التفويض عند المعتزلة: النظرية، المناقشة، والآثار السلبية

التفويض عند المعتزلة: النظرية، المناقشة، والآثار السلبية

کپی کردن لینک

تتناول هذه المقالة مفهوم التفويض كما يتبناه المعتزلة، حيث تعرف التفويض في اللغة والاصطلاح العقائدي، ثم تستعرض المقالة نظرية التفويض من خلال تحليل أقوال القاضي عبد الجبار ودوافع هذا الفكر، كما تناقش آثار هذه النظرية على العقيدة الإسلامية وترد عليها بالاستناد إلى النصوص القرآنية والحديثية، ثم تتطرق إلى القدرية القائلين بالقدر وهم المجبّرة، وأُخرى في النافين للقدر وهم المفوّضة، وتبين وجه تشبيهم بالمجوس، كما تذكر روايات عن النبي وأهل بيته (ع) في بطلان نظرية القدرية.

المبحث الأول: التفويض عند المعتزلة

معنى التفويض في اللغة: التفويض هو إيكال فعل الشيء إلى الآخرين على وجه الاستقلال في التصرّف دون أن يكون للمفوِّض ـ بكسر الواو ـ سلطان في فعل المفوَّض إليه ـ بفتح الواو ـ، وورد: فوّض إليه الأمر: صيّره إليه وجعله الحاكم فيه[1].

معنى التفويض في الاصطلاح العقائدي: إنّ اللّه تعالى فوّض أفعال العباد إليهم وتركهم لحالهم يفعلون على وجه الاستقلال التام دون أن يكون له تعالى سلطان على أفعالهم.

نظرية التفويض[2]

1- خلق اللّه تعالى العالم على أساس نظام الأسباب، وأتمّ عمله بذلك، وكلّ مايحدث بعد ذلك في العالم لا علاقة له باللّه تعالى أبداً.

2- نقل اللّه تعالى القدرة من سلطانه القاهر إلى سلطان الإنسان، وقطع كلّ علاقة بينه وبينها، كما تنقل ملكية المتاع من البائع إلى المشتري، إلاّ أنّه تعالى طلب من الإنسان أن يستعمل قدرته في الخير لا في الشر.

3- خلق اللّه تعالى الإنسان وأقدره على خلق أفعاله وفوّض إليه الاختيار والإرادة، فالعبد مستقل في إيجاد أفعاله وفق مشيئته وإرادته، وتستند أفعاله إليه بشكل تامّ ومستقل، ولا توجد أيّة صلة بين فعل الإنسان وبينه تعالى سوى القوة التي أودعها في العبد للمرّة الأُولى.

من أقوال القاضي عبد الجبار

1- قال في تفسيره لقوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ[3]: فقد فوّض الأمر في ذلك إلى اختيارنا.

2- إنّ هذه التصرفات محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا في الاحتياج إلى محدث وفاعل، وإنّما احتاجت إلينا لحدوثها.

من دوافع القول بالتفويض

1- الحرص على حريم العدل الإلهي، وتنزيه اللّه تبارك وتعالى عما يصدر من العباد من ظلم وقبائح.

2- رد فعل إزاء انتشار التيار الفكري القائل بالجبر، بحيث أدّى هذا الأمر إلى الإفراط في الدفاع عن اختيار الإنسان، والمبادرة إلى قطع العلاقة بين الإنسان وبين اللّه تعالى.

3 ـ التأكيد على القدرة البشرية وتحمّل مسؤولية الاختيار من أجل استنهاض المظلومين ومواجهتهم للحكومات الجائرة لاسترداد حقوقهم.

المبحث الثاني: مناقشة نظرية التفويض

أدلة التفويض: لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار[4]:

1- بطل التكليف بالأوامر والنواهي، لأنّ العبد إذا لم يكن موجداً لفعله، مستقلاً في إيجاده، لم يصح عقلاً أن يقال له: افعل كذا ولا تفعل كذا.

2- بطل التأديب الذي ورد به الشرع، إذ لا معنى لتأديب من لا يستقل بإيجاد فعله.

3- ارتفع المدح والذم والثواب والعقاب عن العبد، إذ ليس الفعل مستنداً إليه مطلقاً حتّى يمدح به أو يذم، أو يثاب عليه أو يعاقب، ويرد عليه: لا يشترط في صحة التكليف والتأديب والمدح والذم والثواب والعقاب أن يكون الإنسان مستقلاً في فعله، بل الملاك في صحة جميع هذه الأمور هو صدور الفعل من الإنسان بقدرته واختياره فحسب.

أساس نظرية التفويض: إنّ الإنسان يحتاج إلى اللّه تعالى في أصل وجوده وقدرته، ثمّ يكون مستقلاً في استخدام هذه القدرة في الفعل والترك، معنى ذلك: إنّ الممكن يحتاج إلى الواجب عند حدوثه فقط، ثم يستغني عنه في البقاء، لأنّ الحدوث شيء والبقاء شيء آخر، وإنّ الأشياء لا تحتاج في بقاء ذاتها إلى العلّة الموجدة لها.

مثال حاجة الممكن إلى العلة حدوثاً واستغنائه عنها بقاءً: البيت المشيّد، فإنّه بحاجة إلى البنّاء ليبنيه ويقيم جدرانه في بداية أمره، فإذا وُجد البيت، استغنى البيت عن البنّاء، وسيستمر وجوده وإن مات البنّاء، لأنّ ذلك لا يؤثّر على وجود البيت المشيّد، ويرد عليه: تنقسم العلل إلى قسمين:

أ ـ العلّة الحقيقية: وهي العلّة التي تخلق الوجود من العدم.

ب – العلّة المعدّة: وهي العلّة التي ليس من شأنها سوى تحقّق عدد من المقدّمات.

وإنّ البنّاء هو علّة معدّة وليس علّة حقيقية، ومهمته تجميع الأجزاء من موضع إلى آخر، فيكون اجتماع الأجزاء واستقرارها في مواضعها علّة لحدوث شكل البناء، ثمّ تكون الخصائص الماديّة الكامنة في مادة البناء من قابلية التماسك ونحوها هي العلّة المبقية للبناء إلى مدّة معيّنة.

بعبارة أُخرى: إنّ عمل البنّاء في الفعل هو ضمّ بعض الأجزاء إلى بعض، والحركة تنتهي بانتهاء عمله، وأمّا بقاء المبنى فهو مرهون بالقوّة الكامنة التي أودعها اللّه تعالى في أجزائه، وليس للبنّاء أيّ صنع فيها.

الآثار السلبية لنظرية التفويض

1- تستلزم هذه النظرية الشرك في الخالقية، لأنّها توجب الاعتقاد بوجود خالقين مستقلين أحدهما اللّه تعالى والثاني الإنسان الذي يكون خالقاً مستقلاً من دون احتياجه إلى اللّه تعالى في بقائه وتأثيراته، ولهذا قال الإمام علي (ع): … وإن زعمت أنّك مع اللّه تستطيع، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه[5].

2- تنافي هذه النظرية أصل احتياج الإنسان إلى اللّه عز وجل، فتؤدّي بالإنسان إلى الشعور بالغنى عن ذات الخالق، والحرمان من دوام الاتّصال باللّه تعالى والتوكّل عليه والاستعانة به.

3- تؤدّي هذه النظرية إلى تحديد القدرة الإلهية وسلب سلطانه تعالى على عباده في مجال أفعالهم، فيؤدّي هذا الأمر إلى إنكار أن يكون للّه تعالى صنع في أفعال العباد بالتوفيق والخذلان.

رد التفويض في القرآن الكريم

يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[6]، وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ[7]، كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ[8]، وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ[9]، وَما كانَ لِنَفْس أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ[10].

الآيات الدالة على تصرّفه تعالى في أمور عباده

وَلَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً[11].

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ[12].

إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ[13].

وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[14].

5- وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[15].

6- وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ[16].

7- وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ[17].

8- وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ[18].

9- قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ[19].

10- إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[20].

ردّ التفويض في أحاديث أئمة أهل البيت

1- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع):… رجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا وهّن اللّه في سلطانه[21].

2- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): … من زعم أنّ الخير والشر بغير مشيّة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه[22].

3- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): إنّ القدرية مجوس هذه الأمة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله فأخرجوه من سلطانه[23].

4- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) سأله محمّد بن عَجْلان: فوّض اللّه الأمر إلى العباد؟ فقال (ع): اللّه أكرم من أن يفوّض إليهم[24].

5- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) قال للحسن البصري: … إيّاك أن تقول بالتفويض! فإنّ اللّه جلّ وعزّ لم يفوّض الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً[25].

6- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): لعن اللّه المعتزلة أرادت أن توحّد فألحدت، ورامت أن ترفع التشبيه فأثبتت[26].

7- وقال (ع): مساكين القدرية، أرادوا أن يصفوا اللّه عزّ وجلّ بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه[27].

8- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): … من زعم أنّه يقوى على عمل لم يرده اللّه عزّ وجلّ، فقد زعم أنّ إرادته تغلب إرادة اللّه[28].

9- الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، سأله الوشاء: اللّه فوّض الأمر إلى العباد؟ فقال (ع): اللّه أعزّ من ذلك[29].

المبحث الثالث: القدرية

قال رسول اللّه (ص): القدرية مجوس هذه الأمة[30].

من هم القدرية؟

قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: اعلم أنّ القدرية عندنا إنّما هم المجبرة والمشبّهة، وعندهم المعتزلة، فنحن نرميهم بهذا اللقب وهم يرموننا به.

أدلة نسبة القدرية إلى القائلين بالقدر ـ الجبرية ـ:

1- إنّ اسم القدرية هو اسم إثبات، ولا يستحقه إلاّ المثبت للقدر، والمجبرة هم الذين يثبتون القدر، ويقولون كلّ شيء بقدر اللّه.

2- إنّ الجبرية هم الذين يولعون بالإكثار من قولهم: لا يكون شيء إلاّ بقضاء اللّه تعالى وقدره، وهم أشدّ الناس حرصاً على استخدام مصطلح القدر، فلهذا يجب أن يكونوا هم القدرية.

3- إنّ المتبادر من القدرية هم القائلون بالقدر، كما أنّ المتبادر من العدلية أنّهم مثبتو العدل لا منكريه، لأنّ تفسير القدرية بمنكري القدر بعيد جدّاً وهو غير مأنوس في اللغة العربية.

4- ذكر الرسول (ص) بأنّ القدرية خصماء الرحمن، والمجبرة هم الذين يخاصمون اللّه تعالى إذا عاقبهم على المعاصي، فيقولون: إنّك أنت الذي خلقت فينا المعصية وأردتها منّا، فمالك تعذّبنا وتعاقبنا على ذلك.

أدلة نسبة القدرية إلى النافين للقدر ـ المفوّضة ـ:

1- إنّ القدري هو الذي يثبت القدر لنفسه دون ربّه عزّ وجلّ، ويقول بأنّه هو الخالق والمقدّر لأفعاله دون اللّه تعالى.

2 ـ إنّ المفوّضة هم القدرية لأنّهم أفرطوا وبالغوا في نفيه[31].

3- إنّ من يضيف القدر إلى نفسه، ويدّعي كونه الفاعل والمقدّر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربّه.

4- ذكر الرسول (ص) بأنّ القدرية خصماء الرحمن، والمفوّضة يسلبون حقّ اللّه تعالى في خلقه لأفعال العباد، وينسبون هذا الخلق إلى أنفسهم، ومن يكون كذلك فهم المخاصمون للّه تعالى.

وجه تشبيه المجبرة بالمجوس

1- قال المجوس بأنّ اللّه تعالى يخلق ثمّ يتبرّأ ممّا خلق، وقال المجبرة بأنّ اللّه تعالى يخلق القبائح ثمّ يتبرّأ منها[32].

2- قال المجوس بأنّ القادر على فعل الخير لا يقدر على فعل الشر وبالعكس، فوافقهم المجبرة وقالوا بأنّ الإنسان الذي يخلق اللّه فيه الإيمان لا يقدر على الكفر وبالعكس.

3- قال المجوس بأنّ مزاج العالم شيء واحد، وهو حَسَن من النور، وقبيح من الظلمة، وشاركهم المجبرة وقالوا: إنّ الكفر شيء واحد، وهو يَحسُن من اللّه تعالى من حيث خلقه تعالى له ويقبح من العبد من حيث كسبه له.

4- جوّز المجوس تكليف ما لا يطاق، وقال المجبّرة أيضاً بأنّ اللّه تعالى كلّف الكافر بالإيمان مع أنّه لا يمكنه فعله، ونهاه عن الكفر مع أنّه لا يتصوّر الانفكاك عنه.

5- إنّ الأمر الظاهر في المجوس عملهم الفواحش ثمّ إسنادها إلى اللّه تعالى، وهو ما يذهب إليه المجبرة.

وجه تشبيه المفوّضة بالمجوس

1- قال المفوّضة بأنّ الإنسان هو المستقل في خلق أفعاله، فأثبتوا خالقين، والمجوس أيضاً ذهبوا إلى وجود خالقين، أحدهما خالق الخير والآخر خالق الشر.

2- قال المفوّضة كالمجوس بأنّ اللّه تعالى خير محض وهو غير قادر على خلق الشرّ والفساد[33].

3- إنّ المفوّضة كالمجوس لم يجعلوا للّه إرادة ولا سلطاناً في بعض الأُمور[34].

القدرية في الأحاديث الشريفة

وردت القدرية في أحاديث رسول اللّه (ص) وأهل بيته (ع) تارة في القائلين بالقدر وهم المجبّرة، وأُخرى في النافين للقدر وهم المفوّضة، ويبدو أنّ المراد من القدرية عند الرسول وأهل بيته (ع) هم الذين يقولون في القدر بخلاف الحقّ، وهو يشمل المجبّرة والمفوّضة.

الأحاديث الدالة على أنّ القدرية هم المجبّرة

1- قال رسول اللّه (ص): لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً، قيل: ومن هم القدرية يا رسول اللّه؟ فقال (ص): قوم يزعمون أنّ اللّه سبحانه وتعالى قدّر عليهم المعاصي وعذّبهم عليها[35].

2- ورد أنّ رجلا قدم على النبي (ص) فقال له رسول اللّه (ص): أخبرني بأعجب شيء رأيت. قال: رأيت قوماً ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء اللّه تعالى علينا وقدره، فقال النبي (ص): سيكون من أُمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أولئك مجوس أمّتي[36].

3- قال الإمام علي (ع) عند انصرافه من صفين:  … فو اللّه ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من اللّه وقدر، فقاله له شيخ شامي: عند اللّه أحتسب عنائي، فقال (ع): مهلا يا شيخ، لعلّك تظن قضاءً حتماً وقدراً لازماً تلك مقالة عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومجوسها[37].

الأحاديث الدالة على أنّ القدرية هم المفوّضة

1- قال رسول اللّه (ص): إنّ لكلّ أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، ويزعمون أنّ المشية والقدرة إليهم ولهم[38].

2- قال الإمام محمّد بن علي الباقر (ع): … القدرية الذين يقولون: لا قدر، ويزعمون أنّهم قادرون على الهدى والضلالة[39].

3- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): إنّ القدرية مجوس هذه الأمة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله، فأخرجوه من سلطانه[40].

4- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) لقدري: اقرأ سورة الحمد… فجعل القدري يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعينُ، فقال له الإمام الصادق (ع): قف، من تستعين؟ وما حاجتك إلى المعونة إن كان الأمر إليك؟، فبهت الذي كفر، واللّه لا يهدي القوم الظالمين[41].

5- عن علي بن موسى الرضا (ع) حول قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[42]، قال (ع): إنّ القدرية يحتجون بأوّلها وليس كما يقولون، ألا ترى أنّ اللّه تبارك وتعالى يقول: وَإِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْم سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ[43].

للاطلاع على المزيد مما كتبه نفس الكاتب حول هذا الموضوع، يُرجى الضغط على الرابط التالي: 1ـ فهم الجبر والاختيار، والأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار، 2ـ الجبر والاختيار، أدلة الجبرية والأشاعرة والرد عليهما.

الاستنتاج

أن التفويض عند المعتزلة يعني منح الإنسان حرية كاملة في أفعاله واختياراته، كما يناقش المقال دوافع هذه النظرية والآثار السلبية لها، مثل الشرك في الخالقية والشعور بالاستغناء عن الله، ثم تذكر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في رد التفويض، وأخيراً تتعرض الى القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة، كما تذكر أحاديث عن رسول الله (ص) وأهل بيته (ع) حول بطلان القدرية.

الهوامش

[1] لسان العرب، مادة فوض.

[2] المشهور نسبة هذه النظرية إلى المعتزلة.

[3] الكهف، 29.

[4] انظر: الإيجي، المواقف، ج3، موقف 5، مرصد 6، مقصد 1، ص222.

[5] الصدوق، التوحيد، باب 56، باب الاستطاعة، ح23، ص343.

[6] فاطر، 15.

[7] البقرة، 102.

[8] البقرة، 249.

[9] يونس، 100.

[10] آل عمران، 145.

[11] النساء، 83.

[12] النمل، 62.

[13] الحمد، 5.

[14] غافر، 60.

[15] البقرة، 186.

[16] الأنبياء، 76.

[17] الأنبياء، 83.

[18] الأنبياء، 87 ـ 88.

[19] آل عمران، 26.

[20] آل عمران، 160.

[21] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 1، ح14، ص9.

[22] الصدوق، التوحيد، باب 59، باب نفي الجبر والتفويض، ح2، ص350.

[23] الصدوق، التوحيد، باب60، باب القضاء والقدر، ح29، ص372.

[24] الصدوق، التوحيد، باب59، باب نفي الجبر والتفويض، ح6، ص351.

[25] المجلسي، بحار الأنوار، ج24، كتاب الإمامة، باب 59، ح1، ص233.

[26] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ح8، ص8.

[27] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ح93، ص54.

[28] المجلسي، بحار الأنوار، ج4، كتاب التوحيد، أبواب أسمائه تعالى، باب 1، ح6، ص161.

[29] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ح20، ص16.

[30] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ذيل ح4.

[31] التفتازاني، شرح المقاصد، ج4، مقصد 5، فصل 5، مبحث 1، ص267.

[32] انظر: الحلّي، كشف المراد، مقصد 3، فصل 3، مسألة 8، ص435.

[33] الماتريدي، كتاب التوحيد، مسألة في ذم القدرية، ص314.

[34] الماتريدي، كتاب التوحيد، مسألة في ذم القدرية، ص315.

[35] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، بابت 1، ح73، ص47.

[36] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ح74، ص47.

[37] الصدوق، التوحيد، باب60، باب القضاء والقدر، ح28، ص369.

[38] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 7، ح14، ص197.

[39] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ح13، ص9.

[40] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 3، هامش ص98.

[41] المجلسي، بحار الأنوار، ج92، كتاب القرآن، باب 29، ح44، ص239.

[42] الرعد، 11.

[43] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، باب 1، ح4، ص5.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ ابن منظور، محمّد، لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، طبعة 1405 ه‍.

3ـ الإيجي، عبد الرحمن، المواقف، بشرح الشريف الجرجاني، قم، انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الأُولى، بلا تاريخ.

4ـ التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، تحقيق عبد الرحمن عميرة، قم، انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الأُولى، 1412 ه‍.

5ـ الحلّي، محمّد، كشف المراد، شرح العلّامة الحلّي، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الرابعة، 1413 ه‍.

6ـ الصدوق، محمّد، التوحيد، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الحسيني الطهراني، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، بلا تاريخ.

7ـ الماتريدي، أبو منصور محمّد، كتاب التوحيد، تحقيق بكر طوبال اوغلي، بيروت، دار صادر، بلا تاريخ.

8ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه‍.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه‍.