تعتبر مسألة الجبر والاختيار من القضايا الجوهرية في الفكر العقائدي والفلسفي، حيث تناقش العلاقة بين إرادة الإنسان وإرادة الله، ويُعرّف الجبر بأنه الإكراه على الفعل دون إرادة، بينما يُشير الاختيار إلى قدرة الإنسان على اتخاذ القرارات، ويطرح هذا البحث معاني الجبر والاختيار في اللغة والاصطلاح، ويستعرض مذهب الجبرية وأثره على الفكر الإسلامي، بالإضافة إلى دوافعه ومفاسده، كما يتناول الأدلة التي تدعم فكرة الاختيار وتبطل الجبر.
المبحث الأوّل: معنى الجبر والاختيار لغة واصطلاحاً
معنى الجبر في اللغة: الجبر هو الإكراه والإرغام والقهر، والجبر في الفعل هو الحمل على الفعل بالقسر والغلبة[1].
معنى الجبر في الاصطلاح العقائدي: هو إجبار اللّه العباد على ما يفعلون، خيراً كان أو شراً، حسناً كان أو قبيحاً، دون أن يكون للعباد أية إرادة أو قدرة أو اختيار على الرفض والامتناع(2).
بعبارة أُخرى: إنّ أفعال الإنسان كلّها للّه، والإنسان كالآلة الجامدة يسيّره اللّه بإرادته واختياره، من دون أن يمتلك الإنسان أية إرادة أو اختيار في أفعاله، وإنّما يصدر الفعل منه وهو مجبر عليه.
معنى الاختيار في اللغة والاصطلاح العقائدي: الاختيار هو التمكّن من فعل الشيء وتركه[2].
المبحث الثاني: مذهب الجبرية
ذهب المذهب الجبري إلى أنّ الإنسان مجبور في جميع أفعاله، وهو كالريشة في مهب الريح، أو كالخشبة بين يدي الأمواج، وأنّ نسبة الأفعال إلى الإنسان مجازية كما تنسب إلى النباتات والجمادات، فيقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرّك الحجر، وطلعت الشمس وما شابه ذلك[3].
أوّل طائفة إسلامية قالت بالجبر: الجهمية، أصحاب جهم بن صفوان[4]، وكانت عقيدتهم بأنّ الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنّما هو مجبور في أفعاله ; لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنّما يخلق اللّه تعالى فيه الأفعال كما يخلقها في سائر الجمادات، وتنسب الأفعال إلى الإنسان مجازاً كما تنسب إلى الجمادات، فيقال: أثمرت الشجرة، وتحرّك الحجر و…[5].
تنبيهان
1- انقرض هذا المذهب في أواخر القرن الرابع الهجري، ولم يبق له أثر.
2- إنّ نظرية الجبر ـ بصورة عامة ـ لها جذور تاريخية قبل الإسلام، ثمّ بقيت هذه النظرية بعد مجيء الإسلام معشعشة في عقول بعض المسلمين الذين لم يؤسّسوا معتقداتهم على أساس المباني الإسلامية الصحيحة.
دوافع القول بالجبر
أوّلاً ـ اللجوء إلى أصل يرفع عن كاهل الإنسان مسؤولية الالتزام، ومن ثمّ الحصول على الحرّية المطلقة، والانحلال عن كلّ قيد، واتّباع الأهواء وتلبية الرغبات والشهوات النفسانية من دون الالتزام بأي مبدأ.
ثانياً ـ مبادرة بعض السلطات الجائرة إلى ترويج هذا المفهوم من أجل: 1ـ تبرير أعمالهم المنحرفة والإجرامية، 2ـ الاستمرار بسياسة التنكيل والبطش ضدّ مخالفيهم، 3ـ إخماد الثورات التي تقوم ضدّهم من قبل الجهات المعارضة لهم، 4ـ توفير الأجواء المناسبة لاستقرار عروشهم وانغماسهم في ملذّاتهم الدنيوية.
