مناسبت ها و اعمال ماه شوال   مركز آل البيت العالمي للمعلومات

عيد الفطر المبارك

العيد لغة

اسم لما عاد من شيء في وقت معلوم، وقيل: إنّه سُمّي عيداً لأنّه يعود كلّ سنة بفرح مجدّد.

أعياد المسلمين

للمسلمين عيدان: عيد الفطر وهو عيد الصائم، ويكون في الأوّل من شوّال في كلّ عام.

وعيد الأضحى وهو عيد الحاجّ، ويكون في العاشر من ذي الحجّة في كلّ عام.

وللمسلمين الشيعة عيد ثالث تحتفل به وهو عيد الغدير، ويكون في الثامن عشر من ذي الحجّة في كلّ عام.

عيد الفطر

هو اليوم الذي يعلن فيه الإنسان المؤمن انتصاره على شهواته وغرائزه، فهو يوم الرحمة؛ لأنّ الله يرحم به عباده، قال الشيخ المفيد(قدس سره): «وإنّما كان عيد المؤمنين بمسرّتهم بقبول أعمالهم وتكفير سيئاتهم ومغفرة ذنوبهم، وما جائتهم من البشارة من عند ربّهم ـ جلّ اسمه ـ من عظيم الثواب لهم على صيامهم، وقربهم واجتهادهم»(۱).

وسمّاه رسول الله(صلى الله عليه وآله) بيوم الجوائز، فقد روى جابر عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «قال النبي(صلى الله عليه وآله): “إذا كان أوّل يوم من شوّال، نادى منادٍ: أيُّها المؤمنون أُغدوا إلى جوائزكم”، ثمّ قال: “يا جابر، جوائز الله ليست كجوائز هؤلاء الملوك”، ثمّ قال: “هو يوم الجوائز”»(۲).

خطبة الإمام علي(عليه السلام) في العيد

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) يوم الفطر فقال: “أيّها الناس! إنّ يومكم هذا يوم يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وهو أشبه بيوم قيامكم، فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلّاكم خروجكم من الأجداث إلى ربّكم، واذكروا بوقوفكم في مصلّاكم وقوفكم بين يدي ربّكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعكم إلى منازلكم في الجنّة.

عباد الله! إنّ أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم ملك في آخر يوم من شهر رمضان: أبشروا عباد الله، فقد غفر لكم ما سلف من ذنوبكم، فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون”»(۳).

أعمال يوم العيد

من الأعمال المستحبّة في هذا اليوم: الغسل، لبس أجمل الثياب، الطيب، تناول شيئاً من المأكول قبل التوجّه إلى الصلاة، الخروج إلى الصحراء في غير مكّة لصلاة العيد تحت السماء، زيارة الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، لاسيما الإمام الحسين(عليه السلام)، قراءة دعاء الندبة(۴).

صلاة العيد

وهي مستحبّة في زمن الغيبة، ووقت أدائها من طلوع الشمس إلى ظهر يوم العيد، ويشترط في صحّتها كلّ الشروط اللازم توفّرها في الصلاة اليومية، من الطهارة وإباحة المكان وغيرهما.

كيفية صلاة العيد

ركعتان كصلاة الصبح، يضاف إليها في الركعة الأُولى بعد قراءة سورة الفاتحة وسورة من القرآن التكبير خمس مرّات، والقنوت عقيب كلّ تكبير، أمّا في الركعة الثانية، فيفعل المصلّي كما فعل في الركعة الأُولى، إلّا أنّ التكبير والقنوت أربع مرّات وليس خمساً، والدعاء المأثور الذي يقرأ في قنوت صلاة العيد هو:

«اللّهمّ أَهْلَ الْكِبْرِياءِ وَالْعَظَمَةِ، وَأَهْلَ الْجُودِ وَالْجَبَرُوتِ، وَأَهْلَ الْعَفْوِ وَالرّحْمَةِ، وَأَهْلَ التّقْوى وَالْمَغْفِرَةِ، أَسْاَلُكَ بِحَقِّ هذَا الْيَومِ الّذي جَعَلْتَهُ لِلْمُسْلِمينَ عيداً، وَلمحَمّد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ذُخْراً وَشَرَفاً وَمَزيْداً، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمّد وَآلِ مُحَمّد، وَاَنْ تُدْخِلَني في كُلِّ خَيْر أَدْخَلْتَ فيهِ مُحَمّداً وَآلَ مُحَمّد، وَاَنْ تُخْرِجَني مِنْ كُلِّ سُوء أَخْرَجْتَ مِنْهُ مُحَمّداً وَآلَ مُحَمّد صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، اللّهمّ إِنّي أَسْاَلُكَ خَيْرَ ما سَأَلَكَ مِنْهُ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِمّا اسْتعاذَ مِنْهُ عِبادُكَ الْصّالِحُونَ»(۵).

حرمة الصوم في العيد

أجمع فقهاء المسلمين على حرمة الصوم يوم العيدين؛ عيد الفطر وعيد الأضحى.

ـــــــــــــــــــــــــــ

1. مسار الشيعة: 31.

2. من لا يحضره الفقيه ۱ /۵۱۱٫

3. الأمالي للصدوق: ۱۶۰٫

4. للمزيد راجع كتاب مفاتيح الجنان.

5. المصباح: ۴۱۶٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

خروج الإمام الرضا (ع) لصلاة عيد الفطر

شروط الإمام الرضا(عليه السلام) لقبول ولاية العهد

لمّا رفض الإمام الرضا(عليه السلام) طلب المأمون العبّاسي ـ الحاكم الإسلامي آنذاك ـ أن يتقلّد خلافة المسلمين، طلب منه المأمون أن يتولّى ولاية العهد، فرفض(عليه السلام) ذلك، ولكنّ المأمون أصرّ عليه بالقبول، فقبلها(عليه السلام) بشروط، جاء منها في كتابه للمأمون: «إنّي داخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى، ولا أفتي ولا أقضي، ولا أولّي ولا أعزل، ولا أغيّر شيئاً ممّا هو قائم، وتعفيني من ذلك كلّه»(۱)، فأجابه المأمون إلى ذلك كلّه.

دعوة المأمون للصلاة

دعا المأمون الإمام الرضا(عليه السلام) إلى إقامة صلاة عيد الفطر بالناس والخطبة بهم.

أجابه الإمام الرضا(عليه السلام): «قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الأمر ـ وهي عدم تدخّله في أيّ أمرٍ من الأُمور ـ فأعفني عن الصلاة بالناس».

أصرّ المأمون على الإمام(عليه السلام) بالصلاة، فقال(عليه السلام): «إن أعفيتني فهو أحبّ إلي، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام)»(۲).

فقال المأمون: اُخرج كيف شئت. وأمر القوّاد والناس أن يبكّروا إلى باب الإمام الرضا(عليه السلام).

اجتماع الناس والقادة

في الصباح الباكر اجتمع الناس على باب دار الإمام(عليه السلام) ينتظرون خروجه للصلاة، وجاء قادة الجيش ومعهم مجموعة من الجند، ووقفوا على الباب، وجلست النساء والأطفال على السطوح والطرقات ليتفرّجوا على موكب الإمام الرضا(عليه السلام) وهو خارج إلى الصلاة.

خروج الإمام الرضا(عليه السلام) للصلاة

لمّا طلعت الشمس اغتسل الإمام(عليه السلام) غسل يوم العيد، ولبس ثيابه، وتعمّم بعمامةٍ بيضاء من قطن، ألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه، وتطيّب، وأمر مواليه أن يصنعوا مثل صنعه، وأخذ بيده عكّازة، وخرج بتلك الحالة وهو حافٍ، فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبّر، وكبّر مواليه معه، ومشى حتّى وقف على الباب، فلّما رآه القوّاد والجند في تلك الصورة، نزلوا من على خيولهم إلى الأرض، وكبّر(عليه السلام) على الباب، وكبّر الناس معه، وعلت أصواتهم بالتكبير، وتذكّروا في صورة الإمام(عليه السلام) صورة جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله).

ويصف البحتري خروج الإمام(عليه السلام) إلى الصلاة بهذه الكيفية بقوله:

ذكروا بطلعتك النبي فهلّلوا ***** لمّا طلعت من الصفوف وكبّروا

حتّى انتهيت إلى المصلّى لابسا ***** نور الهدى يبدو عليك فيظهر

ومشيت مشية خاضع متواضع ***** لله لا يزهى ولا يتكبّر

ولو أنّ مشتاقاً تكلّف غير ما ***** في وسعه لمشى إليك المنبر(۳).

وضجّت مدينة مرو بالبكاء والعويل لمّا رأوا الإمام(عليه السلام) بتلك الصورة وسمعوا تكبيره.

ترك الإمام الرضا(عليه السلام) للصلاة

بلغ المأمون ذلك فارتاع وفزع، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين، إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، وخفنا كلّنا على دمائنا، فأنفذ إليه أن يرجع.

فبعث إليه المأمون بعض جلاوزته: قد كلّفناك شططاً وأتعبناك، ولست أحبّ أن تلحقك مشقّة، فارجع وليصلّ بالناس من كان يصلّي بهم على رسمه. فدعا(عليه السلام) بخفّه فلبسه، ورجع من دون أن يصلّي بالناس. واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم تنتظم صلاتهم.

———————————–

۱- الكافي ۱ /۴۸۹٫

۲- المصدر السابق.

۳- مناقب آل أبي طالب ۳ /۴۸۰٫

بقلم: محمد أمين نجف

مناسبت توضيحات منبع
ىوم شوال قدم الخالق العظيم وصفاته

من البحوث المهمة التي أدلى بها الإمام الرضا ( عليه السلام ) هي قدم الخالق العظيم وصفاته ، قال ( عليه السلام ) لبعض أصحابه :

” اعلم علمك الله الخير ان الله تبارك وتعالى قديم والقدم صفته التي دلت العاقل على أنه لا شئ قبله ولا شئ معه في ديموميته فقد بان لنا باقرار العامة معجزة الصفة انه لا شئ قبل الله ولا شئ مع الله في بقائه وبطل قول من زعم أنه كان قبله أو كان معه شئ وذلك أنه لو كان معه شئ في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له لأنه لم يزل معه ، فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه ، ولو كان قبله شئ كان الأول ذلك الشئ لا هذا ، وكان الأول أولى بأن يكون خالقا للأول .

ثم وصف نفسه تبارك وتعالى بأسماء دعا الخلق إذ خلقهم وتعبدهم ، وابتلاهم إلى أن يدعوه بها ، فسمي نفسه سميعا بصيرا ، قادرا : قائما ، ناطقا ، ظاهرا ، باطنا ، لطيفا خبيرا قويا ، عزيزا ، حكيما ، عليما ، وما أشبه هذه الأسماء فلما رأى ذلك من أسمائه القالون المكذبون ، وقد سمعونا نحدث عن الله ، انه لا شئ مثله ، ولا شئ من الخلق في حاله ، قالوا : أخبرونا إذا زعمتم انه لا مثل لله ، ولا شبه له ، كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسميتم بجميعها ، فان في ذلك دليلا على أنكم مثله في حالاته كلها أو في بعضها دون بعض إذ جمعتم الأسماء الطيبة ؟

قيل لهم : ان الله تبارك وتعالى الزم العباد أسماء من أسمائه على اختلاف المعاني ، وذلك كما يجمع الاسم الواحد معنيين مختلفين ، والدليل على ذلك قول الناس الجائز عندهم الشائع ، وهو الذي خاطب الله به الخلق فكلمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجة في تضييع ما ضيعوا ، فقد يقال للرجل : كلب ، وحمار وثور ، وسكرة ، وعلقمة ، وأسد ، كل ذلك علي خلافه وحالاته لم تقع الأسامي على معانيها التي كانت بنيت عليها لان الانسان ليس بأسد ، ولا كلب ، فافهم ذلك رحمك الله .

وانما سمي الله تعالى بالعلم (1) بغير علم حادث علم به الأشياء ، استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره والروية فيما يخلق من خلقه ، ويفسد ما مضى مما افنى من خلقه ، مما لو لم يحضره ، ويغيبه كان جاهلا ضعيفا كما انا لو رأينا علماء الخلق انما سموا بالعلم لعلم حادث (2) إذ كانوا فيه جهلة ، وربما فارقهم العلم بالأشياء فعادوا إلى الجهل ، وانما سمي الله عالما لأنه لا يجهل شيئا ، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم ، واختلف المعنى على ما رأيت .

وسمي ربنا سميعا لا بخرق فيه يسمع الصوت ، ولا يبصر به كما أن خرقنا الذي به نسمع لا نقوى به على البصر ، ولكنه أخبر انه لا يخفى عليه شئ من الأصوات ، ليس على حد ما سمينا نحن ، فقد جمعنا الاسم بالسمع ، واختلف المعنى وهكذا البصر لا بخرق منه أبصر ، كما انا نبصر بخرق منا لا ننتفع به في غيره ، وهكذا البصر لا بخرق منه أبصر ، كما انا نبصر بخرق منا لا ننتفع به في غيره ، ولكن الله بصير لا يحتمل (3) شخصا ، منظورا إليه ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى وهو قائم ليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء ولكن قائم (4) يخبر أنه حافظ كقول الرجل : القائم بأمرنا فلان ، والله هو القائم على كل نفس بما كسبت ، والقائم أيضا كلام الناس : الباقي ، والقائم أيضا يخبر عن الكفاية ، كقولك للرجل قم بأمر بني فلان أي أكفهم ، والقائم منا قائم على ساق ، فقد جمعنا الاسم ، ولم يجمعنا المعنى وأما اللطيف فليس على قلة وقصافة وصغر ، ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء ، والامتناع من أن يدرك كقولك للرجل : لطف عني هذا الامر ، ولطف فلان في مذهبه ، وقوله : يخبرك أنه غمض فيه العقل ، وفات الطلب ، وعاد متعمقا ، متلطفا لا يدركه الوهم ، فكذلك لطف الله تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد أو يحد بوصف ، واللطافة منا الصغر والقلة ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى .

وأما الخبير فالذي لا يعزب عنه شئ ، ولا يفوته ، ليس للتجربة ، ولا للاعتبار بالأشياء ، فعند التجربة والاعتبار علمان ولولاهما ما علم لان من كان كذلك كان جاهلا ، والله لم يزل خبيرا بما يخلق الخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم ، فقد جمعنا الاسم ، واختلف المعنى وأما الظاهر فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب فوقها ، وقعود عليها وتسنم لذراها ، ولكن ذلك لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل : ظهرت على أعدائي ، وأظهرني الله على خصمي ، يخبر عن الفلج والغلبة فهكذا ظهور على الأشياء ، ووجه آخر انه الظاهر لمن أراده ، ولا يخفى عليه شئ وانه مدبر لكل ما برأ ، فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تبارك وتعالى لأنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت ، وفيك من آثاره ما يغنيك ، والظاهر منا البارز بنفسه ، والمعلوم بحده فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى . وأما الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا كقول القائل : أبطنته : يعني خبرته ، وعلمت مكتوم سره ، والباطن منا الغايب في الشئ المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى واما القاهر فليس على معنى علاج ونصب واحتيال ، ومدارة ومكر كما يقهر العباد بعضهم بعضا ، والمقهور منهم يعود قاهرا والقاهر يعود مقهورا ، ولكن ذلك من الله تبارك وتعالى على أن جميع ما خلق ملبس به الذل لفاعله ، وقلة الامتناع لما أراد به ، لم يخرج منه طرفة عين ، أن يقول له : ( كن فيكون ) والقاهر منا على ما ذكرت ووصفت ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى ، وهكذا جميع الأسماء ، وإن كنا لم نستجمعها كلها فقد يكتفي الاعتبار بما ألقينا إليك ، والله عونك وعوننا في ارشادنا وتوفيقنا . . ” . (5) .

وحفلت هذه الرسالة بالاستدلال على قدم الخالق العظيم المبدع والمكون للأشياء على اختلاف أنواعها ، كما حفلت بذكر بعض أسماء الله تعالى ، وانها وإن أطلقت على الانسان إلا ان المعنى مختلف ، فاطلاقها على الله غير اطلاقها على الانسان المفتقر إلى الله تعالى في جميع شؤونه وأحواله ومن الجدير بالذكر ان هذه الرسالة وصفها الكليني بأنها مرسلة ، وليست بمسندة .

نزاهة الخالق عن المكان :

وتنزه الخالق العظيم عن المكان والزمان اللذين هما من لوازم الموجودات التي تستند في وجودها إلى الله تعالى ، وقد خف رجل من وراء نهر بلخ نحو الإمام الرضا ( عليه السلام ) فقال له : ” إني أسألك عن مسألة فان أجبتني فيها بما عندي قلت بإمامتك . . ” .

” سل عما شئت . . . ” .

وعرض مسألته على الامام قائلا : ” أخبرني عن ربك متى كان ؟ وكيف كان اعتماده ؟ . . . ” .

واجابه الامام ببالغ الحجة قائلا : ” ان الله تبارك وتعالى أين الأين بلا أين ، وكيف الكيف بلا كيف ، وكان اعتماده على قدرته . . . ” .

ان الله تعالى هو الذي أوجد المكان والزمان فهما من مخلوقاته فكيف يتصف بهما ؟ وبهر الرجل من جواب الامام وسارع فقبل رأسه وقال :

” أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله وان عليا وصي رسول الله ، والقيم بعده بما أقام به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وانكم الأئمة الصادقون ، وانك الخلف من بعدهم ” (6) .

لقد كان الامام من مصادر الهداية والنور في الأرض فأشاع في عصره الايمان بالله ، وأقام الحجة على الخلق .

امتناع رؤية الله :

وكتب محمد بن عبيد إلى الإمام الرضا ( عليه السلام ) يسأله عن الرؤية – أي رؤية الله تعالى – وما ترويه العامة والخاصة في ذلك ، وسأل الامام أن يشرح له ذلك فكتب الامام إليه الرسالة التالية :

” اتفق الجميع لا تمانع بينهم ، أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة ، فإذا جاز أن يرى الله بالعين وقعت المعرفة ضرورة ، ثم لم تخل تلك المعرفة من أن تكون ايمانا أو ليست بايمان ، فان كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية ايمانا ، فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بايمان لأنها ضده ، فلا يكون في الدنيا مؤمن لأنهم لم يروا الله عز ذكره ، وان لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية ايمانا لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب أن تزول ، ولا تزول في المعاد ، فهذا دليل على أن الله عز وجل لا يرى بالعين ، إذ العين تؤدي إلى ما وصفنا . . ” (7) .

وأبطل الامام بهذه الحجة البالغة رؤية الخالق العظيم بالعين لا بالفكر والعقل ، فان الايمان به تعالى لو كان مرتبطا بها للزم أن يكون الايمان الناشئ من الأدلة الوجدانية على وجود الله ليس ايمانا ، وهو باطل ، وان كانت معرفة الله تعالى الناشئة من الرؤية ليست ايمانا ، فلازمه أن لا تكون المعرفة الناشئة من الأدلة موجبة للايمان وهو باطل أيضا .

إن الايمان بالخالق تعالى من الضروريات التي لا ينكرها الا من زاغ فكره ، وضل عقله ، والله تعالى أبرز حقيقة ظاهرة في هذا الوجود تدلل عليه مخلوقاته ابطال التفويض والجبر .

أما التفويض فهو يتصادم مع الدين الاسلامي ، وكذلك الجبر فإنه ليس من الاسلام في شئ ، وقد سأل الحسن بن علي الوشاء الامام عن ذلك فقال له : ” الله فوض الامر إلى العباد ؟ . . ” .

وسارع الامام في ابطال ذلك قائلا : ” الله أغر من ذلك . . . ” .

وانبرى الحسن قائلا : ” جبرهم على المعاصي ؟ . . . ” .

فرده الامام قائلا : ” الله أعدل ، وأحكم من ذلك . . ” .

وأضاف الامام قائلا : ” قال الله : يا بن آدم ، أنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيئاتك مني ، عملت بالمعاصي بقوتي التي جعلتها فيك . . . ” (8) .

ان الله تعالى منح عباده الإرادة الكاملة ، فهم بمحض ارادتهم يطيعون أو يعصون ، وليسوا مجبرين على شئ منهما .

ومما أثر عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) في ابطال الجبر والتفويض ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري قال : ذكر عند الإمام الرضا ( عليه السلام ) الجبر والتفويض فقال : الا أعطيكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه ولا يخاصمكم عليه أحد الا كسرتموه . . .

فقال أصحابه : إن رأيت ذلك فقال ( عليه السلام ) : ” إن الله تعالى لم يطع بإكراه ، ولم يعص بغلبة ، ولم يهمل العباد في ملكه ، وهو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإن إئتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صادرا ، ولا منها مانعا ، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإن لم يحل ففعلوا ، فليس هو الذي أدخلهم فيه . . . ” .

وعقب هذا البرهان الحاسم قال ( عليه السلام ) لأصحابه : من يضبط حدود هذا الكلام فقد خاصم من خالفه . . ” . (9) .

وأكد الامام هذا الامر في حديثه مع علي بن أسباط فقد سأله عن الاستطاعة ، فأجابه : ” يستطيع العبد بعد أربع خصال : أن يكون مخلى السرب ، صحيح الجسم ، سليم الجوارح ، له سبب وارد من الله . . . ” .

وانبرى على قائلا : ” جعلت فداك فسر لي هذا . . . ” .

وأوضح الإمام ( عليه السلام ) هذه الأمور بقوله : ” أن يكون العبد مخلى السرب ، صحيح الجسم ، سليم الجوارح يريد أن يزني فلا يجد امرأة ، ثم يجدها ، فأما أن يعصم نفسه فيمتنع ، كما امتنع يوسف ( عليه السلام ) أو يخلي بينه وبين ارادته فيزني فيسمى زانيا ، ولم يطع الله باكراه ، ولم يعصه بغلبة . . . ” (10) .

لقد عرض الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وبقية أئمة أهل الهدى ( عليهم السلام ) إلى بطلان الجبر والتفويض ، واثبتوا بصورة حاسمة لا تقبل الشك ان الامر بين الامرين ، لا جبر ولا تفويض . .

تفنيده لآراء القدرية :

وفند الإمام الرضا ( عليه السلام ) آراء القدرية ، وأبطل شبههم في حديث له مع يونس بن عبد الرحمن قال ( عليه السلام ) :

” يا يونس لا تقل : بقول القدرية ، فان القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة ، ولا بقول أهل النار ولا بقول إبليس فان أهل الجنة قالوا : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) وقال أهل النار : ( ربنا غلبت علينا شقوتنا ، وكنا قوما ضالين ) ، وقال إبليس : ( رب بما أغويتني . . . ) الآية .

وأنكر يونس ان يقول بمقالتهم قائلا : ” والله ما أقول بقولهم : ولكني أقول : لا يكون إلا بما شاء الله وأراد وقدر وقضى . . . ” .

ورد ( عليه السلام ) قائلا : ” يا يونس ليس هكذا ، لا يكون إلا ما شاء الله ، وأراد ، وقدر وقضى ، يا يونس تعلم ما المشيئة ؟ . . . ” .

قال يونس : لا .

وأوضح الامام له حقيقة المشيئة قائلا : ” هي الذكر الأول ، تعلم ما الإرادة ؟ . . . ” .

قال يونس : لا .

وبين الامام له واقع الإرادة قائلا : ” هي العزيمة على ما يشاء ، تعلم ما القدر ؟ . . . ” .

قال يونس : لا .

فقال ( عليه السلام ) : ” هي الهندسة ، ووضع الحدود من البقاء والفناء ، والقضاء هو الابرام ، وإقامة العين . . . ” .

وانحنى يونس اكبارا واجلالا للامام ، وقبل رأسه ، وقال له : ” فتحت لي شيئا كنت عنه في غفلة . . ” (11) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(

 

1) التوحيد ( ص 130 ) .

(2) التوحيد ( ص 137 ) .

(3) في نسخة بالعالم وهو الأصح .

(4) في التوحيد ” سموا بالعالم لعلم حادث إذ كانوا قبله جهلة .

(5) في التوحيد ” لا يجهل شخصا ” .

(6) في التوحيد ” ولكن أخبر أنه قائم يخبر أنه حافظ ” .

(7) أصول الكافي 1 / 120 – 123 .

(8) أصول الكافي 1 / 88 .

(9) أصول الكافي 1 / 96 – 97 .

(10) أصول الكافي 1 / 157 .

(11) عيون أخبار الرضا 1 / 144 .

المصدر: حياة الإمام الرضا (ع) / الشيخ باقر شريف القرشي

غزوة الخندق أو الأحزاب

مقدّمة

لمّا نقضت بنو قريظة صلحها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وانضمّت إلى صفوف المشركين، تغيّر ميزان القوى لصالح أعداء الإسلام.

فتحزّبت قريش والقبائل الأُخرى، ومعهم اليهود على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعلى المسلمين، وكان يقود الأحزاب أبو سفيان، فقاموا بتطويق المدينة بعشرة آلاف مقاتل، ممّا أدّى إلى انتشار الرُعب بين صفوف المسلمين، وتزلزلت نفوسهم، وظنّوا بالله الظنونا، كما قال الله تعالى: (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا)(۱).

حفر الخندق

استشار رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصحابه في معالجة الهجوم المتوقّع من قبل العدو على المدينة المنوّرة، فأجمع رأيهم على البقاء في المدينة ومحاربة القوم أن جاؤوا إليهم، كما توصّلوا إلى حفر خندق يحصّن المسلمين من أعدائهم.

فبدؤوا بحفر الخندق حول المدينة باتّجاه العدو، وخرج النبي(صلى الله عليه وآله) مع المسلمين ليشاركهم في حفر هذا الخندق وتقسيم العمل بينهم، وكان يحثّهم ويقول: «لا عيش إلّا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين الأنصار»(۲).

عدّة الجيشيين

قد اختلفت كلمات المؤرّخين في عدد الجيش الإسلامي الذي واجه الأحزاب في حرب الخندق، فقد ذهب أكثر المؤرّخين: إلى أنّهم كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها، ولكن الصحيح أنّهم سبعمائة شخص أو أقلّ من ألف.

واختلفت كذلك كلمات المؤرّخين في عدد المشركين: فقد قال المسعودي: فكان عدّة الجمع أربعة وعشرين ألفاً، وقال ابن شهر آشوب: كانوا ثمانية عشر ألف رجل، وقال ابن الربيع: كانوا أحد عشر ألفاً، والظاهر كان عددهم عشرة آلاف نفر، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر، ورئيس الكلّ أبو سفيان(۳).

مبارزة الإمام علي(عليه السلام) لعمرو بن عبد ودّ

تمكّنت مجموعة من العدو من عبور الخندق، وكان من بينهم عمرو بن عبد ودٍّ، فراح يصول ويجول، ويتوعّد ويتفاخر ببطولته، وينادي: هل من مبارز؟ فلم يجبه أحد، حتّى قال:

ولقد بححت من النداء ***** بجمعكم هل من مبارز

ووقفت إذ جبن الشجاع ***** بموقف البطل المناجز

إنّي كذلك لم أزل ***** متسرّعاً نحو الهزاهز

إنّ الشجاعة والسماحة ***** في الفتى خير الغرائز(۴).

فقام الإمام علي(عليه السلام) وقال: «أنا له يا رسول الله»!

فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): «اجلس، إنّه عمرو».

فقال الإمام علي(عليه السلام): «وإن كان عمرواً».

فعند ذلك أذن(صلى الله عليه وآله) له، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وألبسه درعه، وعمّمه بعمامته.

ثمّ قال(صلى الله عليه وآله): «إلهي أخذت عبيدة منّي يوم بدر، وحمزة يوم أُحد، وهذا أخي وابن عمّي، فلا تَذَرني فرداً وأنت خير الوارثين».

وقال(صلى الله عليه وآله) أيضاً: «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه»(۵).

ومضى الإمام علي(عليه السلام) إلى الميدان، وهو يقول:

لا تعجلنّ فقد أتاك ***** مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية وبصيرة ***** والصبر منجي كلّ فائز

إنّي لأرجو أن أقيم ***** عليك نائحة الجنائز

من ضربةٍ نجلاء يبقى ***** ذكرها عند الهزاهز(۶).

فتقدّم(عليه السلام) وكلّه ثقة بالله ونصره له، وخاطب ابن عبد ودٍّ بقوله: «يا عمرو، إنّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلّا قبلتها».

قال عمرو: أجل.

فقال الإمام علي(عليه السلام): «فانّي أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وتسلّم لربّ العالمين».

فقال: يابن أخي، أخّر عنّي هذه.

فقال له: «أما أنّها خير لك لو أخذتها».

ثمّ قال(عليه السلام): «وأُخرى ترجع إلى بلادك، فإن يك محمّد صادقاً كنت أسعد الناس به، وإن يك كاذباً كان الذي تريد».

قال: هذا ما لا تتحدّث به نساء قريش أبداً.

ثمّ قال(عليه السلام): «فالثالثة، أدعوكَ إلى البراز».

فقال عمرو: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أنّ أحداً من العرب يرومني عليها، ولم يابن أخي؟ إنّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديماً.

فردّ الإمام علي(عليه السلام) عليه قائلاً: «لكنِّي والله أُحبّ أن أقتلكَ».

فغضب عمرو، فقال له علي(عليه السلام): «كيف أقاتلك وأنت فارس، ولكن انزل معي».

فاقتحم عن فرسه فعقره، وسل سيفه كأنّه شعلة نار، وأقبل على الإمام علي(عليه السلام)، فصدّه برباطة جأش، وأرداه قتيلاً، فعلا التكبير والتهليل في صفوف المسلمين.

ولمّا قتل علي بن أبي طالب(عليه السلام) عمرواً أقبل نحو رسول الله(صلى الله عليه وآله) ووجهه يتهلّل، فقال له عمر بن الخطّاب: هلا سلبته يا علي درعه، فإنّه ليس في العرب درع مثلها؟

فقال(عليه السلام): «إنّي استحييت أن أكشف سوأت ابن عمّي».

وقال(عليه السلام) أبياتاً في قتل عمرو، منها:

نَصَرَ الحجارة من سفاهة رأيه ***** ونصرتُ دين محمّدٍ بضرابِ

فصددت حين تركته متجندلاً ***** كالجذع بين دكادكٍ وروابي

وعففت عن أثوابه ولو إنّني ***** كنت المقطّر بزّني أثوابي

لا تحسبنّ الله خاذل دينه ***** ونبيّه يا معشر الأحزابِ(۷).

ولمّا عاد الإمام(عليه السلام) ظافراً، استقبله رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو يقول: «لَمُبَارَزَة عليٍّ بن أبي طالب لِعَمرو بن عبد ودٍّ أفضلُ من عَمل أُمّتي إلى يوم القيامة»(۸).

وفي رواية: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة»(۹).

قال السروجي بالمناسبة:

ويوم عمرو العامري إذ أتى ***** في عسكر ملا الفضاء قد انتشر

فكان من خوف اللعين قبل ذاك ***** محمّد لخندقٍ قد احتفر

نادى بصوتٍ قد علا من جهله ***** يدعو علياً للبراز فابتدر

إليه شخص في الوغى عاداته ***** سفك دم الأقران بالعضب الذكر

فعندها قال النبي معلناً ***** والدمع في خدٍّ كأمثال الدرر

هذا هو الإسلام كلّ بارز ***** إلى جميع الشرك يا من قد حضر(۱۰).

فلولا الموقف البطولي للإمام(عليه السلام)، لاقتحم جيش المشركين المدينة على المسلمين بذلك العدد الهائل، وهكذا كانت بطولة الإمام علي(عليه السلام) في غزوة الخندق (الأحزاب)، فكانت أهمّ عناصر النصر لمعسكر الإيمان على معسكر الكفر والضلال.

وعن أبي الحسن المدائني قال: لمّا قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ودّ، نُعي إلى أُخته ـ واسمها عمرة وكنيتها أُمّ كلثوم ـ فقالت: من ذا الذي اجترأ عليه؟

فقالوا: ابن أبي طالب، فقالت: لم يعد موته إن كان على يد كفؤ كريم، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الأبطال وبارز الأقران، وكانت منيته على يد كفؤ كريم من قومه، ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر، ثمّ أنشأت تقول:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله ***** لكنت أبكي عليه آخر الأبد

لكن قاتل عمرو لا يُعاب به ***** مَن كان يُدعى قديماً بيضة البلد

من هاشم ذراها وهي صاعدة ***** إلى السماء تميت الناس بالحسد

قومٌ أبى الله إلّا أن يكون لهم***** كرامة الدين والدنيا بلا لدد

يا أُمّ كلثوم ابكيه ولا تدعي ***** بكاء معولة حري على ولد(۱۱).

وقت الانتصار

أقام المشركون بضعاً وعشرين ليلة لم يكن بينهم وبين المسلمين حرب إلّا الرمي بالنبل والحصا، ولكن بعد عبور أحد أبطال الشرك والكفر، وهو عمرو بن عبد ودٍّ العامري الخندق، ومبارزة الإمام علي(عليه السلام) له وقتله، تحقّق النصر للإسلام والمسلمين في الثالث من شوال ۵ﻫ.

———————————

۱- الأحزاب: ۱۰٫

۲- صحيح البخاري ۴ /۲۲۵٫

۳- اُنظر: الصحيح من سيرة النبي الأعظم ۹ /۱۷۹٫

۴- مناقب آل أبي طالب ۲ /۳۲۵٫

۵- شرح نهج البلاغة ۱۳ /۲۶۱، ينابيع المودّة ۱ /۲۸۱٫

۶- شرح نهج البلاغة ۱۳ /۲۹۲، مناقب آل أبي طالب ۲ /۳۲۵٫

۷- تاريخ الإسلام ۲ /۲۹۱، أحكام القرآن لابن العربي ۳ /۵۴۶٫

۸- تاريخ بغداد ۱۳ /۱۹، شواهد التنزيل ۲ /۱۴٫

۹- ينابيع المودّة ۱ /۴۱۲٫

۱۰- مناقب آل أبي طالب ۲ /۳۲۵٫

۱۱- أعيان الشيعة ۱ /۲۶۵٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

وصول مسلم بن عقيل (ع) إلى الكوفة

قرابته بالمعصوم(1)

ابن أخو الإمام علي، وابن عم الإمامين الحسن والحسين(عليهم السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو عبد الله، مسلم بن عقيل بن أبي طالب.

أُمّه

جارية، اسمها علية.

ولادته

ولد في عام ۲۲ﻫ بالمدينة المنوّرة.

زوجته

ابنة عمّه، رقية بنت علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

مكانته

كان(عليه السلام) من أجلّة بني هاشم، وكان عاقلاً عالماً شجاعاً، وكان الإمام الحسين(عليه السلام) يلقّبه بثقتي، وهو ما أشار إليه في رسالته إلى أهل الكوفة.

ولشجاعته اختاره عمُّه أمير المؤمنين(عليه السلام) في حرب صفّين، ووضعه على ميمنة العسكر مع الحسن والحسين(عليهما السلام).

إخبار النبي(صلى الله عليه وآله) بقتله

قال الإمام علي(عليه السلام) لرسول الله(صلى الله عليه وآله): «يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً؟

قال: أي والله إنّي لأحبّه حُبّين، حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالب له، وإن ولده مقتول ـ ويقصد بذلك مسلم ـ في محبّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون.

ثمّ بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى جرت دموعه على صدره، وقال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي»(۲).

خروجه إلى الكوفة

ارتأى الإمام الحسين(عليه السلام) أن يُرسل مندوباً عنه إلى الكوفة يهيّئ له الأجواء، وينقل له واقع الأحداث؛ ليستطيع أن يقرّر الموقف المناسب، ولابدّ لهذا السفير من صفات تؤهّله لهذه السفارة، فوقع الاختيار على مسلم بن عقيل(عليه السلام)؛ لما كان يتّصف به من الحكمة والشجاعة والإخلاص.

خرج مسلم(عليه السلام) من المدينة المنوّرة متوجّهاً إلى الكوفة في ۱۵ شهر رمضان ۶۰ﻫ، ويصحبه قيس بن مسهر مع دليلان يدلّانه الطريق.

حمله لرسالة الإمام الحسين(عليه السلام) لأهل الكوفة

خرج(عليه السلام) من المدينة حاملاً رسالة الإمام الحسين(عليه السلام) إلى أهل الكوفة، جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين، أمّا بعد: فإنّ فلاناً وفلاناً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر رسلكم، وفهمت مقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ، وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليَّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأته في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى»(۳).

وصوله إلى الكوفة

وصل(عليه السلام) الكوفة في ۵ شوال ۶۰ﻫ، فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وأقبلت الناس تختلف إليه، فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الإمام الحسين(عليه السلام) وهم يبكون، وبايعه الناس، حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل.

كتابه إلى الإمام الحسين(عليه السلام)

كتب مسلم(عليه السلام) كتاباً من الكوفة إلى الإمام الحسين(عليه السلام)، جاء فيه: «أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وأنّ جميع أهل الكوفة معك، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا، والسلام»(۴).

ما كتبه عملاء الحكم الأُموي عن تحرّكه

أرسل العملاء إلى يزيد رسائل تخبره عن مجيء مسلم(عليه السلام)، منها: «أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدِم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفّذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف»(۵).

إرسال ابن زياد إلى الكوفة

كتب يزيد بن معاوية رسالة إلى واليه في البصرة عبيد الله بن زياد؛ يطلب منه أن يذهب إلى الكوفة ليسيطر على الوضع فيها، ويقف أمام مسلم(عليه السلام) وتحرّكاته.

ومنذ وصول ابن زياد إلى قصر الإمارة في الكوفة، أخذ يتهدّد ويتوعّد المعارضين والرافضين لحكومة يزيد.

خروجه من دار المختار

لمّا سمع(عليه السلام) بوصول ابن زياد وما توعّد به، خرج من دار المختار سرّاً إلى دار هاني بن عروة ليستقرّ بها، ولكنّ جواسيس ابن زياد عرفوا بمكانه، فأمر ابن زياد بإلقاء القبض على هاني بن عروة وسجنه.

إعلانه الثورة على ابن زياد

لمّا بلغ خبر إلقاء القبض على هاني بن عروة إلى مسلم، أمر(عليه السلام) أن ينادى في الناس: «يا منصور أمت»، فاجتمع الناس في مسجد الكوفة.

فلمّا رأى ابن زياد ذلك، دعا جماعة من رؤساء القبائل، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ويخذلوا الناس عن مسلم، ويُعلموهم بوصول الجند من الشام.

فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول: انصرف الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له: غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر؟! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى مسلم وحيداً، ليس معه أحداً يدلّه على الطريق، فمضى على وجهه في أزقّة الكوفة، حتّى انتهى إلى باب امرأة يقال لها: طوعة، وهي على باب دارها تنتظر ولداً لها، فسلّم عليها وقال: يا أمة الله أسقيني ماءً، فسقته وجلس.

فقالت: يا عبد الله، قم فاذهب إلى أهلك؟ فقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل، فهل لك في أجرٍ ومعروف ولعلّي أُكافئك بعد اليوم؟ فقالت: ومَن أنت؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، فأدخلته إلى دارها.

مقاتلته لجيش ابن زياد

وفي الصباح عرف ابن زياد مكان مسلم(عليه السلام)، فأرسل جماعة لإلقاء القبض عليه، ولكنّ مسلم أخذ يقاتلهم قتال الأبطال وهو يقول:

أقسمتُ لا أُقتلُ إلّا حرّا *** إنّي رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا

كلُّ امرىءٍ يوماً ملاق شرّا *** أخافُ أن أُكذب أو أُغرّا

حتّى أُثخن بالجراحات، فألقوا عليه القبض وأخذوه أسيراً إلى ابن زياد.

دخوله على ابن زياد

أُدخل(عليه السلام) على ابن زياد، فأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعلياً وعقيلاً، ومسلم(عليه السلام) لا يكلّمه.

ثمّ قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثمّ أتبعوه جسده. فأخذه بكر بن حمران الأحمري ليقتله، ومسلم يكبّر الله ويستغفره، ويصلّي على النبي وآله ويقول: «اللّهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا».

ثمّ أمر ابن زياد بقتل هاني بن عروة فقُتل، وجُرّت جثّتاهما بحبلين في الأسواق.

شهادته

استُشهد في ۹ من ذي الحجّة ۶۰ﻫ، ودُفن بجنب جامع الكوفة في العراق، وقبره معروف يُزار.

