استطاعة الإنسان والقدرة على الفعل بين الأشاعرة والمعتزلة

استطاعة الإنسان والقدرة على الفعل بين الأشاعرة والمعتزلة

کپی کردن لینک

تتناول المقالة موضوع استطاعة الإنسان وقدرته على الفعل وفق آراء الأشاعرة والمعتزلة، ويبدأ المبحث الأول باستعراض مفهوم القدرة عند الأشاعرة، حيث يرون أن أفعال الإنسان مخلوقة من قبل الله، وأن قدرة العبد على الفعل لا تؤثر في حدوثه، ويتبع ذلك مناقشة نظرية الكسب التي تعني اقتران قدرة العبد مع فعل الله، مما يحصر دور الإنسان في كونه وعاءً للأفعال، وينتقل المبحث الثالث لموقف المعتزلة، الذين ينفون نسبة الأفعال الشريرة إلى الله، معتبرين أن الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأفعاله.

المبحث الأول: في استطاعة الإنسان وقدرته على الفعل عند الأشاعرة

إنّ استطاعة الإنسان عبارة عن قدرته على الفعل على أساس إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.

رأي الأشاعرة حول قدرة العبد في أفعاله

1- إنّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه سبحانه وتعالى، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد تعالى فيه ـ أي: في العبد ـ فعله المقدور مقارناً لهما ـ أي: يخلق اللّه بقدرته فعل العبد مقارناً للقدرة غير المؤثّرة التي يخلقها في العبد ـ … وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري[1].

2- إنّ الاستطاعة من اللّه تعالى يخلقها في العبد مقارنة مع خلقه تعالى للفعل الذي يصدر من العبد، ولهذا تكون هذه الاستطاعة ليست متقدّمة على الفعل ولا متأخّرة عنه.

3- إنّ المؤثّر في حصول هذا الفعل [ فعل العبد ] هو قدرة اللّه تعالى، وليس لقدرة العبد في وجوده أثر، وهذا قول أبي الحسن الأشعري.

خلاصة رأي الأشاعرة: إنّ اللّه تعالى هو الذي يخلق أفعال الإنسان، وهو الذي يخلق في نفس الوقت القدرة في الإنسان، ولكن هذه القدرة التي يخلقها اللّه تعالى في الإنسان هي قدرة معطّلة ومشلولة لا يستند إليها فعل أو ترك، وليس للإنسان أي قدرة أو استطاعة في حدوث أفعاله، وإنّما هو مجرّد وعاء للفعل الذي يخلقه اللّه تعالى فيه، ويرد عليه:

1- إنّ إنكار تأثير قدرة العبد على فعله الاختياري مكابرة وإنكار لأوضح الواضحات.

2- إنّ الضرورة كما تحكم بوجود القدرة في أفعال الإنسان الاختيارية، فهي تحكم بتأثيرها في هذه الأفعال.

3- إذا لم يكن لقدرة الإنسان أي تأثير في أفعاله الاختيارية، فسوف يكون خلق اللّه تعالى لهذه القدرة في العبد أمراً عبثاً لا فائدة فيه.

4- إنّ إثبات القدرة بلا تأثير يشبه إثبات الباصرة للأعمى بلا إبصار، وإثبات السامعة للأصم بلا سمع!

5- إذا لم يكن لقدرة الإنسان أي تأثير في أفعاله الاختيارية، فمن أين يعلم وجود هذه القدرة، إذ لا دليل عليها غيره؟

6 ـ قال أبو المعالي الجويني(ت 478ه‍): أمّا نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحس، وأمّا إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلا … فلابدّ إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة … فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر … حتّى ينتهي إلى سبب الأسباب ـ وهو اللّه تعالى ـ[2].

7 ـ قال سعد الدين التفتازاني (ت 791ه‍): بالضرورة إنّ لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال، كحركة البطش دون البعض كحركة الارتعاش.

أدلة الأشاعرة على نفي تأثير قدرة العبد

الدليل الأوّل للأشاعرة: إنّ فعل العبد لا يقع بقدرته، بل يقع بقدرة اللّه عزّ وجلّ، وذلك لشمول قدرته تعالى، فلهذا لا تؤثّر قدرة العبد في أفعاله، لامتناع اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدور واحد[3]، ويرد عليه:

1- إنّ عموم قدرته عزّ وجلّ لا تعني قيامه تعالى بكلّ شيء بصورة مباشرة وبلا واسطة، بل اللّه سبحانه شاء أن يمنح بعض مخلوقاته القدرة على التأثير بإذنه.

