الإنجاب وزيادة السكّان، رسالةٌ إلهيّة من منظور القرآن

الإنجاب وزيادة السكّان، رسالةٌ إلهيّة من منظور القرآن

کپی کردن لینک

لقد أكّد القرآن الكريم وروايات أهل البيت (ع) على أهمية الإنجاب وزيادة عدد السكان تأكيدًا بالغًا، في حين أنّ كثيرًا من المجتمعات المعاصرة تواجه تحدّي تراجع الكثافة السكانية. ومن خلال دراسة التعاليم الدينية ندرك أنّ الإنجاب في الإسلام ليس مجرد سنّة، بل هو تكليف إلهي يهيّئ الأرضية لتحقيق الأهداف الدينية ونشر العدل والتوحيد في العالم.

فالقرآن الكريم يعتبر الولد نعمةً إلهية، كما تؤكّد الروايات على الآثار الإيجابية لزيادة السكان في المجتمع الإسلامي. وبناءً على ذلك، فإنّ الفهم الدقيق لرؤية الإسلام بشأن الإنجاب يمكن أن يشكّل مفتاحًا لحلّ كثير من التحديات السكانية التي يواجهها عصرنا الحاضر.

لماذا تُعَدّ زيادة السكان والإنجاب ضرورة؟

إنّ زيادة عدد السكان ليست قضية إحصائية فحسب، بل هي استراتيجية محورية للنموّ والارتقاء بالمجتمعات، ولا سيّما المجتمعات الإسلامية. فالدين الإسلامي الحنيف يركّز بشدّة على أهمية الإنجاب وتوسيع النسل، ويعتبر ذلك أرضيةً لتعزيز المجتمع الإسلامي، وزيادة قدرته واقتداره، وتحقيق أهدافه الإلهية.

ومن ناحية أخرى، تُظهر الدراسات العالمية أنّ النموّ السكاني من أهمّ مؤشّرات تقدّم الدول وتطوّرها.[1] أمّا تراجع عدد السكان فيمكن أن يخلّف آثارًا سلبية متعدّدة، منها: إضعاف القدرة السياسية، تباطؤ النموّ الاقتصادي، تزايد الهشاشة أمام التهديدات، وارتفاع معدّل الشيخوخة. لذلك، فإنّ وضع السياسات المناسبة في مجال السكان يُعَدّ ضرورةً استراتيجية لضمان مستقبل مشرق للمجتمعات الإسلامية.

وفيما يلي، سنعرض ونشرح رؤية القرآن تجاه قضية زيادة السكان والإنجاب.

رؤية القرآن حول زيادة السكان والإنجاب

القرآن الكريم، كتاب الهداية والحياة، تناول موضوع الإنجاب وزيادة السكان في آيات متعدّدة. وفي هذا البحث، سنستعرض ست فئات من هذه الآيات لنبيّن كيف اعتبر القرآن الإنجاب وزيادة عدد السكان ليس حقًّا طبيعيًا فحسب، بل تكليفًا إلهيًا وعاملاً أساسياً في تقوية المجتمع الإسلامي. وهذه الآيات تؤكّد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أهمية الإنجاب وزيادة السكان.

الفئة الأولى: نفي العلاقة بين الفقر والإنجاب وزيادة السكان

من أبرز هموم المجتمعات المعاصرة الخوف من الفقر وصعوبة تحمّل تكاليف المعيشة. ولأجل ذلك يمتنع بعض الأفراد عن الإنجاب. غير أنّ القرآن الكريم، برؤية متفائلة نحو المستقبل، يصرّح بوضوح أنّ الله تعالى هو الرازق لجميع عباده، وأنّ الخوف من الفقر لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام الإنجاب وتكوين الأسرة.

  • ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا[2]

تصرّح هذه الآية بحرمة قتل الأولاد خوفًا من الفقر، وتؤكّد أنّ الله تعالى هو الذي يتكفّل برزق جميع البشر. ويرى المفسّرون أنّ هذه الآية لا تنحصر في القتل الجسدي للأطفال، بل تشمل الإجهاض أيضًا. وبها يطمئن الله تعالى عباده بأنّ رزقهم مضمون عنده متى ما توكّلوا عليه، فلا داعي للقلق من المستقبل.[3]

  • ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ[4]

يحذّر الله تعالى في هذه الآية الهامّة من ارتكاب الكبائر، ويبيّن أنّ الشرك أعظم الذنوب، كما يوجب برّ الوالدين، ويصرّح بتحريم قتل الأولاد بسبب الفقر، مؤكّدًا أنّه هو الذي يرزق  الجميع، فلا موجب للقلق في هذا المجال.[5]

  • ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ[6]

يبين الله تعالى في هذه الآيات أنّ خلق الجنّ والإنس إنما كان لعبادته وحده، وأنه لا يطلب منهم رزقًا ولا طعامًا، لأنّه سبحانه هو الرازق القويّ الغنيّ الذي لا ينقص من قدرته على الرزق شيء.

وبحسب تفسير النور فإنّ قدرة الله على الرزق مطلقة ولا تعرف نقصًا في أي زمان أو مكان، ممّا يعني أنّ الحجج الاقتصادية والفقر لا تصلح لتكون مبررًا للامتناع عن الإنجاب وزيادة السكان.[7] وعليه، فإنّ الله تعالى حين يُعرَّف بأنّه الرزّاق المطلق، يتضح أنّ الإنجاب أمر محمود دائمًا، وأنّ زيادة عدد السكان مطلب إلهي.

  • ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ[8]

يعالج القرآن الكريم في سورة التكوير قضيةً مروّعةً هي وأد البنات في الجاهلية، ويندّد بهذا الفعل الشنيع بشدّة. وقد ذكرت أسباب متعدّدة لهذا السلوك الوحشي، منها التمييز الجنسي، وقلة تقدير البنات، والفقر المدقع، والقلق من أعباء المعيشة، خصوصًا في مجتمعات لم يكن للبنات فيها دور اقتصادي ملموس، إضافة إلى الخوف من سبيهن في الحروب وما قد يلحق ذلك من عار على العائلة.

وللأسف، فإنّ هذه الجريمة تتكرّر في عصرنا بشكل آخر، وهو الإجهاض، وخصوصًا إجهاض الإناث، وهو امتداد لنفس الفكر المنحرف والتمييز الجائر.[9] ومع أنّ أسباب الإجهاض في العصر الحديث متنوّعة، يبقى الفقر والعجز الاقتصادي في طليعة دوافعه. ويؤكّد القرآن أنّ الفقر لا يبرّر بحال قتل النفس البريئة.

  • ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ[10]

في الجاهلية، اعتُبرت البنات عبئًا ثقيلًا على الأسر، فكان بعض العرب يئدون بناتهم للتخلّص منهنّ. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الفعل البشع وندّد به بشدّة. أمّا الإسلام فقد رفع من شأن البنات، وجعلهن مساويات للبنين. والنبي (ص) أكّد مرارًا على هذه الحقيقة.[11] كما رفع الله مكانة البنات بأن جعل السيدة فاطمة (ع) بنت النبي (ص).

وعليه، فإنّ القلق من المشاكل الاقتصادية لا ينبغي أن يكون حاجزًا أمام الإنجاب وزيادة عدد السكان. فالله تعالى هو الرازق لجميع العباد، وعلينا أن نتوكّل عليه. وبطبيعة الحال، فإنّ على الحكومات أن تسعى لتوفير الظروف الاقتصادية المناسبة التي تشجّع على الإنجاب، لنكون أمام مجتمع فتيّ متكاثر قويّ.

الفئة الثانية: طلب الأولاد من قِبَل الأنبياء

من الآيات التي تدلّ على أهمية الإنجاب وزيادة السكان، تلك التي يُنقل فيها أنّ أنبياء الله قد طلبوا من ربّهم الولد:

  • ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ[12]

دعا النبي إبراهيم (ع) ربّه أن يرزقه ولدًا صالحًا، يكون قادرًا على مواصلة مسيرته وأداء مهمته الإلهية. وقد عبّر عن ذلك بقوله البليغ: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ. فاستجاب الله تعالى دعاءه، ومنحه أولادًا صالحين كإسماعيل وإسحاق (ع).[13]

  • ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.[14]

في هذه الآية، طلب آدم وحوّاء (ع) من الله تعالى أن يرزقهما ولدًا صالحًا وسليمًا ليؤدّيا شكر النعمة. وكما جاء في تفسير مجمع البيان، فإنّهما طلبا من الله ما يكون سببًا للسكينة والطمأنينة التي لا يهبها إلا الولد الصالح.[15]

  • ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ …[16]

عندما بُشّر النبي إبراهيم (ع) بالولد في كِبَر سنّه، أبدى تعجّبًا مشروعًا، إذ إنّ الأمر يخالف القوانين الطبيعية تقريبًا. غير أنّه مع ذلك كان واثقًا بقدرة الله اللامتناهية. وتُظهر هذه الآية أنّ حتى أنبياء الله كانوا يلجؤون إلى الدعاء طلبًا للذرّية، ممّا يعكس الأهمية الكبيرة للإنجاب في نظرهم. كما أنّ طلبهم أن يكون الولد صالحًا يلفت النظر إلى مركزية التربية الصحيحة للأبناء. وهذا يعني أنّ الإنجاب أمر محمود حتى في سنّ الشيخوخة، وأنّ العجز الجسدي لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام زيادة السكان.[17]

وفي مواضع قرآنية أخرى أيضًا نجد إشارات متعدّدة إلى دعاء الأنبياء بطلب الولد، وهو ما يؤكّد عظمة مكانة الإنجاب وزيادة النسل في رؤيتهم.[18]

الفئة الثالثة: الولد باعتباره رمزًا للقوّة والاقتدار

هناك طائفة من الآيات تُصرّح بأنّ الأولاد سببٌ في زيادة القوة والاقتدار. وهذا يدلّ بوضوح على أنّ التكاثر السكّاني من منظور الدين أمرٌ محمود ومطلوب.

  • ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا

إنّ كلمة الإمداد تعني العون والمدد المستمرّ الذي يُسهِم في بلوغ الإنسان مقاصده. وتُعدّ الأموال والأولاد من أهمّ وأبرز صور هذا العون، إذ تساعد المجتمعات البشرية في تحقيق أهدافها.[19]

  • ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ[20]

تُظهر هذه الآية أنّ المنافقين وُصفوا بأنّهم كانوا أقوى من المسلمين وأكثر منهم أموالًا وأولادًا، وهو ما يشير إلى الدور المباشر للأولاد في تعزيز القوة والاقتدار لدى أيّ جماعة. وهذا يوضّح أنّ وجود الولد من منظور القرآن أمرٌ محمود، وسببٌ في القوّة والتمكين.[21]

الفئة الرابعة: الولد نعمة إلهية

تُبيّن آيات أخرى أنّ الأولاد نِعَمٌ عظيمة من عند الله تعالى تحمل للإنسان بركات جمّة. فوجود الولد موهبة إلهية قد تكون عونًا للوالدين في مختلف مجالات الحياة، سواء في الدعم الاقتصادي أو في المؤازرة العاطفية.

  • ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ[22]

تُشير هذه الآيات إلى أنّ الله تعالى أنعم على إبراهيم (ع) بنعمة جليلة، هي الذرّية الصالحة والنسل المبارك، وهو من أعظم المنن الإلهية.[23]

  • ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ[24]

جاء في تفسير هذه الآية أنّ الله سبحانه جعل الأزواج نِعمةً ثمينةً للرجال، لتكون سندًا في تلبية الاحتياجات وتجاوز مشقّات الحياة. فالزوجة رفيقة حياة وعون، وبالتعاون معها يمكن تحمّل كثير من صعاب الدنيا.[25]

  • ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ[26]

أنعم الله على لوط وإبراهيم (ع) بنعمة الذرّية الصالحة، بعد أن نجّاهما من أيدي الظالمين، فوهب لهما أولادًا أتقياء ليكونوا أساسًا لنسل مبارك. وهذا يوضّح أنّ الله تعالى يعتبر الولد نعمة كبرى تؤدّي إلى استمرار النسل، وزيادة السكان، وتقوية المجتمع.

الفئة الخامسة: ربوبية الله وضمان الرزق

تُذكّرنا آيات القرآن الكريم بأنّ الله تعالى هو الرازق لجميع الكائنات، وأنّ القلق بشأن رزق الأبناء أمرٌ لا معنى له. فالله قد تكفّل برزق الجميع، ولا يترك أحدًا من خلقه دون أن يهيّئ له رزقه.

  • ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[27]

الله سبحانه وتعالى يرزق كلّ المخلوقات، من أصغر الحشرات إلى الإنسان، برزق لا ينقطع. فعلمه وقدرته اللامحدودان ضمانٌ لرزق كل موجود.[28] وكثير من الدواب لا تدّخر قوتًا، بل تطلب رزقها يومًا بيوم، ومع ذلك لا يُخيبها الله. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يقلق الإنسان ـ وهو أقدر منهم ـ على رزقه؟ لقد تكفّل الله برزقنا ونحن في بطون أمهاتنا، فكيف لا نفعل اليوم وقد أصبحنا أقدر وأوعى؟[29]

  • ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ[30]

يعد الله المتّقين بأن يرزقهم من حيث لا يتوقّعون، ويكفيهم أمرهم إذا توكّلوا عليه. فلا ينبغي للمؤمن أن يخشى الفقر أو ضيق الحال، فإنّ الرزق بيد الله وحده، وهو قادر على أن يُنجز وعده لعباده.

  • ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[31]

الله سبحانه يوسّع الرزق أو يضيّقه بحسب حكمته ومصلحته لعباده. فقد يُعطي بعضهم سعةً، ويبتلي آخرين بضيقٍ، لا علامةً على رضاه أو سخطه، بل وفق نظام الحكمة الإلهية.[32] ومن ثَمّ فإنّ خشية الفقر لا ينبغي أن تكون عائقًا أمام الإنجاب وزيادة النسل. وقد أكّد القرآن ذلك في مواضع أخرى كسورة هود (آية 6) وسورة الشورى (آية 19).

الفئة السادسة: التشجيع على الزواج وزيادة النسل

أولى القرآن الكريم مكانة خاصّة للزواج والإنجاب، وتكرّرت الدعوة إليهما في آيات عدّة، تصريحًا أو تلميحًا. فقد أمر الله المؤمنين بالزواج، ووعدهم بالغنى إذا خافوا الفقر:

  • ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[33]

تدلّ هذه الآية على أهمّية الزواج وتأسيس الأسرة، وتطمئن المؤمنين أنّ الله سيتكفّل بأرزاقهم إذا خشوا العجز عن نفقات الزواج. وقد جاء في تفسير نور أنّ بقاء النوع الإنساني متوقّف على الزواج، وأنّ تربية الذرّية الصالحة من أعظم واجبات الوالدين.[34] وأكّد مفسّرون كبار كالعلاّمة الطباطبائي أنّ الله وعد عباده أن يوسّع لهم في الرزق إن أقبلوا على الزواج رغم خوفهم من الفقر.[35]

  • ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً[36]

تشير هذه الآية إلى أنّ الزواج من آيات الله العظمى، إذ يحقّق السكن النفسي والطمأنينة الروحية، ويغرس المودّة والرحمة بين الزوجين. ومن ثمراته أيضًا الولد الصالح وزيادة النسل، وهي من بركات الزواج التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع.[37]

النتيجة

يتّضح من مجموع الآيات القرآنية أنّ القرآن الكريم أكّد على أهمّية الزواج وتكوين الأسرة وتكثير النسل. فالآيات لم تكتفِ بالحضّ المباشر على الزواج والإنجاب، بل أبرزت كذلك كون الولد نعمةً إلهية، ودوره في تقوية الأسرة والمجتمع، مع تطمين المؤمنين بأنّ الله تعالى هو الضامن لأرزاقهم.

إنّ هذه التوجيهات القرآنية تُعلّم المسلمين أنّ الإنجاب وزيادة النسل أمرٌ مطلوب ومرغوب فيه، وأنّه لا ينبغي أن تُثنيهم مخاوف الفقر أو الأعباء الاقتصادية عن أداء هذا الواجب. وبعبارة أخرى، فإنّ الإسلام ينظر إلى الإنجاب لا باعتباره حقًّا طبيعيًا فحسب، بل باعتباره أيضًا تكليفًا إلهيًا ووسيلةً لتعزيز المجتمع المسلم.


الهوامش

[1] جوكار، الحداثة، تغيّر نمط الحياة، وتراجع السكان في إيران (مدرنیته، تغییر سبک زندگی و کاهش جمعیت در ایران)، ص40.

[2] سورة الإسراء: الآية 31.

[3] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج13، ص116؛ مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج12، ص102–103؛ قرائتي، تفسير النور، ج5، ص52.

[4] سورة الأنعام: الآية 151.

[5] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج7، ص516.

[6] سورة الذاريات: الآيات 56–58.

[7] قرائتي، تفسير النور، ج9، ص270.

[8] سورة التكوير: الآيتان 8 و9.

[9] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج26، ص178.

[10] سورة النحل: الآيتان 58 و59.

[11] المجلسي، بحار الأنوار، ج104، ص94.

[12] سورة الصافات: الآيتان 100 و101.

[13] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج19، ص104.

[14] سورة الأعراف: الآية 189.

[15] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ترجمة ستودة، ج10، ص134.

[16] سورة الحجر: الآيات 53–56.

[17] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج11، ص100.

[18] سورة مريم: الآية 49؛ سورة الأنبياء: الآيتان 89 و83.

[19] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن (ترجمة موسوي همداني)، ج20، ص45.

[20] سورة التوبة: الآية 69.

[21] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج8، ص32.

[22] سورة الأنعام: الآية 84.

[23] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج5، ص324.

[24] سورة النحل: الآية 72.

[25] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن (ترجمة موسوي همداني)، ج12، ص431.

[26] سورة الأنبياء: الآية 72.

[27] سورة العنكبوت: الآية 60.

[28] قرائتي، تفسير النور، ج7، ص165.

[29] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج16، ص332.

[30] سورة الطلاق: الآيتان 2 و3.

[31] سورة سبأ: الآية 39.

[32] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج18، ص117.

[33] سورة النور: الآية 32.

[34] قرائتي، تفسير النور، ج6، ص178.

[35] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن (ترجمة موسوي همداني)، ج15، ص157.

[36] سورة الروم: الآية 21.

[37] مكارم شيرازي، تفسير النمونة، ج16، ص392.


المصادر

  1. مقالة: “الإنجاب وزيادة السكان من منظور آيات القرآن الكريم”، المؤلفون: سجاد إسحاقي مسكوني، سلمان إسحاقي مسكونية، محمد كريمي، خريف وشتاء 1400، الأعداد 117 و118، الصفحات: 185-200.
  2. موقع قرايتي دوت آي آر: المركز الثقافي “دروس من القرآن”، زيادة السكان والإنجاب.
  3. موقع حوزة نت: دراسة وبيان المعوقات التي تواجه زيادة السكان مع التركيز على تعاليم الإسلام.
  4. موقع كيهان دوت آي آر: مقتطفات من كتاب “3+” (الموجب 3) من تأليف حجت الإسلام سيد حسين موسوي.

مصادر المقالة

  1. إسحاقي مسكوني، سجاد؛ إسحاقي مسكوني، سلمان؛ كريمي، محمد، “الإنجاب وزيادة السكان من منظور آيات القرآن الكريم” (مدرنیته، تغییر سبک زندگی و کاهش جمعیت در ایران)، خريف وشتاء 1400هـ.ش، العددان 117 و118، ص185–200.

  2. موقع قرايتي (qeraati.ir)، المركز الثقافي “دروس من القرآن”، مادة بعنوان: “زيادة السكان والإنجاب”.

  3. موقع حوزة نت (hawzah.net)، دراسة وبيان المعوقات التي تواجه زيادة السكان مع التركيز على تعاليم الإسلام.

  4. موقع كيهان (kayhan.ir)، مقتطفات من كتاب “3+” (الموجب ثلاثة)، تأليف حجّة الإسلام السيّد حسين الموسوي.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *