القصص من القضايا التي تناولها القرآن الكريم، وذلك لأخذ الدروس والعبر من الأقوام الغابرة. قصة صالح (ع) أحد تلك القصص القرآنية التي حكت لنا أن بعد هلاك عاد قوم هود (ع) حصل الإنحراف بين ثمود قوم صالح (ع)، حيث عبدوا الأصنام والأوثان من دون الله تعالى، فأرسل الله تعالى صالح (ع) إليهم ليرشدهم إلى عبادة الله الواحد، فطلبوا منه (ع) معجزة التي تثبت مدعاه ونبوته.
فكانت المعجزة التي طلبوا منه هي ناقة متولدة من الصخرة، فقد ثبت لهم نبوته عندما أخرج الله لهم الناقة من الصخرة كما طلبوا، لكنهم كذبوه فعقروا ها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها.
صالح (ع) من قوم ثمود
وهم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم ثمود أخى جديس وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الّذي بين الحجاز وتبوك. وقد مر به رسول اللّٰه (ص) وهو ذاهب الى تبوك بمن معه من المسلمين، وكانوا بعد قوم عاد وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك، فبعث اللّٰه فيهم رجلا منهم وهو عبد اللّٰه ورسوله صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجر ابن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح فدعاهم الى عبادة اللّٰه وحده لا شريك له وأن يخلعوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئا فآمنت به طائفة منهم وكفر جمهورهم ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله وقتلوا الناقة التي جعلها اللّٰه حجة عليهم فأخذهم اللّٰه أخذ عزيز مقتدر.[1] – قصة صالح تدل على أن ثمود من العرب العاربة-
قصة صالح (ع) في التاريخ
وكان من قصة صالح وقومه على ما ذكره أصحاب التواريخ أن عادا لما هلكت وتقضي أمرها عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض فكثروا وعمروا وكانوا في سعة من معايشهم فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله فبعث الله إليهم صالحا وكان من أوسطهم نسبا وكانوا قوما عربا، و روي في الخبر أنه لما بعث كان ابن ست عشرة سنة فلبث فيهم يدعوهم إلى الله تعالى حتى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير و كان لهم سبعون صنما يعبدونها.
فلما رأى ذلك منهم قال لهم أنا أعرض عليكم أمرين إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما تسألون وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابوني خرجت عنكم فقد شنئتكم وشنئتموني قالوا قد أنصفت فاتعدوا ليوم يخرجون فيه فخرجوا بأصنامهم إلى عيدهم و أكلوا و شربوا فلما فرغوا دعوه فقالوا يا صالح سل فسألها فلم تجبه قال لا أرى آلهتكم تجيبني فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم الساعة فقالوا يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة منفردة ناقة مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة ما شاكل البخت من الإبل فإن فعلت صدقناك وآمنا بك.
فسأل الله سبحانه ذلك صالح فانصدعت الصخرة صدعا كادت عقولهم تطير منه ثم اضطربت كالمرأة يأخذها الطلق ثم انصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله عظما وهم ينظرون ثم نتجت سقبا مثلها في العظم فآمن به رهط من قومه ولم يؤمن من أكابرهم فقال لهم صالح هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. فإذا كان يومها وضعت رأسها في مائهم فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيه ثم ترفع رأسها فتفجج لهم فيحتلبون ما شاءوا من لبن فيشربون ويدخرون حتى يملئوا أوانيهم كلها.[2]
قصة صالح (ع) حسب الآيات القرآنية
ثمود قوم من العرب العاربة كانوا يسكنون وادي القرى بين المدينة والشام، وهم من بشر ما قبل التاريخ لا يضبط التاريخ إلا شيئا يسيرا من أخبارهم، ولقد عفت الدهور آثارهم فلا اعتماد على ما يذكر من جزئيات قصصهم. والذي يقصه كتاب الله من أخبارهم أنهم كانوا أمة من العرب على ما يدل عليه اسم نبيهم و قد كان منهم (هود: 61) نشئوا بعد قوم عاد ولهم حضارة ومدنية يعمرون الأرض ويتخذون من سهولها قصورا وينحتون من الجبال بيوتا آمنين (الأعراف: 74) ومن شغلهم الفلاحة بإجراء العيون وإنشاء الجنات والنخيل والحرث (الشعراء: 148). كانت ثمود تعيش على سنة الشعوب والقبائل يحكم فيهم سادتهم وشيوخهم وقد كانت في المدينة التي بعث فيها صالح تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (النمل: 48) فطغوا في الأرض وعبدوا الأصنام وأفرطوا عتوا و ظلما. -كانت قصة صالح غير منضبطة قبل التاريخ-
قصة صالح (ع) ونسيان ثمود
لما نسيت ثمود ربها وأسرفوا في أمرهم أرسل الله إليهم صالحا النبي (ع) وكان من بيت الشرف والفخار معروفا بالعقل والكفاية (هود 62- النمل 49) فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وأن يتركوا عبادة الأصنام وأن يسيروا في مجتمعهم بالعدل والإحسان، ولا يعلوا في الأرض ولا يسرفوا ولا يطغوا وأنذرهم بالعذاب» (هود- الشعراء- الشمس وغيرها).
فقام (ع) بالدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة وصبر على الأذى في جنب الله فلم يؤمن به إلا جماعة قليلة من ضعفائهم (الأعراف: 75) وأما الطغاة المستكبرون وعامة من تبعهم فأصروا على كفرهم واستذلوا الذين آمنوا به ورموه بالسفاهة والسحر (الأعراف 66- الشعراء 153- النمل 47). وطلبوا منه البينة على مقاله، وسألوه آية معجزة تدل على صدقه في دعوى الرسالة، واقترحوا له أن يخرج لهم من صخر الجبل ناقة فأتاهم بناقة على ما وصفوها به.
وقال لهم: إن الله يأمركم أن تشربوا من عين مائكم يوما وتكفوا عنها يوما فتشربها الناقة فلها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم، وأن تذروها تأكل في أرض الله كيف شاءت ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (الأعراف 72- هود 64- الشعراء 156). وكان الأمر على ذلك حينا ثم إنهم طغوا ومكروا و بعثوا أشقاهم لقتل الناقة فعقرها، وقالوا لصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال صالح (ع): {تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} (هود- 65). -إشارة إلى هلاك ثمود في قصة صالح (ع)-
ثم مكرت شعوب المدينة وأرهاطها بصالح وتقاسموا بينهم لنبيتنه وأهله ثم نقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، ومكروا مكرا و مكر الله مكرا و هم لا يشعرون (النمل 50) {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ} (الذاريات- 44 ) والرجفة والصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم و لكن لا تحبون الناصحين (الأعراف 79- هود 67) وأنجى الله الذين آمنوا وكانوا يتقون (حم السجدة 18) ونادى بعدهم المنادي الإلهي: ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود.[3]
قتل الناقة في قصة صالح (ع)
أوحى اللّه إلى صالح أن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل، فقال لهم صالح: انه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم ثم للعاشر فأبى أن يذبح ابنه و كان لم يولد له قبل ذلك، فكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا فكان إذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، وغضب التسعة على صالح لأنه كان سببا لقتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا باللّه لنبيتنه وأهله.
فقالوا: نخرج الى سفر فيرى الناس سفرنا فنكون في غار حتى إذا كان الليل و خرج صالح الى مسجده أتيناه فقتلناه ثم قلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقونا و يعلمون أنا قد خرجنا الى سفر، و كان صالح لا ينام معهم في القرية بل كان ينام في المسجد فإذا أصبح أتاهم فوعظهم فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم فرأى ذلك الناس ممن كان قد اطلع على ذلك فصاحوا في القرية: يا عباد اللّه أ ما رضي صالح أن أمر بقتلهم أولادهم حتى قتلهم فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة.
وروي أن مسطعا ألجأ الناقة الى مضيق في شعب فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت ثم ضربها قدار و قيل انه قال لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: أ ترضين؟ فتقول: نعم وكذلك صبيانهم.[4]
تآمر تسعة رهط في قصة صالح
نقرأ هنا قسماً آخر من قصة صالح وقومه، حيث يكمل القسم السابق ويأتي على نهايته، وهو ما يتعلق بالتآمر على قتل صالح من قِبل تسعة «رهط» من المنافقين والكفار، وفشل هذا التآمر في وادي القرى منطقة النبي صالح وقومه. يقول القرآن في هذا الشأن: «وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ». «الرهط»: يعني في اللغة الجماعة التي تقلّ عن العشرة أو تقلّ عن الأربعين، فإنّه يتّضح أنّ كلّا من المجموعات الصغيرة التسع كان لها منهج خاص، وقد اجتمعوا على أمر واحد، وهو الإفساد في الأرض والاخلال بالمجتمع ونظامه الاجتماعي ومبادىء العقيدة والأخلاق فيه.
ولا ريب أنّ ظهور «صالح» بمبادئه السامية قد ضيّق الخناق عليهم، ولذلك تقول الآية التالية في حقّهم: «قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصدِقُونَ». الطريف أنّ اولئك كانوا يقسمون باللَّه، ويعني هذا أنّهم كانوا يعتقدون باللَّه، مع أنّهم يعبدون الأصنام، وكانوا يبدأون باسمه في المسائل المهمة. جاء في التواريخ أنّ المؤامرة كانت بهذه الصورة، وهي أنّ جبلًا كان في طرف المدينة وكان فيه غار يتعبّد فيه صالح، وكان يأتيه ليلًا بعض الأحيان يعبد اللَّه فيه ويتضرع إليه، فصمّموا على أن يكمنوا له هناك ليقتلوه عند مجيئه في الليل، ويحملوا على بيته بعد استشهاده ثم يعودوا إلى بيوتهم، وإذا سئلوا أظهروا جهلهم وعدم معرفتهم بالحادث.
فلما كمنوا في زاوية واختبأوا في ناحية من الجبل انثالت صخور من الجبل تهوي إلى الأرض، فهوت عليهم صخرة عظيمة فأهلكتهم في الحال. لذلك يقول القرآن الكریم في الآية التالية: «وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَايَشْعُرُونَ». ثم يضيف قائلًا: «فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ». وكلمة «مكر» تستعملها العرب في كل حيلة وتفكير للتخلص أو الإهتداء إلى أمر ما، ولا تختص بالامور التي تجلب الضرر، بل تستعمل بما يضر وما ينفع. – احباط مكر ثمود في قصة صالح (ع)-
فإذا نسبت هذه الكلمة إلى اللَّه فإنّها تعني إحباط المؤامرات الضارة من قبل الآخرين. ثم يعبّر القرآن عن كيفية هلاكهم وعاقبة أمرهم فيقول: «فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا». أجل، لقد أذهبهم ريح عتوّهم وظلمهم، واحترقوا بنار ذنوبهم فهلكوا جميعاً «إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ». إلّا أنّ الأخضر لم يحترق باليابس، والأبرياء لم يؤخدوا بجرم الأشقياء، بل سلم المتقون «وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ».[5] – إشارة إلى نجاة المؤمنين المتقين من الهلاك و أخذ العبرة في قصة صالح (ع)-
النتيجة
إن قصة صالح (ع) من القصص التي ذكرها القرآن لتعليم الناس دروسًا وعبرا، فهي تُبرز الإيمان والتوحيد، وتُظهر كيف أن الله أرسل نبيه صالح ليهدي قومه ويحقق لهم طريق الحق، ومن هنا تأتي أهمية قصة صالح في القرآن، فقصة صالح ليست مجرد قصة عابرة، بل هي عبرة للناس عبر العصور، تُعلمنا أن قصة صالح كانت نموذجًا للصدق في الدعوة، وأن التحدي والموقف الصعب الذي واجهه نبي الله صالح هو درس لكل من يسعى لنشر الحق والدين.
فقصة صالح (ع) حكت لنا أن عاقبة ثمود كانت وخيمة، جراء تكذيبهم نبيهم صالح (ع)، عند ما عقروا الناقة التي أرسلها الله فتنة لهم، فأهلكهم الله خلال أيام نحسات، حيث أرسل عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر.
الهوامش
[1] – ابنکثیر، البدایة و النهایة، ج1، ص130.
[2] – الطبرسى، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج4، ص680 – 681.
[3] – الطباطبايى، الميزان في تفسير القرآن، ج10، ص317-318.
[4] – درويش، اعراب القرآن الكريم و بيانه، ج7، ص116-117.
[5] – مكارم الشيرازى، مختصر الامثل، ج3، ص481-482.
المصادر
- القرآن الكريم
- ابنکثیر اسماعیل بن عمر. البدایة و النهایة، دار الفکر، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٣٤٨ – ١٣٥٨ هـ.
- درويش، محىالدين، اعراب القرآن الكريم و بيانه، الارشاد – سوريه – حمص، الطبعة: 4، 1415 ه.ق.
- الطباطبايى، محمدحسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – لبنان – بيروت، الطبعة: 2، 1390 ه.ق.
- الطبرسى، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ناصر خسرو – ايران – تهران، الطبعة: 3، 1372 ه.ش.
- مكارم الشيرازى، ناصر، مختصر الامثل، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) – ايران – قم، 1428 ه.ق.