2- إنّ قدرة الإنسان تستمد وجودها من قدرة اللّه تعالى، فإذا أراد اللّه شيئاً وأراد الإنسان نقيضه، وقع مراد اللّه تعالى دون مراد الإنسان، لأنّ قدرة اللّه تعالى فوق قدرة الإنسان، فلا يقع أي تعارض بين القدرتين.

الدليل الثاني للأشاعرة: إذا كان الإنسان موجداً لفعله بقدرته، فلابدّ أن يتمكّن من فعله وتركه، ويتوقف هذا التمكّن على وجود سبب يرجّح أَحد طرفي الفعل أو الترك، وهذا السبب:

1- إذا كان من الإنسان: لزم التسلسل، لأنّ إيجاد هذا السبب أيضاً يحتاج إلى سبب آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهو باطل.

2 ـ إذا كان من اللّه عزّ وجلّ، فيلزم: حصول الفعل عند خلق اللّه تعالى للسبب، وعدم حصول الفعل عند عدم خلقه تعالى لهذا السبب، فلا يكون لقدرة الإنسان أي أثر في إيجاد الفعل[4]، ويرد عليه:

1- لو كانت إرادة الإنسان متوقفة على وجود إرادة ثانية، فإنّ هذا الكلام أيضاً ينطبق على إرادة اللّه عزّ وجلّ، فيلزم فيها التسلسل والاحتياج إلى إرادات لا نهاية لها، وهو باطل.

2- إنّ وجود الفعل يتوقّف على وجود العلّة التامة لإيجاده، وصدور فعل الإنسان يتوقّف على مجموعة مقدّمات وعلى إرادة غير مسبوقة بإرادة أُخرى، بل هي إرادة مستندة إلى الاختيار الذاتي الثابت للنفس الإنسانية.

الدليل الثالث للأشاعرة: استدلّت الأشاعرة على نفي استطاعة الإنسان بقوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّ ما شاءَ اللّهُ[5]، [6]، ويرد عليه:

1- إنّ الاستثناء الموجود في هذه الآية يدلّ على بطلان مذهب الأشاعرة، لأنّ هذا الاستثناء يدل على أنّ الإنسان يمتلك الاستطاعة، ولكن هذه الاستطاعة مستثناة بشرط وهو المشيئة الإلهية، في حين يرى الأشاعرة بأنّ الإنسان لا يمتلك الاستطاعة أبداً.

2- إنّ الآية تدل على أنّ الإنسان يمتلك لنفسه الاستطاعة، ولكن هذه الاستطاعة إنّما تكون في إطار مشيئة اللّه تعالى، وهو معنى لا حول ولا قوة إلاّ باللّه وعبارة إلاّ باللّه تفيد ثبوت حول وقوة للإنسان، ولكن هذا الحول لا يكون إلاّ بعد أن يمكّن اللّه تعالى الإنسان منه.

المبحث الثاني: الكسب عند الأشاعرة

الكسب في اللغة: هو السعي والعمل[7].

الكسب عند الأشاعرة: المراد من كسب العبد للفعل هو مقارنة خلق اللّه تعالى لفعل العبد مع القدرة التي يمنحها اللّه للعبد، من غير أن يكون لقدرة العبد أي تأثير أو مدخل في وجود الفعل، لأنّ العبد ليس إلاّ محلاً للفعل الذي يخلقه اللّه تعالى فيه، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري[8]، وتوضيح ذلك:

1- إذا قصد الإنسان فعلاً من الأفعال، فسيخلق اللّه تعالى في تلك اللحظة شيئين:

الأوّل: ذلك الفعل المقصود، الثاني: قدرة للإنسان تقترن بذلك الفعل، فالموجد لفعل الإنسان في الواقع هو اللّه تعالى، وليس لقدرة الإنسان أي أثر في إيجاد فعله سوى اقترانها بذلك الفعل، وهذا الاقتران هو الكسب.

2- الكسب هو الاقتران العادي بين القدرة المحدثة ـ أي: قدرة الإنسان ـ والفعل، فاللّه تعالى أجرى العادة بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته، لا بقدرة العبد وإرادته، فهذا الاقتران هو الكسب.

خلاصة رأي الأشعري حول أفعال العباد

1ـ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، 2ـ يخلق اللّه في العبد قدرة عند خلقه تعالى لفعل العبد، 3ـ هذه القدرة التي يخلقها اللّه تعالى غير مؤثّرة، 4ـ ليس للعبد أي تأثير في إيجاد فعله، 5ـ فعل العبد يخلقه اللّه تعالى ويكسبه العبد، 6ـ الكسب هو اقتران قدرة العبد بخلق اللّه تعالى لذلك الفعل.

