مناسبت ها و اعمال ماه محرم   مركز آل البيت العالمي للمعلومات

الحصار في شعب أبي طالب (ع)

تاريخ الحصار ومدّته(1)

۱ محرّم ۷ للبعثة النبوية، واستمرّ ۳ سنوات.

سبب الحصار

بعد أن فشلت جميع وسائل الإرهاب والحرب النفسية والدعائية ضدّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ومَن آمن به، قرّر زعماء قريش أن يقاطعوا أبا طالب وبني هاشم، ومحمّداً وأصحابه، مقاطعة اقتصادية واجتماعية، وكتبوا صحيفة تعاقدوا فيها على ذلك وعلّقوها في جوف الكعبة.

مضمون الصحيفة

ممّا جاء في تلك الصحيفة الظالمة: ألّا يبايعوا أحداً من بني هاشم، ولا يناكحوهم، ولا يعاملوهم، حتّى يدفعوا إليهم محمّداً فيقتلوه.

وتعاهدوا على ذلك، وختموا الصحيفة بأربعين خاتماً، ثمّ حصرت قريش رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته من بني هاشم وبني عبد المطّلب في شعب أبي طالب.

شدّة الحصار

استمرّ الحصار وطال حتّى أنفق أبو طالب والنبيّ(صلى الله عليه وآله) مالهما، كما أنفقت السيّدة خديجة أموالها الطائلة في هذه المحاصرة الظالمة.

وأشتدّ خلالها الخَطبُ على المسلمين، وراحوا يعانون من الجوع والأذى، ويأكلون نباتات الأرض، ولم يكن يصلهم من الطعام شيء، إلّا ما كان يتسرّب سرّاً من بعض المتعاطفين معهم.

وحين اشتدّ العسر والأذى وصبر المسلمون، جاء الفرج وتدخّل النصر الإلهي، فأرسل الله حشرة الأُرضة على صحيفة المقاطعة فأكلتها، ما عدا ما كان فيها من اسم الله سبحانه، فعندها هبط جبرئيل(عليه السلام) وأخبر محمّداً(صلى الله عليه وآله) بذلك.

رفع الحصار

أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) أبا طالب بهذا النبأ العظيم، وأطلعه على ما حدث للصحيفة الظالمة، فتوجّه أبو طالب مع باقي بني هاشم نحو البيت الحرام؛ ليُحدّثوا طواغيت قريش بما أخبر به الله تعالى، وليؤكّدوا لهم دليلاً آخراً على صدق نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله).

فجلس أبو طالب بفناء الكعبة، وأقبلت عليه قريش فقالوا له: آنَ لك يا أبا طالب أن تذكر العهد، وأن تشتاق إلى قومك، وتدع اللّجاج في ابن أخيك.

فقال لهم: يا قوم أحضروا صحيفتكم، فلعلّنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترك القطيعة. فأحضروها، فخاطبهم أبو طالب: هذه صحيفتكم؟ قالوا: نعم، قال: فهل أحدثتم فيها حدثاً، قالوا: اللّهمّ لا.

فقال لهم: إنّ محمّداً أعلمني عن ربّه، أنّه بعث الأرضة، فأكلت كلّ ما فيها إلّا ذكر الله، أفرأيتم إن كان صادقاً ماذا تصنعون؟ قالوا: نكفّ ونمسك.

فقال: فإن كان كاذباً دفعته إليكم، قالوا: قد أنصفت وأجملت.

وبدأت اللحظات الحاسمة، فإذا بالأرضة قد أكلت كلّ ما في الصحيفة، إلّا مواضع اسم الله عزّ وجلّ، فبُهِت الطغاة، وأخذتهم العزّة بالإثمّ وقالوا: ما هذا إلّا سحر.

لم يستطع كفّار مكّة مصادرة هذا الحدث العظيم بهذا الردّ التافه، بل راح الناس يتفاعلون معه، فأسلم كثيرون، وصدّقوا هذه المعجزة، وعلى أثر ذلك فُكّ الحصار، وخرج النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) ومَن معه من الشعب أعزّة منتصرين.

ــــــــــــــــــــ

۱ـ اُنظر: أبو طالب حامي الرسول وناصره: ۵۷. تاريخ اليعقوبي ۲ /۳۱.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

غزوة ذات الرقاع

تاريخ الغزوة

۱ محرّم ۴ﻫ.

اختلف المؤرّخون في تاريخها، فقال بعض: هي بعد غزوة بني النضير في السنة الرابعة: في شهر محرّم، وبعض قال: في شهر ربيع الآخر، وقال آخرون: في جمادى الأُولى، وقيل: كانت في سنة خمس.

سبب الغزوة

قدم قادم إلى المدينة، فأخبر أنّ أنماراً وثعلبة وغطفاناً قد جمعوا جموعاً لغزو المسلمين، فلمّا بلغ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذلك استخلف على المدينة أبا ذر الغفّاري، وخرج في أربعمئة رجلاً، وقيل سبعمئة، فمضى حتّى أتى محالّهم بذات الرقاع، وهي جبل، فلم يجد إلّا النسوة فأُخذن، وهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال. وحضرت الصلاة فصلّى(صلى الله عليه وآله) بهم صلاة الخوف؛ لأنّه خاف من الهجوم عليه في الصلاة، ثمّ انصرف راجعاً إلى المدينة.

سبب تسميتها

قد اختلفت كلمات المؤرّخين في سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع، فقيل: إنمّا سُمّيت بذلك لأجل جبل هناك فيه بقع حمرة وسواد وبياض فسُمّي ذات الرقاع، وقيل: إنّما سُمّيت بذلك لأنّ أقدامهم َنقِبَت وتقرّحت فيها، فكانوا يلفّون على أرجلهم الخرق، وهي الرقاع، وقيل: سُمّيت بذلك لأنّ المسلمين رقعوا راياتهم فيها.

وتُسمّى هذه الغزوة أيضاً بغزوة الأعاجيب؛ لما وقع فيها من أُمور عجيبة، وتُسمّى أيضاً بغزوة محارب، وغزوة بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار.

كرامة لرسول الله(صلى الله عليه وآله)

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله) في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير وادٍ، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين، والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل.

فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمّداً، فجاء وشدّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالسيف، ثمّ قال: مَن ينجيك منّي يا محمّد؟ فقال(صلى الله عليه وآله): “ربّي وربّك”، فنسفه جبرئيل(عليه السلام) عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأخذ السيف وجلس على صدره وقال: “مَن ينجيك منّي يا غورث”؟ فقال: جودك وكرمك يا محمّد، فتركه(صلى الله عليه وآله)، فقام وهو يقول: والله لأنت خير منّي وأكرم»(۱).

معجزة لرسول الله(صلى الله عليه وآله)

لقي(صلى الله عليه وآله) في غزوة ذات الرقاع رجلاً من محارب يُقال له: عاصم، فقال له: يا محمّد أتعلم الغيب؟ قال: «لا يعلم الغيب إلّا الله».

قال: والله لجملي هذا أحبّ لي من إلهك، قال(صلى الله عليه وآله): «لكنّ الله قد أخبرني من علم غيبه أنّه تعالى سيبعث عليك قرحة في مسبل لحيتك حتّى تصل إلى دماغك فتموت ـ والله ـ إلى النار».

فرجع فبعث الله قرحة فأخذت في لحيته حتّى وصلت إلى دماغه، فجعل يقول: لله در القرشي إن قال بعلم، أو زجر فأصاب(۲).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

۱ـ الكافي ۸ /۱۲۷.

۲ـ الخرائج والجرائح ۱ /۱۰۴.

بقلم: محمد أمين نجف

وصول الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء

في طريق كربلاء

قام الإمام الحسين(عليه السلام) خطيباً ـ وهو في طريقه إلى كربلاء ـ، موضّحاً لأصحابه المصير الذي ينتظرهم، فقال(عليه السلام):

«إنّه قدْ نَزَل بنا من الأمر ما قد تَرَون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبَر مَعروفُها، واستمرّت حذّاء، ولم تبقَ منها إلّا صبابة كَصبابة الإناء، وخَسيس عَيشٍ كالمَرْعى الوَبيل، ألاَ تَرَون إلى الحقِّ لا يُعمَل به، وإلى الباطلِ لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمنُ في لقاء ربِّه مُحقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا بَرَماً ـ أي مللاً ـ»(۱).

مع الحر

التقى الإمام الحسين(عليه السلام) في طريقه إلى كربلاء بالحرّ بن يزيد الرياحي، حيث كان مُرسلاً من قِبل عبيد الله بن زياد ـ والي الكوفة ـ في ألف فارس، وهو يريد أن يذهب بالإمام(عليه السلام) إلى ابن زياد.

كتاب ابن زياد

وصل إلى الحرّ كتاب من ابن زياد، جاء فيه: «أمّا بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، ولا تُنزله إلّا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، فقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام».

فلمّا قرأ الكتاب قال الحرّ لهم: «هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني فيه أن أُجعجع بكم في المكان الذي يأتيني كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره أن لا يفارقني حتّى أُنفّذ رأيه وأمره»(۲)، فجعجع بهم وأنزلهم أرض كربلاء.

في كربلاء

عندما اضطرّ الإمام الحسين(عليه السلام) للوقوف في منطقة كربلاء، راح(عليه السلام) يسأل، وكأنّه يبحث عن أرض كربلاء، فقال: «مَا اسْمُ هَذه الأرض»؟ فقيل له: أرض الطف.

فقال(عليه السلام): «هَلْ لَهَا اسمٌ غير هذا»؟ قيل: اسمُها كربلاء، فقال(عليه السلام): «اللّهمّ أعوذُ بك من الكَرْبِ والبَلاء».

ثمّ قال(عليه السلام): «هَذا مَوضع كَربٍ وبَلاء، انزلوا، هَاهُنا مَحطُّ رِحالِنا ومَسفَكُ دِمائِنَا، وهَاهُنا مَحلُّ قبورِنا، بِهَذا حدّثني جَدِّي رسول الله(صلى الله عليه وآله)»(۳) فنزلوا جميعاً.

تاريخ الوصول

۲ محرّم ۶۱ﻫ.

مع السيّدة زينب(عليها السلام)

نزل الإمام الحسين(عليه السلام) أرض كربلاء، وضَرَب فسطاطه، وراح يُعدُّ سلاحه، ويصلح سيفه، مُردّداً(عليه السلام) الأبيات الآتية:

يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِن خَليلِ ** كمْ لك بالإشرَاقِ والأصيلِ

مِن طَالبٍ وصَاحبٍ قَتيل ** والدّهْر لا يقنعُ بالبَديلِ

وكُلّ حيٍّ سَالِكٌ سَبيلِ ** مَا أقرَبَ الوَعْد مِن الرّحيل

وإنّما الأمرُ إلى الجَليلِ

فلمّا سمعت السيّدة زينب(عليها السلام) تلك الأبيات، قالت: «يا أخي! هذا كلام مَن أيقَن بالقَتل»! فقال(عليه السلام): «نَعَمْ يا أُختَاه»، فقالت: «وَاثكْلاه، يَنعي الحُسَين إليّ نَفسَه»(۴).

ــــــــــــــــــــــــ

۱ـ اللهوف في قتلى الطفوف: ۴۸٫

۲ـ مقتل الحسين: ۹۳٫

۳ـ اللهوف في قتلى الطفوف: ۴۹٫

۴ـ المصدر السابق.

بقلم: محمد أمين نجف

وصول جيش عمر بن سعد إلى كربلاء

عدد الجيش(1)

أرسل عبيد الله بن زياد ـ والي الكوفة ـ ثلاثين ألف مقاتل، وقيل: أربعة آلاف مقاتل، بقيادة عمر بن سعد إلى كربلاء؛ لمقاتلة الإمام الحسين(عليه السلام)، ووعده إن هو قتل الإمام الحسين(عليه السلام) يُعطيه مُلك الرّي، فوصل الجيش في ۳ محرّم ۶۱ﻫ إلى أرض كربلاء.

اجتماع عمر بن سعد مع الإمام الحسين(عليه السلام)

اجتمع عمر بن سعد مع الإمام الحسين(عليه السلام)، وسأله عن سبب مجيئه إلى الكوفة؟ فأجابه الإمام الحسين(عليه السلام): «كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم، فأمّا إذا كرهتموني فإنّي انصرف عنكم».

كتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد

أرسل عمر بن سعد كتاباً إلى ابن زياد، يقترحُ عليه فكرةً توصّل إليها مع الإمام(عليه السلام)، وهي أن يفتح المجال للإمام الحسين(عليه السلام) بالعودة وعدم مقاتلته، وهذا نصّ الكتاب:

«أمّا بعد: فقد أطفأ الله النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأُمّة، وهذا حسين قد أعطاني أنّه يرجع إلى المكان الذي منه أتى، وأن يسير إلى ثغر من ثغور المسلمين، فيكون رجلاً من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد ويضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا رضاء الله تعالى وللأُمّة صلاح».

كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد

أرسل ابن زياد كتاباً جوابياً إلى عمر بن سعد بيد شمر بن ذي الجوشن، وقال لشمر: «فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فليقاتلهم، فإن فعل عمر فاسمع له وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم فأنتَ أمير الجيش، فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه».

وكان في الكتاب: «إنّي لم أبعَثْكَ إلى الحسين لِتكفّ عنه ولا لتطاوله، ولا لِتُمنيه السلامة والبقاء، ولا لتعتذرَ عنه عندي، ولا لتكون له شافعاً.

اُنظر فإن نزلَ الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا، فابعث بهم إليّ سلماً، وأن أبوا فأرجف عليهم حتّى تقتلهم وتُمثّل بهم، فإنّهم لذلك مستحقُّون، فإن قُتِل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنّه عَاقٌ ظَلوم، فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، فإنْ أبَيْتَ فاعتزل عملنا وجندنا، وخَلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنّا أمرناه بأمرنا، والسلام».

موقف عمر بن سعد

استلم ابن سعد الكتاب وقرأ ما فيه، وأخذ يصارع نفسَهُ بين مواجهة الإمام الحسين(عليه السلام) وقتله ـ التي يحلُم عن طريقه الحصول على السلطة والسياسة والمكانة المرموقة عند رؤسائه وقادته ـ وبين تحمُّل أوزار الجريمة، فسوّلت له نفسه أن يُرجّح السلطة والمال، وقرّر أن يقود المعركة، بمعونة شمر بن ذي الجوشن، لقتل الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، وقال في ذلك أبياته المعروفة:

فوالله ما أدري وأنّي لواقف ** أُفكّر في أمري على خطرين

أأترك ملك الرّي والرّي منيتي ** أم أرجع مأثوماً بقتل حسين

ففي مثله النار التي ليس دونها ** حجاب وملك الرّي قرّة عيني

فعمد ابن سعد لإجبار الحسين(عليه السلام) للاستسلام أن قطع عليه طريق الماء، ولكنّه واجه إباء الإمام وإصراره على عدم الرضوخ رغم الحشود التي تواجهه وقلّة الناصر.

ـــــــــــــــــــــ

۱ـ روضة الواعظين: ۱۸۲٫

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

منع الإمام الحسين(ع) من الماء

بعث عمر بن سعد خمسمِائة فارس بقيادة عمرو بن الحجاج ، فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ( رضوان الله عليهم ) وبين الماء ، ومنعوهم أن يستسقوا منه قطرة ، وذلك في اليوم السابع من المُحرَّم عام ( ۶۱ هـ ) .

ولما اشتدَّ العطش بالإمام الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه ، فأمَرَ أخاه العباس بن علي ( عليهما السلام ) ، فسار في عشرين رجلاً يحملون القرب ، وثلاثين فارساً ، فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلاً .

وكان أمامهم نافع بن هلال الجملي يحمل اللِّواء ، فقال عمرو بن الحجاج مَن الرجل ؟

قال : نافع .

قال : ما جاء بك ؟

قال : جِئْنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا [ منعتمونا ] عنه .

قال : فاشْرَب هنيئاً .

قال نافع : لا والله ، لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان هو وأصحابه .

وروى سبط بن الجوزي : أنهم اقتتلوا على الماء ، ولم يمكنوهم من الوصول إليه ، وضيَّق القوم على الحسين ( عليه السلام ) ، حتى نال منه العطش ومن أصحابه .

فقال له برير بن خضير : يا ابن رسول الله ، أتأذن لي أن اخرج إلى القوم ، فأذن له ، فخرج إليهم فقال : يا معشر الناس ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه ، وسراجاً منيراً .

وهذا ماء الفرات ، تقع فيه خنازير السواد وكلابه ، وقد حيل بينه وبين ابن نبيِّه .

فقالوا : يا برير ، قد أكثرت الكلام ، فاكففْ ، والله ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله .

فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : ( اقعُدْ يا بُرير ) .

ثم قام الإمام ( عليه السلام ) فنادى بأعلى صوته ، فقال : ( أنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن جَدِّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ) .

قالوا : اللَّهُمَّ نعم .

فقال الإمام(عليه السلام): (أُنشِدُكُم الله، هل تعلمون أن أمِّي فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) ؟).

قالوا : اللَّهُمَّ نعم .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدكم الله ، هل تعلمونَ أنَّ أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ ).

قالوا : اللَّهُمَّ نعم .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أن جَدَّتي خديجة بنت خُوَيلد ، أوَّل نساءِ هذه الأمة إسلاماً ؟ ) .

قالوا : اللَّهُمَّ نعم .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن سيِّدَ الشهداء حمزة عَمُّ أبي ؟ ) .

قالوا : اللَّهم نعم .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنا مُتقلِّدُه ؟ ) .

قالوا : اللَّهُمَّ نعم .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أُنشِدُكُم الله ، هل تعلمون أن هذه عمَامة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنا لابِسُها ؟ ) .

قالوا : اللَّهُمَّ نعم .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( أنُشِدُكُم الله ، هل تعلمون أنَّ علياً كان أول القوم إسلاماً ، وأعلمُهُم علماً ، وأعظمُهم حِلماً ، وأنه وليُّ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة ؟ ) .

قالوا : اللَّهُمَّ نعم .

فقال الإمام ( عليه السلام ) : ( فِيمَ تَستحِلُّون دَمي وأبي الذائِدُ عن الحوض ، يذودُ عنه رِجالاً كَمَا يذاد البعير الصاد عن الماء ، ولواءُ الحمدِ في يَدِ أبي يوم القيامة ) .

قالوا : قد علمنا ذلك كُلّه ، ونحنُ غير تاركيك ، حتى تَذوقَ الموت عطشاً .

فلما خطب الإمام الحسين ( عليه السلام ) هذه الخطبة ، وسمعت بناتُه وأخواتُه كلامَه بِكيْنَ ، وارتفعت أصواتَهُنَّ .

فوجَّهَ الإمام الحسين ( عليه السلام ) إليهِنَّ أخَاه العباس وعلياً ابنه ( عليهما السلام ) ، وقالَ لهما : ( أَسكِتَاهُنَّ فَلعمري لَيكثرنَّ بُكاؤهُنَّ ) .

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

أحداث يوم التاسع في كربلاء

هناك أحداث كثيرة حدثت يوم التاسع من المحرّم في كربلاء، نذكر منها ما يلي:

۱ـ محاصرة مخيّم الإمام الحسين(عليه السلام)

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين(عليه السلام) وأصحابه(رضي الله عنهم) بكربلاء، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه(رضي الله عنهم)، وأيقنوا أن لا يأتي الحسين(عليه السلام) ناصر، ولا يمدّه أهل العراق…»(۱).

۲ـ الأمان للعباس وإخوته(عليهم السلام)

نادى شمر بن ذي الجوشن: أين بنو أُختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعبد الله وعثمان ـ أولاد أُمّ البنين ـ بنو عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام)، فقالوا: «ما تريد»؟ فقال: أنتم يا بني أُختي آمنون، فقالت له الفتية: «لعنك الله ولعن أمانك، أتُؤمننا وابن رسول الله لا أمان له»؟!(۲).

۳ـ مخاطبة الإمام الحسين(عليه السلام) أصحابه

قال الإمام الحسين(عليه السلام) لأصحابه: «أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لأظن أنّه آخر يوم لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً».

فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه، وابنا عبد الله بن جعفر: «لِم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً».

وقال مسلم بن عوسجة: «أنخلّي عنك ولمّا نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقّك؟ أما والله حتّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيك، والله لو علمتُ أنّي أُقتل ثمّ أُحيا، ثمّ أُحرق ثمّ أُحيا ثمّ أُذرى، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة، ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك، وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟».

وقال زهير بن القين البجلي: «والله لوددت إنّي قُتلت ثمّ نُشرت ثمّ قُتلت، حتّى أُقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك»(۳).

۴ـ وصول كتاب ابن زياد إلى ابن سعد

في هذا اليوم أقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد ـ والي الكوفة ـ إلى عمر بن سعد، وفيه: «إنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتعتذر له، ولا لتكون له عندي شافعاً، اُنظر فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فأزحف إليهم حتّى تقتلهم وتُمثّل بهم، فإنّهم لذلك مستحقّون، فإن قُتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنّه عات ظلوم، وليس أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً، ولكن عليّ قول قد قلته: لو قتلته لفعلت هذا به، فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنّا قد أمرناه بأمرنا، والسلام».

فلمّا قرأه، قال له عمر: «ما لك ويلك؟! لا قرّب الله دارك، قبّح الله ما قدمت به عليَّ، والله إنّي لأظنّك أنّك نهيته أن يقبل ما كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمرنا، قد كنّا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، إنّ نفس أبية لبين جنبيه».

قال له شمر: «أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوّه؟ وإلّا فخل بيني وبين الجند والعسكر»، قال ابن سعد: «لا، لا والله ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولّى ذلك، فدونك فكن أنت على الرجالة»(۴).

————————–

۱ـ الكافي ۴ /۱۴۷.

۲ـ الإرشاد ۲ /۸۹.

۳ـ المصدر السابق ۲ /۹۳.

۴ـ المصدر السابق ۲/ ۸۸.

بقلم: محمد أمين نجف

استشهاد الإمام الحسين (ع)

اسمه وكنيته ونسبه(ع)(1)

الإمام أبو عبد الله، الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

من ألقابه(ع)

سيّد الشهداء، سيّد شباب أهل الجنّة، الشهيد، الرشيد، المبارك، السبط، أبو الأئمّة.

أُمّه(ع)

فاطمة الزهراء بنت رسول الله(ص).

ولادته(ع)

ولد في الثالث من شعبان عام 4ﻫ بالمدينة المنوّرة.

بكاء النبي(ص) عند ولادته(ع)

لمّا بُشّر رسول الله(ص) بسبطه المبارك، خفّ مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة(عليها السلام)، وهو ثقيل الخطوات، وقد ساد عليه الحزن، فنادى: «يَا أَسْمَاءُ هَلُمِّي ابْنِي. فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فِي خِرْقَةٍ بَيْضَاءَ، فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى، وَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ فَبَكَى.

فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ قَالَ: عَلَى ابْنِي هَذَا. قُلْتُ: إِنَّهُ وُلِدَ السَّاعَةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مِنْ بَعْدِي، لَا أَنَالَهُمُ اللهُ شَفَاعَتِي. ثُمَّ قَالَ: يَا أَسْمَاءُ، لَا تُخْبِرِي فَاطِمَةَ بِهَذَا، فَإِنَّهَا قَرِيبَةُ عَهْدٍ بِوِلَادَتِه»(2).

عمره وإمامته(ع)

عمره 57 عاماً، وإمامته 11 عاماً.

حروبه(ع)

شارك في جميع حروب أبيه الإمام علي(ع)، وهي: الجمل، صفّين، النهروان، وكان(ع) قائداً على جيش الإيمان ضدّ جيوش الكفر والضلال في معركة كربلاء (واقعة الطف).

من زوجاته(ع)

شهر بانو بنت يَزدَجُرد بن شهريار بن كسرى، الرباب بنت امرئ القيس الكلبي، ليلى بنت أبي مُرّة الثقفية، أُمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمية.

من أولاده(ع)

1ـ الإمام علي زين العابدين(ع).

2و3ـ علي الأكبر وعبد الله الرضيع (علي الأصغر) «استُشهدا في واقعة الطف».

4ـ رقية «تُوفّيت بالشام وهي طفلة أسيرة».

5ـ سكينة، كان الإمام الحسين(ع) يُحبّها كثيراً، حيث قال:

«لعمرُكَ إنَّنِي لأُحبُّ داراً  **  تكونُ بها سُكينةُ والربابُ

أُحبُّهُما وأبذلُ جُلَّ مالي  **  وليسَ لعاتبِ عندِي عتابُ»(3).

6ـ فاطمة، قال عنها الشيخ النمازي الشاهرودي: «وبالجملة، لا نظير لها في التقوى والكمال والفضائل والجمال، ولذلك تُسمّى الحور العين»(4).

إخبار النبي(ص) بقتله(ع)

قال الإمام الصادق(ع): «إِنَّ جَبْرَئِيلَ(ع) نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ(ص) فَقَالَ لَه: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَه يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ فَاطِمَةَ تَقْتُلُه أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ: يَا جَبْرَئِيلُ وعَلَى رَبِّيَ السَّلَامُ، لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ فَاطِمَةَ تَقْتُلُه أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي. فَعَرَجَ ثُمَّ هَبَطَ(ع) فَقَالَ لَه مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا جَبْرَئِيلُ وعَلَى رَبِّيَ السَّلَامُ لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ تَقْتُلُه أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي. فَعَرَجَ جَبْرَئِيلُ(ع) إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ هَبَطَ فَقَالَ:

يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ويُبَشِّرُكَ بِأَنَّه جَاعِلٌ فِي ذُرِّيَّتِه الإِمَامَةَ والْوَلَايَةَ والْوَصِيَّةَ. فَقَالَ: قَدْ رَضِيتُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى فَاطِمَةَ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُنِي بِمَوْلُودٍ يُولَدُ لَكِ تَقْتُلُه أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْه: لَا حَاجَةَ لِي فِي مَوْلُودٍ مِنِّي تَقْتُلُه أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: أَنَّ اللَه قَدْ جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِه الإِمَامَةَ والْوَلَايَةَ والْوَصِيَّةَ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْه: أَنِّي قَدْ رَضِيتُ»(5).

استشهاده(ع)

استُشهد(ع) في 10 محرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه نجله الإمام زين العابدين(ع) في كربلاء المقدّسة.

كيفية استشهاده(ع)

بقي الإمام الحسين(ع) بعد شهادة أصحابه وأهل بيته وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين، فتقدّم(ع) نحو القوم مصلتاً سيفه، فلم يزل يقتل كلّ مَن برز إليه حتّى قتل جمعاً كثيراً.

ثمّ صاح عمر بن سعد قائد الجيش الأموي: هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، احملوا عليه من كلّ جانب، فحملوا عليه، وهو يقاتلهم ببأس شديد، وشجاعة لا مثيل لها.

ولمّا ضعف عن القتال وقف ليستريح، فرماه رجل بحجر على جبهته، فسال الدم على وجهه، فرفع ثوبه ليمسح الدم عن عينيه، رماه آخر بسهم له ثلاث شعب وقع على قلبه، فأخرجه من قفاه، وانبعث الدم كالميزاب.

ثمّ ضربه رجل على كتفه الأيسر، ورماه آخر في حلقه، وضربه آخر على عاتقه، وطعنه رجل في ترقوته، ثمّ بدر إليه شمر بن ذي الجوشن فرفسه برجله، وجلس على صدره، وقبض على شيبته المقدّسة، وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربة، واحتزّ رأسه المقدّس(6).

فضل زيارته(ع)(7)

وردت روايات كثيرة في فضل زيارة الإمام الحسين(ع)، منها:

1ـ قال رسول الله(ص): «مَنْ زَارَ الحُسَيْنَ(ع) بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ الجَنَّة».

2ـ قال الإمام الصادق(ع): «زِيَارَةُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع) وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يُقِرُّ لِلْحُسَيْنِ بِالْإِمَامَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».

3ـ قال الإمام الصادق(ع): «زِيَارَةُ الحُسَيْنِ(ع) تَعْدِلُ مِائَةَ حِجَّةٍ مَبْرُورَةٍ، وَمِائَةَ عُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَة».

رثاؤه(ع)

ممّن رثاه السيّد رضا الهندي(رحمه الله) بقوله:

«لَم أَنسهُ إذ قَامَ فِيهمْ خَاطباً ** فَإذَا هُمُ لا يَملكونَ خِطابا

يَدعُو أَلَسْتُ أنا ابنُ بِنتِ نَبيِّـكُم ** ومَلاذُكُم إن صرفُ دهرٍ نابا

هَل جِئتُ في دِينِ النَّبيِّ ببدعةٍ ** أم كُنتُ في أحكامِهِ مُرتابا

أمْ لَمْ يُوَصِّ بِنَا النَّبيُّ وأودعَ ** الثّقلينَ فِيكُم عِترةً وكتابا

إنْ لَمْ تَدينُوا بالمعادِ فَرَاجعُوا ** أحْسَابَكُم إنْ كُنتُمُ أعرابا

فغَدَوْا حَيَارَى لا يَرَوْنَ لِوَعظِهِ ** إلَّا الأسنّةَ والسِّهامَ جَوابَا

حَتَّى إذا أَسِفَتْ عُلوجُ أُمَيَّةٍ ** أنْ لا تَرَى قَلبَ النَّبيِّ مُصابا

صَلَّتْ على جِسمِ الحُسينِ سُيوفُهُم ** فَغَدَا لِسَاجدةِ الظُّبَا مِحرابا

ومَضَى لَهيفاً لَم يَجِدْ غَيرَ القَنا ** ظِلّاً ولا غيرَ النَّجيعِ شَرابا

ظَمآنَ ذَابَ فُؤادُهُ من غلّةٍ ** لو مَسَّت الصَّخرَ الأصَمَّ لذابا

لَهفي لجِسمِكَ في الصَّعيدِ مُجرَّداً ** عُريانَ تَكسُوهُ الدِّماءُ ثِيابا

تَرِبَ الجَبينِ وعينُ كلِّ موحّدٍ ** وَدَّتْ لِجِسمِكَ لو تَكونُ ترابا

لَهفي لرأسِكَ فوقَ مَسلوبِ القَنا ** يَكْسُوهُ مِنْ أنوارِهِ جِلبابا

يَتلُو الكِتابَ على السِّنانِ وَإِنَّما ** رَفَعُوا بهِ فوقَ السِّنانِ كتابا»(8).

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 419.

2ـ عيون أخبار الرضا 2/ 29 ح5.

3ـ مقاتل الطالبيين: 59.

3ـ مستدركات علم رجال الحديث 8/ 593 رقم 18140.

4ـ الكافي 1/ 464.

5ـ اُنظر: مقتل الإمام الحسين للكعبي.

6ـ الإرشاد 2/ 133.

7ـ ديوان السيّد رضا الهندي: 42.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد العباس ابن الإمام علي (ع)

قرابته بالمعصوم(1)

ابن الإمام علي، وأخو الإمامينِ الحسن والحسين، وعمّ الإمام زين العابدين(عليهم السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو الفضل العباس بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

من ألقابه

قمر بني هاشم، قمر العشيرة، باب الحوائج، السقّاء، سَبع القنطرة، كافل زينب، بطل الشريعة، حامل اللواء، كبش الكتيبة، حامي الظعينة.

أُمّه

فاطمة بنت حزام بن خالد العامرية الكلابية المعروفة بأُمّ البنين.

ولادته

ولد في الرابع من شعبان 26ﻫ.

 زواج الإمام علي(ع) لأجله

«روي أنّ أمير المؤمنين عليّاً(ع) قال لأخيه عقيل ـ وكان نسّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم ـ: اُنظر إلى امرأةٍ قد ولدتها الفحولةُ من العربِ لأتزوّجها؛ فتلد لي غلاماً فارساً. فقال له : تزوّج أُمّ البنين الكلابية، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها. فتزوّجها»(2)، فولدت له العباس(ع)، وبعده عبد الله، وبعده جعفراً، وبعده عثمان.

من أقوال الأئمّة(عليهم السلام) فيه

قال الإمام الصادق(ع): «كانَ عمُّنا العباسُ بنُ عليٍّ نافذَ البصيرةِ، صلبَ الإيمانِ، جاهدَ معَ أبي عبدِ اللهِ(ع)، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً»(3).

من أقوال العلماء فيه

قال أبو مخنف الأزدي(رضوان الله عليه): «كان(ع) شجاعاً فارساً وسيماً جسيماً، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطّان في الأرض»(4).

زوجته

لُبابة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطّلب.

أولاده

1و2ـ الفضل، أبو محمّد عبيد الله «كان من العلماء»(5).

3ـ محمّد «استُشهد في واقعة الطف»(6).

مشاركته في واقعة الطف

كان(رضوان الله عليه) من الذين اشتركوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع الإمام الحسين(ع)، وقاتل قتال الشجعان حتّى استُشهد.

إيصاله الماء إلى معسكر الحسين(ع)

«لمّا اشتدّ على الحسين وأصحابه العطش، دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قِربة، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلاً، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدي: مَن الرجل فجئ ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: فاشرب هنيئاً، قال: لا والله، لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان، ومَن ترى من أصحابه فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فلمّا دنا منه أصحابه قال لرجاله: املؤوا قربكم فشدّ الرجالة فملأوا قِربهم، وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفّوهم… وجاء أصحاب حسين بالقِرب فأدخلوها عليه»(7).

موقفه يوم التاسع من المحرّم

«أتى أمر من عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد يستحثّه على المنازلة، فركبوا خيولهم وأحاطوا بالحسين(ع) وأهل بيته وأصحابه، فأرسل الحسين(ع) أخاه العباس ومعه جملة من أصحابه، وقال: سلهم التأجيل إلى غدٍ إن استطعت»(8)، فذهب(ع) إلى قادة العسكر وتكلّم معهم على التأجيل فأجّلوه.

رفضه لأمان ابن زياد وشمر

إنّ عبد الله بن أبي المحل بن حزام ـ ابن خال العباس(ع) ـ أخذ من عبيد الله ابن زياد أماناً من القتل للعباس وإخوته من أُمّه، فأجابه العباس وإخوته: «لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن سُمية»(9).

«وأقبل شمر بن ذي الجوشن فنادى: بنو أُختي عبد الله وجعفر والعباس وعثمان. فقال الحسين(ع): أَجِيبُوهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقاً، فَإِنَّهُ بَعْضُ أَخْوَالِكُم‏. فقالوا له: ما شأنك؟ فقال: يا بني أُختي، أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد.

قال: فناداه العباس بن علي(ع): تبّت يداك، ولُعن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله، أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة(عليهما السلام) وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء. قال: فرجع الشمر(لعنه الله) إلى عسكره مغضباً»(10).

موقفه يوم العاشر من المحرّم

«لمّا رأى(ع) وحدة الحسين(ع) بعد قتل أصحابه وجملة من أهل بيته، قال لإخوته من أُمّه: تقدّموا لأحتسبكم عند الله تعالى، فإنّه لا ولد لكم، فتقدّموا حتّى قُتلوا، فجاء إلى الحسين(ع) واستأذنه في المصال(11).

فقال(ع) له: أَنْت حَامِلُ لِوَائِي‏، فقال: لقد ضاق صدري وسئمت الحياة، فقال له الحسين(ع): إن عزمت فاستسق لنا ماءً، فأخذ قِربته وحمل على القوم حتّى ملأ القربة، قالوا: واغترف من الماء غرفة، ثمّ ذكر عطش الحسين(ع) فرمى بها وقال:

يَا نَفسُ مِن بَعدِ الحُسينِ هُوني  **  وبَعدَهُ لا كُنتِ أنْ تَكوني

هَذا الحُسينُ وَارِدُ المَنونِ  **  وتَشرَبينَ باردَ المَعينِ

ثمّ عاد فأُخذ عليه الطريق فجعل يضربهم بسيفه، وهو يقول:

لا أرْهبُ المَوتَ إذِ المَوتُ زَقَا  **  حَتَّى أُدارى في المَصَاليتِ لُقى

إِنِّي أنا العبَّاسُ أغدُو بِالسُّقَا  **  وَلا أخافُ الشَّرَّ يَومَ المُلتَقَى

فضربه حكيم بن طفيل الطائي السِنبِسي على يمينه فبراها، فأخذ اللواء بشماله، وهو يقول:

واللهِ إِنْ قَطعتُمُ يَميني  **  إِنِّي أُحامي أبداً عَن دِيني

فضربه زيد بن ورقاء الجهني على شماله فبراها، فضمّ اللواء إلى صدره (كما فعل عمّه جعفر إذ قطعوا يمينه ويساره في مؤتة، فضمّ اللواء إلى صدره) وهو يقول:

ألا تَرونَ مَعشَرَ الفُجَّارِ  **  قَد قَطَعُوا بِبَغْيهِم يَساري

فحمل عليه رجل تميمي من أبناء أبان بن دارم، فضربه بعمود على رأسه، فخرّ صريعاً إلى الأرض، ونادى بأعلى صوته: أدركني يا أخي، فانقضّ عليه أبو عبد الله كالصقر، فرآه مقطوع اليمين واليسار، مرضوخ الجبين، مشكوك العين بسهم، مرتثاً بالجراحة، فوقف عليه منحنياً، وجلس عند رأسه يبكي حتّى فاضت نفسه.

ثمّ حمل على القوم، فجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً، فيفرّون من بين يديه كما تفرّ المعزى إذا شدّ فيها الذئب، وهو يقول: أَيْنَ تَفِرُّون وقد قتلتم أخي، أَيْنَ تَفِرُّون‏ وقد فتتم عضدي»(12).

ثمّ قال(ع): «الْآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي، وَقَلَّتْ حِيلَتِي»(13).

استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه أخوه الإمام زين العابدين(ع) في كربلاء المقدّسة.

ترحّم الإمام زين العابدين(ع) عليه

قال الإمام زين العابدين(ع): «رَحِمَ اللهُ الْعَبَّاسَ، فَلَقَدْ آثَرَ وَأَبْلَى وَفَدَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى قُطِعَتْ يَدَاهُ، فَأَبْدَلَهُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَ بِهِمَا جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ المَلَائِكَةِ فِي الجَنَّةِ، كَمَا جَعَلَ لِجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَإِنَّ لِلْعَبَّاسِ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنْزِلَةً يَغْبِطُهُ بِهَا جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَة»(14).

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى اَلْعَبَّاسِ بْنِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ، اَلْمِوَاسِي أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، اَلْآخِذِ لِغَدِهِ مِنْ أَمْسِهِ، اَلْفَادِي لَهُ اَلْوَاقِي، اَلسَّاعِي إِلَيْهِ بِمَائِهِ، اَلْمَقْطُوعَةِ يَدَاهُ، لَعَنَ اَللهُ قَاتِلِيهِ يَزِيدَ بْنَ اَلرُّقَادِ، وَحَكِيمَ بْنَ اَلطُّفَيْلِ اَلطَّائِيَّ»(15).

رثاؤه

ممّن رثاه السيّد جعفر الحلّي(رحمه الله) بقوله:

«بطلٌ إذا رَكِبَ المُطَّهمَ خِلتَهُ  ** جَبلاً أشمَّ يَخِفُّ فِيهِ مُطهَّمُ

قَسماً بِصارمِهِ الصَّقيلِ وإنَّني ** في غَيرِ صَاعقةِ السَّما لا أُقسمُ

لَولا القَضا لَمَحى الوُجودَ بِسَيفِهِ ** واللهُ يَقضي مَا يَشاءُ ويَحكُمُ

فَهَوَى بِجَنْبِ العَلقمِي ولَيتَهُ ** للشَّاربينَ بهِ يُدافُ العَلقمُ

فَمَشى لِمَصرعِهِ الحُسينُ وطَرفُهُ ** بَينَ الخِيامِ وبَينَهُ مُتقسِّمُ

قَدْ رَامَ يَلثِمُهُ فَلم يَرَ مَوضعاً ** لَمْ يُدمِهِ عَضُّ السِّلاحِ فَيُلْثَمُ

نَادَى وقَدْ مَلأَ البَوادِي صَيْحَةً ** صُمُّ الـصُّخُورِ لِهَولِها تَتَألَّمُ

أَأُخَيَّ يَهنِيكَ النَّعيمُ ولَم أَخَلْ ** تَرضَى بِأَنْ أُرزَى وأَنْتَ مُنَعَّمُ

أَأُخَيَّ مَن يَحمي بَنات مُحَمَّدٍ ** إِنْ صِرْنَ يَسْتَرْحِمْنَ مَن لا يَرْحَمُ»

ــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: الشجرة المباركة: 184، أعيان الشيعة 7/429.

2ـ عمدة الطالب: 357.

3ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 176.

4ـ المصدر السابق.

5ـ بحار الأنوار 42/ 75 رقم2.

6ـ مناقب آل أبي طالب 3/ 259.

7ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 99.

8ـ إبصار العين: 31.

9ـ تاريخ الطبري 4/ 314.

10ـ اللهوف في قتلى الطفوف: 54.

11ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 178.

12ـ هكذا في الأصل، ولعلّه المصاع: أي القتال والجلاد.

13ـ بحار الأنوار 45/ 42.

14ـ الأمالي للصدوق: 548 ح10.

15ـالمزار الكبير: 489.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد علي الأكبر ابن الإمام الحسين (ع)

قرابته بالمعصوم(1)

حفيد الإمام علي والسيّدة فاطمة الزهراء(عليهما السلام)، وابن الإمام الحسين، وابن أخي الإمام الحسن، وأخو الإمام زين العابدين، وعمّ الإمام الباقر(عليهم السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو الحسن، علي الأكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

أُمّه

ليلى بنت أبي مُرّة بن عروة بن مسعود الثقفية.

ولادته

ولد في الحادي عشر من شعبان 35ﻫ، أو 41ﻫ.

صفاته

كان(ع) من أصبح الناس وجهاً، وأحسنهم خُلُقاً، وكان يشبه جدّه رسول الله(ص) في المنطق والخَلق والخُلق.

قال الإمام الحسين(ع) حينما برز علي الأكبر يوم الطف: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً بِرَسُولِكَ(ص)، وَكُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيْه»(2).

وقال الشاعر فيه:

«لَم تَرَ عينٌ نَظَرَتْ مِثلَهُ  **  مِن مُحتفٍ يَمشِي ومِنْ نَاعلِ

يَغلي نَئِيَّ اللَّحمِ حَتَّى إذا  **  أُنْضِجَ لَمْ يَغلُ عَلى الآكِلِ

كانَ إذا شَبَّتْ لهُ نَارُهُ  **  يُوقدها بالشَّرفِ القَابِلِ

كَيْما يَراهَا بَائسٌ مُرملٌ  **  أو فردُ حيٍّ ليسَ بالآهلِ

أَعني ابنَ ليلى ذَا السُّدَى والنَّدَى  **  أعني ابنَ بِنتِ الحسبِ الفاضلِ

لا يُؤْثِرُ الدُّنيا على دِينِهِ  **  ولا يَبِيعُ الحَقَّ بالبَاطلِ»(3).

وقال الشيخ عبد الحسين العاملي(رحمه الله):

«جَمعَ الصِّفاتِ الغُرَّ فَهْيَ تُراثُهُ  **  عن كُلِّ غِطريفٍ وشهمٍ أصْيدِ

في بَأسِ حَمزةَ في شَجاعةِ حَيدرٍ  **  بِإِبَى الحُسينِ وفي مَهابَةِ أَحمدِ

وتَراهُ في خَلقٍ وطِيبِ خَلائقٍ  **  وبَليغِ نُطقٍ كالنَّبيِّ مُحمَّدِ»(4).

شجاعته

لمّا ارتحل الإمام الحسين(ع) من قصر بني مقاتل، «خفق الحسين برأسه خفقة، ثمّ انتبه وهو يقول: إنَّا للهِ وإنَّا إليْهِ رَاجِعون‏، وَالحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمين‏. قال ـ أي الراوي ـ: ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً.

قال: فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين على فرس له فقال: يَا أَبَتِ جُعِلْتُ فِدَاك‏، مِمَّ حَمِدْتَ اللهَ وَاسْتَرْجَعْتَ‏؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي خَفَقْتُ برأسي خَفْقَةً فَعَنَّ لِي فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ: الْقَوْمُ يَسِيرُونَ وَالمَنَايَا تَسري إِلَيْهِمْ فَعَلِمْتُ أَنَّهَا أَنْفُسُنَا نُعِيَتْ إِلَيْنَا. قَالَ لَهُ: يَا أَبَتِ لَا أَرَاكَ اللهُ سُوءاً، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى وَالَّذِي إِلَيْهِ مَرْجِعُ الْعِبَادِ. قَالَ: يَا أَبَتِ إِذاً لَا نُبَالِي نَمُوتُ مُحِقِّينَ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ خَيْرَ مَا جَزَى وَلَداً عَنْ وَالِدِهِ»(5).

موقفه يوم العاشر

روي أنّه لم يبقَ مع الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء إلّا أهل بيته وخاصّته.

فتقدّم علي الأكبر(ع)، وكان على فرس له يُدعى الجناح، فاستأذن أباه(ع) في القتال فأذن له، ثمّ نظر إليه نظرة آيسٍ منه، وأرخى عينيه، فبكى ثمّ قال: « اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً بِرَسُولِكَ(ص)، وَكُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيْه»(6).

فشدّ علي الأكبر(ع) عليهم وهو يقول:

«أَنَا عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ** نَحْنُ وَ بَيْتِ اَللَّهِ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ

أَطْعَنُكُمْ بِالرُّمْحِ حَتَّى يَنْثَنِي ** أَضْرِبُكُمْ بِالسَّيْفِ أَحْمِي عَنْ أَبِي

ضَرْبَ غُلاَمٍ هَاشِمِيٍّ عَرَبِيٍّ ** وَاَللهِ لاَ يَحْكُمُ فِينَا اِبْنُ اَلدَّعِيِّ»(7).

ثمّ رجع إلى أبيه قائلاً: يا أباه العطش!!.

قال له الحسين(ع): اصْبِرْ حَبِيبِي، فَإِنَّكَ لَا تُمْسِي حَتَّى يَسْقِيَكَ رَسُولُ اللهِ بِكَأْسِهِ.

ففعل ذلك مراراً، فرآه منقذ العبدي وهو يشدّ على الناس، فاعترضه وطعنه فصُرع، واحتواه القوم فقطّعوه بسيوفهم.

وقف الحسين(ع) عليه، وهو يقول: قَتَلَ اللهُ قَوْماً قَتَلُوكَ يَا بُنَيَّ، مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الرَّحْمَنِ وَعَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ، وَانْهَمَلَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ الْعَفَا.

ثمّ قال لفتيانه: احْمِلُوا أَخَاكُم، فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه في الفسطاط(8).

استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه أخوه الإمام زين العابدين(ع) ممّا يلي رجلي أبيه الحسين(ع) في كربلاء المقدّسة.

عمره

تسع عشرة سنة على رواية الشيخ المفيد(قدس سره)، وخمس وعشرين سنة على رواية غيره، ويترجّح القول الثاني؛ لما روي أنّ عمر الإمام زين العابدين(ع) يوم الطف كان ثلاث وعشرين سنة، وعلي الأكبر أكبر سنّاً منه.

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنْ نَسْلِ خَيْرِ سَلِيلٍ مِنْ سُلاَلَةِ إِبْرَاهِيمَ اَلخَلِيلِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ…حَتَّى قَضَيْتَ نَحْبَكَ وَلَقِيتَ رَبَّكَ أَشْهَدُ أَنَّكَ أَوْلَى بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَنَّكَ اِبْنُ حُجَّتِهِ وَأَمِينُهُ، حَكَمَ اَللهُ لَكَ عَلَى قَاتِلِكَ مُرَّةَ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ اَلنُّعْمَانِ اَلْعَبْدِيِّ لَعَنَهُ اَللهُ وَأَخْزَاهُ وَمَنْ شَرِكَهُ فِي قَتْلِكَ، وَكَانُوا عَلَيْكَ ظَهِيراً، أَصْلاَهُمُ اَللهُ جَهَنَّمَ وَسٰاءَتْ مَصِيراً، وَجَعَلَنَا اَللهُ مِنْ مُلاَقِيكَ وَمُرَافِقِيكَ وَمُرَافِقِي جَدِّكَ وَأَبِيكَ وَعَمِّكَ وَأَخِيكَ وَأُمِّكَ اَلمَظْلُومَةِ، وَأَبْرَأُ إِلَى اَللهِ مِنْ قَاتِلِيكَ، وَأَسْأَلُ اَللهَ مُرَافَقَتَكَ فِي دَارِ اَلخُلُودِ، وَأَبْرَأُ إِلَى اَللهِ مِنْ أَعْدَائِكَ أُولِي اَلجُحُودِ»(9).

رثاؤه

ممّن رثاه أبو الحسن التهامي(رحمه الله) بقوله:

حُكمُ المنيةِ في البريةِ جاري ** ما هذهِ الدُنيا بدارِ قرارِ

بينا يرى الإنسانُ فيها مُخبراً ** حتّى يرى خبراً من الأخبارِ

فالعيشُ نومٌ والمنيةُ يقظةٌ ** والمرءُ بينهما خيالٌ ساري

ليسَ الزمانُ وإن حَرِصتَ مُسالماً ** خُلُقُ الزمانِ عداوةُ الأحرارِ

والنفسُ إن رضيت بذلكَ أم أبت ** مُنقادةٌ بأزمّةِ الأقدارِ

لا تأمنِ الأيّامَ يوماً بعدَما ** غدرت بعترةِ أحمدَ المُختارِ

فجعت حُسيناً بابنِهِ مَن أشبه الـ **    مُختارَ في خَلقٍ وفي أطوارِ

لمّا رآهُ مُقطّعَ الأوصالِ مُلـ ** قىً في الثرى يذري عليهِ الذاري

ناداهُ والأحشاءُ تلهبُ والمدا ** معُ تستهلُّ بدمعِها المدرارِ

يا كوكباً ما كانَ أقصرَ عُمرَهُ   ** وكذا تكونُ كواكبُ الأسحارِ

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: أعيان الشيعة 8/ 206، معجم رجال الحديث 12/ 387 رقم 8050.

2ـ اللهوف في قتلى الطفوف: 67.

3ـ السرائر 1/ 655.

4ـ المجالس العاشورية: 304.

5ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 92.

6ـ اللهوف في قتلى الطفوف: 67.

7ـ اُنظر: مقاتل الطالبيين: 76.

8ـ اُنظر: المصدر السابق: 77.

9ـ المزار الكبير: 488.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد عثمان ابن الإمام علي (ع)

قرابته بالمعصوم(1)

ابن الإمام علي، وأخو الإمامينِ الحسن والحسين، وعم الإمام زين العابدين(عليهم السلام).

اسمه ونسبه

عثمان بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

تسميته بعثمان

قال الإمام علي(ع): «إِنَّمَا سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَخِي عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُون‏»(2).

أُمّه

فاطمة بنت حزام بن خالد العامرية الكلابية المعروفة بأُمّ البنين.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته، إلّا أنّه من المحتمل ولد عام 39ﻫ بمدينة الكوفة في العراق(3).

مشاركته في واقعة الطف

كان(رضوان الله عليه) من الذين اشتركوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع الإمام الحسين(ع)، وقاتل قتال الشجعان حتّى استُشهد.

رفضه لأمان ابن زياد وشمر

إنّ عبد الله بن أبي المحل بن حزام ـ ابن خال العباس(ع) ـ أخذ من عبيد الله ابن زياد أماناً من القتل للعباس وإخوته من أُمّه، فأجابه العباس وإخوته: «لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن سُمية»(4).

وجاء شمر بن ذي الجوشن يوم التاسع من المحرّم إلى مخيم الحسين(ع) فقال: «أين بنو أُختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي، فقالوا له: ما لك وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أُختي آمنون، قال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك، لأن كنت خالنا أتُؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟»(5).

خروجه للمعركة

حمل على جيش عمر بن سعد، وهو يرتجز ويقول:

«إنِّي أنا عُثمانُ ذُو المَفاخرِ  **  شَيخي عَليٌّ ذو الفِعالِ الطَّاهرِ

وابنُ عمِّ النبيِّ الطاهرِ  **  أخِي حُسينٌ خِيرةُ الأخَائرِ

وسَيِّدُ الكِبارِ والأَصَاغرِ  **  بعدَ الرَّسولِ والوَصيِّ النَّاصرِ»(6).

بينما هو يُقاتل قتال الأبطال، إذ رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم فسقط عن فرسه، ثّم جاء رجل من بني أبان بن دارم وجزّ رأسه، وهو ابن إحدى وعشرين سنة(7).

استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه الإمام زين العابدين(ع) في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(ع) في كربلاء المقدّسة.

رثاؤه

قال الإمام الصادق(ع) «كَانَتْ أُمُّ الْبَنِينِ… تَخْرُجُ إِلَى الْبَقِيعِ فَتَنْدُبُ بَنِيهَا أَشْجَى نُدْبَةٍ وَأَحْرَقَهَا، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهَا يَسْمَعُونَ مِنْهَا…»(8).

وكانت تقول في رثاء أولادها الأربعة، ومنهم عثمان:

«لا تَدْعُونِّي وَيْكِ أُمَّ البَنِين‌ِ ** تُذَكِّرِينِي بِلُيُوثِ العَرِينِ

كانَتْ بَنُونَ لِي أُدْعى بِهِم‌ْ ** وَاليَوْمَ أَصْبَحْتُ وَلا مِنْ بَنِينِ

أَرْبَعَةٌ مِثْلُ نُسُورِ الرُّبى ** قَدْ واصَلُوا المَوْتَ بِقَطْعِ الوَتِينِ

تَنازَعَ الخِرْصانُ أَشْلاَهُم ** فَكُلُّهُمْ أمْسى صَرِيعاً طَعِين

يا لَيْتَ شِعْرِي أَكَما أَخْبَرُوا ** بِأَنَّ عَبّاساً قَطِيعُ الَّيمِينِ»(9).

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ، سَمِيِّ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، لَعَنَ اَللهُ رَامِيَهُ بِالسَّهْمِ خَوْلِيَّ بْنَ يَزِيدَ اَلْأَصْبَحِيَّ اَلْإِيَادِيَّ اَلدَّارِمِيَّ»(10).

وورد في زيارة أُخرى: «اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا عُثْمَانَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَرَحْمَةُ اَللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَمَا أَجَلَّ قَدْرَكَ، وَأَطْيَبَ ذِكْرَكَ، وَأَبْيَنَ أَثَرَكَ، وَأَشْهَرَ خَبَرَكَ، وَأَعْلَى مَدْحَكَ، وَأَعْظَمَ مَجْدَكَ»(11).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: معجم رجال الحديث 12/ 127 رقم7618.

2ـ مقاتل الطالبيين: 55.

3ـ المصدر السابق.

4ـ تاريخ الطبري 4/ 314.

5ـ مقتل الحسين لابن مخنف: 104.

6ـ الفتوح 5/ 113.

7ـ اُنظر: مقاتل الطالبيين: 55.

8ـ المصدر السابق: 56.

9ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 181.

10ـ المزار الكبير: 489.

11ـ مصباح الزائر 1/ 236.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد جعفر ابن الإمام علي (ع)

قرابته بالمعصوم(1)

ابن الإمام علي، وأخو الإمامينِ الحسن والحسين، وعمّ الإمام زين العابدين(عليهم السلام).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو عبد الله جعفر بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

تسميته بجعفر

روي: «أنّ أمير المؤمنين(ع) سمّاه باسم أخيه جعفر لحبّه إيّاه»(2).

أُمّه

فاطمة بنت حزام بن خالد العامرية الكلابية المعروفة بأُمّ البنين.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته، إلّا أنّه من المحتمل ولد عام 41ﻫ بمدينة الكوفة في العراق.

من أقوال العلماء فيه

1ـ قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «ويكفي في جلالته وشرفه المنضاف إلى شرفه الأصلي، نيله هذه الرتبة العظيمة، وتسليم الإمام(ع) عليه بالخصوص في الزيارة الرجبية، وزيارة الناحية المقدّسة»(3).

2ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «فهو بشهادته مثّل التفاني في سبيل إمام زمانه ريحانة رسول الله(ص)، فهذا الشهم الغيور أجلّ من التوثيق، وأرفع شأناً من التعديل»(4).

مشاركته في واقعة الطف

كان(رضوان الله عليه) من الذين اشتركوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع الإمام الحسين(ع)، وقاتل قتال الشجعان حتّى استُشهد.

رفضه لأمان ابن زياد وشمر

إنّ عبد الله بن أبي المحل بن حزام ـ ابن خال العباس(ع) ـ أخذ من عبيد الله ابن زياد أماناً من القتل للعباس وإخوته من أُمّه، فأجابه العباس وإخوته: «لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن سُمية»(5).

وجاء شمر بن ذي الجوشن يوم التاسع من المحرّم إلى مخيم الحسين(ع) فقال: «أين بنو أُختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي، فقالوا له: ما لك وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أُختي آمنون، قال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك، لأن كنت خالنا أتُؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟»(6).

خروجه للمعركة

قال العباس(ع) له يوم عاشوراء: «تقدّم إلى الحرب حتّى أراك قتيلاً كأخويك فأحتسبك كما احتسبتهما، فإنّه لا ولد لكم»(7).

فحمل على جيش عمر بن سعد، وهو يرتجز ويقول:

«إنِّي أنا جَعفرُ ذُو المَعَالي  **  ابنُ عليِّ الخَيرِ ذُو النَّوَالِ

ذاكَ الوصيُّ ذُو السنا والوَالي ** حسبِي بعمِّي جَعفرٍ والخَالِ

أَخِي حُسينٌ ذو النَّدى المِفْضَالِ»(8).

وفي مصدر آخر:

«إِنِّي أَنَا جَعْفَرٌ ذُو المَعَالِي ** ابْنُ عَلِيِّ الْخَيْرِ ذُو النَّوَالِ‏

ذَاكَ الْوَصِيُّ ذُو السَّنَا وَالْوَالِي ** حَسْبِي بِعَمِّي جَعْفَرٍ وَالْخَالِ‏

أَحْمِي حُسَيْناً ذَا النَّدَى الْمِفْضَالِ‏»(9).

بينما هو يُقاتل قتال الأبطال، إذ شدّ عليه هانئ بن ثُبيت الحضرمي فقتله(10).

استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه الإمام زين العابدين(ع) في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(ع) في كربلاء المقدّسة.

رثاؤه

قال الإمام الصادق(ع) «كَانَتْ أُمُّ الْبَنِينِ… تَخْرُجُ إِلَى الْبَقِيعِ فَتَنْدُبُ بَنِيهَا أَشْجَى نُدْبَةٍ وَأَحْرَقَهَا، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهَا يَسْمَعُونَ مِنْهَا…»(11).

وكانت تقول في رثاء أولادها الأربعة، ومنهم جعفر:

«لا تَدْعُونِّي وَيْكِ أُمَّ البَنِين‌ِ ** تُذَكِّرِينِي بِلُيُوثِ العَرِينِ

كانَتْ بَنُونَ لِي أُدْعى بِهِم‌ْ ** وَاليَوْمَ أَصْبَحْتُ وَلا مِنْ بَنِينِ

أَرْبَعَةٌ مِثْلُ نُسُورِ الرُّبى ** قَدْ واصَلُوا المَوْتَ بِقَطْعِ الوَتِينِ

تَنازَعَ الخِرْصانُ أَشْلاَهُم ** فَكُلُّهُمْ أمْسى صَرِيعاً طَعِين

يا لَيْتَ شِعْرِي أَكَما أَخْبَرُوا ** بِأَنَّ عَبّاساً قَطِيعُ الَّيمِينِ»(12).

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ، اَلصَّابِرِ بِنَفْسِهِ مُحْتَسِباً، وَاَلنَّائِي عَنِ اَلْأَوْطَانِ مُغْتَرِباً، اَلمُسْتَسْلِمِ لِلْقِتَالِ، اَلمُسْتَقْدِمِ لِلنِّزَالِ، اَلمَكْثُوْرِ بِالرِّجَالِ، لَعَنَ اَللهُ قَاتِلَهُ هَانِيَ بْنَ ثُبَيْتٍ اَلحَضْرَمِيَّ»(13).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: تنقيح المقال 15/ 219 رقم3921.

2ـ إبصار العين: 70.

3ـ تنقيح المقال 15/ 219.

4ـ المصدر السابق 15/ 220.

5ـ تاريخ الطبري 4/ 314.

6ـ مقتل الحسين لابن مخنف: 104.

7ـ إبصار العين: 70.

8ـ مناقب آل أبي طالب 3/ 255.

9ـ المصدر السابق 4/ 107.

10ـ اُنظر: مقتل الحسين لأبي مخنف: 184.

11ـ مقاتل الطالبيين: 56.

12ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 181.

13ـ المزار الكبير: 489.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد عبد الله ابن الإمام علي (ع)

قرابته بالمعصوم(1)

ابن الإمام علي، وأخو الإمامينِ الحسن والحسين، وعمّ الإمام زين العابدين(عليهم السلام).

اسمه ونسبه

عبد الله بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

أُمّه

فاطمة بنت حزام بن خالد العامرية الكلابية المعروفة بأُمّ البنين.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه من المحتمل ولد عام 35ﻫ(2).

من أقوال العلماء فيه

قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «شهادته بالطفّ تكفي برهاناً على وثاقته»(3).

مشاركته في واقعة الطف

كان(رضوان الله عليه) من الذين اشتركوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع الإمام الحسين(ع)، وقاتل قتال الشجعان حتّى استُشهد.

رفضه لأمان ابن زياد

إنّ عبد الله بن أبي المحل بن حزام ـ ابن خال العباس(ع) ـ أخذ من عبيد الله ابن زياد أماناً من القتل للعباس وإخوته من أُمّه، فأجابه العباس وإخوته: «لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن سُمية»(4).

خروجه للمعركة

قال العباس(ع) له يوم عاشوراء: «تقدّم بين يدي حتّى أراك وأحتسبك، فإنّه لا ولد لك»(5).

فحمل على جيش عمر بن سعد، وهو يرتجز ويقول:

«أنَا ابنُ ذي النَّجدةِ والإفضالِ  **  ذَاكَ عليُّ الخَيرِ ذو الفِعالِ

سَيفُ رَسولِ اللهِ ذو النّكالِ  **  في كلِّ يَومٍ ظَاهرُ الأهوالِ»(6).

بينما هو يُقاتل قتال الأبطال، إذ شدّ عليه هانئ بن ثُبيت الحضرمي فقتله، وهو ابن خمس وعشرين سنة(7).

استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه الإمام زين العابدين(ع) في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(ع) في كربلاء المقدّسة.

رثاؤه

قال الإمام الصادق(ع) «كَانَتْ أُمُّ الْبَنِينِ… تَخْرُجُ إِلَى الْبَقِيعِ فَتَنْدُبُ بَنِيهَا أَشْجَى نُدْبَةٍ وَأَحْرَقَهَا، فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهَا يَسْمَعُونَ مِنْهَا…»(8).

وكانت تقول في رثاء أولادها الأربعة، ومنهم عبد الله:

«لا تَدْعُونِّي وَيْكِ أُمَّ البَنِين‌ِ ** تُذَكِّرِينِي بِلُيُوثِ العَرِينِ

كانَتْ بَنُونَ لِي أُدْعى بِهِم‌ْ ** وَاليَوْمَ أَصْبَحْتُ وَلا مِنْ بَنِينِ

أَرْبَعَةٌ مِثْلُ نُسُورِ الرُّبى ** قَدْ واصَلُوا المَوْتَ بِقَطْعِ الوَتِينِ

تَنازَعَ الخِرْصانُ أَشْلاَهُم ** فَكُلُّهُمْ أمْسى صَرِيعاً طَعِين

يا لَيْتَ شِعْرِي أَكَما أَخْبَرُوا ** بِأَنَّ عَبّاساً قَطِيعُ الَّيمِينِ»(9).

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى عَبْدِ اَللهِ بْنِ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ، مُبْلَى اَلْبَلاَءِ، وَاَلمُنَادِي بِالْوَلاَءِ فِي عَرْصَةِ كَرْبَلاَءَ، اَلمَضْرُوبِ مُقْبِلاً وَمُدْبِراً، وَلَعَنَ اَللهُ قَاتِلَهُ هَانِيَ بْنَ ثُبَيْتٍ اَلحَضْرَمِيَّ»(10).

وورد في زيارة أُخرى: «اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ اَللهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَرَحْمَةُ اَللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِنَّكَ اَلْغُرَّةُ اَلْوَاضِحَةُ، وَاَللُّمْعَةُ اَللاَّئِحَةُ، ضَاعَفَ اَللهُ رِضَاهُ عَنْكَ، وَأَحْسَنَ لَكَ ثَوَابَ مَا بَذَلْتَهُ مِنْكَ، فَلَقَدْ وَاسَيْتَ أَخَاكَ، وَبَذَلْتَ مُهْجَتَكَ فِي رِضَى رَبِّكَ»(11).

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: معجم رجال الحديث 11/ 280 رقم7018.

2ـ اُنظر: مقاتل الطالبيين: 54.

3ـ تنقيح المقال 2/ 199، الطبعة القديمة.

4ـ تاريخ الطبري 4/ 314.

5ـ مقاتل الطالبيين: 54.

6ـ الفتوح 5/ 113ـ114.

7ـ اُنظر: مقاتل الطالبيين: 54.

8ـ المصدر السابق: 56.

9ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 181.

10ـ المزار الكبير: 488 ـ 489.

11ـ مصباح الزائر 1/ 236.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد القاسم ابن الإمام الحسن المجتبى (ع)

قرابته بالمعصوم

ابن الإمام الحسن، وحفيد الإمام علي، والسيّدة فاطمة الزهراء، وابن أخي الإمام الحسين(عليهم السلام).

اسمه ونسبه 

القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

أُمّه

جارية، اسمها رملة.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه ولد في القرن الأوّل الهجري.

مشاركته في واقعة الطف

كان(رضوان الله عليه) من الذين اشتركوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع الإمام الحسين(ع)، وقاتل قتال الشجعان حتّى استُشهد.

موقفه يوم الطف

عندما رأى القاسم عمّه الحسين(ع) يوم عاشوراء وقد قُتل أصحابه وجمع من أهل بيته، وسمع نداءه وهو يقول: هل من ناصر ينصرني، جاء إلى عمّه يطلب منه الرخصة لمبارزة الأعداء، فرفض الإمام الحسين(ع) ذلك؛ لأنّه كان غلاماً صغيراً.

فدخل القاسم المخيّم فألبسته أُمّه لامة الحرب، وأعطته وصية والده الإمام الحسن(ع)، يُوصيه فيها بمؤازرة عمّه الحسين(ع) في مثل هذا اليوم، فرجع إلى عمّه وأراه الوصية، فبكى(ع) وسمح له بالمبارزة، ودعا له وجزّاه خيراً.

خروجه للمعركة

حمل على جيش عمر بن سعد، وهو يرتجز ويقول:

«إنْ تُنكِرُوني فَأنَا فَرعُ الحَسَنْ  **  سِبطِ النَّبيِّ المُصطَفَى المُؤتَمَنْ

هَذا الحُسينُ كَالأسِيرِ المُرتَهَنْ  **  بينَ أُناسٍ لا سُقُوا صَوبَ المُزُنْ»(1).

فقاتل قتالاً شديداً حتّى قتل على صغر سنّه ثلاثة منهم وقيل أكثر.

كيفية استشهاده

قال حميد بن مسلم: «خرج إلينا غلام كان وجهه شقّة قمر في يده السيف، عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنّها اليسرى، فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدّن عليه، فقلت له: سبحان الله وما تريد إلى ذلك، يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم (قد احتوشوه) قال: فقال: والله لأشدّن عليه، فشدّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، فقال: يا عمّاه.

قال: فجلى الحسين كما يجلي الصقر، ثمّ شدّ شدّة ليث أغضب، فضرب عمراً (عمرواً) بالسيف فاتّقاه بالساعد فأطنّها من لدن المرفق، فصاح ثمّ تنحّى عنه، وحملت خيل لأهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من حسين، فاستقبلت عمراً بصدورها فحرّكت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه فتوطأته حتّى مات، وانجلت الغبرة فإذا أنا بالحسين قائم على رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه وحسين يقول: بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيكَ جَدُّك‏.

ثمّ قال: عَزَّ وَاللهِ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلَا يُجِيبُكَ، أَوْ يُجِيبُكَ فَلَا يَنْفَعُكَ، صَوْتٌ وَاللهِ كَثُرَ وَاتِرُوهُ، وَقَلَّ نَاصِرُوه، ثمّ احتمله، فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع حسين صدره على صدره، قال: فقلت في نفسي: ما يصنع به؟ فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين وقتلى قد قُتلت حوله من أهل بيته.

فسألت عن الغلام فقيل: هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»(2).

استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه الإمام زين العابدين(ع) في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(ع) في كربلاء المقدّسة.

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى اَلْقَاسِمِ بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، اَلمَضْرُوبِ عَلَى هَامَتِهِ، اَلمَسْلُوبِ لاَمَتُهُ، حِينَ نَادَى اَلحُسَيْنَ عَمَّهُ فَجَلى عَلَيْهِ عَمُّهُ كَالصَّقْرِ، وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلَيْهِ اَلتُّرَابَ، وَاَلحُسَيْنُ يَقُولُ:

بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ جَدُّكَ وَ أَبُوكَ، ثُمَّ قَالَ: عَزَّ وَاَللهِ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلاَ يُجِيبَكَ، أَوْ أَنْ يُجِيبَكَ وَأَنْتَ قَتِيلٌ جَدِيلٌ فَلاَ يَنْفَعَكَ، هَذَا وَاَللهِ يَوْمٌ كَثُرَ وَاتِرُهُ، وَقَلَّ نَاصِرُهُ، جَعَلَنِيَ اَللهُ مَعَكُمَا يَوْمَ جَمَعَكُمَا، وَبَوَّأَنِي مُبَوَّأَكُمَا، وَلَعَنَ اَللهُ قَاتِلَكَ عُمَرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ نُفَيْلٍ اَلْأَزْدِيَّ، وَأَصْلاَهُ جَحِيماً، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً أَلِيماً»(3).

رثاؤه

ممّن رثاه السيّد صالح الحلّي(رحمه الله) بقوله:

إنْ يبكهِ عمُّهُ حُزناً لمصرعِهِ ** فما بكى قمرٌ إلّا على قَمرِ

يا ساعدَ اللهُ قلبَ السِّبطِ ينظُرُهُ  ** فرداً ولم يبلغِ العشرينَ في العُمرِ

لابنِ الزكيِّ ألا يا مقلتي انفجري ** من الدموعِ دماً يا مهجتي انفطري

قد كنتُ أحذرُ أنّي لا أراكَ على ** وجهِ الصعيدِ ولكن جاءَني حذري

ما كنتُ آمُلُ في الرمضاءِ أبصرُهُ ** يا ليتَ فارقني من قبلِ ذا بصري

ما كنتُ آملُ أن أبقى وأنتَ على ** حرِّ الصعيدِ ضجيعَ الصخرِ والحجرِ

مُرَّملاً مذْ رأتْهُ رَملة ٌ صَرَخَتْ ** يا مهجتي وسروري يا ضيا بَصري

خلّفْتَ والدةً ولهى مُحيَّرةً ** مدهوشةً ليسَ مِنْ حامٍ ومُنتصرِ

بُنيَّ تقضي على شاطي الفراتِ ظَماً ** والماءَ أشربُهُ صفواً بلا كَدرِ

بُنيَّ في لوعةٍ خَلّفْتَ والدةً ** ترعى نجومَ الدُجى في الليلِ بالسهَرِ

ـــــــــــــــــــ

1ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 106.

2ـ مقتل الحسين لأبي مخنف: 169.

3ـ إقبال الأعمال 3/ 75.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد عبد الله ابن الإمام الحسن المجتبى (ع)

قرابته بالمعصوم

ابن الإمام الحسن، وحفيد الإمام علي، والسيّدة فاطمة الزهراء، وابن أخي الإمام الحسين(عليهم السلام).

اسمه ونسبه 

عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

أُمّه

بنت السليل بن عبد الله البجلية، وقيل: أُمّه جارية.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه ولد في القرن الأوّل الهجري.

موقفه يوم الطف

رأى عبد الله عمّه الحسين(ع) يوم عاشوراء ملقى على الأرض من شدّة الجراحات، مخضباً بدمائه، وقد أحاط به الأعداء، فخرج من الخيام ـ وهو غلام لم يُراهق ـ نحو عمّه الحسين(عليه السلام) حتّى وقف إلى جنب الحسين(ع)، فلحقته عمّته زينب لتحبسه، فقال لها الحسين: احْبِسِيهِ يَا أُخْتِي، فأبى وامتنع عليها امتناعاً شديداً، وقال: والله لا أُفارق عمّي.

وأهوى أبجر بن كعب إلى الحسين(ع) بالسيف، فقال له الغلام: ويلك يا ابن الخبيثة، أتقتل عمّي؟! فضربه أبجر بالسيف فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلدة، فإذا يده معلّقة، ونادى الغلام: يا أُمّاه! فضمّه الحسين(ع) إليه وقال: يَا ابْنَ أَخِي، اصْبِرْ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، وَاحْتَسِبْ فِي ذَلِكَ الخَيْرَ، فَإِنَّ اللهَ يُلْحِقُكَ بِآبَائِكَ الصَّالِحِين(1).

 استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه الإمام زين العابدين(ع) في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(ع) في كربلاء المقدّسة.

كيفية استشهاده

رماه الملعون حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه، وهو في حجر الحسين(ع)، وكان عمره حين قُتل إحدى عشرة سنة.

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى عَبْدِ اَلله بْنِ اَلحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اَلزَّكِيِّ، لَعَنَ اَللهُ قَاتِلَهُ وَرَامِيَهُ حَرْمَلَةَ بْنَ كَاهِلٍ اَلْأَسَدِيَّ»(2).

ـــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: الإرشاد 2 /110، مقتل الحسين لأبي مخنف: 191.

2ـ المزار الكبير: 490.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد عبد الله الرضيع ابن الإمام الحسين (ع)

قرابته بالمعصوم

حفيد الإمام علي والسيّدة فاطمة الزهراء(عليهما السلام)، وابن الإمام الحسين، وابن أخي الإمام الحسن، وأخو الإمام زين العابدين، وعمّ الإمام الباقر(عليهم السلام).

اسمه ونسبه

عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) المعروف بعلي الأصغر.

أُمّه

الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبية.

ولادته

ولد عام 60ﻫ بالمدينة المنوّرة.

كيفية استشهاده

عاد الإمام الحسين(ع) إلى المخيم ليودّع عياله، وإذا بزينب الكبرى(عليها السلام) استقبلته بعبد الله الرضيع قائلةً: أخي، يا أبا عبد الله، هذا الطفل قد جفّ حليب أُمّه، فاذهب به إلى القوم، علّهم يسقونه قليلاً من الماء، فأخذه منها وجعل يُقبّله وهو يقول: وَيْلٌ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِذَا كَانَ جَدُّكَ مُحَمَّدٌ المُصْطَفَى خَصْمَهُمْ.

ثمّ خرج راجلاً يحمل الطفل الرضيع، وكان يُظلّله من حرارة الشمس، فقال(ع): أيّها الناس، إن كانَ ذنبٌ للكبارِ فما ذنبُ الصغار؟

اختلف القوم فيما بينهم، فمنهم مَن قال: لا تسقوه، ومنهم مَن قال: أُسقوه، ومنهم مَن قال: لا تُبقوا لأهل هذا البيت باقية، عندها التفت عمر بن سعد إلى حرملة بن كاهل الأسدي وقال له: يا حرملة، اقطع نزاع القوم.

يقول حرملة: فهمت كلام الأمير، فسدّدت السهم في كبد القوس، وصرت انتظر أين أرميه، فبينما أنا كذلك إذ لاحت منّي التفاتة إلى رقبة الطفل، وهي تلمع على عضد أبيه الحسين(ع) كأنّها إبريق فضّة، عندها رميته بالسهم، فلمّا وصل إليه السهم ذبحه من الوريد إلى الوريد، وكان الرضيع مغمىً عليه من شدّة الظمأ، فلمّا أحسّ بحرارة السهم رفع يديه من تحت قماطه واعتنق أباه الحسين(ع)، وصار يرفرف بين يديه كالطير المذبوح.