مفاسد القول بالجبر
1ـ تحطيم أركان أساسية من المنظومة الدينية، سنذكرها في المبحث الرابع من هذا الفصل عند بيان الأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار.
2- اندفاع الإنسان إلى الكسل والخمول والانقياد للوضع المتردّي، وعدم بذل الجهد والسعي لتغيير هذا الوضع نتيجة عدم الاعتقاد بامتلاك القدرة على التأثير والتغيير.
3 ـ تبرئة النفس عن ارتكاب الأعمال المخالفة للدين والأخلاق، وجعل هذه العقيدة ذريعة للاتّجاه نحو الفساد والانحلال.
4- إطلاق أيدي الظالمين لإهلاك الحرث والنسل، وارتكاب كلّ ما يؤدّي إلى الدمار والفساد، وتقييد أيدي المظلومين والمستضعفين عن القيام بأي ردّ فعل أمام الظالمين.
المبحث الثالث: أقسام الجبر
1ـ الجبر الديني: يتمّ تصويره عن طريق جعل الفعل البشري محكوماً بإرادة إلهية تتحكّم به كيفما تشاء.
2ـ الجبر الفلسفي: يتمّ تصويره عن طريق طرح مجموعة شبهات فلسفية تؤدّي إلى القول بالجبر.
3ـ الجبر المادي: يتم تصويره عن طريق جعل الفعل البشري محكوماً بالعلل المادية من قبيل الوراثة والتعليم والعوامل المحيطيّة و ….
توضيح الجبر المادي: إنّ ملاحظة العوامل المكوّنة لشخصية الإنسان تفرض الحكم بأنّ الإنسان ليس له سوى الانقياد لما تملي عليه هذه العوامل.
العوامل المكوّنة لشخصية الإنسان
1ـ الوراثة: إنّ الإنسان يتلقّى عن طريق الوراثة السجايا والصفات الحسنة أو الدنيئة لتكون العامل الأساس في بلورة سلوكه في المستقبل.
2ـ الثقافة والتعليم: إنّ التعليم يحدّد للإنسان زاوية رؤيته إلى الحياة، فيكون سلوكه بعد ذلك وفق هذه الرؤية المفروضة عليه.
3ـ المحيط والبيئة: إنّ الأجواء التي يترعرع فيها الإنسان هي التي تحدّد نفسيته، وتحدّد له الطريق الذي ينبغي السير فيه.
يلاحظ عليه: لا يوجد شكّ في تأثير هذه العوامل على تكوين شخصية الإنسان، ولكن لا يبلغ تأثير هذه العوامل درجة سلب الاختيار من الإنسان، بل تبقى لإرادة الإنسان واختياره القدرة على مواجهة هذه العوامل وعدم الانقياد لها عن طريق:
1- التفكّر والتدبّر في صالح أعماله وطالح أفعاله وما يترتّب عليهما من آثار، 2 ـ ترك الأجواء السلبية التي يعيش فيها، والهجرة إلى أجواء إيجابية[6].
بعبارة أُخرى: إنّ هذه العوامل ليس لها أي أثر في سلب اختيار الإنسان، لأنّها لا تشكّل العلّة التامّة في صدور الفعل البشري، بل هي عوامل تحفّز الإنسان على القيام ببعض الأفعال، ويبقى الإنسان قادراً على مخالفة هذه العوامل والصمود أمام ضغوطاتها.
المبحث الرابع: الأدلة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار
الأدلة المبطلة للجبر
1ـ بطلان الشرايع والتكليف: إنّ من وظائف الأنبياء إرشاد الناس إلى التكاليف الإلهية، ولا يمكن أداء هذه التكاليف إلاّ إذا كان الإنسان قادراً على فعل الشيء وتركه، ولهذا يكون مجيئ الأنبياء وإتيانهم بالشرائع والتكاليف دليلا على نفي الجبر عن ساحة أفعال وسلوك الإنسان، لأنّ القول بالجبر يؤدّي إلى القول ببطلان الشرائع والتكليف.
2ـ سقوط الثواب والعقاب: لا يصح إثابة شخص أو معاقبته على فعل ليس من صُنعه، فإذا كان الإنسان مجبوراً في أفعاله وليس له دور في الفعل الذي يصدر عنه، فكيف يمكن إثابته على طاعة لم يفعلها، أو معاقبته على معصية لم يرتكبها.
3ـ التساوي بين المحسن والمسيئ: لو كان الإنسان مجبراً في أفعاله لم يكن للمحسن ميزة على المسيء، ولم يكن فرقٌ بين المؤمن والكافر، بل سيكونان متساويين لأنّهما ليسا إلاّ أداة تعكس ما أُجبرا عليه، فلهذا لا يصح بعد ذلك مدح أو ذم أحد على أفعاله.
4ـ عبثية الترغيب والتخويف: إنّ ترغيب العباد على الأعمال الصالحة وتخويفهم من تركها لا داعي له فيما لو كان الإنسان مجبوراً في أفعاله، لأنّ الترغيب والترهيب لا ينفعان إلاّ إذا كان الإنسان مختاراً وقادراً على فعل أو عدم فعل ما يؤمر به أو يُنهى عنه.
5ـ عبثية مساعي المربّين: إنّ القول بالجبر يؤدّي إلى أن تكون مساعي المربّين لإصلاح المجتمعات وحثّهم الناس على الفضيلة والأخلاق أمراً عبثياً لا فائدة منه، فتذهب جهود هؤلاء أدراج الرياح نتيجة عدم امتلاك الناس القدرة والاختيار على تغيير سلوكهم وأفعالهم.
6ـ نسبة الظلم إلى اللّه تعالى: يلزم القول بالجبر أن يكون اللّه تعالى ظالماً ـ والعياذ باللّه ـ نتيجة جبره للعباد على المعصية ثمّ معاقبته إياهم إزاء المعاصي التي أجبرهم عليها، كما سينسب ظلم العباد بعضهم لبعض إلى اللّه فيما لو قلنا بأنّ اللّه تعالى هو الفاعل وليس للإنسان أي دور وأثر في صدور أفعاله، لأنّ فاعل الظلم يسمّى ظالماً.
7ـ احتجاج العاصي على اللّه تعالى: لو كان الإنسان مجبوراً في أفعاله، فإنّ العاصي سيكون من حقّه الاحتجاج على اللّه تعالى حينما يريد اللّه تعالى معاقبته على معاصيه، لأنّه سيقول: كنت مجبوراً على فعل المعاصي، فكيف تعذّبني على أمر لم يكن لي الاختيار في فعله؟ في حين لا يصح احتجاج الإنسان على اللّه تعالى.
الأدلة المثبتة للاختيار
1ـ يجد كلّ إنسان من صميم ذاته أنّه قادر على فعل بعض الأعمال أو تركها حسب ما يراه من مصلحة أو مفسدة أو نفع أو ضرر.
2- يفرّق كلّ إنسان عاقل بين الفعل الاختياري الذي يصدر عنه كتحريك يده، وبين أفعاله الاضطرارية كحركة يد المرتعش وحركة الدم في العروق وعملية الهضم وإفرازات الغدد وغيرها من الأفعال التي لا اختيار له في صدورها.
ردّ القرآن الكريم على القائلين بالجبر
1- سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْء كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ[7].
توضيح: قال الذين أشركوا: إنّ اللّه أجبرنا على الشرك، ولو شاء اللّه ما أشركنا، فردّ اللّه تعالى على مقولتهم هذه، وبيّن بأنّ هذه المقولة غير مبتنية على الأسس العلمية، وإنّما هي ناشئة من الظنون غير المعتبرة والادّعاءات الكاذبة.
2- وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْم إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ[8].
توضيح: هذه الآية تشبه الآية السابقة، وقد بيّنت بأنّ الذين أشركوا باللّه تعالى، ثمّ قالوا بأنّ اللّه أجبرهم على ما فعلوا ولو شاء اللّه ما أشركوا، فإنّهم ذهبوا إلى هذا القول نتيجة جهلهم بالواقع ونتيجة قولهم الكذب على اللّه تعالى.
3- إنّ إبليس أوّل من قال بالجبر، فقال كما جاء في القرآن حكاية عنه: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[9]، وكان هذا الأمر من جملة أسباب طرده عن رحمة اللّه تعالى.
بعض الآيات القرآنية النافية للجبر والمثبتة للاختيار: إنّ القرآن الكريم مليء بالآيات البيّنات الدالة على نفي الجبر عن أفعال الإنسان وإثبات الاختيار له في سلوكه وتصرفاته، منها:
الصنف الأوّل: الآيات الدالة على إضافة الفعل إلى العبد ونسبته إليه، وأنّه يمتلك الاختيار فيما يفعله من خير أو شر، منها:
1- فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ[10].
2ـ إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[11].
3- قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ[12].
4- فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ[13].
5ـ كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[14].
6ـ كُلُّ امْرِئ بِما كَسَبَ رَهِينٌ[15].
7ـ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَـلاّم لِلْعَبِيدِ[16].
8- لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ[17].
الصنف الثاني: الآيات الدالة على نسبة أفعال العباد إليهم، ونفي الظلم عن اللّه، منها:
1- ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَـلاّم لِلْعَبِيدِ[18].
2ـ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَـلاّم لِلْعَبِيدِ[19].
3- الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ[20].
4- إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً[21].
5ـ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[22].
6ـ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً[23].
7ـ فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[24].
الصنف الثالث: الآيات الدالة على وجود الإرادة والاختيار في العباد على إحداث أفعالهم، وأنّهم مخيّرون في ما يعملونه من خير أو شر، منها:
1ـ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[25].
2ـ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.
3- فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً[26].
4ـ كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ[27].
5ـ إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً[28].
الصنف الرابع: الآيات الدالة على ذمّ المخالفين لأوامر اللّه تعالى، ومعاتبتهم عن طريق الاستفهام الإنكاري، وهذا مايدل على أنّ الإنسان يمتلك الاختيار في أفعاله، لأنّه لو كان مجبوراً لما صح ذمه أو معاتبته إزاء مخالفته لأوامر اللّه تعالى، ومن هذه الآيات:
1- وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً[29].
2ـ وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[30].
3-كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[31].
4ـ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ[32].
5- لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[33].
الصنف الخامس: الآيات الدالة على أنّ اللّه يجزي العباد على أعمالهم وما كسبته أيديهم، وهذا ما يدل على أنّهم أصحاب اختيار في أفعالهم، لأنّهم لو كانوا مجبورين لما صحّت مجازاتهم، ومن هذه الآيات:
1- الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ[34].
2ـ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[35].
3ـ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها[36].
4ـ لِتُجْزى كُلُّ نَفْس بِما تَسْعى[37].
5- الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ[38].
6ـ لِيَجْزِيَ اللّهُ كُلَّ نَفْس ما كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ[39].
7ـ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً[40].
الصنف السادس: الآيات الدالة على المسارعة إلى الأعمال الخيرية لطلب المغفرة من اللّه تعالى، وتلبية أوامره وتعاليمه، وهذا ما يدل على إثبات الاختيار للإنسان، لأنّه لو كان مجبوراً لما صح تشجيعه على عمل الخير وطلب المغفرة، لأنّ هذا التشجيع سيكون عبثاً فيما لو لم يستطع الإنسان القيام بتلبيته، ومن هذه الآيات:
1ـ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ[41].