رد نظرية الكسب عند الأشاعرة

1- إنّ هذا الكسب لا يستطيع أن يكون ملاكاً للطاعة والعصيان أو مناطاً للثواب والعقاب، لأنّه عبارة عن المقارنة الواقعة بين خلقه تعالى لفعل العبد وبين خلقه تعالى للقدرة في العبد، وهذه المقارنة خارجة عن اختيار الإنسان، فلا تصحُّ إناطة الثواب والعقاب عليها.

2- إنّ القول بالكسب لا ينقذ الموقف الأشعري من الجبر، لأنّ الأصل عند الأشعري هو أنّ اللّه تعالى خالق لكلّ شيء، والكسب شيء، فيكون اللّه تعالى هو الخالق للكسب، فلا يبقى للعبد أي دور في الأفعال التي تصدر عنه[9].

3- إنّ الكسب لايدل على كون الإنسان فاعلاً لفعله، لأنّ فعل الشيء عبارة عن إيجاده والتأثير في وجوده، والأشاعرة لايقولون به، وإنّما يقولون: إنّنا محل فعل اللّه سبحانه، والمحل ليس بفاعل، فإنّ من بنى في محل بناءً، لا يقال إنّ المحل بان[10].

4 ـ من أقوال أحد علماء أهل السنّة حول الكسب: لفظة الكسب قد لا تعني شيئاً على الإطلاق، إنّما أُريد بها التمويه على الجمهور أنّها تفيد شيئاً غير الجبر، وهي في الحقيقة لا تفيد إلاّ الجبر.

الكسب اسم بلا مسمى، لفظ بلا معنى… وتكشف عن مجرّد الرغبة في إثبات الجبر بطريقة ملتوية، الحقيقة أنّ الكسب نظرية في الجبر، لأنّ كليهما ينفي استقلال قدرة العبد وتأثيرها في العالم، الكسب الأشعري في ذاته غير معقول وليس له أساس نظري، يعتمد الكسب على عدّة حجج كلّها خاطئة، وكلّها تثبت أنّ الإنسان ليس صاحب أفعاله، وأنّ هناك قوة أُخرى مسيطرة عليها.

دور قدرة الإنسان في الكسب عند الأشاعرة

نفي تأثير قدرة الإنسان: والمراد بكسبه ـ العبد ـ إيّاه ـ الفعل ـ مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه ـ العبد ـ تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري[11]، ويرد عليه: لا يمتلك الإنسان وفق هذه النظرية أي دور في حدوث أفعاله، وإذا كان اللّه خالقاً لفعل العبد من دون أن يكون لقدرة العبد أي أثر في ذلك، فكيف يصح نسبة الفعل إلى العبد، وكيف يتحمّل الإنسان مسؤولية عمله إذا لم يكن لقدرته أي تأثير في وقوع فعله، ولهذا ناقش جماعة من أعلام الأشاعرة هذا الرأي منهم:

1ـ فخر الدين الرازي قال: زعم أبو الحسن الأشعري أنّه لا تأثير لقدرة العبد في مقدوره أصلاً، بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة اللّه تعالى، ثم قال: إنّ العبد إمّا أن يكون مستقلاً بإدخال الشيء في الوجود، وإمّا لا يكون، فهذا نفي وإثبات ولا واسطة بينهما.

فإن كان الأوّل فقد سلّمتم قول المعتزلة، وإن كان الثاني كان العبد مضطراً، لأنّ اللّه تعالى: إذا خلقه في العبد حصل لا محالة، وإذا لم يخلقه فيه فقد استحال حصوله، وكان العبد مضطراً، فتعود الإشكالات وعند هذا التحقيق يظهر أنّ الكسب اسم بلا مسمى.

2 ـ الشيخ شلتوت قال: إنّ هذه المقارنة الحاصلة بخلق اللّه للفعل عند قدرة العبد، ليست من مقدور العبد ولا من فعله حتّى ينسب الفعل بها إليه ويجازى عليه،…فأيّ مزيّة للقدرة بهذه المقارنة في نسبة الأفعال إلى العبد؟ وبذلك يكون العبد في واقع أمره مجبوراً لا اختيار له.

3 ـ أحمد أمين قال: هو ـ الكسب الأشعري ـ شكل جديد في التعبير عن الجبر، فهو [ أبو الحسن الأشعري ] يرى أنّ القدرة الحادثة لا تؤثّر في المقدور، ولم ينكر أنّ هذا الذي سماه كسباً من خلق اللّه، فلِمَ هذا الدوران، والنتيجة القول بالجبر؟.