عندئذٍ وضع الحسين(ع) يده تحت نحر الرضيع حتّى امتلأت دماً، ورمى بها نحو السماء قائلاً: اللّهم لا يكن عليكَ أهونَ من فصيلِ ناقةِ صالح. ثمّ قال: هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ الله.

قال الإمام الباقر(ع): فَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ قَطْرَةٌ إِلَى الْأَرْضِ. وسمع(ع) قائلاً يقول: دعه يا حسين، فإنّ لهُ مُرضِعاً في الجنّة.

ثمّ عاد به الحسين(ع) إلى المخيم، فاستقبلته سكينة وقالت: أبة يا حسين، لعلّك سقيت عبد الله ماءً وأتيتنا بالبقية؟ أجابها(ع): بُنيَّ سكينة، هذا أخوكِ مذبوحٌ من الوريدِ إلى الوريد(1).

استشهاده

استُشهد(ع) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه أخوه الإمام زين العابدين(ع) بجنب أبيه الحسين(ع) في كربلاء المقدّسة.

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى عَبْدِ اَللهِ بْنِ اَلحُسَيْنِ، اَلطِّفْلِ اَلرَّضِيعِ، وَاَلمَرْمِيِّ اَلصَّرِيعِ، اَلمُتَشَحِّطِ دَماً، اَلمُصَعَّدِ دَمُهُ فِي اَلسَّمَاءِ، اَلمَذْبُوحِ بِالسَّهْمِ فِي حَجْرِ أَبِيهِ، لَعَنَ اَللهُ رَامِيَهُ حَرْمَلَةَ بْنَ كَاهِلٍ اَلْأَسَدِيَّ وَذَوِيهِ»(2).

رثاؤه

ممّن رثاه الشيخ محمّد رضا الخزاعي(رحمه الله) بقوله:

«ولَو تَراهُ حَاملاً طِفلَهُ  **  رَأيْتَ بَدراً يَحملُ الفَرقدا

مُخضَّباً من فَيضِ أوداجِهِ  **  ألبَسَهُ سَهمُ الرَّدى مجسدا

تَحسبُ أنَّ السَّهمَ في نَحرِهِ  **  طَوقٌ يُحلِّي جِيدَهُ عَسْجَدا

وَمُذ رَنَتْ ليلى إليهِ غَدَتْ  **  تَدعُو بِصَوتٍ يُصدِعُ الجلمدا

تَقولُ عبدُ اللهِ ما ذَنبُهُ  **  مُنفطماً آبَ بِسَهمِ الرَّدى

قَد كُنتُ أَرجُو فيهِ لي سَلوةً  **  فخَيَّبوا ما كنتُ أرجو العِدى

لم يَمنحوهُ الوِردَ إذْ صَيَّروا  **  فَيضَ وريدَيهِ لهُ مَورِدا

أفديهِ مِنْ مُرتضِعٍ ظَامياً  **  بمُهجَتِي لو أنَّهُ يُفتَدَى»(3).

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: اللهوف في قتلى الطفوف: 69، بحار الأنوار 45/ 46، المجالس العاشورية: 390.

2ـ المزار الكبير: 489.

3ـ المجالس العاشورية: 391.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد جعفر بن عقيل

قرابته بالمعصوم(1)

ابن أخي الإمام علي، وابن عمّ الإمامينِ الحسن والحسين(عليهم السلام).

اسمه ونسبه

جعفر بن عقيل بن أبي طالب.

أُمّه

أُم الثغر بنت عامر بن الهضاب العامري(2)، أو: أُم البنين ابنة الشقر بن الهضاب(3).

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه ولد في القرن الأوّل الهجري، ومن المحتمل أنّه ولد في المدينة المنوّرة باعتباره مدنيّاً.

من أقوال العلماء فيه

1ـ قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «من أصحاب الحسين(ع)، قُتل معه بالطف، ووقع تسليم الإمام(ع) في الزيارتين الرجبية، والناحية المقدّسة، وذلك كافٍ في جلالته وشرفه»(4).

2ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «استشهاده تحت راية ريحانة رسول الله(ص)، تُضيف إلى نسبه الطاهر علوّ منزلته وطهارة محتده، فوثاقته لا ريب فيها، بل هو أجلّ من التوثيق، وأرفع شأناً من التعديل، فرحمة الله عليه ولعن قاتليه»(5).

مشاركته في واقعة الطف

كان(رضوان الله عليه) من الذين اشتركوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع الإمام الحسين(ع)، وقاتل قتال الشجعان حتّى استُشهد.

خروجه للمعركة

حمل على جيش عمر بن سعد، وهو يرتجز ويقول:

«أنا الغُلامُ الأَبطحيُّ الطَّالبي  **  مِن معشرٍ في هَاشمٍ مِن غَالبِ

ونَحنُ حقّاً سَادةُ الذَّوائبِ  **  هَذا حُسينٌ أطْيَبُ الأطائبِ

فقتل رجلين، وفي قول خمسة عشر فارساً، قتله بشر بن سوط الهمداني»(6).

استشهاده

استُشهد(رضوان الله عليه) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه الإمام زين العابدين(ع) في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(ع).

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ عَقِيلٍ، لَعَنَ اَللهُ قَاتِلَهُ بِشْرَ بْنَ خُوطٍ اَلهَمْدَانِيَّ»(7).

وورد في زيارة أُخرى:

«اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا جَعْفَرَ بْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، سَلاَماً يَقْضِي حَقَّكَ فِي نَسَبِكَ وَقَرَابَتِكَ، وَقَدْرِكَ فِي مَنْزِلَتِكَ، وَعَمَلِكَ فِي مُوَاسَاتِكَ، وَمُسَاهَمَتِكَ اِبْنَ عَمِّكَ بِنَفْسِكَ، وَمُبَالَغَتِكَ فِي مُوَاسَاتِهِ، حَتَّى شَرِبْتَ بِكَأْسِهِ، وَحَلَلْتَ مَحَلَّهُ فِي رَمْسِهِ، وَاِسْتَوْجَبْتَ ثَوَابَ مَنْ بَايَعَ اَللهَ فِي نَفْسِهِ، فَاسْتَبْشِرْ بِبَيْعِهِ اَلَّذِي بَايَعَهُ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ.

فَاجْتَمَعَ لَكَ مَا وَعَدَكَ اَللهُ بِهِ مِنَ اَلنَّعِيمِ بِحَقِّ اَلمُبَالَغَةِ إِلَى مَا أَوْجَبَهُ اَللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكَ بِحَقِّ اَلنَّسَبِ وَاَلمُشَارَكَةِ، فَفُزْتَ فَوْزَيْنِ لاَ يَنَالُهُمَا إِلاَّ مَنْ كَانَ مِثْلَكَ فِي قَرَابَتِهِ وَمَكَانَتِهِ، وَبَذَلَ مَالَهُ وَمُهْجَتَهُ لِنُصْرَةِ إِمَامِهِ وَاِبْنِ عَمِّهِ، فَزَادَكَ اَللهُ حُبّاً وَكَرَامَةً حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ فِي جِوَارِ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ»(8).

ـــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: تنقيح المقال 15/ 217 رقم3919.

2ـ مقاتل الطالبيين: 61.

3ـ تاريخ الطبري 4/ 359.

4ـ تنقيح المقال 15/ 217 رقم3919.

5ـ المصدر السابق 15/ 218 رقم3919.

6ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 105.

7ـ المزار الكبير: 491.

8ـ مصباح الزائر 1/ 236.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد عبد الرحمن بن عقيل

قرابته بالمعصوم(1)

ابن أخي الإمام علي، وابن عمّ الإمامينِ الحسن والحسين(عليهم السلام).

اسمه ونسبه

عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب.

أُمّه

جارية اسمها خليلة(2).

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه ولد في القرن الأوّل الهجري، ومن المحتمل أنّه ولد في المدينة المنوّرة باعتباره مدنيّاً.

زوجته

ابنة عمّه خديجة بنت علي بن أبي طالب(عليهم السلام)(3).

من أولاده

سعيد، عقيل.

مشاركته في واقعة الطف

كان(رضوان الله عليه) من الذين اشتركوا في واقعة الطفّ بكربلاء مع الإمام الحسين(ع)، وقاتل قتال الشجعان حتّى استُشهد.

خروجه للمعركة

حمل على جيش عمر بن سعد، وهو يرتجز ويقول:

«أبي عَقيلٌ فَاعرِفُوا مَكانِي  ** مِن هَاشمٍ وهَاشمٌ إخواني

كُهولُ صِدقٍ سَادةُ الأقرانِ  **  هذا حُسينٌ شَامخُ البُنيانِ

وسيِّدُ الشِّيبِ معَ الشُّبَّانِ

فقتل سبعة عشر فارساً، قتله عثمان بن خالد الجهني»(4).

استشهاده

استُشهد(رضوان الله عليه) في العاشر من المحرّم 61ﻫ بواقعة الطف، ودفنه الإمام زين العابدين(ع) في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(ع).

زيارته

ورد في زيارة الناحية المقدّسة للإمام المهدي(ع):

«اَلسَّلاَمُ عَلَى عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ عَقِيلٍ، وَلَعَنَ اَللهُ قَاتِلَهُ وَرَامِيَهُ عُمَرَ بْنَ أَسَدٍ اَلجُهَنِيَّ»(5).

وورد في زيارة أُخرى:

«اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ اَلرَّحْمَنِ بْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، صِنْوَ اَلْوَصِيِّ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَعَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ مَا دَجَى لَيْلٌ وَأَضَاءَ نَهَارٌ، وَمَا طَلَعَ هِلاَلٌ وَمَا أَخْفَاهُ سِرَارٌ، وَجَزَاكَ اَللهُ عَنِ اِبْنِ عَمِّكَ وَاَلْإِسْلاَمِ أَحْسَنَ مَا جَازَى اَلْأَبْرَارَ اَلْأَخْيَارَ، اَلَّذِينَ نَابَذُوا اَلْفُجَّارَ، وَجَاهَدُوا اَلْكُفَّارَ، فَصَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ اِبْنِ عَمٍّ لِخَيْرِ اِبْنِ عَمٍّ، زَادَكَ اَللهُ فِي مَا آتَاكَ، حَتَّى تَبْلُغَ رِضَاكَ كَمَا بَلَغْتَ غَايَةَ رِضَاهُ، وَجَاوَزَ بِكَ أَفْضَلَ مَا كُنْتَ تَتَمَنَّاهُ»(6).

ـــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: مقاتل الطالبيين: 61.

2ـ اُنظر: الطبقات الكبرى 4/ 42.

3ـ اُنظر: مقتل أمير المؤمنين(ع) لابن أبي الدنيا 1/ 123.

4ـ مناقب آل أبي طالب 4/ 106.

5ـ المزار الكبير: 491.

6ـ مصباح الزائر 1/ 236.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد برير بن خضير الهمداني المشرقي

اسمه ونسبه(1)

بُرير بن خُضير الهمْداني المشرقي.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه من أعلام القرن الأوّل الهجري، ومن المحتمل أنّه ولد في الكوفة باعتباره كوفي.

صحبته

كان(رضي الله عنه) من أصحاب الإمامين أمير المؤمنين والحسين(عليهما السلام).

جوانب من حياته

* كان من شيوخ قرّاء القرآن الكريم.

* كان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيّين.

من أقوال العلماء فيه

۱ـ قال الشيخ الصدوق(قدس سره): «وكان أقرأ أهل زمانه»(۲).

۲ـ قال العلّامة المجلسي(قدس سره): «وكان من عباد الله الصالحين»(۳).

۳ـ قال السيّد محسن الأمين(قدس سره) : «كان بُرير زاهداً عابداً»(۴).

۴ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «إنّ ولاءه لأهل البيت(عليهم السلام)، وتفانيه في عقيدته، كان متسالماً عليه، وإنّ جلالته ووثاقته كان معترفاً بها حتّى عند المخدّرات، فهو ثقة جليل، وزادته شهادته جلالة وقدساً تسليم الإمام(عليه السلام)(۵)، فرضوان الله عليه»(۶).

نصرته للإمام الحسين(عليه السلام) يوم الطف

خرج(رضي الله عنه) من الكوفة إلى مكّة المكرّمة لمبايعة الإمام الحسين(عليه السلام) ونصرته، ثمّ سار معه(عليه السلام) إلى كربلاء، وله فيها قضايا ومواعظ تدلّ على قوّة إيمانه(رضي الله عنه)، منها:

قوله للإمام الحسين(عليه السلام): «والله يا ابن رسول الله، لقد مَنّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطّع فيك أعضائنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة»(۷).

وإنّه كان يمازح عبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري، «فقال له عبد الرحمن: دعنا فوالله ما هذه بساعة باطل! فقال له بُرير: والله، لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكن والله إنّي لمستبشر بما نحن لاقون، والله أنّ بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم»(۸).

وعظه لقائد جيش بني أُمية عمر بن سعد

قال (رضي الله عنه ) للإمام الحسين(عليه السلام): «يا ابن رسول الله، ائذن لي أن آتي هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه؛ لعلّه يتّعظ ويرتدع عمّا هو عليه، فقال الحسين: ذاك إليك يا بُرير. فذهب إليه حتّى دخل على خيمته، فجلس ولم يسلّم، فغضب عمر وقال: يا أخا همدان، ما منعك من السلام عليَّ! ألست مسلماً أعرف الله ورسوله، وأشهد بشهادة الحق؟

فقال له بُرير: لو كنت عرفت الله ورسوله كما تقول، لما خرجت إلى عترة رسول الله تريد قتلهم، وبعد فهذا الفرات يلوح بصفائه ويلج كأنّه بطون الحيات تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها، وهذا الحسين بن علي وإخوته ونساؤه وأهل بيته يموتون عطشاً، وقد حلت بينهم وبين ماء الفرات أن يشربوه، وتزعم أنّك تعرف الله ورسوله! فأطرق عمر بن سعد ساعة إلى الأرض ثمّ رفع رأسه وقال: والله يا بُرير، إنّي لأعلم يقيناً أن كلّ مَن قاتلهم وغصبهم حقّهم هو في النار لا محالة، ولكن يا بُرير، أفتشير عليَّ أن أترك ولاية الري فتكون لغيري، فوالله ما أجد نفسي تجيبني لذلك.

فرجع بُرير إلى الحسين وقال: يا ابن رسول الله، إنّ عمر بن سعد قد رضى لقتلك بولاية الري»(۹).

وعظه لجيش عمر بن سعد

طلب الإمام الحسين(عليه السلام) منه أن يعظ القوم، «فتقدّم بُرير فقال: يا قوم، اتّقوا الله فإنّ ثقل محمّد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذرّيته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم؟ فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير ابن زياد، فيرى رأيه فيهم.

فقال لهم بُرير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟ ويلكم يا أهل الكوفة، أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها، يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيّكم، وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلأتموهم عن ماء الفرات، بئس ما خلفتم نبيّكم في ذرّيته، ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم. فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟

فقال بُرير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللّهم إنّي أبرء إليك من فعال هؤلاء القوم، اللّهم ألق بأسهم بينهم، حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان. فجعل القوم يرمونه بالسهام، فرجع بُرير إلى ورائه»(۱۰).

خروجه لمبارزة القوم

خرج(رضي الله عنه) إلى ميدان القتال وهو يقول:

أنا بُرير وأبي خُضير *** ليث يروع الأسد عند الزئر

يعرف فينا الخير أهل الخير *** أضربكم ولا أرى من ضير

كذاك فعل الخير من بُرير.

وبعدما قتل من الجيش ثلاثين رجلاً، سقط قتيلاً بضربة من بحير بن أوس الضبي.

استشهاده

استُشهد(رضي الله عنه) في العاشر من المحرّم عام ۶۱ﻫ بواقعة الطف، ودُفن في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء المقدّسة.

—————————-

۱– اُنظر: أعيان الشيعة ۳ /۵۶۱.

۲- الأمالي للصدوق: ۲۲۴.

۳- بحار الأنوار ۴۵ /۱۵.

۴- أعيان الشيعة ۳ /۵۶۱.

۵- إقبال الأعمال ۳ /۳۴۴ فصل۵۳.

۶- تنقيح المقال ۱۲ /۱۵۹ رقم۲۹۶۶.

۷- اللهوف في قتلى الطفوف: ۴۸.

۸- مقتل الحسين لأبي مخنف: ۱۱۵.

۹- اُنظر: مقتل الحسين للخوارزمي ۱ /۲۴۸

۱۰- بحار الأنوار ۴۵ /۵.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

استشهاد أنس بن الحرث الكاهلي

اسمه ونسبه(1)

أنس بن الحرث ـ أو الحارث ـ بن نبيه الكاهلي الأسدي.

ولادته

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ولادته ومكانها، إلّا أنّه من أعلام القرن الأوّل الهجري.

صحبته

كان(رضي الله عنه) من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله)، والإمام علي، والإمام الحسن، والإمام الحسين(عليهم السلام).

من أقوال العلماء فيه

۱ـ قال الشيخ عبد الله المامقاني(قدس سره): «الرجل في أعلى درجات الوثاقة، وقد كساه تسليم الإمام(عليه السلام) عليه في زيارة الناحية بقوله: السلام على أنس بن كاهل الأسدي. شرفاً على شرف الشهادة»(۲).

۲ـ قال الشيخ محيي الدين المامقاني(قدس سره): «أقول: بخٍ بخٍ لمثل هذا الرجل العظيم، مثال السعادة والتوفيق، ففي بدء حياته ينال شرف الصحبة، وفي خاتمة حياته ينال شرف الشهادة في الدفاع عن سيّد شباب أهل الجنّة صلوات الله عليه، وبعد وفاته ينال شرف التسليم عليه من حجّة الله على الخلق أجمعين، فهو غنيّ عن التوثيق، وأجلّ من التعديل»(۳).

۳ـ قال الشيخ محمّد السماوي(قدس سره): «كان صحابياً كبيراً ممّن رأى النبي(صلى الله عليه وآله) وسمع حديثه»(۴).

روايته للحديث

يعتبر من رواة الحديث في القرن الأوّل الهجري، فقد روى أحاديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله).

من رواياته

روى(رضي الله عنه) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خبر قتل الحسين(عليه السلام) في كربلاء والحثّ على نصرته: «سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: إنّ ابني ذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمَن شهد ذلك منكم فلينصره»(۵).

خرج(رضي الله عنه) من الكوفة ليلتحق بركب الإمام الحسين(عليه السلام)، فالتقى به عند نزوله(عليه السلام) أرض كربلاء.

طلبه الرخصة للبراز والقتال

جاء(رضي الله عنه) يوم العاشر من المحرّم إلى الإمام الحسين(عليه السلام) طالباً منه الرخصة للبراز والقتال، فلمّا أذن له الإمام الحسين(عليه السلام) في القتال شدّ وسطه بعمامة، ثمّ دعا بعصابة عصّب بها حاجبيه، ورفعهما عن عينيه، فلمّا نظر الإمام الحسين(عليه السلام) إليه بهذه الهيئة بكى وقال له: «شكر الله لك يا شيخ»(۶).

ثمّ برز(رضي الله عنه) مرتجزاً:

قد علمت كاهلها ودودان *** والخندفيون وقيس عيلان

بأنّ قومي قصم الأقران

استشهاده

استُشهد(رضي الله عنه) في العاشر من المحرّم عام ۶۱ﻫ بواقعة الطف، ودُفن في مقبرة الشهداء بجوار مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء المقدّسة.

————————–

۱ اُنظر: أعيان الشيعة ۳ /۴۹۹.

۲- تنقيح المقال ۱۱ /۲۳۱ رقم۲۶۸۰.

۳- المصدر السابق.

۴- إبصار العين في أنصار الحسين: ۹۹.

۵- تاريخ مدينة دمشق ۱۴ /۲۲۳.

۶- أعيان الشيعة ۳ /۵۰۰ نقلاً عن مقتل أبي مخنف.

بقلم: محمد أمين نجف

خروج سبايا الإمام الحسين (ع) من كربلاء إلى الكوفة

تاريخ الخروج(1)

تحرّك موكب سبايا أهل البيت(عليهم السلام) من كربلاء المقدّسة نحو مدينة الكوفة في ۱۱ محرّم ۶۱ﻫ.

كيفية الخروج

حمل جيش عمر بن سعد السبايا على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء، وساقوهم كما يساق سبي الترك والروم في أشد المصائب، وتتقدّمهم الرؤوس على الرماح، ولله در قائله:

يُصلّى على المبعوث من آل هاشم ** ويُغزى بنوه أن ذا لعجيب

وقال آخر:

أترجو أُمّة قتلت حسيناً ** شفاعة جدّه يوم الحساب

اقتسام القبائل الرؤوس والمجيء بها إلى ابن زياد

كانت رؤوس أهل بيت الحسين(عليه السلام) وأصحابه ثمّانية وسبعين رأساً، فاقتسمتها القبائل، للتقرّب بذلك إلى عبيد الله بن زياد وإلى يزيد بن معاوية (لعنهما الله).

قال أبو مخنف في مقتله: «فجاءت كندة إلى ابن زياد بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاء سائر الجيش بسبعة رؤوس، فلذلك سبعون رأساً».

الأسرى من الرجال

كان مع النساء الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام)، وقد كان مريضاً، والحسن بن الحسن المثنى، وقد أُثخن بالجراح، وروي أنّه قاتل بين يدي الحسين(عليه السلام) في ذلك اليوم، وأصابه ثمّانية عشر جراحة فوقع، فأخذه خاله أسماء بن خارجة فحمله إلى الكوفة، وداواه حتّى برء، وحمله إلى المدينة.

وكان معهم أيضاً زيد وعمرو ولدا الإمام الحسن(عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــ

۱ـ اُنظر: اللهوف في قتلى الطفوف: ۸۴٫

۲ـ مقتل الحسين: ۲۳۲٫

بقلم : محمد أمين نجف

استشهاد الإمام علي زين العابدين (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو محمّد، أبو الحسن، أبو الحسين، أبو القاسم.

من ألقابه(ع)

زين العابدين، سيّد العابدين، السجّاد، ذو الثفنات، الزاهد، المُتهجّد.

أُمّه(ع)

شهر بانو بنت يَزدَجُرد بن شهريار بن كسرى.

ولادته(ع)

ولد في الخامس من شعبان 38ﻫ بالمدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 57 عاماً، وإمامته 35 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك.

من أخلاقه وفضائله(ع)

1ـ العلم: كان(ع) أعلم أهل زمانه، فقد روى عنه(ع) الكثير من الفقهاء والعلماء والرواة في مختلف العلوم والمعارف، كما حفظ عنه(ع) تراث ضخم من الأدعية ـ كالصحيفة السجّادية ـ والمواعظ وفضائل القرآن، والأحكام الإسلامية من الحلال والحرام.

2ـ الحلم: عُرف(ع) بحلمه وعفوه وصفحه وتجاوزه عن المسيء، فمن القصص التي تُنقل عنه(ع) في هذا المجال: أنّه كانت جارية للإمام(ع) تسكب الماء له، فسقط من يدها الإبريق على وجهه(ع) فشجّه، فرفع رأسه إليها، فقالت له: إنّ الله يقول: (وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ)، فأجابها(ع): «قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي‏»، قالت: (وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، فقال(ع): «عَفَا اللهُ عَنْكِ»، ثمّ قالت: (وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِين)، فقال: «فَاذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّة»(2).

3ـ الشجاعة: قد اتّضحت واستبانت شجاعته(ع) الكامنة في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، عندما أمر الأخير بقتله، فقال الإمام(ع) له: «أَبِالْقَتْلِ تُهَدِّدُنِي، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَتْلَ لَنَا عَادَةٌ، وَكَرَامَتَنَا الشَّهَادَة»(3).

وقال للطاغية يزيد في الشام: «يَا ابْنَ مُعَاوِيَةَ وَهِنْدٍ وَصَخْرٍ، لَمْ يزالوا آبَائِي وَأَجْدَادِي فيهم الإِمرَةُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلِد، لَقَدْ كَانَ جَدِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْأَحْزَابِ فِي يَدِهِ رَايَةُ رَسُولِ اللهِ(ص)، وَ أَبُوكَ‏ وَجَدُّكَ فِي أَيْدِيهِمَا رَايَاتُ الْكُفَّار»(4).

4ـ التصدّق: كان(ع) كثير التصدّق على فقراء المدينة ومساكينها وخصوصاً بالسر، وقد روي أنّه كان لا يأكل الطعام حتّى يبدأ فيتصدّق بمثله.

وروي أنّه(ع) كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به، ويقول: «إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ»(5).

ولمّا استُشهد(ع) تبيّن أنّه كان يُعيل مائة عائلة من عوائل المدينة المنوّرة، ولقد كان أهل المدينة يقولون: «ما فقدنا صدقة السرّ حتّى مات علي بن الحسين(عليهما السلام)»(6).

5ـ العتق: كان(ع) دائم العتق للعبيد في سبيل الله، فقد روي عنه(ع) أنّه كان بين الآونة والأُخرى يجمع عبيده ويطلقهم، ويقول لهم: «عَفَوْتُ عَنْكُمْ فَهَلْ عَفَوْتُمْ عَنِّي‏؟… فيقولون له: قد عفونا عنك يا سيّدنا وما أسأت.

فيقول(ع) لهم: قُولُوا: اللَّهُمَّ اعْفُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ كَمَا عَفَا عَنَّا، فَأَعْتِقْهُ مِنَ النَّارِ كَمَا أَعْتَقَ رِقَابَنَا مِنَ الرِّقِّ. فَيَقُولُونَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِين»(7).

6ـ الفصاحة والبلاغة: تجلّت فصاحته(ع) وبلاغته في الخطب العصماء التي خطبها في الكوفة في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، وفي الشام في مجلس الطاغية يزيد بن معاوية، ثمّ في المدينة المنوّرة بعد عودته من الشام.

هذا ناهيك عن الصحيفة السجّادية الكاملة، وما جاء فيها من عبارات الدعاء الرائعة والمضامين العميقة، وبلاغة اللفظ وفصاحته وعمقه، والحوارات الجميلة والعبارات اللطيفة الجزيلة التي يعجز البلغاء والشعراء عن إيراد مثلها، وقد عُرفت الصحيفة بـ «إنجيل آل محمّد».

7ـ المهابة: للإمام(ع) مهابة خاصّة في قلوب الناس، روي أنّ هشام بن عبد الملك جاء إلى مكّة لأداء الحجّ ـ قبل استخلافه ـ، فأراد استلام الحجر الأسود فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه وطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل الإمام زين العابدين(ع) وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة، بين عينيه ثفنة السجود فجعل يطوف، فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتّى يستلمه هيبة له.

فقال شامي: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعرفه؛ لئلّا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكنّي أنا أعرفه، فقال الشامي: مَن هو يا أبا فراس؟

فأنشأ قصيدته المشهورة، نقتطف بعض أبياتها:

«هَذا الذي تَعرفُ البَطحاءُ وَطأتَهُ  **  والبَيتُ يَعرفُهُ والحِلُّ والحَرمُ

هَذا ابنُ خَيرِ عِبادِ اللهِ كُلِّهِمُ  **  هَذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ

هَذَا عَليٌّ رَسولُ اللهِ وَالِدُهُ  **  أَمْسَتْ بِنورِ هُداهُ تَهتَدِي الظُّلَمُ

إذَا رأَتْهُ قُريشٌ قَالَ قَائلُها  **  إلى مَكارِمِ هَذا يَنتهي الكَرَمُ

يُنمى إلى ذُروةِ العزِّ التي قَصُرَتْ  **  عَن نَيلِها عربُ الإِسلامِ والعَجَمُ

يَكادُ يُمسِكُهُ عِرفانَ راحتِهِ  **  رُكنُ الحَطيمِ إذَا مَا جَاءَ يَستَلِمُ

يُغضِي حَياءً ويُغضَى مِن مَهابتِهِ  **  فَمَا يُكلَّم إلَّا حِينَ يَبتَسِمُ

يَنشقُّ نُورُ الدُّجَى عَن نُورِ غُرَّتِهِ  **  كالشَّمسِ يَنجابُ عَن إِشراقِها الظُّلمُ

بِكفِّهِ خَيْزُرانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ  **  مِن كفِّ أروعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ

مَا قالَ لا قطُّ إلَّا في تَشهُّدِهِ  **  لولا التَّشهُّد كانَتْ لاؤُهُ نَعَمُ

هَذا ابنُ فَاطمةَ إنْ كُنتَ جَاهلَهُ  **  بِجَدِّهِ أنبياءُ اللهِ قَدْ خُتِمُوا»(8).

من زوجاته(ع)

فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(ع)، جارية أُمّ زيد الشهيد.

من أولاده(ع)

1ـ الإمام محمّد الباقر(ع).

2ـ زيد الشهيد، قال عنه رسول الله(ص) للحسين(ع): «يَا حُسَيْنُ، يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، يَتَخَطَّى هُوَ وَأَصْحَابُهُ رِقَابَ النَّاسِ وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَاب‏ٍٍ»(9).

3ـ عبد الله الباهر، قال عنه الإمام الباقر(ع): «أمّا عبدُ اللهِ فيدي التي أبطشُ بها»(10).

4ـ الحسين الأصغر، قال عنه الإمام الباقر(ع): «أمّا الحسينُ، فحليمٌ يمشي على الأرضِ هوناً، وإذا خاطبَهُم الجاهلونَ قالُوا سلاماً»(11).

5ـ عمر الأشرف، قال عنه الإمام الباقر(ع): «أمّا عمرُ فبصري الذي أُبصرُ بهِ»(12).

6ـ عُلية «زوجة علي بن الحسين الأثرم ابن الإمام الحسن(ع)».

استشهاده(ع)

استُشهد في الخامس والعشرين من المحرّم 94ﻫ، وقيل: في الثاني عشر من المحرّم بالمدينة المنوّرة، ودُفن بمقبرة البقيع.

كيفية استشهاده(ع)

أرسل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سمّاً قاتلاً من الشام إلى عامله على المدينة، وأمره أن يدسّه للإمام(ع)، ونفّذ عامله ذلك.

بكاء الإمام الباقر عليه(ع)

قال جابر الجُعفي: «لمّا جرّد مولاي محمّد الباقر مولاي علي بن الحسين ثيابه ووضعه على المغتسل، وكان قد ضرب دونه حجاباً، سمعته ينشج ويبكي حتّى أطال ذلك، فأمهلته عن السؤال حتّى إذا فرغ من غسله ودفنه، فأتيت إليه وسلّمت عليه وقلت له: جُعلت فداك مِمَّ كان بكاؤك وأنت تغسل أباك ذلك حزناً عليه؟

قال: لا يا جابر، لكن لمّا جرّدتُ أبي ثيابَهُ ووضعتُهُ على المغتسلِ رأيتُ آثارَ الجامعةِ في عنقِهِ، وآثارَ جرح القيد في ساقيهِ وفخذيهِ، فأخذتني الرقّةُ لذلكَ وبكيتُ»(13).

رثاؤه

ممّن رثاه الشيخ علي التاروتي(رحمه الله) بقوله:

«مَا ليَ أراكَ ودَمعُ عَينِكَ جَامدٌ  **  أوَما سَمعتَ بمِحنةِ السَّجَّادِ

قَلَبوهُ عن نطعٍ مُسجَّى فَوقَهُ  **  فَبَكَتْ لهُ أملاكُ سَبعِ شِدادِ

ويَصيحُ وا ذُلّاهُ أينَ عَشيرتي  **  وسُراةُ قَومي أينَ أهلُ وِدَادي

مِنهُم خَلَتْ تِلكَ الدِّيارُ وبَعدَهُم  **  نَعَبَ الغُرابُ بِفُرقةٍ وبعادِ

أترى يَعودُ لَنَا الزَّمان بِقُربِكُم  **  هَيهات مَا لِلقُربِ مِن مِيعادِ».

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 479.

2ـ اُنظر: الإرشاد 2/ 146.

3ـ الفتوح 5/ 123.

4ـ المصدر السابق 5/ 131.

5ـ تفسير أبي حمزة الثمالي: 87.

6ـ تاريخ مدينة دمشق 41/ 384.

7ـ الصحيفة السجادية، دعاؤه في آخر ليلة من شهر رمضان: 286.

8ـ روضة الواعظين: 200.

9ـ عيون أخبار الرضا 1/ 226 ح2.

10ـ الناصريات: 64.

11ـ المصدر السابق.

12ـ المصدر السابق.

13ـ المجالس السنية 4/ 275، المجلس السادس والثلاثون بعد المئتين.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************

وصول سبايا الإمام الحسين (ع) إلى الكوفة

الخروج من كربلاء

تحرّك موكب سبايا أهل البيت(عليهم السلام) من كربلاء المقدّسة نحو مدينة الكوفة، وهو يقطع الصحاري، حاملاً الذكريات الموحشة والمؤلمة لليلة الفراق والوحشة التي قضوها على مقربة من مصارع الشهداء، وهم على جمالٍ بغير وطاء ولا غطاء.

الدخول إلى الكوفة

دخل الركب الكوفة في ۱۲ محرّم ۶۱ﻫ، ففزع أهل الكوفة وخرجوا إلى الشوارع، بين مُتسائل لا يدري لمن السبايا، وبين عارف يُكفكف أدمعاً ويُضمر ندماً.

وأشرفت إحدى السيّدات، فسألت إحدى العلويات، وقالت لها: من أي الأُسارى أنتن؟ فأجابتها العلوية: نحن أُسارى أهل البيت.

وكان هذا النبأ عليها كالصاعقة، فصرخت وصرخت اللاّتي كنّ معها، ودوى صراخهنّ في أرجاء الكوفة، وبادرت المرأة إلى بيتها فجمعت ما فيه من اُزر ومقانع، فجعلت تناولها إلى العلويات ليتسترن بها عن أعين الناس، كما بادرت سيّدة أُخرى فجاءت بطعام وتمر، وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع، ونادت السيّدة أُمّ كلثوم من خلف الركب: «إنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت».

وصارت تأخذ من أيدي الأطفال وأفواههم، وترمي به الأرض، وتقول: «يا أهل الكوفة! تقتلنا رجالكم وتبكي علينا نساؤكم، فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء»(۱).

ثمّ اتّجه موكب السبايا نحو قصر الإمارة، مُخترقاً جموع أهل الكوفة، وهم يبكون لما حلّ بالبيت النبوي الكريم، ولما اكتسبت أيديهم، وخدعت وعودهم سبط النبي(صلى الله عليه وآله) وإمام المسلمين الحسين بن علي(عليهما السلام)، وها هم يرون أهله ونساءه أُسارى، وها هو رأس السبط الشهيد يحلِّق في سماء الكوفة على رأس رمح طويل، وقد دعوه ليكون قائداً للأُمّة الإسلامية، وهادياً لها نحو الرشاد!.

فحدّقت السيّدة زينب(عليها السلام) بالجموع المحتشدة، ومرارة فقدان أخيها تملأ فمها، وذلّ الأَسر يحيط بموكبها، فنظرت(عليها السلام) إلى أهل الكوفة نظرة غضب واحتقار، وخطبت بهم خطبة مقرعة ومؤنِّبة.

الدخول إلى قصر الإمارة

أُدخل رأس الإمام الحسين(عليه السلام) إلى القصر، ووضع بين يدي عبيد الله ابن زياد والي الكوفة، فأخذ يضرب الرأس الشريف بقضيب كان في يده، وعليه علامات الفرح والسرور.

وكان الى جانبه زيد بن أرقم ـ وكان شيخاً كبيراً صحابيّاً ـ، فلمّا رآه يفعل ذلك بثنايا ابن رسول الله قال له: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فو الله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليها ما لا أُحصيه كثرة تقبّلهما. ثمّ انتحب باكياً.

فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، أتبكي لفتح الله؟ والله لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وذهب إلى منزله.

ثمّ أُدخل النساء والأطفال ومعهم الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وكانت عقيلة بني هاشم السيّدة زينب الكبرى(عليها السلام) متنكّرة، وقد انحازت إلى ناحية من القصر ومعها النسوة.

فقال ابن زياد: مَن هذه التي انحازت ومعها نساؤها؟ فسأل عنها ثانية وثالثة فلم تجبه، فقيل له: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله.

فانبرى ابن زياد مخاطباً زينب(عليها السلام) شامتاً بها: الحمدُ لله الذي فضحكم وقتلكم، وأكذب أُحدوثتكم.

فردّت(عليها السلام) عليه بلسانِ المرأة الواثقة بأهدافها: «الحمدُ لله الذي أكرمَنا بنبيِّه محمّدٍ(صلى الله عليه وآله)، وطهّرَنا مِن الرجس تطهيراً، إنّما يَفتضحُ الفاسق ويكذبُ الفاجِر، وهو غيرُنا».

فقال ابن زياد: كيف رأيت فِعلَ الله بأهلِ بيتك؟ فقالت(عليها السلام): «كتب اللهُ عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللهُ بينك وبينهُم، فتحاجُّون إليه وتختصمون عنده».

فغضب ابن زياد واستشاط غضباً، فقال عمرو بن حريث: إنّها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.

فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين، والعصاة المردة من أهل بيتك.

فقالت: «لعمري، لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت»، فأخذ ابن زياد يفحش في كلامه.

ثمّ جاء الدور بعد ذلك للإمام زين العابدين(عليه السلام) ليقف أمام عبيد الله بن زياد، فسأله: مَن أنت؟ فأجاب(عليه السلام): «أنا علي بن الحسين».

فقال: ألم يقتل الله علي بن الحسين؟ قال(عليه السلام): «كان لي أخٌ يُسمّى علياً قتله الناس».

فقال ابن زياد: بل قتله الله.

قال(عليه السلام): (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(۲).

فغضب ابن زياد لردّ الإمام(عليه السلام)، فنادى جلاوزته: اِضربوا عنقه.

فتعلّقت عمّته زينب(عليها السلام) به، وصاحت: «يابن زياد، حَسْبك مِن دمائنا، والله لا أفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه»، فتراجع عن ذلك.

ثمّ صعد المنبر، ونال من أهل البيت وكذّبهم فافتضح نفاقه وبانت أعراقه، وكان في المجلس شيخ كبير آخر هو عبد الله بن عفيف الأزدي، فانتفض في وجه ابن زياد السفّاك وخذله ونال منه.

فقال ابن زياد: عليَّ به، فأخذته جلاوزة النفاق والشقاق، فانتزعه منهم رجال من الأزد، إلاّ أنّ ابن زياد أرسل عليه ليلاً، فأُخرج من بيته وجيء به لابن زياد، فضرب عنقه، وصلبه على السبخة، فرحمة الله عليه(۳).

خطبة السيّدة زينب(عليها السلام)

قال بشير بن خزيم الأسدي: «ونظرت إلى زينب بنت علي يومئذٍ، ولم أرَ خفرة والله أنطق منها، كأنّها تفرع من لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت:

الحمد لله والصلاة على أبي محمّد وآله الطيبين الأخيار، أمّا بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الختر والغدر والختل والمكر، ألا فلا رقأت العبرة ولا هدأت الزفرة، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف والنطف، والصدر الشنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون.

أتبكون وتنتحبون! إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم، ومدرة سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضبٍ من الله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أيّ كبدٍ لرسول الله فريتم، وأيّ كريمةٍ له أبرزتم، وأيّ دمٍ له سفكتم، وأيّ حرمةٍ له انتهكتم؟ ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء سَوّاء فقماءـ وفي بعضهاـ خرقاء شوهاء كطلاع الأرض ومُلاء السماء.

أفعجبتم أن مطرت السماء دماً؟ ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا تحفزه البِدَار، ولا يُخافُ فوتُ الثأر، وإنّ ربّكم لبالمرصاد.

ثمّ أنشأت تقول:

ماذا تقولون إذ قال النبيّ لكم ** ماذا صنعتم وأنتم آخر الأُمم

فقال الإمام زين العابدين(عليه السلام): «يا عمّة اسكتي، ففي الباقي من الماضي اعتبار»، فسكتت الحوراء زينب(عليها السلام)».

قال الراوي: «فو الله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي، حتّى اخضلت لحيته، وهو يقول: بأبي أنتم وأُمّي، كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يخزي ولا يبزي»(۴).

خطبة الإمام زين العابدين(عليه السلام)

ثمّ ارتقى الإمام زين العابدين(عليه السلام) المنبر، فأومأ للناس بالسكوت، وكان معتل الحال، فأثنى على الله وحمده، وذكر النبي(صلى الله عليه وآله) ثمّ صلّى عليه، ثمّ قال:

«أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، أنا ابن من انتُهكت حرمته، وسُلبت نعمته، وانتُهب ماله، وسُبي عياله، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحلٍ ولا تَرات، أنا ابن من قُتل صبراً، وكفى بذلك فخراً.

أيّها الناس فأنشدكم الله، هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه، فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم، وسوأة لرأيكم، بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أُمّتي».

قال الراوي: «فارتفعت الأصوات من كل ناحية، ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون، فقال(عليه السلام): رحم الله امرأ قبل نصيحتي، وحفظ وصيّتي في الله، وفي رسوله، وأهل بيته، فإنّ لنا في رسول الله(صلى الله عليه وآله) أُسوة حسنة»(۵).

واستمر الإمام(عليه السلام) في الخطبة، فعرّى الأُمويين وأتباعهم الخونة الظالمين، ونصح المسلمين.

خطبة السيّدة فاطمة الصغرى(عليها السلام)

خطبت السيّدة فاطمة الصغرى(عليها السلام) بعد أن وردت من كربلاء، فقالت: «الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله(صلى الله عليه وآله)، وأنّ أولاده ذُبحوا بشطّ الفرات بغير ذحلٍ ولا تَرات.

اللهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه، من أخذ العهود لوصيّه علي بن أبي طالب(عليه السلام)، المسلوب حقّه، المقتول من غير ذنب، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتّى قبضته إليك محمود النقيبة، طيّب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه اللهمّ فيك لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته اللهمّ للإسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك، حتّى قبضته إليك، زاهداً في الدنيا غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً لك في سبيلك، رضيته فاخترته فهديته إلى صراطٍ مستقيم.

أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنّا أهل بيتٍ ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا، وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجّته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضّلنا بنبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله) على كثيرٍ ممّن خلق تفضيلاً بيّناً، فكذّبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأنّنا أولاد ترك وكابل، كما قتلتم جدّنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت؛ لحقدٍ متقدّم قرّت لذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراءً على الله، ومكراً مكرتم، والله خير الماكرين.

فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزايا العظيمة (فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).

تبّاً لكم، فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأنّ قد حلّ بكم، وتواترت من السماء نقمات، فيسحتكم بعذابٍ، ويذيق بعضكم بأس بعض، ثمّ تُخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين.

ويلكم! أتدرون أيّة يدٍ طاعنتنا منكم، وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأيّة رجل مشيتم إلينا، تبغون محاربتنا؟ والله قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطُبع على أفئدتكم، وخُتم على سمعكم وبصركم، وسَوّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة، فأنتم لا تهتدون.

فتبّاً لكم يا أهل الكوفة، أيّ تَرات لرسول الله(صلى الله عليه وآله) قبلكم، وذحول له لديكم بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب جدّي، وبنيه وعترته الطيّبين الأخيار، فافتخر بذلك مفتخر وقال:

نحن قتلنا علياً وبني علي ** بسيوفٍ هندية ورماح

‏وسبينا نساءهم سبي ترك ** ونطحناهم فأيّ نطاح

بفيك أيّها القائل الكثكث والأثلب، افتخرت بقتل قومٍ زكّاهم الله، وطهّرهم الله، وأذهب عنهم الرجس، فأكظم وأقعِ كما أقعى أبوك، فإنّما لكلّ امرئ ما كسب، وما قدّمت يداه.

أحسدتمونا ويلاً لكم على ما فضّلنا الله؟ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور».

قال الراوي: «فارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيّبين، فقد أحرقت قلوبنا، وأنضجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت(عليها السلام)»(۶).

خطبة السيّدة أُم كلثوم(عليها السلام)

خطبت السيّدة أُم كلثوم بنت الإمام علي(عليه السلام) في ذلك اليوم من وراء كلّتها، رافعة صوتها بالبكاء، فقالت:

«يا أهل الكوفة، سوأة لكم، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه، وانتهبتم أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبّاً لكم وسحقاً، ويلكم! أتدرون أيّ دواة دهتكم؟ وأيّ وزرٍ على ظهوركم حملتم؟ وأيّ دماء سفكتموها؟ وأيّ كريمة أصبتموها؟ وأيّ صبية سلبتموها؟ وأيّ أموال انتهبتموها؟

قتلتم خير رجالات بعد النبي(صلى الله عليه وآله)، ونزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إنّ حزب الله هم الفائزون، وحزب الشيطان هم الخاسرون» ثمّ قالت:

قتلتم أخي صبراً فويل لأُمّكم ** ستجزون ناراً حرّها يتوقّد

سفكتم دماءً حرم الله سفكها ** وحرّمها القرآن ثمّ محمّد

ألا فأبشروا بالنار أنّكم غداً ** لفي سقر حقّاً يقيناً تخلدوا

وأنّي لأبكي في حياتي على أخي ** على خير من بعد النبي سيولد

بدمعٍ غزيرٍ مستهلّ مكفكف على ** الخدّ منّي دائماً ليس يجمد

قال الراوي: فضجّ الناس بالبكاء والنوح، فلم يُرَ باكية وباكٍ أكثر من ذلك اليوم(۷).

رأس الحسين(عليه السلام) في شوارع الكوفة

ولم يقف حقد ابن زياد وقساوته وأُسلوبه الوحشي إلى حَدٍّ، بل راح يطوف في اليوم الثاني برأس الحسين(عليه السلام) في شوارع الكوفة، يُرهب أهلها، ويتحدّى روح المعارضة والمقاومة فيها.

وقال زيد بن أرقم: مرّ به عليّ وهو على رمح، وأنا في غرفةٍ لي، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ: (اَمْ حَسِبْتَ اَنَ اَصحابَ الْكَهْفِ وَالرّقيمِ كانوا مِنْ اياتِنا عَجَباً)، وقف والله شعري وناديت: رأسك والله يا بن رسول الله أعجب وأعجب(۸).

التوجّه إلى الشام

وفي اليوم التالي أمر ابن زياد جنده بالتوجّه بسبايا آل البيت(عليه السلام) إلى الشام، إلى الطاغية يزيد بن معاوية، وأمر أن يكبّل الإمام زين العابدين(عليه السلام) بالقيود، وأركب بنات الرسالة الإبل الهزّل؛ تنكيلاً بهنّ، وليحظى عند سيّده يزيد بالمنزلة الأرفع، والمكان الأقرب.

ـــــــــــــــــــــــــ

۱ـ ينابيع المودّة ۳/ ۸۷٫

۲ـ الزمر: ۴۲٫

۳ـ الإرشاد ۲ /۱۱۶٫

۴ـ الاحتجاج ۲/ ۲۹٫

۵ـ المصدر السابق.

۶ـ المصدر السابق ۲/ ۲۷٫

۷ـ اللهوف في قتلى الطفوف: ۹۱٫

۸ـ إعلام الورى بأعلام الهدى ۱/ ۴۷۳٫

بقلم: محمد أمين نجف

دفن الإمام الحسين (ع) وباقي شهداء الطف

بعد واقعة الطف

بقيت جثّة الإمام الحسين(عليه السلام)، وجثث أهل بيته وأصحابه بعد واقعة الطف مطروحة على أرض كربلاء، ثلاث أيّام بلا دفن، تصهرها حرارة الشمس المحرقة، قال أحد الشعراء حول مصرع الإمام الحسين(عليه السلام):

هذا حسين بالحديد مقطّع ** متخضّب بدمائه مستشهد

عار بلا كفن صريع في الثرى ** تحت الحوافر والسنابك مقصد

والطيّبون بنوك قتلى حوله ** فوق التراب ذبائح لا تلحد(۱).

قبيلة بني أسد

قبيلة تعيش أطراف كربلاء، خرج رجالها يتفحّصون القتلى، ويتتبّعون أنباء الواقعة بعد رحيل جيش عمر بن سعد إلى الكوفة، فلمّا نظروا إلى الأجساد وهي مقطّعة الرؤوس، تحيّروا في دفنها، فبينما هم كذلك جاء الإمام زين العابدين(عليه السلام) بمعجزة طي الأرض إلى أرض كربلاء.

كيفية الدفن

قال السيّد المقرّم(رحمه الله): «ولمّا أقبل السجّاد(عليه السلام) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم، وقد فرّق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم، وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم! فأخبرهم(عليه السلام) عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة، وأوقفهم على أسمائهم، كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب، فارتفع البكاء والعويل، وسالت الدموع منهم كل مسيل، ونشرت الأسديات الشعور ولطمن الخدود.

ثمّ مشى الإمام زين العابدين(عليه السلام) إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءً عالياً، وأتى إلى موضع القبر ورفع قليلاً من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق، فبسط كفّيه تحت ظهره وقال: “بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله، صدق الله ورسوله، ما شاء الله لا حوّل ولا قوّة إلاّ بالله العظيم”، وأنزله وحده لم يشاركه بنو أسد فيه، وقال لهم: “إنّ معي من يعينني”، ولمّا أقرّه في لحده وضع خدّه على منحره الشريف قائلاً:

“طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطاهر، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة، والآخرة بنورك مشرقة، أمّا الليل فمسهّد، والحزن سرمد، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي فيها أنت مقيم، وعليك منّي السلام يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته”.

وكتب على القبر: “هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الذي قتلوه عطشاناً غريباً”.

ثمّ مشى إلى عمّه العباس(عليه السلام)، فرآه بتلك الحالة التي أدهشت الملائكة بين أطباق السماء، وأبكت الحور في غرف الجنان، ووقع عليه يلثمّ نحره المقدّس قائلاً: “على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم، وعليك منّي السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته”.

وشق له ضريحاً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد، وقال لبني أسد: «إنّ معي من يعينني»! نعم ترك مساغاً لبني أسد بمشاركته في مواراة الشهداء، وعيّن لهم موضعين وأمرهم أن يحفروا حفرتين، ووضع في الأُولى بني هاشم، وفي الثانية الأصحاب وأمّا الحر الرياحي فأبعدته عشيرته إلى حيث مرقده الآن»(۲).

وبعدما أكمل الإمام(عليه السلام) دفن الأجساد الطاهرة، عاد إلى الكوفة والتحق بركب السبايا.

تاريخ الدفن ومكانه

۱۳ محرّم ۶۱ﻫ، كربلاء المقدّسة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

۱ـ بحار الأنوار ۴۵ /۲۷۷.

۲ـ مقتل الحسين: ۳۲۰.

بقلم: محمد أمين نجف

************************************************************************************************************************************************************************************************************************************************

واقعة الحرة

مقدّمة

لقد حكم يزيد بن معاوية ثلاث سنين، وخلال هذه المدّة ارتكب الكثير من الجرائم، ففي السنة الأُولى قتل الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء، وفي السنة الثانية أباح المدينة المنوّرة لجيش مسلم بن عقبة، حيث قتل فيها أولاد المهاجرين والأنصار، وأكثر فيها السفك والهتك، وفي السنة الثالثة أمر برمي الكعبة المشرّفة بالمنجنيق حتّى احترقت أستار الكعبة.

مكان الواقعة

حصلت المعركة بين جيش مسلم بن عقبة والثائرين على ظلم يزيد بن معاوية في منطقة الحَرّة منطقة من مناطق المدينة المنوّرة، ولذلك سُمّيت الواقعة بواقعة الحَرّة.

تاريخ الواقعة

۱۳ محرّم ۶۳ﻫ.

وفد المدينة إلى يزيد بن معاوية

على أثر الأخبار التي وردت إلى المدينة المنوّرة والتي تتحدّث عن استهانة يزيد بالإسلام والمسلمين، ذهب وفد من أهل المدينة برئاسة عبد الله بن حنظلة الأنصاري ـ الذي يُعرف أبوه بغسيل الملائكة ـ إلى مقرّ الحكومة في الشام، واطّلعوا على أعمال يزيد عن قرب، ورأوا بأعينهم ما يقوم به من هتك لحرمة الإسلام والمسلمين.

رجوع الوفد إلى المدينة

عاد الوفد إلى المدينة المنوّرة ونقلوا لأهلها ما شاهدوه في الشام، وأخذوا يحثّون الناس على الثورة والتمرّد على يزيد، فوقف عبد الله بن حنظلة ـ وكان شريفاً فاضلاً عابداً ـ أمام أهل المدينة وخاطبهم: «فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح الأُمّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة»(۱).

محاصرة الثوّار والي المدينة

اجتمع الثوّار وقرّروا محاصرة والي المدينة الأُموي عثمان بن محمّد بن أبي سفيان، وكذلك دور بني أُميّة الذين استنجدوا بالإمام زين العابدين(عليه السلام)، ووضعوا نساءهم وأطفالهم في بيته لحمايتهم من الأذى، ففتح الإمام(عليه السلام) لهم بيته وآواهم.

إرسال الجيش الأُموي

وصلت أخبار الثورة في المدينة إلى مسامع يزيد، فأرسل جيشاً بقيادة مسلم بن عقبة المزني لإخماد الثورة، ومعه ثلاثين ألف مقاتل، وأوصاه بما يلي: «ادعُ القوم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلّا فقاتلهم، فإذا أُظهرت عليهم فأبحها ـ أي المدينة المنوّرة ـ ثلاثاً، فما فيها من مال أو رقّة أو سلاح أو طعام فهو للجند»(۲).

وصول الجيش الأُموي

وصل الجيش إلى المدينة المنوّرة، ودار قتال عنيف بين الثوّار المدافعين عن الإسلام، وبين الجيش الأُموي، فاستُشهد أغلب المدافعين، ومنهم القائد عبد الله بن حنظلة، وطبقاً لأوامر يزيد أمر مسلم بن عقبة جنوده باستباحة المدينة المنوّرة، فهجموا على بيوت الناس الآمنين، وقاموا بقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وأسروا آخرين.

نتائج الواقعة

كانت النتائج النهائية لهذه الواقعة المأساوية كما يلي:

۱ـ إبادة مَن حضر من البدريين بالكامل.

۲ـ أُبيد من قريش ومن الأنصار سبعمئة رجلاً.

۳ـ أُبيد من الموالي والعرب عشرة آلاف.

فضائح الجيش الأُموي

روى المؤرّخون في الفضائح التي قام بها جيش مسلم بن عقبة الشيء الكثير، منها: أنّ جنوده وقعوا على النساء، حتّى قيل: إنّه حملت ألف امرأة في تلك الأيّام، وعن هشام بن حسّان: «ولدت ألف امرأة من أهل المدينة من غير زوج»(۳).

وقال أبو معشر: دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي، فقال لها: هل من مال؟ قالت: لا والله ما تركوا لي شيئاً، فقال: والله لتخرجن إليّ شيئاً أو لأقتلنّك وصبيّك هذا.

فقالت له: ويحك إنه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولقد بايعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) معه يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان افتريه، فما أتيت شيئاً، فاتّق الله. ثمّ قالت لابنها: يا بني، والله لو كان عندي شيء لافتديتك به.

قال: فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه، فجذبه من حجرها فضرب به الحائط، فانتثر دماغه في الأرض، قال: ولم يخرج من البيت حتّى أسود وجهه، وصار مثلاً(۴).

البيعة للطاغية يزيد

دعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنّهم خول له، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمَن امتنع من ذلك قتله، وطلب الأمان ليزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود، ولمحمّد بن أبي الجهم بن حذيفة، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأُتي بهم بعد الوقعة بيوم، فقال: بايعوا على الشرط، فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله، فضرب أعناقهما. فقال مروان: سبحان الله! أتقتل رجلين من قريش أُتيا بأمان؟ فطعن بخاصرته بالقضيب، فقال: وأنت والله لو قلت بمقالتهما لقتلتك!(۵).

وعندما جيء إليه بالإمام زين العابدين(عليه السلام) لم يطلب منه البيعة، بناءً على وصية كان قد أوصاه بها يزيد بن معاوية، الذي يبدو أنّه لم يرد أن يجدّد الوقائع الأليمة، التي ظلّت في أذهان المسلمين عمّا أوقعه بآل البيت(عليهم السلام) في كربلاء من القتل والأسر.

مخالفة وصيّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأهل المدينة

خرج جيش مسلم بن عقبة من المدينة المنوّرة محمّل بالغنائم بعد أن اعتدى على أعراض النساء، متّجهاً نحو مكّة، ضارباً عرض الجدار وصيّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) بمدينته الحبيبة، حيث قال(صلى الله عليه وآله): «مَن أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً»(۶).

اعتراف ابن كثير بخطأ يزيد

قال ابن كثير في البداية والنهاية: «وقد أخطأ يزيد خطأً فاحشاً في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيّام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدّم أنّه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد.

وقد وقع في هذه الثلاثة أيّام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يُحدّ ولا يُوصف، ممّا لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيّامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر»(۷).

ــــــــــــــــــــــــ

1ـ تاريخ مدينة دمشق ۲۷ /۴۲۹.

2ـ تاريخ الطبري ۴ /۳۷۲.

3ـ عمدة القاري ۱۷ /۲۲۰. البداية والنهاية ۸ /۲۴۱.

4ـ الإمامة والسياسة ۱ /۱۸۴.

5ـ الكامل في التاريخ ۴ /۱۱۸.

6ـ مسند أحمد ۴ /۵۵. المعجم الكبير ۷ /۱۴۳.

7ـ البداية والنهاية ۸ /۲۴۳.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

خروج سبايا الإمام الحسين (ع) من الكوفة إلى الشام

تاريخ الخروج

۱۹ محرّم ۶۱ﻫ.

سبب الخروج

كتب يزيد بن معاوية رسالة إلى واليه على الكوفة عبيد الله بن زياد، يطلب منه أن يرسل السبايا إليه بقوله: «سَرّح الأُسَارى إليّ»، فاستدعى ابن زياد بمخفر بن ثعلبة العائذي، فسلّم إليه رؤوس الشهداء مع أسرى أهل البيت(عليهم السلام)، وأمره أن يسير بالسبايا مع شمر بن ذي الجوشن إلى يزيد في الشام.

صفة الخروج

خرجت قافلة سبايا الإمام الحسين(عليه السلام) من الكوفة إلى الشام تتقدّمها رؤوس الشهداء، وفي مقدّمتها رأسُ الإمام الحسين(عليه السلام).

وسارت خلف الرؤوس النساءُ والأطفالُ، وفي مقدّمتهم السيّدة زينب(عليها السلام) بطلة كربلاء، والإمام زين العابدين(عليه السلام)، الذي وضعت بيده السلاسل وجُمِعت إلى عنقه، وحملوا جميعاً على أقتاب الإبل التي كانت بغير وطاء ولا غطاء، وساروا بهم من بلد إلى بلد، كما يسار بسبايا الكفّار، يتصفّح وجوههنّ أهل الأقطار.

كرامة للحسين(عليه السلام)

روى ابن لهيعة وغيره حديثاً أخذنا منه موضع الحاجة، قال: «كنت أطوف بالبيت، فإذا برجل يقول: اللّهمّ اغفر لي وما أراك فاعلاً، فقلت له: يا عبد الله اتّق الله ولا تقل مثل ذلك، فإنّ ذنوبك لو كانت مثل قطر الأمطار وورق الأشجار فاستغفرت الله غفرها لك؛ فإنّه غفور رحيم.

قال: فقال لي: تعال حتّى أخبرك بقصّتي، فأتيته فقال: اعلم إنّا كنّا خمسين نفراً ممّن سار مع رأس الحسين(عليه السلام) إلى الشام، فكنّا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت، فشرب أصحابي ليلة حتّى سكروا، ولم أشرب معهم، فلمّا جنّ الليل سمعت رعداً ورأيت برقاً، فإذا أبواب السماء قد فُتحت، ونزل آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق(عليهم السلام) ونبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله)، ومعهم جبرئيل وخلق من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت، وأخرج الرأس وضمّه إلى نفسه وقبّله، ثمّ كذلك فعل الأنبياء كلّهم، وبكى النبيّ(صلى الله عليه وآله) على رأس الحسين(عليه السلام)، وعزّاه الأنبياء.

وقال له جبرئيل(عليه السلام): يا محمّد، إنّ الله تبارك وتعالى أمرني أن أطيعك في أُمّتك، فإن أمرتني زلزلت بهم الأرض وجعلت عاليها سافلها كما فعلتُ بقوم لوط.

فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله): لا يا جبرئيل، فإنّ لهم معي موقفاً بين يدي الله يوم القيامة. ثمّ جاء الملائكة نحونا ليقتلونا، فقلت: الأمان الأمان يا رسول الله، فقال: اذهب فلا غفر الله لك»(۱).

أترجو أُمّة قتلت حسيناً ** شفاعة جدّه يوم الحساب

معاذ الله لا نلتم يقيناً ** شفاعة أحمد وأبي تراب

قتلتم خير مَن ركب المطايا ** وخير الشيب طراً والشباب(۲).

في الشام

لمّا قربوا من دمشق، دنت السيّدة أُم كلثوم من شمر فقالت له: «لي إليك حاجة»: فقال: ما حاجتك؟ قالت: «إذا دخلت بنا البلد، فاحملنا في درب قليل النظّارة، وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها، فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال».

فأمر اللعين أن تجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغياً منه وكفراً، وسلك بهم بين النظّارة على تلك الصفة، حتّى أتى بهم باب دمشق، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السبي(۳).

ـــــــــــــــــــــ

۱ـ اللهوف في قتلى الطفوف: ۱۰۰.

۲ـ كامل الزيارات: ۱۶۰.

۳ـ اُنظر: اللهوف في قتلى الطفوف: ۱۰۱.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد علي الخير بن الحسن المثلث

قرابته بالمعصوم(1)

من أحفاد الإمام الحسن المجتبى(ع).

اسمه وكنيته ونسبه

أبو الحسين، علي بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنّى ابن الإمام الحسن المجتبى(عليهم السلام) المعروف بعلي الخير وبعلي العابد وبعلي الزاهد.

أُمّه

أُمّ عبد الله بنت عامر بن عبد الله الكلابية.

ولادته

ولد حوالي عام 101ﻫ.

مكانته

كان(رضوان الله عليه) عابداً زاهداً، «وكانت دعواته مستجابة، فقال له آل الحسن: اُدع الله لنا يُنجينا من حبس المنصور، فقال: لنا درجات عند الله لا ننالها إلّا بالصبر على هذه البلية أو أعظمها، وللمنصور درجات في النار لا ينالها إلّا بما أجرى علينا من هذا الظلم أو أعظمه، فالصبر أجمل، ويُوشك أن نموت ونستريح، فإن أبيتم إلّا الخلاص وانحطاط الأجر عنكم فها أنا أدعو الله لكم، فقالوا: بل نصبر. فصبروا بالبلاء، وقُتلوا بعد ثلاثة أيّام وماتوا في الحبس».

«وكان آل الحسن(ع) في الحبس لم يعرفوا أوقات الصلاة إلّا بتلاوة قرآنه، ولقد تُوفّي وهو ساجد، وكان يقول في الحبس: اللّهم إن كان هذا من سخط عنك علينا فاشدد حتّى ترضى».

من كراماته

كان(رضوان الله عليه) يُصلّي يوماً في طريق مكّة فدخلت حيّة في سراويله وخرجت من جيبه، ودهش الناس وصاحوا عليه، وهو لم يضطرب ولم يلتفت إليها، وكان مشغولاً بصلاته.

سجنه

قد شنّ المنصور الدوانيقي حملة قمع وقتل رهيبة بحقّ بني الحسن(ع) خاصّة والعلويين عامّة، وذلك حسداً لهم؛ بسبب ميل الناس إليهم وظهور فضلهم، فكان المنصور يخاف منهم على حكمه، فقُتل على يديه الكثير من بني الحسن(ع)، وسُجن آخرون، وكان ممّن استُشهد صبراً في سجن المنصور العباسي، هو علي العابد.

زوجته

زينب بنت عبد الله بن الحسن المثنّى.

من أولاده

1ـ أبو عبد الله الحسين، صاحب ثورة فخ، قال عنه الإمام الصادق(ع) : «يُقْتَلُ هَاهُنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فِي عِصَابَةٍ تَسْبِقُ أَرْوَاحُهُمْ أَجْسَادَهُمْ إِلَى الجَنَّة»(2).

2ـ الحسن، عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق(ع)، وقال عنه: «المدني، المكفوف الينبعي»(3).

استشهاده

استُشهد(رضوان الله عليه) في الثالث والعشرين من المحرّم 146ﻫ بسجن المنصور الدوانيقي في منطقة الهاشمية القريبة من مدينة الحلّة، ودُفن فيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: مقاتل الطالبيين: 129، شجرة طوبى 1/ 161 مجلس53.

2ـ مقاتل الطالبيين: 290.

3ـ رجال الطوسي: 179 رقم2146.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

استشهاد الإمام علي زين العابدين (ع)

اسمه ونسبه(ع)(1)

الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

كنيته(ع)

أبو محمّد، أبو الحسن، أبو الحسين، أبو القاسم.

من ألقابه(ع)

زين العابدين، سيّد العابدين، السجّاد، ذو الثفنات، الزاهد، المُتهجّد.

أُمّه(ع)

شهر بانو بنت يَزدَجُرد بن شهريار بن كسرى.

ولادته(ع)

ولد في الخامس من شعبان 38ﻫ بالمدينة المنوّرة.

عمره وإمامته(ع)

عمره 57 عاماً، وإمامته 35 عاماً.

حكّام عصره(ع) في سِنِي إمامته

يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك.

من أخلاقه وفضائله(ع)

1ـ العلم: كان(ع) أعلم أهل زمانه، فقد روى عنه(ع) الكثير من الفقهاء والعلماء والرواة في مختلف العلوم والمعارف، كما حفظ عنه(ع) تراث ضخم من الأدعية ـ كالصحيفة السجّادية ـ والمواعظ وفضائل القرآن، والأحكام الإسلامية من الحلال والحرام.

2ـ الحلم: عُرف(ع) بحلمه وعفوه وصفحه وتجاوزه عن المسيء، فمن القصص التي تُنقل عنه(ع) في هذا المجال: أنّه كانت جارية للإمام(ع) تسكب الماء له، فسقط من يدها الإبريق على وجهه(ع) فشجّه، فرفع رأسه إليها، فقالت له: إنّ الله يقول: (وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ)، فأجابها(ع): «قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي‏»، قالت: (وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)، فقال(ع): «عَفَا اللهُ عَنْكِ»، ثمّ قالت: (وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِين)، فقال: «فَاذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّة»(2).

3ـ الشجاعة: قد اتّضحت واستبانت شجاعته(ع) الكامنة في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، عندما أمر الأخير بقتله، فقال الإمام(ع) له: «أَبِالْقَتْلِ تُهَدِّدُنِي، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَتْلَ لَنَا عَادَةٌ، وَكَرَامَتَنَا الشَّهَادَة»(3).

وقال للطاغية يزيد في الشام: «يَا ابْنَ مُعَاوِيَةَ وَهِنْدٍ وَصَخْرٍ، لَمْ يزالوا آبَائِي وَأَجْدَادِي فيهم الإِمرَةُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلِد، لَقَدْ كَانَ جَدِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْأَحْزَابِ فِي يَدِهِ رَايَةُ رَسُولِ اللهِ(ص)، وَ أَبُوكَ‏ وَجَدُّكَ فِي أَيْدِيهِمَا رَايَاتُ الْكُفَّار»(4).

4ـ التصدّق: كان(ع) كثير التصدّق على فقراء المدينة ومساكينها وخصوصاً بالسر، وقد روي أنّه كان لا يأكل الطعام حتّى يبدأ فيتصدّق بمثله.

وروي أنّه(ع) كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به، ويقول: «إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ»(5).

ولمّا استُشهد(ع) تبيّن أنّه كان يُعيل مائة عائلة من عوائل المدينة المنوّرة، ولقد كان أهل المدينة يقولون: «ما فقدنا صدقة السرّ حتّى مات علي بن الحسين(عليهما السلام)»(6).

5ـ العتق: كان(ع) دائم العتق للعبيد في سبيل الله، فقد روي عنه(ع) أنّه كان بين الآونة والأُخرى يجمع عبيده ويطلقهم، ويقول لهم: «عَفَوْتُ عَنْكُمْ فَهَلْ عَفَوْتُمْ عَنِّي‏؟… فيقولون له: قد عفونا عنك يا سيّدنا وما أسأت.

فيقول(ع) لهم: قُولُوا: اللَّهُمَّ اعْفُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ كَمَا عَفَا عَنَّا، فَأَعْتِقْهُ مِنَ النَّارِ كَمَا أَعْتَقَ رِقَابَنَا مِنَ الرِّقِّ. فَيَقُولُونَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِين»(7).

6ـ الفصاحة والبلاغة: تجلّت فصاحته(ع) وبلاغته في الخطب العصماء التي خطبها في الكوفة في مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، وفي الشام في مجلس الطاغية يزيد بن معاوية، ثمّ في المدينة المنوّرة بعد عودته من الشام.

هذا ناهيك عن الصحيفة السجّادية الكاملة، وما جاء فيها من عبارات الدعاء الرائعة والمضامين العميقة، وبلاغة اللفظ وفصاحته وعمقه، والحوارات الجميلة والعبارات اللطيفة الجزيلة التي يعجز البلغاء والشعراء عن إيراد مثلها، وقد عُرفت الصحيفة بـ «إنجيل آل محمّد».

7ـ المهابة: للإمام(ع) مهابة خاصّة في قلوب الناس، روي أنّ هشام بن عبد الملك جاء إلى مكّة لأداء الحجّ ـ قبل استخلافه ـ، فأراد استلام الحجر الأسود فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه وطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل الإمام زين العابدين(ع) وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة، بين عينيه ثفنة السجود فجعل يطوف، فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتّى يستلمه هيبة له.

فقال شامي: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعرفه؛ لئلّا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكنّي أنا أعرفه، فقال الشامي: مَن هو يا أبا فراس؟

فأنشأ قصيدته المشهورة، نقتطف بعض أبياتها:

«هَذا الذي تَعرفُ البَطحاءُ وَطأتَهُ  **  والبَيتُ يَعرفُهُ والحِلُّ والحَرمُ

هَذا ابنُ خَيرِ عِبادِ اللهِ كُلِّهِمُ  **  هَذا التَّقيُّ النَّقيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ

هَذَا عَليٌّ رَسولُ اللهِ وَالِدُهُ  **  أَمْسَتْ بِنورِ هُداهُ تَهتَدِي الظُّلَمُ

إذَا رأَتْهُ قُريشٌ قَالَ قَائلُها  **  إلى مَكارِمِ هَذا يَنتهي الكَرَمُ

يُنمى إلى ذُروةِ العزِّ التي قَصُرَتْ  **  عَن نَيلِها عربُ الإِسلامِ والعَجَمُ

يَكادُ يُمسِكُهُ عِرفانَ راحتِهِ  **  رُكنُ الحَطيمِ إذَا مَا جَاءَ يَستَلِمُ

يُغضِي حَياءً ويُغضَى مِن مَهابتِهِ  **  فَمَا يُكلَّم إلَّا حِينَ يَبتَسِمُ

يَنشقُّ نُورُ الدُّجَى عَن نُورِ غُرَّتِهِ  **  كالشَّمسِ يَنجابُ عَن إِشراقِها الظُّلمُ

بِكفِّهِ خَيْزُرانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ  **  مِن كفِّ أروعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ

مَا قالَ لا قطُّ إلَّا في تَشهُّدِهِ  **  لولا التَّشهُّد كانَتْ لاؤُهُ نَعَمُ

هَذا ابنُ فَاطمةَ إنْ كُنتَ جَاهلَهُ  **  بِجَدِّهِ أنبياءُ اللهِ قَدْ خُتِمُوا»(8).

من زوجاته(ع)

فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(ع)، جارية أُمّ زيد الشهيد.

من أولاده(ع)

1ـ الإمام محمّد الباقر(ع).

2ـ زيد الشهيد، قال عنه رسول الله(ص) للحسين(ع): «يَا حُسَيْنُ، يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، يَتَخَطَّى هُوَ وَأَصْحَابُهُ رِقَابَ النَّاسِ وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَاب‏ٍٍ»(9).

3ـ عبد الله الباهر، قال عنه الإمام الباقر(ع): «أمّا عبدُ اللهِ فيدي التي أبطشُ بها»(10).

4ـ الحسين الأصغر، قال عنه الإمام الباقر(ع): «أمّا الحسينُ، فحليمٌ يمشي على الأرضِ هوناً، وإذا خاطبَهُم الجاهلونَ قالُوا سلاماً»(11).

5ـ عمر الأشرف، قال عنه الإمام الباقر(ع): «أمّا عمرُ فبصري الذي أُبصرُ بهِ»(12).

6ـ عُلية «زوجة علي بن الحسين الأثرم ابن الإمام الحسن(ع)».

استشهاده(ع)

استُشهد في الخامس والعشرين من المحرّم 94ﻫ، وقيل: في الثاني عشر من المحرّم بالمدينة المنوّرة، ودُفن بمقبرة البقيع.

كيفية استشهاده(ع)

أرسل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سمّاً قاتلاً من الشام إلى عامله على المدينة، وأمره أن يدسّه للإمام(ع)، ونفّذ عامله ذلك.

بكاء الإمام الباقر عليه(ع)

قال جابر الجُعفي: «لمّا جرّد مولاي محمّد الباقر مولاي علي بن الحسين ثيابه ووضعه على المغتسل، وكان قد ضرب دونه حجاباً، سمعته ينشج ويبكي حتّى أطال ذلك، فأمهلته عن السؤال حتّى إذا فرغ من غسله ودفنه، فأتيت إليه وسلّمت عليه وقلت له: جُعلت فداك مِمَّ كان بكاؤك وأنت تغسل أباك ذلك حزناً عليه؟

قال: لا يا جابر، لكن لمّا جرّدتُ أبي ثيابَهُ ووضعتُهُ على المغتسلِ رأيتُ آثارَ الجامعةِ في عنقِهِ، وآثارَ جرح القيد في ساقيهِ وفخذيهِ، فأخذتني الرقّةُ لذلكَ وبكيتُ»(13).

رثاؤه

ممّن رثاه الشيخ علي التاروتي(رحمه الله) بقوله:

«مَا ليَ أراكَ ودَمعُ عَينِكَ جَامدٌ  **  أوَما سَمعتَ بمِحنةِ السَّجَّادِ

قَلَبوهُ عن نطعٍ مُسجَّى فَوقَهُ  **  فَبَكَتْ لهُ أملاكُ سَبعِ شِدادِ

ويَصيحُ وا ذُلّاهُ أينَ عَشيرتي  **  وسُراةُ قَومي أينَ أهلُ وِدَادي

مِنهُم خَلَتْ تِلكَ الدِّيارُ وبَعدَهُم  **  نَعَبَ الغُرابُ بِفُرقةٍ وبعادِ

أترى يَعودُ لَنَا الزَّمان بِقُربِكُم  **  هَيهات مَا لِلقُربِ مِن مِيعادِ».

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ 479.

2ـ اُنظر: الإرشاد 2/ 146.

3ـ الفتوح 5/ 123.

4ـ المصدر السابق 5/ 131.

5ـ تفسير أبي حمزة الثمالي: 87.

6ـ تاريخ مدينة دمشق 41/ 384.

7ـ الصحيفة السجادية، دعاؤه في آخر ليلة من شهر رمضان: 286.

8ـ روضة الواعظين: 200.

9ـ عيون أخبار الرضا 1/ 226 ح2.

10ـ الناصريات: 64.

11ـ المصدر السابق.

12ـ المصدر السابق.

13ـ المجالس السنية 4/ 275، المجلس السادس والثلاثون بعد المئتين.

بقلم: محمد أمين نجف

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

لاتوجد مناسبة لهذا اليوم

برای این بخش اعمالی ثبت نشده است

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

لاتوجد أعمال لهذا اليوم

تم النسخ
الرجاء تسجيل الدخول