2ـ وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِز فِي الأَرْضِ[42].
3ـ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ[43].
4ـ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ[44].
الصنف السابع: الآيات الدالة على اعتراف المجرمين بذنوبهم في يوم القيامة، وهذا ما يدل على أنّهم كانوا أصحاب اختيار حين ارتكابهم للذنوب، لأنّهم لو كانوا مجبورين لأنكروا فعلهم للذنب، ونسبوا ذلك إلى اللّه، ومن هذه الآيات:
1- كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللّهُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلال كَبِير[45].
2ـ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ[46].
3- ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ * وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ[47].
الصنف الثامن: الآيات الدالة على ندم المجرمين وطلبهم العودة إلى الدنيا ليعملوا الصالحات عندما يحدق بهم العذاب، واعترافهم بذنوبهم وما عملوا من سيّئات، وهذا ما يدل على أنّهم كانوا يعلمون بأنّهم أصحاب اختيار في أفعالهم، لأنّهم لو كانوا مجبورين لما ندموا، بل كان موقفهم تبرئة أنفسهم مما أجبروا عليه، ومن هذه الآيات:
1- قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوج مِنْ سَبِيل[48].
2ـ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً[49].
3- وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ[50].
4ـ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[51].
5ـ رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ[52].
الصنف التاسع: الآيات الدالة على الاستعانة باللّه وطلب الرحمة والهداية منه على الأعمال الخيّرة، فلو كان الإنسان مجبوراً في أفعاله لم يصح تشجيعه على الاستعانة باللّه، لأنّ التشجيع يكون لمن يمتلك الاختيار في الفعل والترك، فيتم تشجيعه ليكون ذلك محفزّاً له للقيام بفعل معيّن أو ترك فعل معين، ومن هذه الآيات:
1ـ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا[53].
2- وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[54].
3ـ فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ[55].
4ـ إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ[56].
الصنف العاشر: الآيات الدالة على طلب العباد المغفرة من اللّه إزاء مخالفتهم لأوامره تعالى، فلو كان هؤلاء مجبورين في أفعالهم، فلا داعي لهم لطلب المغفرة، لأنّ ذلك يكون لمن يشعر بالتقصير، والمجبور لا يشعر بذلك. ومن هذه الآيات:
1- قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ[57].
2ـ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[58].
3ـ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ[59].
4- وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ[60].
بعض الأحاديث الشريفة المبطلة للجبر والمثبتة للاختيار
1- قال الإمام علي (ع) ردّاً على نظرية الجبر في الأفعال:… لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من اللّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن…[61].
2- الإمام جعفر الصادق (ع):… اللّه أعدل من أن يجبرهم ـ أي: يجبر العباد ـ على المعاصي ثمّ يعذبّهم عليها…[62].
3- الإمام جعفر الصادق (ع):… إنّ اللّه عزّ وجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها…[63].
4- الإمام جعفر الصادق (ع):… رجل يزعم أنّ اللّه عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم اللّه في حكمه…[64].
5- الإمام جعفر الصادق (ع): إنّ اللّه خلق الخلق، فعلم ما هم صائرون إليه، وأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلاّ بإذن اللّه[65].
أثر الاختيار في أفعال الإنسان
1- تكمن قيمة الإنسان وأفضليته على سائر الخلق في كونه كائناً يمتلك العقل والاختيار، فلو قلنا بأنّ الإنسان مجبور في أفعاله، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى سلب قيمته وجعله بمثابة الجمادات في هذا العالم.
2ـ إنّ الاختيار هو الذي يجعل الإنسان مسؤولا عن أفعاله وتصرّفاته.
3- إنّ الاختيار هو الذي يجعل الإنسان مستحقاً للمدح والذم والثواب والعقاب.
للاطلاع على المزيد مما كتبه نفس الكاتب حول هذا الموضوع، يُرجى الضغط على الرابط التالي: 1ـ الجبر والاختيار، أدلة الجبرية والأشاعرة والرد عليهما، 2ـ استطاعة الإنسان والقدرة على الفعل بين الأشاعرة والمعتزلة.
