تعتبر مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الأساسية في الإسلام، وتتطلب مجموعة من الصفات العملية لضمان فعاليتها. والخصائص التي يجب أن يتحلى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، هي: المداراة والرفق والاحسان والتعايش مع الناس والصبر والحلم في مواجهة التحديات، وضرورة عدم الانشغال بأمور هامشية قد تشتت الجهود. بالإضافة إلى ذلك، أهمية القدرة على التقييم الموضوعي للأشخاص والمواقف.
الخصائص والصفات الذاتية
أولا: العلم والمعرفة
من أهم الخصائص والصفات أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عالما بقواعد وأسس المنهج الاسلامي، ليصلح ويغير على ضوئها، والحد الأدنى من العلم أن يكون مطلعا اطلاعا إجماليا على أصول العقيدة الاسلامية، وأصول العقائد السائدة في المجتمع، وأن يكون على علم بالأحكام الشرعية التي تصنف إلى: معروف ومنكر، وتصنف أيضا إلى: واجب ومستحب، وحرام ومكروه، ومباح، والحد الأدنى أن يكون على علم بمسائل يبتلي بها أفراد المجتمع.
قال رسول الله (ص): لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث:… عالما بما يأمر به عالما بما ينهى عنه[1].
وقال الإمام الصادق (ع): إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك: إياك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم[2].
وينبغي أن يطلع المكلف على السيرة النبوية وسيرة أهل البيت (ع) وسيرة المصلحين، ليكون أكثر خبرة في أداء العمل.
وأن يكون على معرفة بأحوال المجتمع وخصائص أفراده من حيث أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم العملية، وأن يكون مطلعا على الاحداث والمواقف ليتخذ الأسلوب الأنجح في حركته الاصلاحية، وأن يكون قادرا على تشخيص ما ينبغي أن يعمله تبعا للظروف من حيث اللين والشدة، أو الحيطة والحذر، أو الاسراع والتأني. وأن يكون مطلعا على الفوارق الطبيعية بين بلد وآخر، أو قوم وآخرين.
وعدم المعرفة بالأوضاع الاجتماعية والفردية، أو بعدم استخدام الأسلوب الأنجح، أو عدم الاطلاع على أساسيات المفاهيم والقيم الاسلامية، قد تؤدي إلى نتائج عكسية ومنها النفور من الاسلام أو من الداعين له.
قال رسول الله (ص): من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح[3].
وقال الإمام الصادق (ع): العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعدا[4].
ثانيا: القدوة
إن لم يكن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قدوة لغيره فإن عمله لا يثمر، ولا يستطيع أن ينفذ إلى القلوب لتتبناه الجوارح في ممارسات عملية، فالناس ينظرون إلى شخصية من يريد اصلاحهم وتغييرهم ومدى تجسيده للمفاهيم والقيم التي يدعوهم إلى التمسك بها، ومقدار ابتعاده عن النواهي التي يدعو للانتهاء عنها.
قال تعالى: «كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون»[5].
وقال رسول الله (ص): يا بن مسعود لا تكونن ممن يهدي الناس إلى الخير ويأمرهم بالخير وهو غافل عنه[6].
ودعا أمير المؤمنين علي (ع) إلى تجسيد المفاهيم والقيم في النفس والإرادة والسلوك العملي قبل دعوة الناس إليها، فقال (ع): ائتمروا بالمعروف وأمروا به، وتناهوا عن المنكر وانهوا عنه[7].
احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك[8].
كفى بالمرء غواية أن يأمر الناس بما لا يأتمر به، وينهاهم عما لا ينتهي عنه[9].
وعدم الالتزام بموارد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل الآمرين به والناهين عنه يكون حجة عليهم، ولا ينتفع الناس بهم، قال الإمام الصادق (ع): من لم ينسلخ عن هواجسه، ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها، ولم يهزم الشيطان، ولم يدخل في كنف الله وأمان عصمته، لا يصلح له الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة، فكلما أظهر أمرا كان حجة عليه، ولا ينتفع الناس به[10].
وقال (ع): فإن مثل الواعظ والمتعظ كاليقظان والراقد، فمن استيقظ عن رقدته وغفلته ومخالفاته ومعاصيه، صلح أن يوقظ غيره من ذلك الرقاد[11].
وقال (ع): كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية[12].
وقد جسد أهل البيت (ع) دور القدوة في حركتهم الاصلاحية والتغييرية.
قال الامام أمير المؤمنين (ع): أيها الناس، إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها[13].
وحينما دعا الإمام الحسين (ع) إلى الجهاد تجسيدا للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقدم بنفسه وأهل بيته وعياله، فكان قدوة لأصحابه في جميع قيم الايثار والتضحية، والاخلاص لله تعالى.
ثالثا: الشجاعة
إن مواجهة الناس ومواجهة الاحداث والمواقف لتغييرها بالاسلام بحاجة إلى الشجاعة والاقدام، لان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي له سيصطدم بشهوات البعض، وبالضعف النفسي لهم، ويصطدم بالجاهلين الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويصطدم بالمنحرفين الذين يبغضون الصلاح والسمو الروحي والسلوكي، ويصطدم بمخططات ومؤامرات أعداء الاسلام أو التيارات الفكرية المنحرفة التي لا يروق لها انتشار مبادئ الاسلام في المجتمع، ويصطدم بالقوى الشريرة التي تقابله بالأذى والتكذيب والاستهزاء، ويصطدم بالمثبطين له عن الانطلاق في التكليف أو الاستمرار به.
ولذا فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بحاجة إلى أن يتسلح بالشجاعة وأن تكون إحدى خصائصه وصفاته، لينطلق دون خوف أو وجل أو تردد أو تراجع.
قال رسول الله (ص): لا يحقر أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟
قال (ص): يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى[14].
والشجاعة لها دور كبير في التغيير، لان الناس يتأثرون لا إراديا بالشجاع، ويكون له تأثير لا شعوري على سلوكهم وممارساتهم العملية كما أثبتت التجارب الاجتماعية.
رابعا: الايثار
من الخصائص والصفات أن يحمل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر روح الإيثار، للايثار دور كبير في خلق الأجواء الروحية والنفسية لنمو حركة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالناس ستنشد عواطفهم ومشاعرهم للمتصفين بهذه الصفة، وهذا الانشداد يمكن استثماره للتأثير على أفكارهم ومواقفهم العملية.
قال رسول الله (ص): يا علي ما كرهته لنفسك فأكره لغيرك، وما أحببته لنفسك فاحببه لأخيك، تكن عادلا في حكمك، مقسطا في عدلك، محببا في أهل السماء، مودودا في صدور أهل الأرض[15].
وقال الامام أمير المؤمنين (ع): بالايثار يسترق الأحرار[16].
خامسا: الزهد
من الخصائص والصفات أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر زاهدا في أموال الناس وممتلكاتهم، والزهد الذاتي في الحياة الدنيا، يساعد على زرع ثقة الناس بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فيشعرون بأنه لا يرجو دنيا ولا جاها في قيامه وتبنيه لحركة الاصلاح والتغيير، وإنما يعمل لذات المسؤولية تقربا إلى الله تعالى.
وبالزهد يكتسب محبة الناس، قال أمير المؤمنين (ع): تحبب إلى الناس بالزهد فيما بأيديهم تفز بالمحبة منهم[17].
وبمحبة الناس إليه يستطيع التأثير على قلوبهم وارادتهم، ليجعلها منسجمة مع مفاهيم وقيم الاسلام.
والطمع يمنع من ابداء الآراء أو النهي عن بعض الممارسات التي تصطدم مع آراء وممارسات الآخرين الذين يطمع المكلف بأموالهم خوفا من عدم الحصول عليها. قال رسول الله (ص): الطمع يذهب الحكمة من قلوب العلماء[18]. وغير الزاهد يستسلم للمغريات وقد يؤدي بالنهاية إلى تخليه عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كلما ازدادت أمامه المغريات.
سادسا: البشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام
من الخصائص والصفات أن يتحلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالبشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام التي تساعد على جذب الناس وامتلاك عواطفهم ومشاعرهم، وتوجيهها توجيها رساليا، لان الناس غالبا ما يتأثرون بالأشخاص قبل التأثر بالأفكار والقيم.
وفي ذلك قال إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع):
1ـ طلاقة الوجه بالبشر والعطية وفعل البر وبذل التحية داع إلى محبة البرية.
2ـ عليك بالبشاشة فإنها حبالة المودة.
3ـ عود لسانك لين الكلام وبذل السلام يكثر محبوك ويقل مبغضوك.
4ـ من عذب لسانه كثر إخوانه[19].
الخصائص والصفات العملية والسلوكية
أولا: المداراة
يجد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أصنافا من الناس يختلفون في طاقاتهم وامكاناتهم الفكرية والعاطفية والسلوكية، فلابد وأن يتصف بالمداراة ليستطيع التأثير على تعدد أصناف الناس المنتمين إلى مدارس عقائدية وفكرية متنوعة، والمتوزعين على ولاءات متعددة قبلية وقومية وطائفية.
ومداراة الناس من أولويات العمل في أوساطهم، كما أكد رسول الله (ص) على ذلك بقوله: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض[20].
رأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس في غير ترك الحق[21].
رأس العقل المداراة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة[22].
وقال الامام أمير المؤمنين (ع): من سالم الناس كثر أصدقاؤه وقل أعداؤه. المداراة أحمد الخلال. رأس الحكمة مداراة الناس[23].
وتتمثل المداراة بتكليم الناس على قدر عقولهم، قال رسول الله (ص): إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم[24]. وأن يتحدث المكلف بكلام مفهوم من قبل الجميع بلا حاجة إلى استخدام العبارات الغامضة، والمصطلحات غير الواضحة، قال أمير المؤمنين علي (ع): أحسن الكلام ما زانه حسن النظام، وفهمه الخاص والعام[25].
ومن المداراة اختصار الكلام وعدم التطويل المؤدي إلى الملل، قال أمير المؤمنين (ع): الكلام كالدواء قليله ينفع وكثيره قاتل. أقل المقال، وقصر الآمال، ولا تقل ما يكسبك وزرا وينفر عنك حرا[26].
ومن مصاديق المداراة، مراعاة الدوافع النفسية للانحراف، ومراعاة الضعف البشري وعدم ترتيب الأثر في بعض الحالات، فحينما سرب حاطب بن أبي بلتعة أخبار مسير رسول الله (ص) لفتح مكة إلى قريش دعاه (ص) وقال له: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل وعشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، ولم يستجب (ص) لقول عمر بن الخطاب، حينما قال: (دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق)[27].
ومن المداراة كشف الحقائق في حال التشكيك بشخص الآمر والناهي، قال أمير المؤمنين (ع) – في وصيته لاحد ولاته -: وان ظنت الرعية بك حيفا، فاصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم باصحارك، فان تلك رياضة منك لنفسك، ورفق منك برعيتك، واعذار تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق في خفض واجمال.
ثانيا: الرفق
الانسان غالبا ما يأنس بآرائه وأفكاره ومواقفه حتى تصبح جزءا من كيانه، يرى فيها كرامته وكبرياءه، ولا يتنازل عنها أحيانا، لأنه يرى في ذلك تنازلا عن كرامته، ولهذا فالتعامل مع هكذا إنسان يجب أن يكون برفق وهدوء، لذا كان الرفق صفة وخاصية مستحسنة لدى المكلف بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال رسول الله (ص): لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث: رفيقا بما يأمر به، رفيقا بما ينهى عنه…[28].
والرفق ييسر الصعاب ويذلل الشدائد، كما قال أمير المؤمنين (ع): الرفق ييسر الصعاب ويسهل شديد الأسباب. من استعمل الرفق لان له الشديد[29].
وجعل الإمام علي بن الحسين (ع) الرفق من حقوق المستنصح فقال:… وحق المستنصح: أن تؤدي إليه النصيحة، وليكن مذهبك الرحمة والرفق به[30].
وذكر الإمام الصادق (ع) آثار عدم الرفق في الدعوة إلى الاسلام في قصة المسلم وجاره الكافر، فبعد أن آمن بالاسلام اصطحبه إلى المسجد ليصلي معه الفجر في جماعة فلما صلى: قال له: لو قعدنا نذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس فقعد معه، فقال له: لو تعلمت القرآن إلى أن تزول الشمس وصمت اليوم كان أفضل، فقعد معه، وصام حتى صلى الظهر والعصر.
فقال: لو صبرت حتى نصلي المغرب والعشاء الآخرة كان أفضل، فقعد معه حتى صلى المغرب والعشاء الآخرة، ثم نهضا، وقد بلغ مجهوده وحمل عليه ما لا يطيق، فلما كان من الغد غدا عليه، وهو يريد به مثل ما صنع بالأمس فدق عليه الباب ثم قال له: اخرج حتى نذهب إلى المسجد، فأجابه: أن انصرف عني، فإن هذا دين شديد لا أطيقه.
ثم قال (ع): فلا تخرقوا بهم أما علمت أن إمارة بني أمية كانت بالسيف والعسف والجور، وان أمارتنا بالرفق والتآلف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه[31].
ومن الرفق طرح المفاهيم والقيم الاسلامية بشكل شيق وجذاب، وبمرونة ويسر، قال رسول الله (ص): يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا[32]. فالاسلام واضح في عقيدته ومنهجه في الحياة فلا تعقيد ولا تعسير.
قال الامام أمير المؤمنين علي (ع): قولوا ما قيل لكم، وسلموا لما روي لكم ولا تكلفوا ما لم تكلفوا، فإنما تبعته عليكم فيما كسبت أيديكم ولفظت ألسنتكم، أو سبقت إليه غايتكم[33].
ومن الرفق عدم الإشارة إلى أسماء المخالفين لمفاهيم الاسلام وقيمه، وعدم تشخيصهم أمام الناس، لمنحهم فرصة جديدة للاستقامة، فكان رسول الله (ص) إذا أراد أن يوضح أخطاء البعض يقول: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا[34].
ورخص (ص) في بعض الامر، فرغب عنه رجال، فقال (ص): ما بال رجال آمرهم بالامر يرغبون عنه، والله إني لأعلمهم بالله عز وجل وأشدهم له خشية[35].
ومن الرفق أيضا أن تكون الموعظة سرا، فإنها أكثر ايقاعا وقبولا، قال الإمام الحسن العسكري (ع): من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه[36].
ثالثا: الاحسان
الاحسان صفة محمودة يستطيع بها الانسان أن يؤثر على عواطف الآخرين ومن ثم عقولهم وسلوكهم، لان النفس الانسانية مجبولة على حب من أحسن إليها.
والاحسان يؤدي إلى كسب ود الآخرين وثقتهم، كما قال الامام أمير المؤمنين (ع): بالاحسان تملك القلوب. بالاحسان تسترق الرقاب. من كثر احسانه كثر خدمه وأعوانه. أحسن إلى المسئ تملكه[37].
فالاحسان الذي يرافق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يساعده في استهواء الآخرين وشدهم إلى ما يمليه عليهم من أفكار وقيم، ومن نصائح وارشادات، ويدفعهم لمراجعة نفوسهم وسلوكهم، واصلاحها حياء أو قناعة في مقابل الاحسان إليهم.
فقد استطاع رسول الله (ص) أن يؤثر على الكثيرين ويوجههم للانتماء إلى الاسلام بالاحسان إليهم، فقد أسلم مالك بن عون كبير هوازن لاحسان رسول الله (ص) إليه وأسلم عدي بن حاتم وأخته بسبب الاحسان إليهم[38].
وقدم رجل المدينة وكان يبغض عليا (ع) فقطع به، ولم يكن له زاد ولا راحلة ، فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة، فقال له: عليك بحسن بن علي، فقال الرجل: ما لقيت هذا إلا في حسن وأبي حسن، فقيل له: فإنك لا تجد إلا خيرا منه، فأتاه فشكا إليه، فأمر له بزاد وراحلة، فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته، وقيل للإمام الحسن (ع): (أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك فأمرت له بزاد وراحلة )؟!، قال (ع): أفلا اشتري عرضي منه بزاد وراحلة؟.
رابعا: التعايش مع الناس
من أهم الصفات التي تجعل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قادرا على الاصلاح والتغيير هي عدم الانعزال عن الناس، لان التكليف وأداء الواجب لا يقتصر على إلقاء الخطب في مجالس محدودة، وإنما هو حركة وعمل دؤوب في وسط الناس، يشاركهم في أعمالهم، ويعيش معهم كواحد منهم يفرح لأفراحهم ويحزن لأحزانهم، ويكون شريكا لهم في آمالهم وآلامهم، وهذه الصفة تجعله قادرا على التأثير على أفكارهم وعواطفهم وممارساتهم العملية، فقد كان رسول الله (ص) يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك[39].
وكان (ص) يعطي كلا من جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. وكان يضحك مما يضحكون ويتعجب مما يتعجبون[40].
فعن زيد بن ثابت قال: كنا إذا جلسنا إليه (ص) إن أخذنا في حديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا[41].
وينبغي أن لا تكون لقاءاته مجرد أحاديث، وأقوال خطابية، مقتصرة على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون الآخرون مجرد مستمعين، بل ينبغي أن يسمع منهم مثل ما يسمعون منه، ويستمع إلى اقتراحاتهم وتوجيهاتهم، فلا ينبغي أن يكون الحديث من جانب واحد يصدر من الأعلى إلى الأدنى.
خامسا: الصبر والحلم
إن طريق الدعوة والاصلاح والتغيير طريق طويل ملئ بالمعوقات والعراقيل، فلا بد وأن يتحلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بصفة الصبر، ولابد وان يتحمل التكاليف المترتبة عليه، وان يصبر على ردود الافعال الاجتماعية والدوافع النفسية التي تدعوه إلى الراحة والهدوء.
فعليه يجب أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر صابرا على طول الطريق، رغم كثرة المعوقات والمثبطات، يصبر على التكذيب والاستهزاء والأذى المادي والمعنوي، ويصبر أمام ضغط النفس التي تروم حب الراحة والسكينة، وان يصبر على الوحشة في حالة فقدان الناصر والمعين.
قال تعالى: واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا[42].
وقال تعالى: واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور[43].
ولا بد من صبر على الشدائد المحيطة بالمصلح والمغير، فقد حدد رسول الله (ص) هذه الشدائد بقوله: المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يضله، ونفس تنازعه.
كما أن عليه التصبر والاستمرار في حركته، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون[44].
وينبغي هنا أن يكون الصابر حليما حتى ينال احترام وتقدير الآخرين، ويملك قلوبهم بحلمه.
قال الامام أمير المؤمنين (ع): بالحلم تكثر الأنصار. بالاحتمال والحلم يكون لك الناس أنصارا وأعوانا. أحلم تكرم. ضادوا الغضب بالحلم تحمدوا عواقبكم في كل أمر[45].
والصبر هو أهم وسائل الاستمرار في الدعوة، فقد صبر رسول الله (ص) ثلاثة عشر عاما على التكذيب والاستهزاء والأذى، وصبر على المغريات والمساومات، وصبر على أذى أهل الكتاب وأذى المنافقين، وأذى أصحابه في العهد المدني، وصبر أمير المؤمنين (ع) على إزاحته من منصبه، وصبر الإمام الحسين (ع) في حركته حتى أنه قدم أولاده وأهل بيته صابرا محتسبا من أجل اعلاء كلمة الله تعالى.
سادسا: عدم الانشغال في أمور هامشية
من الخصائص التي ينبغي أن يعتمدها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هي الاستمرار في أداء التكليف والمسؤولية، وعدم الانشغال بأمور هامشية تقضي على الوقت وتصرف العمل عن هدفه، وتحرفه عن مساره، وهو مدعو مع هذا للاعراض عن الأشخاص والمواقف التي تشغله عن أداء الواجب. قال تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين[46].
والاعراض هو الترك والاهمال، وعدم الدخول في جدال يضيع معه الوقت والجهد دون ان يحقق شيئا في طريق الواجب.
ونهى الامام أمير المؤمنين (ع) عن الدخول في الخصومات، والمراء فقال: المخاصمة تبدي سفه الرجل ولا تزيد في حقه[47].
جماع الشر اللجاج وكثرة المماراة[48].
وللخصومة آثار سلبية أشار إليها الإمام الصادق (ع) بقوله: إياكم والخصومة في الدين، فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عز وجل، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، وتستجيز الكذب[49].
سابعا: القدرة على التقييم الموضوعي
التقييم الموضوعي للأشخاص والوجودات يساهم في انجاح الأعمال والنشاطات المتعلقة بمسؤولية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينبغي لمن تحمل المسؤولية أن يقيم الأشخاص على أسس وموازين اسلامية من حيث درجة قربهم وبعدهم عن الاسلام فكرا أو سلوكا، فلكل فرد تقييمه الخاص ليكون الموقف اتجاهه منسجما مع شخصيته.
والتقييم الموضوعي الذي يصحبه التعامل الموضوعي يساهم في تشجيع المحسنين على الاحسان والعمل الصالح، ودفع المسيئين والمذنبين إلى العودة إلى الاستقامة.
قال الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): لا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء، فإن ذلك تزهيد لأهل الاحسان في الاحسان، وتدريب لأهل الإساءة على الإساءة، فألزم كلا منهم ما ألزم نفسه أدبا منك ينفعك الله به، وتنفع به أعوانك[50].
فالتقييم الموضوعي يستنهض الهمم ويستجيش العزائم ليبدأ الانسان باصلاح وتغيير شخصيته في جميع مقوماتها: في الفكر والعاطفة والإرادة، من سئ إلى حسن، ومن حسن إلى أحسن، وموازين التقييم التي حددها القرآن الكريم هي: الايمان، والتقوى، والعلم، والعمل الصالح.
فينبغي تقييم الأشخاص في ضوء من تلك الموازين، والتعامل مع الناس في ضوء درجات قربهم وبعدهم عنها، فلكل تقديره المناسب واحترامه المناسب قدر ما يمتلك من تلك المؤهلات.
الاستنتاج
أن المقالة تناقش خصائص الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، مشيرة إلى أهمية العلم والمعرفة كقاعدة أساسية لأداء هذه المسؤولية. ومن الضروري أن يكون هؤلاء الأفراد قدوة للمجتمع، كما تؤكد على أهمية الشجاعة في مواجهة التحديات والمواقف الصعبة، بالإضافة إلى الإيثار والزهد في الحياة الدنيا لتعزيز ثقة الناس بهم. وأخيرًا، تشير إلى دور البشاشة وطلاقة الوجه ولين الكلام في جذب الناس وتوجيههم، مما يسهل عملية الإصلاح والتغيير في المجتمع. هذه الصفات مجتمعة تساهم في نجاح حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الهوامش
[1] الجعفريات، ص88.
[2] الكليني، الكافي، ج1، ص42.
[3] الحرّاني، تحف العقول، ص33.
[4] الكليني، الكافي، ج1، ص43.
[5] الصف، 3.
[6] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص457.
[7] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص332.
[8] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص106.
[9]الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص333.
[10] النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج12، ص203.
[11] النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج12، ص203.
[12] الكليني، الكافي، ج2، ص78.
[13] الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص250 ، الخطبة 175.
[14] ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج2، ص1328.
[15] الحرّاني، تحف العقول، ص12.
[16] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص396.
[17] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص437.
[18] المتّقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص495.
[19] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص434.
[20] الكليني، الكافي، ج2، ص117.
[21] الحرّاني، تحف العقول، ص29.
[22] المتّقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص407.
[23] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص445.
[24] الصدوق، أمالي الصدوق، ص341.
[25] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص210.
[26] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص211.
[27] ابن هشام، السيرة النبوية، ج4، ص41.
[28]ابن الأشعث الكوفي، الجعفريات، ص88.
[29] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص244.
[30] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص423.
[31] الصدوق، الخصال، ج2، ص354.
[32] ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج3، ص587.
[33] الحرّاني، تحف العقول، ص104.
[34] ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج4، ص126.
[35] ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج7، ص260.
[36] الحرّاني، تحف العقول، ص368.
[37] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص385، وص388.
[38] ابن هشام، السيرة النبوية، ج4، ص133، وص226.
[39] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص15.
[40] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص14.
[41] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص21.
[42] المزمل، 10.
[43] لقمان، 17.
[44] آل عمران، 200.
[45] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص287.
[46] الأعراف، 199.
[47] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص461.
[48] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص463.
[49] الصدوق، أمالي الصدوق، ص340.
[50] الحرّاني، تحف العقول، ص87.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن الأشعث الكوفي، محمّد، الجعفريات، تحقيق مشتاق صالح المظفر، كربلاء، العتبة الحسينية المقدسة، الطبعة الأولى، 1434 ه.
3ـ ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الأُولى، 1416 ه.
4ـ ابن ماجة، محمّد، سنن ابن ماجة، بيروت، دار الجيل، الطبعة الأُولى، 1418 ه.
5ـ ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة محمّد علي صبيح، طبعة 1383 ه.
6ـ الآمدي، عبد الواحد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأُولى، بلا تاريخ.
7ـ الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1404 ه.
8ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
9ـ الصدوق، محمّد، الأمالي، قم، تحقيق ونشر مؤسّسة البعثة، الطبعة الأُولى، 1417 ه.
10ـ الصدوق، محمّد، الخصال، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الاسلامي، طبعة 1403 ه.
11ـ الطبرسي، الحسن، مكارم الأخلاق، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة السادسة، 1392 ه.
12ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
13ـ المتّقي الهندي، علي، كنز العمّال، بيروت، مؤسّسة الرسالة، طبعة 1409 ه.
14ـ النوري الطبرسي، حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، بيروت، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1408 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
مركز الرسالة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قم، مركز الرسالة، الطبعة الأُولى، 1430 ه.