲).

لقاؤه مع السيّدة أُمّ سلمة(رضي الله عنها)

قبل خروجه من المدينة التقى بالسيّدة أُمّ سلمة(رضي الله عنها) ليودّعها، فقالت: يا بني لا تحزن بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّك(صلى الله عليه وآله) يقول: «يقتل ولدي الحسين بأرض العراق؛ بأرض يقال لها كربلا».

فقال لها: «يا أمّاه وأنا والله أعلم ذلك، وأنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بدّ، وأنّي والله لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أُدفن فيها، وأعرف من يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وأن أردت يا أُمّاه أُريك حفرتي ومضجعي».

ثمّ قال لها: «يا أُمّاه، قد شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مأسورين مظلومين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً»(۱).

—————————

۱ـ بحار الأنوار ۴۴ /۳۲۹٫

۲ـ كتاب الفتوح ۵ /۱۹.

۳ـ لواعج الأشجان: ۳۱.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

برای این بخش اعمالی ثبت نشده است

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

تم النسخ
الرجاء تسجيل الدخول