4 ـ الشيخ الشعراني: مضمون كلامه: كان أبو الحسن الأشعري، يقول: ليس للقدرة الحادثة أثر، وإنّما تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير. وقد اعتُرض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر، فوجودها وعدمها سواء، فإنّ القدرة التي لا يقع بها المقدور تكون بمثابة العجز، ولقوّة هذا الاعتراض فإنّ قول بعض أصحاب الأشعري يلزمه الجبر.

آراء بعض أهل علماء السنة القائلين بتأثير قدرة العبد

1ـ رأى القاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403ه‍): إنّ قدرة العبد الحادثة وإرادته الحادثة لها تأثير في فعله، ولكن هذا التأثير لا يكون في أصل إيجاد الفعل وحدوثه، بل يكون في صفات الفعل.

بعبارة أُخرى: إنّ إيجاد الفعل من اللّه سبحانه، وليس للقدرة الحادثة دور في إيجاد الفعل، ولكنّها مؤثّرة في صفة الفعل من كونه حركة اختيارية[12]، ويلاحظ عليه:

أـ إنّ التفكيك بين صفة الفعل ووجوده وإن كان صحيحاً في وعاء الذهن وعالم الاعتبار، ولكنه غير صحيح في الواقع الخارجي.

ب ـ إنّ صفات الفعل لا تخلو من صورتين:

الأولى: أن تكون من الأمور الوجودية، فتكون ـ عندئذ ـ مخلوقة للّه سبحانه ولا يكون للعبد نصيب فيها، الثانية: أن تكون من الأمور العدمية، فلا يكون ـ عندئذ ـ للكسب واقعية خارجية، بل يكون أمراً ذهنياً غنياً عن الإيجاد والقدرة. فحينئذ لا يكون العبد مصدراً لشيء حتّى يثاب أو يعاقب عليه.

2 ـ رأي الجويني  ـ المتوفي 478 ه‍ ـ: ذهب الجويني إلى[13]:

أـ أنّ نفي أثر قدرة الإنسان واستطاعته ممّا يأباه العقل والحس.

ب ـ إنّ إثبات قدرة لا أثر لها بوجه يكون كنفي القدرة أصلا.

ج ـ لابدّ من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة.

د ـ إنّ نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة، لا تكون على وجه الإحداث والخلق، لأنّ الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم والإنسان غير مستقل.

ه‍ – الفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر حتّى ينتهي الأمر إلى مسبّب الأسباب الذي هو الخالق للأسباب ومسبباتها.

و ـ إنّ كلّ سبب مهما استغنى من وجه، فهو محتاج من وجه، والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر.

تنبيهان

1- لا يصح إطلاق لفظ الكسب الوارد في القرآن الكريم على المعنى الذي اصطلحه الأشاعرة، لأنّ اصطلاح الأشاعرة متأخّر عن عصر النزول، فاللازم حمل هذا اللفظ الوارد في القرآن الكريم على معناه اللغوي وهو السعي والعمل.

مثال: قال الله تعالى: وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ[14]، فإنّ المقصود من الكسب في هذه الآية هو السعي والعمل، ولا تعني هذه الآية: ذوقوا العذاب بما كنتم محلا للفعل الذي خلقه اللّه فيكم بقدرته، لأنّه ليس من العدل أن يذيق اللّه عباده العذاب لأنّه جعلهم محلا لأفعاله تعالى[15].

2ـ ذهب بعض الأشاعرة إلى أنّ معنى الكسب هو أنّ اللّه تعالى يخلق بقدرته فعل العبد بعد قصد واختيار العبد لذلك الفعل، والكسب هو إجراء العادة بخلقه تعالى لفعل الإنسان عند اختيار الإنسان لذلك الفعل، وبهذا يكون الإنسان هو المسؤول في دائرة قصده واختياره[16].

يلاحظ عليه: إنّ القصد والاختيار من جملة الأفعال، فإذا جاز صدورهما من العبد فليجز صدور أصل الفعل منه، وأي فرق بينهما؟ وأي حاجة وضرورة إلى هذا التفريق الذي يؤدّي إلى نسبة خلق جميع الأفعال القبيحة إليه تعالى.

المبحث الثالث: رأي المعتزلة حول أفعال العباد

1- إنّ اللّه تعالى حكيم وعادل، ولا يجوز أن يضاف إليه شرٌّ ولا ظلم، والذي يخلق الظلم يقال له ظالم، واللّه تعالى منزّه عن نسبة الظلم إليه[17].

2ـ قال الله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُت[18]، إنّ المقصود من التفاوت في هذه الآية ليس التفاوت في أصل المخلوقات، لأنّ هذا التفاوت موجود نراه بوضوح، بل المقصود التفاوت من جهة الحكمة، ومن هنا لا يصح نسبة أفعال العباد إلى اللّه تعالى لأنّها متفاوتة وفيها العدل والظلم.

3- إنّ نسبة الفعل البشري إلى اللّه تعالى تستلزم نسبة القبائح إليه تعالى، وهذا لا يتناسب مع جلالة شأنه تعالى.

4- المستفاد من الآيات القرآنية الكثيرة هو إسناد أفعال العباد إليهم دون اللّه عزّ وجلّ، منها قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ[19]، وقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[20].

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: 1ـ إنّ أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وأنّهم المحدثون لها، 2- اتّفق كلّ أهل العدل على أنّ أفعال العباد من تصرّفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأنّ اللّه عز وجل أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، 3ـ إنّ تصرفاتنا محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا لحدوثها.

للاطلاع على المزيد مما كتبه نفس الكاتب حول هذا الموضوع، يُرجى الضغط على الرابط التالي: 1ـ فهم الجبر والاختيار، والأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار، 2ـ الجبر والاختيار، أدلة الجبرية والأشاعرة والرد عليهما.

الاستنتاج

تستعرض المقالة آراء الأشاعرة والمعتزلة حول قدرة الإنسان على الفعل، ويؤكد الأشاعرة أن أفعال العباد مخلوقة من قبل الله، وأن قدرة الإنسان على الفعل ليست مؤثرة، بل هي مجرد وعاء للفعل الذي يخلقه الله، بينما ينفي المعتزلة نسبة الأفعال الشريرة إلى الله، معتبرين أن الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأفعاله، وتسلط المقالة الضوء على تناقضات في نظرية الأشاعرة حول الكسب، وتبين كيف أن هذه النظرية قد تؤدي إلى الجبر، مما يثير تساؤلات حول مسؤولية الإنسان عن أفعاله.

الهوامش

[1] الإيجي، المواقف، ج3، موقف 5، مرصد 6، مقصد 1، ص214.

[2] الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، باب 1، فصل 3، ص98.

[3] انظر: الإيجي، المواقف، ج3، موقف 5، مرصد 6، مقصد 1، ص209.

[4] انظر: الإيجي، المواقف، ج3، موقف 5، مرصد 6، مقصد 1، ص217.

[5] الأعراف، 188.

[6] انظر: فخر الرازي، التفسير الكبير، ج5، تفسير آية 188 من سورة الأعراف، ص425.

[7] انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة كسب.

[8] انظر: الايجي، المواقف، ج3، موقف 5، مرصد 6، مقصد 1، ص214.

[9] وقد صرح عبد القادر الاسفراييني بذلك قائلاً: إنّ اللّه سبحانه خالق الأجسام والأعراض خيرها وشرها، وأنّه خالق أكساب العباد، ولا خالق غير اللّه.

[10] انظر: المظفر، دلائل الصدق، ج1، ص435.

[11] الايجي، المواقف، ج3، موقف 5، مرصد 6، مقصد 1، ص214.

[12] انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، باب 1، فصل 3، ص97.

[13] انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، باب 1، فصل 3، ص98.

[14] الزمر، 24.

[15] انظر: المظفر، دلائل الصدق، ج1، مخالفة الجبرية لنصوص القرآن، ص474.

[16] انظر: الحلّي، نهج الحق، مسألة 3، ص126.

[17] انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، باب 1، ص45.

[18] الملك، 3.

[19] البقرة، 79.

[20] الرعد، 11.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ ابن منظور، محمّد، لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، طبعة 1405 ه‍.

3ـ الإيجي، عبد الرحمن، المواقف، بشرح الشريف الجرجاني، قم، انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الأُولى، بلا تاريخ.

4ـ الحلّي، الحسن، نهج الحق وكشف الصدق، بيروت، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأُولى، 1982م.

5ـ الشهرستاني، محمّد، الملل والنحل، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الرابعة، 1415 ه‍.

6ـ فخر الرازي، محمّد، التفسير الكبير، الطبعة الثالثة، 1420 ه‍.

7ـ المظفر، محمّد حسن، دلائل الصدق لنهج الحق، دمشق، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1422 ه‍.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه‍.