الاستنتاج
أن المقال يُبرز مذهب الجبرية الذي يعتقد بأن الأفعال تُنسب إلى الله فقط، مما يُضعف مسؤولية الإنسان، كما يناقش دوافع القول بالجبر، مثل البحث عن حرية مطلقة، ويستعرض الأدلة التي تثبت الاختيار وتبطل فكرة الجبر، مستنداً إلى النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة.
الهوامش
[1] راجع: ابن منظور، لسان العرب، مادّة جبر.
[2] راجع: ابن منظور، لسان العرب، مادّة خير.
[3] انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ذكر قول الجهمية، ص279.
[4] جهم بن صفوان: هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي، قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ، رقم 1584: الضال المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئاً، ولكنه زرع شراً عظيماً.
[5] انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ذكر قول الجهمية، ص279.
[6] انظر: مكّي العاملي، الإلهيات، محاضرات جعفر السبحاني، ج2، ص317.
[7] الأنعام، 148.
[8] الزخرف، 20.
[9] الحجر، 39.
[10] البقرة، 79.
[11] الرعد، 11.
[12] يوسف، 18.
[13] المائدة، 30.
[14] المدّثّر، 38.
[15] الطور، 21.
[16] فصّلت، 46.
[17] البقرة، 286.
[18] آل عمران، 182.
[19] الحجّ، 10.
[20] غافر، 17.
[21] النساء، 40.
[22] النحل، 118.
[23] النساء، 49.
[24] يس، 54.
[25] فصّلت، 40.
[26] الكهف، 29.
[27] المدّثّر، 54 ـ 55.
[28] المزمل، 19.
[29] الإسراء، 94.
[30] النساء، 39.
[31] البقرة، 28.
[32] المدّثّر، 49.
[33] آل عمران، 71.
[34] غافر، 17.
[35] الجاثية، 28.
[36] الأنعام، 160.
[37] طه، 15.
[38] الأنعام، 93.
[39] إبراهيم، 51.
[40] طه، 124.
[41] آل عمران، 133.
[42] الأحقاف، 32.
[43] الزمر، 54.
[44] الزمر، 55.
[45] الملك، 8 ـ 9.
[46] الملك، 11.
[47] المدّثّر، 42 ـ 48.
[48] غافر، 11.
[49] المؤمنون، 99 ـ 100.
[50] السجدة، 12.
[51] الزمر، 58.
[52] فاطر، 37.
[53] الأعراف، 128.
[54] الأعراف، 200.
[55] النحل، 98.
[56] الحمد، 5.
[57] الأعراف، 23.
[58] البقرة، 285.
[59] ص، 24.
[60] آل عمران، 135.
[61] الكليني، الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب الجبر والقدر، ح1، ص155.
[62] الكليني، الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب الجبر والقدر، ح11، ص159.
[63] الصدوق، التوحيد، باب نفي الجبر والتفويض، ح3، ص350.
[64] الصدوق، التوحيد، باب نفي الجبر والتفويض، ح5، ص351.
[65] الكليني، الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب الجبر والقدر، ح5، ص158.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن منظور، محمّد، لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، طبعة 1405 ه.
3ـ الأشعري، أبو الحسن علي، مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين، بيروت، دار النشر فرانز شتاينر، الطبعة الأُولى، 1400 ه.
4ـ الذهبي، محمّد، تذكرة الحفاظ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بلا تاريخ.
5ـ الصدوق، محمّد، التوحيد، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الحسيني الطهراني، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، بلا تاريخ.
6ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
7ـ مكّي العاملي، حسن، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، تقرير بحث جعفر السبحاني، بيروت، الدار الإسلامية، الطبعة الأُولى، 1409 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه.