النبي آدم أبو البشر (ع) من الخلق إلى النبوة

النبي آدم أبو البشر (ع) من الخلق إلى النبوة

کپی کردن لینک

من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو النبي آدم أبو البشر (ع)، وهو أول إنسان خلقه الله تعالى، وسنتطرق باختصار إلى خلق آدم (ع) وهبوطه ونبوته، ثم نتطرق إلى الجنة التي عاش فيها (ع)، ثم تفسير ذنب الذي ارتكبه آدم (ع)، أخيرا بيان الكلمات التي تلقاها (ع) من ربه.

خلق آدم (ع) وهبوطه ونبوته

جاء في كتاب «أعلام القرآن»: آدم أبو البشر، أوّل إنسان عرفته البشرية، وأوّل نبيّ بعثه اللّه تعالى إلى الناس لإصلاحهم وهدايتهم من الضلال والانحراف.

سمّي بالإضافة إلى آدم بالبشر والإنسان، وكنّي بأبي البشر، ولقّب بصفيّ اللّه وخليفة اللّه.

سمّي آدم لأنّه خلق من أديم الأرض من غير أب وأمّ، حيث خلقه اللّه من طين، ثم نفخ فيه من روحه فصار إنسانا سويّا، جامعا لجميع مواصفات الإنسان الكامل.

بعد أن ظهر آدم أبو البشر للوجود أمر اللّه تعالى ملائكته بأن يسجدوا له – بعنوان التكريم لا التعبّد – فسجدوا بأجمعهم إلّا إبليس أبى واستكبر وكفر؛ حسدا منه، فغضب اللّه سبحانه وتعالى على إبليس وطرده من الجنّة.

علّمه اللّه تعالى أسماء الأشياء الّتي كان يراها ويدركها، فكان يسمّي ما تقع عليه عينه من حيوانات ونباتات وجمادات وغيرها، وكما علّمه سبحانه الأسماء الشريفة للنبيّ محمد وآله الأئمة المعصومين عليه وعليهم السّلام.

وبعد أن أكمل اللّه جلّ جلاله خلقة آدم أبو البشر (ع)، خلق زوجته حواء عليها السّلام، ثم أسكنهما الجنّة، وسمح لهما أن يستفيدا ويتمتعا بكلّ شي‏ء فيها عدا شجرة معينة أمرهما أن يمتنعا من الاقتراب إليها والأكل منها، فجاء إبليس إليهما وأغواهما بوسائله المغرية على الأكل من تلك الشجرة الّتي منعا عنها، فخالفا أوامر خالقهما، فعاقبهم اللّه على ذلك وأخرجهما من الجنّة، وأهبطهما إلى الأرض، جزاء لما اقترفاه.

ولما أحس آدم أبو البشر (ع) بغضب البارئ عزّ وجلّ عليه وإخراجه من الجنّة أخذ يبكي مدّة طويلة من عمره بكاء شديدا حتّى صار في خدّيه مثل الأودية من جريان الدموع.

بعد أن أخرجهما اللّه تعالى من الجنّة، أهبطهما في جزيرة سرنديب جنوب شرق الهند، ومنها رحلا إلى جدّة، ويقال: هبط آدم عليه السّلام على جبل نود بسرنديب، وهبطت حواء عليها السّلام في جدّة، وقيل: أنزله اللّه عزّ وجلّ على جبل أبي قبيس بمكّة، وهناك قول بأنّ اللّه أنزله على جبل الصفا وحواء على جبل المروة بمكة، ثم جمع اللّه بينهما في الموضع الذي هواليوم موضع الكعبة، وهناك أقوال أخر في هذا الشأن.

وبعد هبوطهما على الأرض تابا واستغفرا إلى اللّه. اصطفاه اللّه واجتباه ثم بعثه للنبوة، وأنزل له الحجر الأسود من الجنّة، وأمره أن يبني له بيتا بمكة، فقام ببناء الكعبة المشرّفة، وطاف حولها، ثم أوحى اللّه إليه بأن يضحّي للّه ويدعوه ويقدّسه، ثم يقف بعرفات، ثم يمضي إلى مكة.