ما نظمه الشعراء في مظلوميته

۱ـ قال عبد الله بن الزبير الأسدي:

«إذا كنتِ لا تدرين ما الموتُ فانظري *** إلى هاني بالسوقِ وابنِ عقيل

إلى بطلٍ قد هشّم السيفُ وجهَهُ *** وآخرَ يُهوي من طِمارِ قتيل

ترى جسداً قد غيّر الموتُ لونَهُ *** ونضح دم قد سال كلّ مسيل».

۲ـ قال السيّد باقر الهندي(قدس سره):

«سقتك دماً يابن عمّ الحسين *** مدامع شيعتك السافحة

ولا برحت هاطلات الدموع *** تحيّيك غادية رائحة

لأنّك لم ترو من شربةٍ *** ثناياك فيها غدت طائحة

رموك من القصر إذ أوثقوك *** فهل سلمت فيك من جارحة

تُجرّ بأسواقهم في الحبال *** ألست أميرهم البارحة

أتقضي ولم تبكك الباكيات *** أما لك في المصر من نائحة

لئن تقض نحباً فكم في زرود *** عليك العشية من صائحة»(۷).

——————————–

۱- اُنظر: معجم رجال الحديث ۱۹ /۱۶۵رقم۱۲۳۶۲، أعيان الشيعة ۱ /۵۹۱.

۲- الأمالي للصدوق: ۱۹۱ ح۲۰۰٫

۳- الإرشاد ۲ /۳۹.

۴- مثير الأحزان: ۲۱٫

۵- الإرشاد ۲ /۴۲.

۶- مثير الأحزان: ۲۶٫

۷- إبصار العين: ۸۷٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

هدم قبور أئمة البقيع

البقيع

بقعة شريفة طاهرة في المدينة المنوّرة قرب المسجد النبوي الشريف ومرقد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، فيها مراقد الأئمّة الأربعة المعصومين من أهل بيت النبوّة والرسالة(عليهم السلام)، وهم: الإمام الحسن المجتبى، والإمام علي زين العابدين، والإمام محمّد الباقر، والإمام جعفر الصادق(عليهم السلام).

جريمة آل سعود

بعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وضواحيهما عام ۱۳۴۴ﻫ، بدؤوا يفكّرون بوسيلة ودليل لهدم المراقد المقدّسة في البقيع، ومحو آثار أهل البيت(عليهم السلام) والصحابة.

وخوفاً من غضب المسلمين في الحجاز وفي عامّة البلاد الإسلامية، وتبريراً لعملهم الإجرامي المُضمر في بواطنهم الفاسدة، استفتوا علماء المدينة المنوّرة حول حُرمة البناء على القبور.

فكتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهابيين سليمان بن بليهد مستفتياً علماء المدينة، فاجتمع مع العلماء أوّلاً وتباحث معهم، وتحت التهديد والترهيب وقّع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور؛ تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء.

واستناداً لهذا الجواب اعتبرت الحكومة السعودية ذلك مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعين، وهي في الحقيقة إهانة لهم ولآل الرسول(صلى الله عليه وآله)، فتسارعت قوى الشرك والوهابية إلى هدم قبور آل الرسول(صلى الله عليه وآله) في الثامن من شوّال من نفس السنة ـ أي عام ۱۳۴۴ﻫ ـ فهدّموا قبور الأئمّة الأطهار والصحابة في البقيع، وسوّوها بالأرض وشوّهوا محاسنها، وتركوها عرضةً لوطئ الأقدام ودوس الهوام.

ونهبت كلّ ما كان في ذلك الحرم المقدّس، من فرش وهدايا وآثار قيّمة وغيرها، وحَوّلت ذلك المزار المقدّس إلى أرضٍ موحشة مقفرة.

وبعدما انتشر خبر تهديم القبور، استنكره المسلمون في جميع بقاع العالم على أنّه عمل إجرامي يسيء إلى أولياء الله ويحطّ من قدرهم، كما يحطّ من قدر آل الرسول (صلى الله عليه وعليهم) وأصحابه.

نشرت جريدة أُمّ القرى بعددها ۶۹ في ۱۷ شوّال ۱۳۴۴ﻫ نصّ الاستفتاء وجوابه، وكأنّ الجواب قد أُعدّ تأكيداً على تهديم القبور، وحدّدت تاريخ صدور الفتوى من علماء المدينة بتاريخ ۲۵ رمضان ۱۳۴۴ﻫ، امتصاصاً لنقمة المسلمين، إلّا أنّ الرأي العام لم يهدأ، لا في داخل الحجاز ولا في العالم الإسلامي، وتوالت صدور التفنيدات للفتوى ومخالفتها للشريعة الإسلامية.

وليت شعري أين كان علماء المدينة المنوّرة عن منع البناء على القبور ووجوب هدمه قبل هذا التاريخ؟! ولماذا كانوا ساكتين عن البناء طيلة هذه القرون من صدر الإسلام وما قبل الإسلام وإلى يومنا هذا؟!

ألم تكن قبور الشهداء والصحابة مبنيّ عليها؟ ألم تكن هذه الأماكن مزارات تاريخية موثّقة لأصحابها؟ مثل مكان: مولد النبي(صلى الله عليه وآله)، ومولد فاطمة(عليها السلام)، وقبر حوّاء أُمّ البشر والقبّة التي عليه، أين قبر حوّاء اليوم؟ ألم يكن وجوده تحفة نادرة يدلّ على موضع موت أوّل امرأة في البشرية؟ أين مسجد حمزة في المدينة ومزاره الذي كان؟ أين وأين… .

القرآن وبناء القبور

لو تتبعنا القرآن الكريم ـ كمسلمين ـ لرأينا أنّ القرآن الكريم يعظّم المؤمنين ويكرّمهم بالبناء على قبورهم ـ حيث كان هذا الأمر شائعاً بين الأُمم التي سبقت ظهور الإسلام ـ فيحدّثنا القرآن الكريم عن أهل الكهف حينما اكتُشف أمرهم ـ بعد ثلاثمّائة وتسع سنين ـ بعد انتشار التوحيد وتغلّبه على الكفر.

ومع ذلك نرى انقسام الناس إلى قسمين: قسم يقول: )ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً((۱) تخليداً لذكراهم ـ وهؤلاء هم الكافرون ـ بينما نرى المؤمنين ـ التي انتصرت إرادتهم فيما بعد ـ يدعون إلى بناء مسجد على الكهف، بجوار قبور أُولئك الذين رفضوا عبادة غير الله؛ كي يكون مركزاً لعبادة الله تعالى.

فلو كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين؟! ولماذا ذكر القرآن اقتراحهم دون نقد أو ردّ؟! أليس ذلك دليلاً على الجواز، )قَالَ الّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتّخِذَنّ عَلَيْهِم مّسْجِداً((۲).

فهذا تقرير من القرآن الكريم على صحّة هذا الاقتراح ـ بناء المسجد ـ ومن الثابت أنّ تقرير القرآن حجّة شرعية.

إنّ هذا يدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على البناء على القبور، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من التقدير لصاحب القبر، وتبرّكاً به لما له من منزلة عظيمة عند الله، ولذلك بني المسجد وأصبحت قبور أصحاب الكهف مركزاً للتعظيم والاحترام.

ولا زالت هذه الحالة موجودة حتّى في وقتنا الحاضر لقبور العظماء والملوك والخالدين، فهل توجد أخلد وأطهر من ذرّية رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً؟

البقيع في الشعر

لقد نظم كثير من الشعراء هذه الجريمة النكراء، منهم العلّامة السيّد صدر الدين الصدر(قدس سره):

لعـمري إنّ فاجعة البقيـع ** يُشيبُ لهولها فؤاد الرضيع

وسوف تكون فاتحة الرزايا ** إذا لم يُصحَ من هذا الهجوع

أما من مسلمٍ لله يرعى ** حقوق نبيّه الهادي الشفيع(۳).

وقال شاعر آخر:

تبّاً لأحفاد اليهود بما جَنـوا ** لم يكسـبوا من ذاك إلّا العارا

هتكوا حريـم محمّد فـي آله ** يا ويلهم قد خالفـوا الجبّارا

هَدَموا قبور الصالحين بحقدهم ** بُعداً لهم قد أغضبوا المختارا(۴).

وقال شاعر آخر:

لِمن القبور الدارسات بطيبة ** عفت لها أهل الشقا آثارا

قُل للّذي أفتى بهدم قبورهم ** أن سوف تصلى في القيامة نارا

أعَلِمتَ أيّ مراقد هدمتها ** هي للملائك لا تزال مزارا(۵).

وقال الشيخ عبد الكريم الممتن مؤرّخاً هدم قبور أئمّة البقيع:

لعمرك ما شاقني ربرب ** طفقت لتذكاره أنحب

ولا سحّ من مقلتي العقيق ** على جيرة فيه قد طنبوا

ولكن شجاني وفتّ الحشا ** أعاجيب دهر بنا يلعب

وحسبك من ذاك هدم القباب ** فذلك عن جوره يعرب

قباب برغم العلى هُدمت ** وهيهات ثاراتها تذهب

إلى م معاشر أهل الإبا ** يصول على الأسد الثعلب

لئن صعب الأمر في دركها ** فترك الطلّاب بها أصعب

أليس كما قال تاريخه ** بتهديمها انهدم المذهب(۶).

ـــــــــــــــــــــــــ

1و2. الكهف: ۲۱٫

3ـ بحوث في الملل والنحل ۱ /۳۳۹٫

4ـ المذاهب الإسلامية ـ الوهابية.

5ـ ليالي بيشاور ـ المجلس الثالث.

6ـ مستدركات أعيان الشيعة ۲ /۱۶۱٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

غزوة حُنين أو غزوة هوازن

موقع حُنين

حُنين واد قرب الطائف، بينه وبين مكّة ثلاث ليال، أو بضعة عشر ميلاً.

تاريخ الغزوة

خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى حُنين لثلاث ليال خلون من شوال سنة ثمان من الهجرة، ووصل إليها لعشر ليال خلون من شوال.

سبب الغزوة

لمّا فتح الله تعالى على رسوله(صلى الله عليه وآله) مكّة، أطاعته قبائل العرب إلّا هوازن وثقيفاً، فإنّهم كانوا طغاة عتاة مردة، فلمّا سمعت هوازن بفتح مكّة على يد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، جمعها رئيسها مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلّها، وكانوا اجتمعوا حين بلغهم خروجه(صلى الله عليه وآله) من المدينة، فظنّوا أنّه إنّما يريدهم، فلمّا بلغهم أنّه أتى مكّة عمدوا لحربه بعد مقامه بمكّة نصف شهر.

فجاؤوا حتّى نزلوا بحُنين، وحطّ مالك معهم النساء والصبيان والأموال، وبلغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما أجمعت عليه هوازن من حربه، فتهيّأ لقتالهم(۱).

عدد الجيش

خرج مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) اثنا عشر ألفاً، عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح بهم مكّة، وألفان من مسلمة الفتح، وخرج جيش العدو بثلاثين ألفاً.

تعبئة الجيش

عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبّأهم في وادي حُنين، وكمنوا في شعاب الوادي بإشارة دريد بن الصمّة، فإنّه قال لمالك: اجعل لك كميناً، إن حمل عليك القوم جاءهم الكمين من خلفهم، وكَرَرتَ أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد.

وعبّأ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصحابه في السحر وصفّهم صفوفاً، ووضع الألوية والرايات في أهلها، مع المهاجرين لواء يحمله علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وراية يحملها سعد بن أبي وقّاص، ومع الأنصار لواء للأوس مع أسيد بن حضير، ولواء للخزرج مع سعد بن عبادة، ومع قبائل العرب ألوية ورايات، وانحدر رسول الله(صلى الله عليه وآله) في وادي حُنين على تعبئة، وركب بغلته البيضاء، ولبس درعين والمغفر.

وقوع الحرب وهزيمة الناس

لمّا وصل رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى وادي حُنين، وإذا بالعدو قد سبقهم إليه، فأحاطوا برسول الله(صلى الله عليه وآله) وجيشه وحملوا عليهم حملة رجل واحد، فانهزم الناس خوفاً منهم، أخذ ينادي(صلى الله عليه وآله): «أيّها الناس هلمّوا إليّ، أنا رسول الله محمّد بن عبد الله»، فلا يأتيه أحد!

ولمّا رأى(صلى الله عليه وآله) هزيمة القوم عنه قال للعباس ـ وكان صيّتاً جهوري الصوت: «ناد القوم وذكّرهم العهد»، فنادى بأعلى صوته: يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة! إلى أين تفرّون؟ اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله)(۲).

الذين ثبتوا ولم ينهزموا

إنّ الذين ثبتوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم حُنين بعد هزيمة الناس هم: علي بن أبي طالب(عليه السلام)، والعباس بن عبد المطّلب، والفضل بن العباس بن عبد المطّلب، وربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطّلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وأيمن بن عبيد، وهو ابن أُمّ أيمن مولاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وحاضنته، وقد قُتل يوم حُنين.

وقال العباس بن عبد المطّلب في ذلك:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة ** وقد فرّ مَن قد فرّ منهم واقشعوا

وقولي إذا ما الفضل شدّ بسيفه ** على القوم أُخرى يا بُني ليرجعوا

وعاشرنا لاقى الحمام بسيفه ** بما مسّه في الله لا يتوجّع

يعني أيمن بن عبيد.

وقال الشيخ المفيد(قدس سره): «لم يبق مع النبي(صلى الله عليه وآله) إلّا عشرة نفر، تسعة من بني هاشم خاصّة، والعاشر أيمن ابن أُمّ أيمن»(۳).

هزيمة العدو ونصرة المسلمين

قال الشيخ المفيد(قدس سره): «وأقبل رجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام القوم، إذا أدرك ظفراً من المسلمين اكبّ عليهم، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه من المشركين فاتّبعوه، وهو يرتجز ويقول:

أنا أبو جرول لا براح ** حتّى نبيح القوم أو نباح

فصمد له علي(عليه السلام) فضرب عجز بعيره فصرعه، ثمّ ضربه فقطره، ثمّ قال:

قد علم القوم لدى الصباح ** إنّي في الهيجاء ذو نطاح

فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول، ثمّ التأم الناس وصُفّوا للعدو، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «اللّهمّ إنّك أذقت أوّل قريش نكالاً، فأذق آخرها نوالاً»، وتجالد المسلمون والمشركون، فلمّا رآهم النبي(صلى الله عليه وآله) قام في ركابي سرجه حتّى أشرف على جماعتهم، وقال: «الآن حمي الوطيس»:

أنا النبي لا كذب ** أنا ابن عبد المطّلب

فما كان بأسرع من أن ولّى القوم أدبارهم، وجيء بالأسرى إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكتّفين(۴).

قال سلمة بن الأكوع: «ونزل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن البغلة، ثمّ قبض قبضة من تراب، ثمّ استقبل به وجوههم وقال: “شاهت الوجوه”، فما خلق الله منهم إنساناً إلّا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولّوا مدبرين، واتبعهم المسلمون فقتلوهم، وغنّمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم وأموالهم»(۵).

ولمّا انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجّه بعضهم نحو نخلة.

ثمّ جُمعت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) سبايا حُنين وأموالها، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحُبست بها، وأخّر قسمتها حتّى رجع من حصار الطائف.

نزول آيات قرآنية

وحول ما حصل في حُنين من فرار الناس عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنزل الله تعالى قوله: )وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثمّ وَلّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثمّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لّمْ تَرَوْهَا((۶).

قال الشيخ المفيد(قدس سره): «يعني بالمؤمنين علياً ومن ثبت معه من بني هاشم، أو عامّة المؤمنين الذين رجعوا بعد الهزيمة، وكان رجوعهم بثباته(عليه السلام) ومن معه، ومحاماته عن النبي(صلى الله عليه وآله)، وحفظه من القتل»(۷).

غزوة أوطاس والطائف

قال الشيخ المفيد(قدس سره): «ولمّا فضّ الله جمع المشركين بحُنين، تفرّقوا فرقتين: فأخذت الأعراب ومن تبعهم إلى أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعها إلى الطائف، فبعث النبي(صلى الله عليه وآله) أبا عامر الأشعري إلى أوطاس في جماعة منهم أبو موسى الأشعري.

وبعث أبا سفيان صخر بن حرب إلى الطائف، فأمّا أبو عامر فإنّه تقدّم بالراية، وقاتل حتّى قُتل، فقال المسلمون لأبي موسى: أنت ابن عمّ الأمير وقد قُتل، فخذ الراية حتّى تقاتل دونها، فأخذها أبو موسى فقاتل المسلمون حتّى فتح الله عليهم.

وأمّا أبو سفيان فإنّه لقيته ثقيف فضربوه على وجهه، فانهزم ورجع إلى النبي(صلى الله عليه وآله)، فقال: بعثتني مع قوم لا يرقع بهم الدلاء من هذيل والأعراب، فما أغنوا عنّي شيئاً! فسكت النبي(صلى الله عليه وآله) عنه.

ثمّ سار بنفسه(صلى الله عليه وآله) إلى الطائف فحاصرهم أيّاماً، وأنفذ علياً(عليه السلام) في خيل وأمره أن يطأ ما وجده، ويكسر كلّ صنم وجده، فخرج حتّى لقيته خيل خثعم في جمع كثير، فبرز له رجل من القوم يقال له شهاب في غبش الصبح.

فقال: هل من مبارز؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): “من له”؟ فلم يقم إليه أحد، فقام إليه أمير المؤمنين(عليه السلام) فوثب أبو العاص بن الربيع، فقال: تكفاه أيّها الأمير، فقال: “لا، ولكن إن قُتلت فأنت على الناس”، فبرز إليه علي(عليه السلام) وهو يقول:

إنّ على كلّ رئيس حقّاً ** إن يروي الصعدة أو تدقّا

ثمّ ضربه وقتله، مضى في تلك الخيل حتّى كسر الأصنام، وعاد إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو محاصر لأهل الطائف، فلمّا رآه النبي(صلى الله عليه وآله) كبّر للفتح، وأخذ بيده فخلا به وناجاه طويلاً»(۸).

خلوة النبي(صلى الله عليه وآله) بعلي(عليه السلام)

قال جابر بن عبد الله الأنصاري: «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لمّا خلا بعلي يوم الطائف، أتاه بعض المهاجرين فقال: أتناجيه دوننا، وتخلو به؟

فقال: “ما أنا انتجيته، بل الله انتجاه”، فأعرض وهو يقول: هذا كما قلت لنا قبل الحُديبية لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين فلم ندخله، وصُددنا عنه، فناداه النبي(صلى الله عليه وآله): “لم أقل لكم أنّكم تدخلونه من ذلك العام”(۹).

تقسيم الغنائم

رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى الجعرانة بمن معه من الناس، وقسّم بها ما أصاب من الغنائم يوم حُنين، وهي: ستّة آلاف من الذراري والنساء، ومن البهائم ما لا يُحصى ولا يُدرى(۱۰).

من السبايا

وقد كان فيما سُبي أُخته بنت حليمة السعدية، فلمّا قامت على رأسه قالت: يا محمّد أُختك شيماء بنت حليمة، فنزع رسول الله(صلى الله عليه وآله) برده فبسطه لها فأجلسها عليه، ثمّ أكبّ عليها يسألها، وهي التي كانت تحضنه إذ كانت أُمّها ترضعه(۱۱).

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: أعيان الشيعة ۱ /۲۷۸٫

۲و۳ المصدر السابق ۱ /۲۷۹٫

4ـ الإرشاد ۱ /۱۴۲٫

5ـ بحار الأنوار ۲۱ /۱۶۷٫

6ـ التوبة: ۲۵ ـ ۲۶٫

7ـ أعيان الشيعة ۱ /۲۷۹٫

8ـ الإرشاد ۱ /۱۵۱٫

9ـ أعيان الشيعة ۱ /۲۸۱٫

11ـ اُنظر: تفسير مجمع البيان ۵ /۳۶٫

12ـ إعلام الورى بأعلام الهدى ۱ /۲۳۹٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

معركة أُحد وشهادة حمزة

مكان المعركة

أُحُد: جبل يبعد عن المدينة المنوّرة ميلين أو ثلاثة بجهة مكّة المكرّمة، حصلت فيه المعركة.

تاريخ المعركة

۱۵ شوال ۳ﻫ، وقيل: ۱۷ شوال ۳ﻫ.

الهدف من المعركة

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «كان سبب غزاة أُحد أنّ قريشاً لمّا رجعت من بدر إلى مكّة، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر؛ لأنّهم قُتل منهم سبعون، وأُسر سبعون، قال أبو سفيان: يا معشر قريش! لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم، فإنّ الدمعة إذا خرجت أذهبت بالحزن والعداوة لمحمّد، فلمّا غزوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم أُحد، أذنوا لنسائهم بالبكاء والنوح، وخرجوا من مكّة في ثلاثة آلاف فارس وألفي راجل، واخرجوا معهم النساء، فلمّا بلغ رسول الله(صلى الله عليه وآله) ذلك جمع أصحابه وحثّهم على الجهاد…»(۱).

العُدّة والعدد

خرجت قريش بثلاثة آلاف رجل يقودهم أبو سفيان بن حرب، معهم مائتا فرس قد جنبوها، وثلاثة آلاف بعير، وفيهم سبعمائة دارع، والظعن خمس عشرة امرأة، وخرجوا بعدّة وسلاح كثير.

وخرج النبي(صلى الله عليه وآله) في ألف مقاتل من المسلمين، وفي الطريق انعزل عبد الله بن أُبي بن سلول ومن معه من أهل النفاق، وهم ثلثمائة رجل، فبقي رسول الله(صلى الله عليه وآله) في سبعمائة مقاتل، فيهم مائة دارع ومعهم فرسان، فرس لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وفرس لأبي بردة بن نبار.

الجيش الإسلامي

عبّأ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصحابه وسَوّى الصفوف، وعقد ثلاثة ألوية؛ لواء المهاجرين بيد أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولواء الأوس بيد أسيد بن حضير، ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر، وقيل بيد سعد بن عبادة.

ثمّ وضع(صلى الله عليه وآله) خمسين رجلاً من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير خلف الجيش على حافة الجبل، وأوصاهم بالثبات وعدم ترك أماكنهم، وأكّد على ذلك، حتّى روي أنّه(صلى الله عليه وآله) أوصاهم بأن يلزموا مراكزهم ولا يتركوها حتّى في حالة النصر أو الهزيمة.

بدء المعركة

نشبت الحرب بين الجانبين، فصاح طلحة بن أبي طلحة العبدري، وهو صاحب لواء المشركين: يا محمّد، تزعمون أنّكم تجهزوننا بأسيافكم إلى النار، ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنّة، فمن شاء أن يلحق بجنّته فليبرز إليَّ؟

فبرز إليه الإمام علي(عليه السلام)، فبدره بضربة على رأسه فقتله، ثمّ تقدّم بلواء المشركين أخوه، والنساء خلفه يحرِّضن ويضرِبْن بالدفوف، فتقدّم نحوه حمزة ـ عمّ النبي(صلى الله عليه وآله) ـ وضربه ضربة واحدة وصلت إلى رئته فمات.

وعن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «كان أصحاب اللواء يوم أُحد تسعة، قتلهم علي(عليه السلام) عن آخرهم»(۲).

قال الواقدي: «لقد قُتل أصحاب اللواء وانكشف المشركون منهم لا يلوون، ونساؤهم يدعين بالويل بعد ضرب الدفاف والفرح»(۳).

انهزام جيش العدو

قال الواقدي: «ولمّا انهزم المشركون تبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا، حتّى أخرجوهم من المعسكر، ووقعوا ينتهبونه ويأخذون ما فيه من الغنائم.

فلمّا رآهم الرماة قال بعضهم لبعض: لمَ تقيمون ها هنا في غير شيء، قد هزم الله العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا معهم.

فقال بعضهم: ألم تعلموا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لكم: “احمُوا ظُهُورَنا، وإنْ غَنِمْنا فلا تشرِكُونا”؟ فقال الآخرون: لم يرد رسول الله هذا»(۴).

هجوم خالد بن الوليد على الجيش الإسلامي

ذهب الرماة الذين أوصاهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعدم ترك أماكنهم إلى معسكر المشركين يجمعون الغنائم، وتركوا أماكنهم على الجبل، ولمّا نظر خالد بن الوليد إلى خلوّ أماكنهم كرّ بالخيل إلى موضع الرماة، وحمل عليهم، فانهزم الناس وفرّوا.

في قلب المعركة

عندما وجد المشركون خيلهم تقاتل رجعوا من هزيمتهم، وكرُّوا على المسلمين من أمامهم وهم مشغولون بجمع الغنائم، فأصبح المسلمون وسط الحلقة، وانتقضت سيوفهم، وأخذ يضرب بعضهم بعضاً من العجلة والدهشة!!

فتفرّق أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) عنه، وأخذ المشركون يحملون عليه يريدون قتله.

وعن زيد بن وهب قال: «قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتّى لم يبق معه إلّا علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف؟

قال: انهزم الناس إلّا علي بن أبي طالب(عليه السلام) وحده، وثاب إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) نفر، وكان أوّلهم عاصم بن ثابت وأبو دجانة وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيد الله. فقلت له: وأين كان أبو بكر وعمر؟ قال: كانا ممّن تنحّى، قال: وأين عثمان؟ قال: جاء بعد ثلاثة من الوقعة، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): “لقد ذهبت فيها عريضة”؟(۵).

وقال ابن الأثير: «وقاتل رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم أُحد قتالاً شديداً، فرمى بالنبل حتّى فني نبله، وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره»(۶).

قال أبو سعيد الخدري: «لمّا كان يوم أُحد شُجّ النبي(صلى الله عليه وآله) في وجهه، وكُسرت رباعيته، فقام(عليه السلام) رافعاً يديه يقول: “إنّ الله اشتدّ غضبه على اليهود أن قالوا: عُزير بن الله، واشتدّ غضبه على النصارى أن قالوا: المسيح بن الله، وإنّ الله اشتدّ غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي”»(۷).

منقبة للإمام علي(عليه السلام)

عن أبي رافع قال: «لمّا كان يوم أُحد نظر النبي(صلى الله عليه وآله) إلى نفر من قريش، فقال لعلي: “احمل عليهم”، فحمل عليهم فقتل هاشم بن أُميّة المخزومي وفرّق جماعتهم فقتل فلاناً الجمحي، ثمّ نظر(صلى الله عليه وآله) إلى نفرٍ من قريش، فقال لعلي: “احمل”، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم وقتل فلاناً الجمحي، ثمّ نظر إلى نفر من قريش، فقال لعلي: “احمل عليهم”، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم وقتل أحد بني عامر بن لؤي، فقال له جبرائيل(عليه السلام): “إنّ هذه المواساة”، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): “إنّه منّي وأنا منه”، فقال له جبرائيل: “وأنا منكم يا رسول الله”»(۸).

شهادة حمزة(رضي الله عنه)

كانت هند بنت عتبة ـ زوجة أبي سفيان ـ قد أعطت وحشياً عهداً لئن قتلت محمّداً أو علياً أو حمزة، لأعطينّك كذا وكذا.

فقال وحشي: أمّا محمّد فلم أقدر عليه، وأمّا علي فرأيته حذراً كثير الالتفات فلا مطمع فيه، فكمنت لحمزة فرأيته يهدّ الناس بسيفه، ما يلقي أحداً يمرُّ به إلّا قتله، فهززت حربتي فرميتُه، فوقعت في أربيته ـ أصل الفخذ ـ، حتّى خرجت من بين رجليه فوقع، فأمهلته حتّى مات، وأخذت حربتي وانهزمت من المعسكر(۹).

وروي أنّ هند وقعت على القتلى، ولمّا وصلت إلى حمزة بقرت كبده فلاكته، فلم تستطع أن تسيغه فلفِظَته، ثمّ قطعت أنفه وأُذنيه، وجعلت ذلك كالسوار في يديها وقلائد في عنقها.

وبعد انتهاء المعركة، أبصر رسول الله(صلى الله عليه وآله) عمّه حمزة وقد مُثّل به، فقال(صلى الله عليه وآله): «ما وقفت موقفاً قطّ أغيظ إليَّ من هذا الموقف»(۱۰)، ثمّ وضعه إلى القبلة وصلّى عليه وبكى.

وكان(صلى الله عليه وآله) يقول: «يا عمّ رسول الله، وأسد الله، وأسد رسول الله، يا حمزة، يا فاعل الخيرات، يا حمزة، يا كاشف الكربات، يا حمزة، يا ذابّ يا مانع عن وجه رسول الله»(۱۱).

قال ابن الأثير: «ومرّ(صلى الله عليه وآله) بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح، فذرفت عيناه بالبكاء، وقال: “لكن حمزة لا بواكي له”، فرجع سعد بن معاذ إلى دار بني عبد الأشهل فأمر نساءهم أن يذهبن فيبكين على حمزة»(۱۲).

بعد المعركة

بعد انصراف جيش المشركين بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) الإمام علي(عليه السلام) وقال له: «اُخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنّهم يريدون مكّة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يُريدون المدينة، فوالله لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها، ثمّ لأُناجزنّهم».

فقال الإمام علي(عليه السلام): «فخرجتُ في آثارهم، فرأيتهم امتطوا الإبل واجتنبوا الخيل»(۱۳).

شهداء المسلمين

لقد سقط سبعون شهيداً في المعركة، منهم: حمزة بن عبد المطّلب، عبد الله بن جحش، مصعب بن عمير، شماس بن عثمان، وهؤلاء الأربعة هم الشهداء من المهاجرين.

وعمرو بن معاذ بن النعمان، الحارث بن أنس بن رافع، عمارة بن زياد بن السكن، سلمة بن ثابت بن وقش، عمرو بن ثابت بن وقش، ثابت بن وقش، حنظلة بن أبي عامر ـ وهو غسيل الملائكة ـ، عبد الله بن جبير بن النعمان ـ وهو أمير الرماة ـ، أوس بن ثابت بن المنذر أخو حسّان بن ثابت، أنس بن النضر ـ عمّ أنس بن مالك خادم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، سهل بن قيس بن أبي كعب.

الرجوع إلى المدينة

بعد أن عاد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأصحابه إلى المدينة، استقبلته فاطمة الزهراء(عليها السلام) ومعها إناء فيه ماء، فغسل وجهه، ولحقه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وقد خضّب الدم يده إلى كتفه، ومعه سيفه ذو الفقار، فناوله فاطمة وقال(عليه السلام) لها: «خُذي هذا السيف، فقد صدّقني».

وقال لها الرسول(صلى الله عليه وآله): «خُذيه يا فاطمة، فقد أدّى بَعلُك ما عليه، وقد قتل اللهُ بسيفه صناديد قُريش»(۱۴).

———————————

۱- تفسير مجمع البيان ۲ /۳۷۶٫

۲- الإرشاد ۱/ ۸۸٫

۳- شرح نهج البلاغة ۱۴ /۲۳۹٫

۴- أعيان الشيعة ۱ /۲۵۷٫

۵- الإرشاد ۱ /۸۳٫

۶- الكامل في التاريخ ۲ /۱۵۷٫

۷- الأمالي للطوسي: ۱۴۲٫

۸- تاريخ مدينة دمشق ۴۲ /۷۶٫

۹- اُنظر: أعيان الشيعة ۱ /۲۵۷٫

۱۰- شرح نهج البلاغة ۱۵ /۱۶٫

۱۱- السيرة الحلبية ۲ /۵۳۴٫

۱۲- الكامل في التاريخ ۲ /۱۶۳٫

۱۳-  أعيان الشيعة ۱ /۲۵۸٫

۱۴- الإرشاد ۱ /۹۰٫

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

وفاة عبد العظيم الحسني(ع)

قرابته بالمعصوم(1)

من أحفاد الإمام الحسن المجتبى(ع).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو القاسم، عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن المجتبى(ع).

ولادته

ولد في الرابع من ربيع الثاني 173ﻫ بالمدينة المنوّرة.

صحبته

کان(ع) من أصحاب الإمامينِ الهادي والعسكري(عليهما السلام).

من أقوال الإمام الهادي(ع) فيه

1ـ قال(ع) له: «مَرْحَباً بِكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَنْتَ وَلِيُّنَا حَقّاً»(2).

2ـ قال(ع) لحمّاد الرازي: «يَا حَمَّادُ، إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ بِنَاحِيَتِكَ، فَسَلْ عَنْهُ عَبْدَ الْعَظِيمِ بْنَ عَبْدِ اللهِ الحَسَنِيَّ، وَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَام»(3).

من أقوال العلماء فيه

1ـ قال العلّامة الحلّي(قدس سره): «كان عابداً ورعاً»(4).

2ـ قال الشيخ ابن داود الحلّي(قدس سره): «عابد ورع، كان مرضياً»(5).

3ـ قال السيّد البروجردي(قدس سره): «وفضله وجلالته أشهر من أن يُذكر، وقبره الآن مزار للشيعة، وقد برز منه الكرامات الباهرة»(6).

4ـ قال الشيخ عباس القمّي(قدس سره): «وعلوّ مقامه وجلالة شأنه أظهر من الشمس، فإنّه من سلالة خاتم النبيّين، وهو مع ذلك من أكابر المحدّثين، وأعاظم العلماء والزهّاد والعبّاد، وذوي الورع والتقوى»(7).

استقراره في الري

هرب(ع) من جور الخليفة المتوكّل العبّاسي من مدينة سامرّاء إلى الري ـ جنوب العاصمة طهران ـ ليعيش في سرداب لأحد الشيعة في محلّة سكّة الموالي في الري، فكان الشيعة يتوافدون عليه ليتزوّدوا من علومه ورواياته، وكان معزّزاً مكرّماً عندهم، فكانوا يؤمّونه فيحلّ مسائلهم الشرعية ومشاكلهم الدينية، وكان ممثّلاً للإمام الهادي(ع) في تلك المنطقة(8).

روايته للحديث

يُعتبر من رواة الحديث في القرن الثالث الهجري، وقد وقع في أسناد كثير من الروايات تبلغ زهاء (22) مورداً، فقد روى أحاديث عن الإمامينِ الجواد والهادي(عليهما السلام).

من أولاده

محمّد، قال عنه الشيخ النمازي الشاهرودي(قدس سره): «جليل القدر، معروف بالزهد وكثرة العبادة»(9).

من مؤلّفاته

خطب أمير المؤمنين(ع).

وفاته

تُوفّي(ع) في الخامس عشر من شوّال 252ﻫ، ودُفن بمدينة الري جنوب العاصمة طهران، وقبره معروف يُزار.

ثواب زيارته

روي في فضل زيارته روايات متظافرة، منها: أنّه دخل بعض أهل الري على الإمام الهادي(ع)، فقال له: «أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: زُرْتُ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(عليهما السلام). فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ زُرْتَ قَبْرَ عَبْدِ الْعَظِيمِ عِنْدَكُمْ لَكُنْتَ كَمَنْ زَارَ الحُسَيْنَ(ع)»(10).

زيارته

وردت في زيارته هذه الفقرات التي تدلّ على عظمته وفضله عند الله تعالى:

«اَلسَّلاَمُ عَلَى اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ اَلمُطِيعِ لِله رَبِّ اَلْعَالَمِينَ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَا اَلْقَاسِمِ اِبْنَ اَلسِّبْطِ اَلمُنْتَجَبِ اَلمُجْتَبَى، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مَنْ بِزِيَارَتِهِ ثَوَابُ زِيَارَةِ سَيِّدِ اَلشُّهَدَاءِ يُرْتَجَى، اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ عَرَّفَ اَللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي اَلجَنَّةِ… يَا سَيِّدِي وَاِبْنَ سَيِّدِي اِشْفَعْ لِي فِي اَلجَنَّةِ، فَإِنَّ لَكَ عِنْدَ اَللهِ شَأْناً مِنَ اَلشَّأْنِ»(11).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: معجم رجال الحديث 11/ 50 رقم6591.

2ـ الأمالي للصدوق: 419 ح24.

3ـ مستدرك الوسائل 17/ 321 ح21470.

4ـ خلاصة الأقوال: 226 رقم12.

5ـ رجال ابن داود: 130 رقم963.

6ـ طرائف المقال 1/ 317 رقم2286.

7ـ مفاتيح الجنان: 810.

8ـ اُنظر: رجال النجاشي: 248 رقم653.

9ـ مستدركات علم رجال الحديث 4/ 451 رقم7927.

10ـ كامل الزيارات: 537 ح828.

11ـ مفاتيح الجنان: 813.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

غزوة بني قينقاع

مقدّمة(1)

كان بالمدينة المنوّرة ثلاثة أبطن من اليهود: بنو النضير وقريظة وقينقاع، وكان بنو قينقاع حلفاء لعبادة بن الصامت وعبد الله بن أُبي بن سلول، وكانوا أشجع اليهود، وكانوا صاغة، فلمّا كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد ونبذوا العهد، لأنّه(صلى الله عليه وآله) كان عاهدهم وعاهد بني قريظة وبني النضير أن لا يُحاربوه، وأن لا يُظاهروا عليه عدوّه.

تاريخ الخروج إلى الغزوة

15 شوال 2ﻫ.

سبب الغزوة

كانت امرأة من الأعراب زوجة لبعض الأنصار، فقدمت بجلب ـ وهو ما يُجلب ليُباع من أبل وغنم وغيرهما ـ فباعته بسوق بني قينقاع، فجلست إلى صائغ منهم، فجعل جماعة منهم يُراودونها عن كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فخاطه بشوكة إلى ظهرها وهي لا تشعر، فلمّا قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون(2).

خروج النبي(صلى الله عليه وآله) إلى بني قينقاع

سار(صلى الله عليه وآله) إلى بني قينقاع، فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة أشدّ الحصار، وكانوا أوّل مَن غدر من اليهود، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع، فنزلوا على حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أن يُخلّي سبيلهم، وأن يجلوا من المدينة ولهم النساء والذرية، ولرسول الله(صلى الله عليه وآله) الأموال والسلاح، ولحقوا بأذرعات(3).

لواؤه

كان لواؤه(صلى الله عليه وآله) مع حمزة بن عبد المطّلب، ولم تكن الرايات يومئذ.

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: أعيان الشيعة 1/ 251.

2ـ اُنظر: السيرة الحلبية 2/ 475.

3ـ اُنظر: تاريخ الطبري 2/ 173.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

رد الشمس للإمام أمير المؤمنين (ع)

مقدّمة

لا شكّ ولا شبهة في أنّ الولاية التكوينية ثابتة للرسول والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، وعليه فلا استغراب في ردّ الشمس لأمير المؤمنين علي(عليه السلام) مرّتين، مرّة في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأُخرى بعد رجوعه(عليه السلام) من معركة النهروان.

ما يدلّ على ردّ الشمس مرّتين

۱ـ قال الإمام علي(عليه السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى ردّ عليّ الشمس مرّتين، ولم يردّها على أحد من أُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله) غيري»(1).

۲ـ قيل لابن عباس: ما تقول في علي بن أبي طالب؟

فقال: «ذكرت والله أحد الثقلين، سبق بالشهادتين، وصلّى القبلتين، وبايع البيعتين، وأُعطي السبطين، وهو أبو السبطين الحسن والحسين، ورُدّت عليه الشمس مرّتين، بعدما غابت عن القبلتين، وجرّد السيف تارتين، وهو صاحب الكرّتين، فمثله في الأُمّة مثل ذي القرنين، ذاك مولاي علي بن أبي طالب(عليه السلام)»(2).

۳ـ قال الشيخ المفيد(قدس سره): «وممّا أظهره الله تعالى من الأعلام الباهرة على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ما استفاضت به الأخبار، ورواه علماء السير والآثار، ونظمت فيه الشعراء الأشعار، رجوع الشمس له(عليه السلام) مرّتين: في حياة النبي(صلى الله عليه وآله) مرّة، وبعد وفاته أُخرى»(3).

ردّ الشمس في زمن النبي(صلى الله عليه وآله)

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) العصر، فجاء علي(عليه السلام) ولم يكن صلّاها، فأوحى الله إلى رسوله(صلى الله عليه وآله) عند ذلك، فوضع رأسه في حجر علي(عليه السلام)، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن حجره حين قام وقد غربت الشمس، فقال: يا علي، أما صلّيت العصر؟ فقال: لا يا رسول الله.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): اللّهم إنّ عليّاً كان في طاعتك، فاردد عليه الشمس، فرُدّت عليه الشمس عند ذلك »(4).

وقالت أسماء بنت عُميس: «أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يُصلّي العصر مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فوافق رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد انصرف، ونزل عليه الوحي، فأسنده إلى صدره، فلم يزل مسنده إلى صدره حتّى أفاق رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال: أصلّيت العصر يا علي؟

قال: جئت والوحي ينزل عليك، فلم أزل مسندك إلى صدري حتّى الساعة، فاستقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) القبلة ـ وقد غربت الشمس ـ وقال: اللّهم إنّ عليّاً كان في طاعتك فارددها عليه.

قالت أسماء: فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى، حتّى كانت في موضعها وقت العصر، فقام علي متمكّناً فصلّى، فلمّا فرغ رجعت الشمس، ولها صرير كصرير الرحى، فلمّا غابت اختلط الظلام وبدت النجوم»(5).

وقال الإمام علي(عليه السلام) يوم الشورى: «أُنشدكم بالله، هل فيكم مَن رُدّت عليه الشمس غيري؟ حين نام رسول الله(صلى الله عليه وآله) وجعل رأسه في حجري حتّى غابت الشمس، فانتبه فقال: يا علي صلّيت العصر؟ قلت: اللّهم لا، فقال: اللّهم ارددها عليه، فإنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك»(6).

تاريخ الواقعة في زمن النبي(صلى الله عليه وآله)

17 شوال عام 7 أو 8 هجري، وقيل: 15 شوال(7).

ردّ الشمس في زمن خلافته(عليه السلام)

قال جويرية بن مسهر: «أقبلنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) من قتل الخوارج، حتّى إذا قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر، فنزل أمير المؤمنين(عليه السلام) ونزل الناس، فقال علي(عليه السلام): أيّها الناس، إنّ هذه أرض ملعونة قد عُذّبت في الدهر ثلاث مرّات، وهي إحدى المؤتفكات، وهي أوّل أرض عُبد فيها وثن، إنّه لا يحلّ لنبيّ ولا لوصيّ نبيّ أن يُصلّي فيها، فمَن أراد منكم أن يُصلّي فليصلّ، فمال الناس عن جنبي الطريق يُصلّون، وركب هو(عليه السلام) بغلة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ومضى.

قال جويرية: فقلت والله لأتبعنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) ولأقلدنّه صلاتي اليوم، فمضيت خلفه، فوالله ما جزنا جسر سوراء حتّى غابت الشمس، فشككت، فالتفت إليّ وقال: يا جويرية أشككت!

فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فنزل(عليه السلام) عن ناحية فتوضّأ ثمّ قام، فنطق بكلام لا أُحسنه إلّا كأنّه بالعبراني، ثمّ نادى: الصلاة، فنظرت والله إلى الشمس قد خرجت من بين جبلين لها صرير، فصلّى العصر وصلّيت معه، فلمّا فرغنا من صلاتنا عاد الليل كما كان، فالتفت إليّ وقال: يا جويرية بن مسهر، الله عزّ وجل يقول: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ)، وإنّي سألت الله عزّ وجل باسمه العظيم فردّ عليّ الشمس.

وروي أنّ جويرية لمّا رأى ذلك قال: أنت وصيّ نبيّ وربّ الكعبة»(8).

الصحابة وحديث ردّ الشمس

لقد روى عدد من الصحابة واقعة ردّ الشمس، نذكر منهم عشرة:

الإمام علي(عليه السلام)، الإمام الحسين(عليه السلام)، أسماء بنت عُميس، عبد الله بن عباس، أنس بن مالك، أبو رافع، أبو سعيد الخدري، جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو هريرة، أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة.

الشعراء وواقعة ردّ الشمس

لقد نظم عدد من الشعراء واقعة ردّ الشمس، نذكر منهم:

1ـ قال حسّان بن ثابت:

لا تُقبل التوبةُ من تائبٍ ** إلّا بحبِّ ابنِ أبي طالب

أخو رسولُ اللهِ بل صهرُهُ ** والصهرُ لا يُعدل بالصاحب

ومَن يكن مثلَ عليٍّ وقد ** رُدّت لَهُ الشمسُ من المغرب

رُدّت عليه الشمسُ في ضوئِها ** بيضاً كأنَّ الشمسُ لم تغرب(9).

2ـ قال السيّد الحميري(رحمه الله):

رُدّت عليه الشمسُ لمّا فاتَهُ ** وقتُ الصلاةِ وقد دنت للمغرب

حتّى تبلّج نورُها في وقتِها ** للعصرِ ثمَّ هوت هويَ الكوكب

وعليه قد رُدّت ببابل مرّةً * أُخرى وما رُدّت لخلقٍ معرب

إلّا ليوشع أو لَهُ من بعدِه ** ولردِّها تأويل أمر معجب(10).

3ـ قال قدامة السعدي:

ردَّ الوصيُّ لنا الشمسَ التي غربت ** حتّى قضينا صلاةَ العصرِ في مُهل

لا أنسَهُ حينَ يدعُوها فتتبعَهُ ** طوعاً بتلبيةِ هاها على عجل

فتلكَ آيتُهُ فينا وحجّتُهُ ** فهل لَهُ في جميعِ الناسِ من مثل

أقسمتُ لا أبتغي يوماً بهِ بدلاً ** وهل يكونُ لنورِ اللهِ من بدل

حسبي أبو حسن مولى أُدينُ بهِ ** ومَن به دانَ رسلُ الله في الأوّل(11).

4ـ قال العوني:

ولا تنسَ يومَ الشمسِ إذ رجعت لَهُ ** بمنتشرِ وادي من النورِ مُمتع

فذلكَ بالصهبا وقد رجعت لَهُ ** ببابلَ أيضاً رجعةَ المتطوّع(12).

5ـ قال ابن حمّاد:

ورُدّت لكَ الشمسُ في بابل ** فساميتَ يُوشع لمّا سمى

ويعقوب ما كانَ أسباطَهُ ** كنجليكَ سبطي نبيِّ الهدى(13).

6ـ قال السروجي:

والشمسُ لم تعدل بيومِ بابل ** ولا تعدّت أمره حينَ أمر

جاءت صلاةُ العصرِ والحربُ على ** ساقٍ فأومى نحوَها ردَّ النظر

فلم تزل واقفةً حتّى قضى ** صلاتُهُ ثمَّ هوت نحو المقر(14).

7ـ قال حبيب بن أوس:

فرُدّت علينا الشمسُ والليلُ راغم ** بشمسٍ لهم من جانبِ الخدرِ تطلع

نضا ضوُؤها صبغَ الدجنة وانطوى ** لبهجتِها نوّر السماء المرجع

فوالله ما أدري عليُّ بدا لنا فرُدّت ** لَهُ أم كانَ في القومِ يُوشع(15).

8ـ قال ابن أبي الحديد:

يا مَن لَهُ رُدّت ذكاء ولم يفز ** بنظيرِها من قبلُ إلّا يُوشع(16).

المؤلّفون وحديث ردّ الشمس

أفرد عدد كبير من الباحثين والمؤلّفين تصانيف مستقلّة عن الواقعة، حتّى تكوّنت من بين الآثار المكتوبة مجموعة فخمة، وإليك أسماء بعضهم:

أبو بكر الورّاق، أبو الحسن شاذان الفضيلي، الحافظ أبو الفتح محمّد بن الحسين الأزدي الموصلي، أبو القاسم الحاكم ابن الحذّاء الحسكاني النيسابوري الحنفي، أبو عبد الله الحسين بن علي البصري، أخطب خوارزم أبو المؤيّد موفّق بن أحمد، أبو علي الشريف محمّد بن أسعد الحسني النقيب النسّابة، الحافظ جلال الدين السيوطي، أبو عبد الله محمّد بن يوسف الدمشقي الصالحي، الحافظ الشهير ابن مردويه.

رواة حديث ردّ الشمس

لقد أخرج حديث ردّ الشمس عدد كبير من محدّثي أهل السنّة وعلمائهم، وعلاوة على روايته فقد صحّح طرقه وأسانيده جمع من هؤلاء.

وإليك أسماء بعض مَن ذكرهم العلّامة الأميني، ممّن أخرج الحديث من الحفّاظ والأعلام دون غمز فيه: الحافظ أبو بشر الدولابي، الحافظ أبو جعفر الطحاوي، الحافظ أبو جعفر العقيلي، الحافظ أبو القاسم الطبراني، الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، الحافظ ابن مردويه الإصفهاني، أبو إسحاق الثعلبي، الفقيه أبو الحسن الماوردي، الحافظ أبو بكر البيهقي، الحافظ الخطيب البغدادي، الحافظ أبو زكريا بن مندة، الحافظ ابن حجر الهيثمي، نور الدين الحلبي، الحافظ أبو الحسن عثمان بن أبي شيبة، والحافظ القاضي عياض.

تصحيح الحديث وتأييده

أشرنا آنفاً إلى أنّ جمعاً غفيراً من أعلام أهل السنّة ومحدّثيهم عمدوا ـ إضافة إلى نقل الواقعة ـ إلى تصحيح الحديث وتصويبه.

وفي المقابل انتهى بعضهم إلى الطعن بها من خلال التشكيك بالحديث، والآن نذكر آراء بعض المحدّثين في تصحيح حديث ردّ الشمس:

1ـ أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري المصري ـ من محدّثي القرن الثالث الهجري، ومن مشايخ البخاري ـ قال ـ بعد أن نقل حديث أسماء بنت عميس بطريقين صحيحين ـ ما نصّه: لا ينبغي لمَن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء، الذي روي لنا عنه(صلى الله عليه وآله)؛ لأنّه من أجلّ علامات النبوّة.

2ـ أبو جعفر أحمد بن محمّد الطحاوي: أخرج حديث أسماء بطريقين، ثمّ راح يُدافع عن الحديث، حيث أورد شبهة تُعارضه مع رواية: «لم تُحبس الشمس على أحد إلّا ليُوشع»، وأجاب عنها لينتهي في آخر المطاف إلى القول: وكلّ هذه الأحاديث من علامات النبوّة.

3ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني: كتب في مصنّفه المشهور فتح الباري بشرح صحيح البخاري: وروى الطحاوي والطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، عن أسماء بنت عُميس أنّه(صلى الله عليه وآله) دعا لمّا نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر، فرُدّت الشمس حتّى صلّى علي ثمّ غربت.

وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، وهكذا ابن تيمية في كتاب الردّ على الروافض، في زعم وضعه.

4ـ الحافظ السيوطي: وقد روى الحديث في عدد من كتبه المختلفة، ثمّ بادر إلى تصحيحه، كما ذكره أيضاً في كتابه الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، الذي روى فيه الأحاديث المشهورة، ثمّ انتهى للقول: أخرجه ابن مندة وابن شاهين من حديث أسماء بنت عُميس، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، وإسنادهما حسن، وممّن صحّحه الطحاوي والقاضي عياض.

5ـ الحافظ ابن حجر الهيثمي: كتب في كتاب الصواعق المحرقة ضمن تعداده لكرامات المولى أمير المؤمنين(ع) ما نصّه: ومن كراماته الباهرة أنّ الشمس رُدّت عليه لمّا كان رأس النبي في حجره… وحديث ردّها صحّحه الطحاوي والقاضي في الشفاء، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره، وردّوا على جمعٍ قالوا: إنّه موضوع(17).

إشكالات وأجوبتها

أثار أعداء الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إشكالات لهذه الفضيلة، نذكر بعض تلك الإشكالات وأجوبتها:

1ـ ضعف السند:

هذا إشكال لا يُفضي إلى شيء؛ فمن جهة صحّح جمّ كثير من علماء أهل السنّة ومحدّثيهم ـ كما مرّ ـ طرق الحديث، ولم يعبأ هؤلاء بمَن ذهب إلى تضعيف الحديث وتوهين طرقه، بل زادوا أحياناً على ذلك بأن شدّدوا النكير على مَن ضعّف حديثاً صحيحاً مثل هذا.

ومن جهة أُخرى، وعلى فرض التسليم بضعف تمام طرق الحديث وأسانيده، فإنّ نقوله بلغت من الاستفاضة ما يكفي لحصول الاطمئنان بوقوع أصل الحادثة، حتّى مع فرض ضعف السند، وهذا القدر يكفي لإثبات المطلوب، وإن كان قاصراً عن إثبات التفاصيل.

2ـ تعارضه مع حديث «لم تُحبس الشمس على أحد إلّا ليوشع».

والجواب: إنّ الحديث يُفيد أنّ هذه الواقعة لم تحصل في الأُمم السابقة إلّا ليوشع، لكن ليس له دلالة قطّ على عدم وقوع ذلك في المستقبل.

3ـ فضيلة نبوية وليست علوية:

يبدو أنّ أُولئك الذين يلوكون هذه الكلمات أو يُسطّرونها بأقلامهم لم يتأمّلوا لا بالواقعة ولا بنصوص النقول والروايات! فالنبي(صلى الله عليه وآله) يذكر في دعائه عليّاً(عليه السلام)، ويطلب أن تعود له الشمس كي يُؤدّي صلاته، فهي إذاً فضيلة نبوية؛ لأنّها تمّت بطلبه ودعائه، وهي علوية؛ لأنّ ردّ الشمس تحقّق للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

4ـ فقدان فائدة ردّ الشمس:

قالوا: إنّ الصلاة صارت قضاء عند غروب الشمس وفوات وقتها، فما الفائدة من ردّها والصلاة لن تصير أداء عندئذٍ؟

ذكر ابن حجر الهيثمي هذا الإشكال، ثمّ أوضح في جوابه: كما أنّ ردّ الشمس خصوصية لعلي(عليه السلام)، كذلك إدراك العصر الآن ـ أي بعد ردّ الشمس ـ أداء خصوصية له وكرامة.

والمحصّل أنّه لمّا كان أصل الواقعة ثابتاً بنقول صحيحة، فلا يعد ثمّ مجال لمثل هذه الإشكالات، ولا ريب أنّ الحادثة بأساسها غير عادية ولها خصوصية؛ ومن ثمّ كذا تكون ملابساتها ومعطياتها.

5ـ التغيّر في نظام الوجود:

طروء التغيّر على نظام الأفلاك، هو لازمة الإيمان بهذه الواقعة، وهذا ممّا لا يمكن القبول به.

إنّ الحادثة قد تكون أحياناً فوق أن تنتظمها الأُطر التحليلية العقلانية العادية، ومن ثمّ يكفي في إثبات هذه الحوادث عدم استحالتها وتعارضها مع النصوص الثابتة.

وممّا لا ريب فيه أنّ وقوع مثل هذه الحادثة ـ التي كان لها مثال قطعي في التاريخ ـ هو ليس محالاً عقلاً حتّى تُعدّ خارج دائرة القدرة الإلهية(18).

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ الخصال: 580.

2ـ مائة منقبة: 144.

3ـ الإرشاد 1/ 345.

4ـ قرب الإسناد: 175.

5ـ البداية والنهاية 6/ 91.

6ـ رسائل حديث ردّ الشمس: 106.

7ـ اُنظر: البحار 97/ 384و 95/ 188، المصباح: 514.

8ـ من لا يحضره الفقيه 1/ 203.

9ـ بشارة المصطفى: 234.

10ـ الإرشاد 1/ 347.

11ـ مناقب آل أبي طالب 2/ 146.

12ـ المصدر السابق.

13ـ المصدر السابق.

14ـ المصدر السابق.

15ـ البداية والنهاية 6/ 95.

16ـ رسائل في حديث ردّ الشمس: 259.

17ـ اُنظر: الغدير 3/ 128.

18ـ اُنظر: موسوعة الإمام علي في الكتاب والسنّة والتاريخ 11/ 99.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد الإمام جعفر الصادق (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام جعفر بن محمّد بن علي الصادق(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو عبد الله، أبو إسماعيل، أبو موسى.

من ألقابه(ع)

الصادق، الصابر، الطاهر، الفاضل، الكامل، الكافل، المنجي.

تلقيبه(ع) بالصادق

لقد جاء لقب الإمام(ع) بالصادق من قبل رسول الله(ص)، حيث قال: «وَيُخْرِجُ اللهُ مِنْ صُلْبِهِ ـ أي صُلب محمّد الباقر ـ كَلِمَةَ الحَقِّ وَلِسَانَ الصِّدْقِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَمَا اسْمُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: جَعْفَرٌ، صَادِقٌ فِي قَوْلِهِ وَفِعَالِهِ، الطَّاعِنُ عَلَيْهِ كَالطَّاعِنِ عَلَيَّ، وَالرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيّ‏»(2).

أُمّه(ع)

أُمّ فروة فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر التيمية.

ولادته(ع)

ولد في السابع عشر من ربيع الأوّل 83ﻫ بالمدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 65 عاماً، وإمامته 34 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

من الأُمويّين خمسة: هشام بن عبد الملك، الوليد بن يزيد بن عبد الملك، يزيد بن الوليد بن عبد الملك، إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، مروان بن محمّد المعروف بالحمار.

ومن العبّاسيين اثنان: أبو العباس عبد الله المعروف بالسفّاح؛ لفرط جوره وظلمه، وكثرة ما سفح من دم وقتل من الناس الكثيرين، أبو جعفر المنصور المعروف بالدوانيقي؛ لأنّه كان ولفرط شحّه وبخله وحبّه للمال يُحاسب حتّى على الدوانيق، والدوانيق جمع دانق، وهو أصغر جزء من النقود في عهده.

من زوجاته(ع)

جارية، اسمها حميدة بنت صاعد البربرية المغربية، فاطمة بنت الحسين الأثرم ابن الإمام المجتبى(ع).

من أولاده(ع)

الإمام موسى الكاظم(ع)، إسماعيل الأعرج، إسحاق المؤتمن، عبد الله الأفطح، علي العُريضي، محمّد الديباج، فاطمة.

رواياته(ع)

وردت عن الإمام الصادق(ع) روايات كثيرة جدّاً، وفي مختلف العلوم والمعارف، فقد روي أنّ الناس نقلوا عنه(ع) من العلوم ما لم يُنقل عن أحدٍ من أهل بيته(عليهم السلام)، فقد عدّ علماء علم الرجال أسماء الراوين عنه(ع) من الثقات، فكانوا أربعة آلاف راوي(3).

فقد روى عنه راوٍ واحد ـ وهو أبان بن تغلب ـ ثلاثين ألف حديث(4).

قال الحسن بن علي الوشّاء من أصحاب الإمام الرضا(ع): «أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ، كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد(ع)»(5).

والسبب في أخذ حديث الإمام الصادق(ع) هو لأنّ حديثه حديث رسول الله(ص) كما قال: «حَدِيثِي حَدِيثُ أَبِي، وَحَدِيثُ أَبِي حَدِيثُ جَدِّي، وَحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الحُسَيْنِ، وَحَدِيثُ الحُسَيْنِ حَدِيثُ الحَسَنِ، وَحَدِيثُ الحَسَنِ حَدِيثُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ(ع)، وَحَدِيثُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ(ص)، وَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَل»(6).

من أقوال العلماء فيه(ع)

1ـ قال الشيخ المفيد(قدس سره): «وَنَقَلَ النَّاسُ عَنْهُ مِنَ الْعُلُومِ مَا سَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ، وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْعُلَمَاءِ مَا نُقِلَ عَنْه»(7).

2ـ قال الشيخ محمّد بن طلحة الشافعي(ت: 652ﻫ): «هو من عظماء أهل البيت وساداتهم(عليهم السلام)، ذو علوم جمّة، وعبادة موفرة، وأوراد متواصلة، وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبّع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه…»(8).

3ـ قال مالك بن أنس إمام المالكية: «والله ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد(ع) زهداً وفضلاً وعبادة وورعاً، وكنت أقصده فيُكرمني ويقبل عليّ»(9).

وقال أيضاً: «وكان(ع) رجلاً لا يخلو من ثلاث خصال: إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإمّا ذاكراً، وكان من عظماء العبّاد، وأكابر الزهّاد الذين يخشون الله عزّ وجل، وكان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد»(10).

4ـ قال ابن الصبّاغ المالكي(ت: 855ﻫ): «كان جعفر الصادق ابن محمّد بن علي بن الحسين(عليهم السلام) من بين إخوانه خليفة أبيه محمّد بن علي(عليهما السلام) ووصيّه، والقائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل، وكان أنبههم ذكراً، وأعظمهم قدراً، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نُقل عنه من الحديث»(11).

5ـ قال حسن بن زياد: «سمعت أبا حنيفة وسُئل: مَن أفقه مَن رأيت؟ فقال: ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمّد»(12).

تضييق المنصور له(ع)

لقد ازداد تضييق المنصور العبّاسي على الإمام الصادق(ع)، وأخذ يُمهّد لقتله، فقد روى الفضل بن الربيع عن أبيه قال: «دعاني المنصور فقال: إنّ جعفر بن محمّد يُلحد في سلطاني، قتلني الله إن لم أقتله. فأتيته، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فتطهّر ولبس ثياباً أحسبه قال جدداً، فأقبلت به فاستأذنت له، فقال: أدخله، قتلني الله إن لم أقتله، فلمّا نظر إليه مقبلاً قام من مجلسه فتلقّاه وقال: مرحباً بالنقي الساحة، البرئ من الدغل والخيانة، أخي وابن عمّي. فأقعده معه على سريره وأقبل عليه بوجهه، وسأله عن حاله، ثمّ قال: سلني عن حاجتك.

فقال: أهل مكّة والمدينة قد تأخّر عطاؤهم فتأمر لهم به. قال: أفعل. ثمّ قال: يا جارية ائتني بالتحفة. فأتته بمدهن زجاج فيه غالية فغلّفه بيده وانصرف، فاتبعته، فقلت: يا ابن رسول الله، أتيت بك ولا أشكّ أنّه قاتلك، فكان منه ما رأيت، وقد رأيتك تحرّك شفتيك بشيء عند الدخول فما هو؟ قال: قلت: اللَّهُمَّ احْرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكْنُفْنِي بِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَاحْفَظْنِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، وَلَا تُهْلِكْنِي‏ وَأَنْتَ رَجَائِي…»(13).

استشهاده(ع)

استُشهد في الخامس والعشرين من شوال 148ﻫ بالمدينة المنوّرة.

دفنه(ع)

تولّى الإمام الكاظم(ع) تجهيز جثمان أبيه(ع)، وبعد تشييعه دُفن بجوار مرقد أبيه الإمام محمّد الباقر، وجدّه الإمام علي زين العابدين، والإمام الحسن المجتبى(عليهم السلام) بمقبرة البقيع.

من وصاياه(ع)

1ـ قال(ع): «إِيَّاكُمْ وَالخُصُومَةَ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّهَا تَشْغَلُ الْقَلْبَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُورِثُ النِّفَاقَ، وَتُكْسِبُ الضَّغَائِنَ، وَتَسْتَجِيزُ [تَسْتَجِيرُ] الْكَذِب»(14).

2ـ قال(ع): «مَنْ أُعْطِيَ ثَلَاثاً لَمْ يُمْنَعْ ثَلَاثاً، مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ أُعْطِيَ الإِجَابَةَ، ومَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ أُعْطِيَ الزِّيَادَةَ، ومَنْ أُعْطِيَ التَّوَكُّلَ أُعْطِيَ الْكِفَايَةَ.

ثُمَّ قَالَ: أتَلَوْتَ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾، وقَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾»(15).

3ـ قال(ع): «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ رَبَّه شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاه فَلْيَيْأَسْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، ولَا يَكُونُ لَه رَجَاءٌ إِلَّا عِنْدَ الله، فَإِذَا عَلِمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِه لَمْ يَسْأَلِ اللَه شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاه»(16).

4ـ قال(ع): «لَا تَمْزَحْ فَيَذْهَبَ نُورُكَ، وَلَا تَكْذِبْ فَيَذْهَبَ بَهَاؤُكَ، وَإِيَّاكَ وَخَصْلَتَيْنِ: الضَّجَرَ وَالْكَسَلَ، فَإِنَّكَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ، وَإِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقّاً»(17).

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد محسن الأمين(رحمه الله) بقوله:

«تَبكِي العُيونُ بِدمعِها المتورِّدِ  **  حُزناً لِثَاوٍ في بَقيعِ الغَرقدِ

تَبكي العُيونُ دَماً لِفقدِ مُبرَّزٍ  **  مِن آلِ أحمدَ مِثلُه لم يُفقدِ

أيُّ النَّواظِرِ لا تَفيضُ دُمُوعُها  **  حُزناً لمأتمِ جَعفرِ بنِ مُحمَّدِ

الصَّادقُ الصِّدّيقُ بَحرُ العِلمِ مِصـ  **  باحُ الهُدى والعَالِمُ المتهجّدِ

رُزءٌ لهُ أركانُ دِينِ مُحمَّدٍ  **  هُدَّتْ ونابَ الحُزنُ قَلبَ مُحمَّدِ

رُزءٌ لهُ تَبكِي شَريعةُ أحمدٍ  **  وتَنوحُ مُعوِلَةً بِقلبٍ مُكمدِ

رُزءٌ بِقلبِ الدِّينِ أثبتَ سَهمَهُ  **  ورَمى حُشاشةَ قلبِ كُلِّ مُوحِّدِ

ماذا جَنَتْ آلُ الطَّليقِ وما الذي  **  جَرَّت على الإسلامِ من صُنعٍ رَدِي

كَم أنزَلَتْ مُرَّ البَلاءِ بِجعفرٍ  **  نَجمِ الهُدى مَأمونِ شِرعةِ أحمدِ

كَم شَرَّدَتهُ عن مَدينةِ جدِّهِ  **  ظُلماً تجشِّمُه السرى في فدفد

كَمْ قد رَأى المنصورُ منهُ عَجائباً  **  ورَأى الهُدَى لَكنَّهُ لم يَهتدِ

لَم يَحفظُوا المختارَ في أولادِهِ  **  وسِواهُمُ مِن أحمدٍ لم يُولَد

لَم يَكفِ مَا صَنَعَتْ بِهم أعداؤهُم  **  زَمنَ الحَياةِ ومَا اعتَدَاهُ المُعتدي

حَتَّى غَدَتْ بَعدَ المماتِ خَوارجٌ  **  في الظُّلمِ بالماضينَ منهُم تَقتَدِي

هُدِمَتْ ضَرائحُ فوقَهُم قد شُيِّدَتْ  **  مَعقودةً مِن فَوقِ أشرفِ مَرقدِ»(18).

ــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 513، الأنوار البهية: 147.

2ـ كفاية الأثر: 83.

3ـ اُنظر: الإرشاد 2/ 179.

4ـ اُنظر: رجال النجاشي: 12 رقم7.

5ـ رجال النجاشي: 40 رقم80.

6ـ الكافي 1/ 53 ح14.

7ـ الإرشاد 2/ 179.

8ـ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 436.

9ـ الأمالي للصدوق: 636 ح852.

10ـ المصدر السابق: 234 ح247.

11ـ الفصول المهمّة 2/ 907.

12ـ الكامل لابن عدي 2/ 132.

13ـ سير أعلام النبلاء 6/ 266.

14ـ الأمالي للصدوق: 503 ح691.

15ـ الكافي 2/ 65 ح6.

16ـ المصدر السابق 2/ 148 ح2.

17ـ الأمالي للصدوق: 636 ح853.

18ـ المجالس السنية 5/ 516.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

برای این بخش اعمالی ثبت نشده است

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

تم النسخ
الرجاء تسجيل الدخول