أوحي إلى آدم أبو البشر بأن يقترب من زوجته حواء عليها السّلام، فاقترب منها وتناسلا، فأنجبا الذكور والإناث، وبذلك بدأت سلالة الإنسان الفعلية. كان أوّل مولود لهما قابيل، وقيل: هابيل، ثم أنجبا عشرين ذكرا وعشرين أنثى، وقيل غير ذلك.

أنزل اللّه عليه عشرة كتب سماويّة، وقيل: نزل عليه كتاب باللغة السريانية في واحدة وعشرين صحيفة، فكان أوّل كتب السماء إلى الأنبياء والرسل. ينسب إليه سفر يعرف ب «سفر آدم» وكذلك كتاب (أسرار النيّرين).

في أواخر أيّام حياته أوصى إلى ولده شيث (ع) الّذي تولّى أعباء النبوّة من بعده. ولم يزل حتى توفّي على أثر حمّى أصيب بها بمكّة، فدفن في وادي السّلام في النجف الأشرف، وقيل: دفن في مكة في غار عند جبل أبي قبيس، وقيل: قبره في مسجد الخيف بمنى، واللّه أعلم.

للمزيد من المعلومات راجع المصادر التالية[1].

الجنة التي عاش فيها آدم (ع)

جاء في كتاب «الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل»: يبدو أن الجنّة التي مكث فيها آدم قبل هبوطه إلى الأرض، لم تكن الجنّة التي وعد بها المتقون. بل كانت من جنان الدنيا، وصقعا منعّما خلّابا من أصقاع الأرض. ودليلنا على ذلك:

أوّلا: الجنّة الموعودة في القيامة نعمة خالدة، والقرآن ذكر مرارا خلودها، فلا يمكن إذن الخروج منها.

ثانيا: إبليس الملعون ليس له طريق للجنّة، وليس لوسوسته مكان هناك.

ثالثا: وردت عن أهل البيت (ع) روايات تصرّح بذلك.

منها ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق (ع)‏ أنه سئل عن جنّة آدم، فقال: (جنّة من جنّات الدّنيا، يطلع فيها. الشّمس والقمر، ولو كان من جنان الاخرة ما خرج منها أبدا)[2].

من هذا يتضح أن هبوط آدم ونزوله إلى الأرض لم يكن مكانيا بل مقاميا، أي أنه هبط من مكانته السامية و من تلك الجنّة المزدانة.

من المحتمل أيضا أن تكون هذه الجنّة غير الخالدة في إحدى الكواكب السماوية، وفي بعض الرّوايات الإسلامية إشارة إلى أن هذه الجنّة في السماء، غير أنّ من الممكن أن يكون المقصود بالسماء في هذه الرّوايات «المقام الرفيع» لا «المكان المرتفع».

على كل حال، توجد شواهد كثيرة على أن هذه الجنّة هي غير جنّة الخلد الموعودة. لأن جنّة آدم بداية مسير الإنسان وجنّة الخلد نهايتها. وهذه مقدمة لأعمال الإنسان ومراحل حياته، وتلك نتيجة أعمال الإنسان ومسيرته.

تفسير ذنب آدم (ع)

المكانة التي ذكرها القرآن لآدم سامية ورفيعة، فهو خليفة اللّه في الأرض ومعلم الملائكة، وعلى درجة كبيرة من التقوى والمعرفة، وهو الذي سجدت له ملائكة اللّه المقربين. ومن المؤكد أن آدم هذا لا يصدر عنه ذنب، إضافة إلى أنه كان نبيّا، والنّبي معصوم.

من هنا يطرح سؤال عن نوع العمل الذي صدر عن آدم. وتوجد لذلك ثلاثة تفسيرات يكمل بعضها الآخر.

1- ما ارتكبه آدم كان «تركا للأولى» أو بعبارة اخرى كان «ذنبا نسبيا»، ولم يكن «ذنبا مطلقا».

الذنب المطلق، وهو الذنب الذي يستحق مرتكبه العقاب أيا كان، مثل الشرك والكفر والظلم والعدوان. والذنب النسبي هو الذي لا يليق بمرتكبه أن يفعله لعلوّ منزلة ذلك الشخص، وإن كان ارتكابه مباحا، بل مستحبا أحيانا من قبل الأفراد العاديين. على سبيل المثال، نحن نؤدي الصلاة بحضور القلب تارة، وبعدم حضور القلب تارة اخرى. وهذه الصلاة تتناسب وشأننا، لكن مثل هذه الصلاة لا تليق بأفراد عظام مثل رسول اللّه (ص). صلاة الرّسول ينبغي أن تكون بأجمعها اتصالا عميقا باللّه تعالى، وإن فعل الرّسول غير ذلك فلا يعني أنه ارتكب محرّما، بل يعني أنه ترك الاولى.

وآدم كان يليق به أن لا يأكل من تلك الشجرة، وإن كان الأكل منها غير محرّم بل «مكروها».

2- نهي اللّه لآدم إرشادي، مثل قول الطبيب: لا تأكل الطعام الفلاني فتمرض. واللّه سبحانه قال لآدم: لا تقرب هذه الشجرة فتخرج من الجنّة. وآدم في أكله من الشجرة خالف نهيا إرشاديا.

3- الجنّة التي مكث فيها آدم لم تكن محلا للتكليف، بل كانت دورة اختبارية وتمهيدية لآدم كي يهبط بعدها إلى الأرض. وكان النهي ذا طابع اختياري.

الكلمات التي تلقاها آدم‏ (ع)

تعددت الآراء في تفسير «الكلمات»، التي تلقاها آدم أبو البشر (ع) من ربّه.

المعروف أنها الكلمات المذكورة في سورة الأعراف: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ[3].

وقال آخرون أن المقصود من الكلمات هذا الدعاء: «اللّهمّ لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي، فاغفر لي إنّك خير الغافرين».

«اللّهمّ لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي، فارحمني إنّك خير الرّاحمين».

«اللّهمّ لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنّي ظلمت نفسي، فتب عليّ إنّك أنت التّوّاب الرّحيم».

وهذا ما نقل في رواية عن الإمام محمّد الباقر (ع)‏، ومثل هذه التعابير ذكرها القرآن على لسان يونس وموسى (ع). يونس ناجى ربّه فقال: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[4]، وموسى أيضا: قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ[5].

وفي روايات وردت عن طرق أهل البيت (ع) أن المقصود من «الكلمات» أسماء أفضل مخلوقات اللّه وهم: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) وآدم توسل بهذه الكلمات ليطلب العفو من ربّ العالمين فعفا عنه.

هذه التفاسير الثلاثة لا تتعارض مع بعضها، ولعلّ آدم تلقى من ربّه كل هذه الكلمات، كي يحدث فيه تغيير روحي تام بعد أن يعي حقيقة هذه الكلمات، وليشمله بعد ذلك لطف اللّه ورحمته.

الاستنتاج

أن آدم أبو البشر (ع) هو أول إنسان ونبي، خلقه الله من طين، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له تكريمًا. بعد أن أسكنه الله وزوجته حواء الجنّة، أغواهما إبليس للأكل من الشجرة المحرمة، مما أدى إلى هبوطهما إلى الأرض كعقوبة. رغم ذلك، تاب آدم واستغفر الله، فاختاره الله نبيًا وأمره ببناء الكعبة. وبدأت سلالة البشر من خلال إنجابهم، وأوصى بنبوته لابنه شيث، توفي بعد حياة مليئة بالتحديات.

الهوامش

[1] إثبات الوصية، ص10- 15؛ الأخبار الطوال، ص1؛ الاختصاص، راجع فهرسته؛ أعلام قرآن، للخزائلي، ص1؛ أقرب الموارد، ج1، ص7؛ الإكليل، ص28؛ أمالي الطوسي، ج1، ص330 وج2، ص57؛ الأنبياء، للعاملي، ص13 – 64؛ الأنس الجليل، ج1، ص17 – 19؛ البدء والتاريخ، المجلد الأول، الجزء الثاني، ص74؛ البداية والنهاية، ج1، ص62 – 91؛ بصائر ذوي التمييز، ج6، ص22 – 25؛ تاج العروس، ج8، ص182؛ تاريخ أنبياء، للسعيدي، ص23 وص45؛ تاريخ أنبياء، للمحلاتي، ص1 – 30؛ تاريخ حبيب السير (فارسي)، ج1، ص17 – 23؛ تاريخ الخميس، ج1، ص36؛ تاريخ الطبري، ج1، ص60 – 104؛ تاريخ أبي الفداء، ج1، ص8؛ تاريخ مختصر الدول، ص8 – 12؛ تاريخ ابن الوردي، ج1، ص8.

تاريخ اليعقوبي، ج1، ص5؛ تأويل الآيات الظاهرة، ص47 – 53؛ التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص131 – 172 وبعدها؛ تفسير الإمام العسكري (ع)، ص217 – 227؛ تفسير البحر المحيط، ج1، ص140 – 153 وبعدها؛ تفسير البرهان، ج1، ص73 – 89؛ تفسير البيضاوي، ج1، ص49 – 56، تفسير الجلالين، ص6 و153 و320 و578؛ تفسير أبي المسعود، ج1، ص79 – 92؛ تفسير شبّر، ص6 و542 و558؛ تفسير الصافي، ج1، ص94 – 108؛ تفسير الطبري، ج1، ص157 – 195؛ تفسير العياشي، ج1، ص29 – 41؛ تفسير أبي الفتوح الرازي، ج1، ص81 – 98، تفسير الفخر الرازي، ج2، ص159 – 238 وج 3، ص2 – 27؛ تفسير فرات الكوفي، راجع فهرسته؛ تفسير القمي، ج1، ص35 – 46؛ تفسير ابن كثير، ج1، ص70 – 82.

التفسير المبين، ص7 – 9 وبعدها؛ تفسير المراغي، ج1، ص80 – 97؛ تفسير نور الثقلين، ج1، ص48 – 70؛ تنزيه الأنبياء، ص9 – 17؛ تنوير المقباس، ص7 وبعدها؛ تهذيب الأسماء واللغات، ج1، ص95 – 97؛ التوحيد، راجع فهرسته؛ التوراة- سفر التكوين-، ص3 – 6؛ الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص263 – 329 وراجع فهرسته؛ جوامع الجامع، ص11 – 13؛ حياة الحيوان، ج1، ص391؛ الخصال، راجع فهرسته؛ خلاصة الأخبار، ص24 – 32؛ دائرة المعارف الاسلامية، ج1، ص553 – 555؛ دائرة المعارف الاسلامية الكبرى، ج1، ص91 – 109؛ دائرة المعارف بزرگ اسلامى، ج1، ص172 – 192؛ دائرة المعارف البستاني، ج1، ص45 – 52؛ دائرة المعارف فريد وجدي، ج1، ص123 – 130.

[2] الحويزي، تفسير نور الثقلين، ج1، ص62.

[3] الأعراف: 23.

[4] الأنبياء: 87.

[5] القصص: 16.

مصدر المقالة (مع تصرف)

1ـ الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.

2ـ مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، نشر: مدرسة الإمام علي (ع)، قم، الطبعة الأولى، 1421ه‍.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *