اعلم أن للصلاة باطنا غير هذا الظاهر الذي تعرفه، وكما لظاهرها آدابا فإنّ لباطنها أيضا آدابا ضرورية، وهي ما تسمى بالآداب الضرورية، تجعل للصلاة روحا ملكوتية وتجعل المصلي ينال بعد الحرص على مراعاتها نصيبا من السر الإلهي وهو قرة أهل السلوك.
عز الربوبية وذل العبودية
إن من الآداب الضرورية في الصلاة الإلتفات الی عزّ الربوبیة وذلّ العبودیة، فقوة سلوك السالك تعتمد على قوة هذا الالتفات، بل إن كمال إنسانية الإنسان ونقصها مرتبط بكمال هذا الالتفات ونقصه، وكلما غلب على الإنسان التوجه والإلتفات الى الإنّية والأنانية والعُجب والغرور كان بعيداً عن كمال الإنسانية ونائياً عن مقام قرب الربوبية.
إن حجاب العُجب والغرور أشدُّ الحجب سمكاً وكثافة وأكثرها ظلمانية وأصعبها اختراقاً وخرق الحجب جميعاً يعدُّ مقدمةً، أما خرق هذا الحجاب فهو مفتاح مفاتيح الغيب والشهادة، وباب أبواب العروج إلى كمال الروحانية.
والإنسان مادام محدّقاً في نفسه ومنشدّاً الى الكمال والجمال الوهمي فهو محجوب وبعيد عن الجمال المطلق والكمال الصرف، والخروج من هذا المنزل هو الشرط الأول من شروط السلوك الى الله، بل إنه – تحديداً – المميّز بين الرياضة الحقة والباطلة، فكلُّ سالك يطوي المنازل بخطى الأنانية والعُجب والغرور ويسير بحجاب الإنّية وحبّ النفس فرياضته باطلة وسلوكه ليس الى الله، بل الى النفس إن أمّ الأوثان وثن النفس[1].
قال الله تعالى: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ[2] والهجرة الصورية وصورة الهجرة هي الهجرة بالبدن من المنزل المادي الى الكعبة أو مراقد الأولياء (ع) مثلاً.
أما الهجرة المعنوية فهي الخروج من بيت النفس ومنزل الدنيا الى الله ورسوله. فالهجرة الى الرسول والولي (ع) هي هجرة الى الله ايضاً، إذن فالسالك مادام متعلقاً بنفسه متوجهاً الى إنّيته فهو ليس بمسافر، ومادام يرى آثار الأنانية وجدران مدينة نفسه قائمة ويسمع أذان حُبّ النفس فهو في حكم الحاضر لا المسافر والمهاجر.
ورد في مصباح الشريعة، أن الإمام جعفر الصادق (ع) قال: العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فُقد من العبودية وجد في الربوبية، وما خُفي من الربوبية أصيب في العبودية[3].
فمن يسير بخُطى العبودية ويكوي ناصيته بجمر ذُلِّ العبودية يصل الى عزّ الربوبية، فالوصول الى حقائق الربوبية إنما يكون بالسير في مدارج العبودية، وكلُّ ما يُفقد من الإنّية والأنانية في العبودية، يُدرك في ظل حماية الربوبية وحتى بلوغ ذلك المقام الذي يكون الحق تعالى فيه هو السمع والبصر واليد والرجل، كما أشار الى ذلك الحديث الصحيح المشهور بين الفريقين[4] .
أما إذا ارتقى السالك مرتبة أعلى وتخلّى عن صلاحياته وفوّض أمر حكومة وجوده بالكامل الى الحق تعالى، وأوكل أمر البيت لصاحب البيت وفُني في عزّ الربوبية، فإن صاحب بيته سيصبح هو المتصرف في الأمور، وعندها ستكون تصرفات السالك تصرفات إلهيّة، فتصبح عينه إلهيةً فينظر بعين الحق، وأذنه إلهيّة فيسمع بأذن الحق.
والعكس صحيح كذلك، فكلما كانت ربوبية النفس كاملةً، وكلما كان عِزّها مأخوذاً في الاعتبار، قَلَّ ونقص عن الربوبية بالمقدار نفسه، فهما نقيضان الدنيا والآخرة ضرّتان[5].
إذن فمن الآداب الضرورية للسالك الى الله أن يدرك مقام ذُلّ نفسه، وأن يجعل ذل العبودية وعزَّ الربوبية نُصب عينيه يتأمل فيه، فكلما ترسخ لديه الاعتقاد بهذا الشعار ازدادت عبادته روحانية، وقويت روح العبادة فيه، حتى إذا تمكن – بمعونة الحق تعالى وأوليائه الكمّل (ع) – من الوصول الى حقيقة العبودية وكنهها، نال نفحةً من سرّ العبادة.
وجميع العبادات – خصوصاً الصلاة التي لها صفة الشمول بالنسبة لباقي العبادات – تنطوي على هذين المقامين – مقام عِزّ الربوبية وهو الحقيقة، ومقام ذُلِّ العبودية، وهو أمَةُ تلك الحقيقة ووصيفتها – وبشكل اختصا فيه بالقنوتِ من الصلوات المستحبة وبالسجدة من الصلوات الواجبة.
وهنا لابد من الإشارة الى أن العبودية المطلقة هي من أعلى مراتب الكمال ومن أرفع مقامات الإنسانية، ولا نصيب لأحد من البشر منها سوى أكمل خلق الله محمد (ص) أصالة وسائر الأولياء الكمل (ع) تبعاً له، أما من سواهم فقدم عبوديتهم عرجاء وعبادتهم وعبوديتهم معللة بأسباب أخرى.
ولما كان من غير الممكن الوصول الى المعراج الحقيقي المطلق إلا بقدم العبودية، نرى أن قدم العبودية وجذبة الربوبية هي التي أسرت بتلك الذات المقدسة الى معراج القرب والوصول، لذا قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ…[6] ولهذا ايضاً كان تأكيد العبودية قبل الرسالة في تشهد الصلاة الذي يمثل الرجوع من الفناء المطلق المتحقق فى السجدة.
ولعلَّ في ذلك ايضاً إشارةً الى أن مقام الرسالة، بالنتيجة هو ثمرة لجوهرة العبودية، وفي هذا الموضوع تفصيلات طويلة تخرج عن نطاق المهمة الخاصة بهذه الصفحات.
مراتب مقامات أهل السلوك
اعلم أن أهل السلوك في مقام ذلّ العبودية وعزّ الربوبية على مراتب ومدارج لا تُحصى، نعمد هاهنا الى ذكر بعضها بشكل إجمالي، فالإحاطة بجميع المراتب وإحصاؤها مما يفوق وسع هذا الحقير فالطرقُ الى الله بعدد أنفاس الخلائق[7].
المرتبة الأولى: العلم
إحدى تلك المراتب التي يناله من يؤدي الآداب الضرورية في الصلاة مرتبة العلم، إذ يثبت ذلّ العبودية وعزّ الربوبية بالمسار العلمي والبرهان الفلسفي، فأحد لباب المعارف التي جلّتها العلوم العالية والحكمة المتعالية: أن دار التحقق بأسرها، ودائرة الوجود بتمامها ارتباط وتعلق صرف، وفقر وفاقة محضة.
وأن العزّة والملك والسلطان إنّما تخصُّ ذات الكبرياء المقدسة، ولا نصيب لأحد من العزة والكبرياء، وأن ذُلَّ العبودية والفقر يسم نواصي الخلق جميعاً، ويمد جذوره الى لب حقيقتهم، وحقيقة العرفان والشهود والنتيجة المرتجاة من الرياضة والسلوك إنما هي كشف الحجاب عن وجه الحقيقة ورؤية ذُلّ العبودية وأصل الفقر والتدلي في النفس وفي الموجودات جميعاً .
ولعل في الدعاء المنسوب الى سيد الكائنات (ص): اللهم أرني الأشياء كما هي[8] إشارة الى مقام طلب مشاهدة ذل العبودية الذي يستلزم بدوره شهود عزّ الربوبية.
اذن فسالك سبيل الحقيقة ومسافر طريق العبودية والذي يريد تحقيق الآداب الضرورية في الصلاة، سيقع – إن هو طوى هذا المنزل بخطى السلوك العلمي ومركب السير الفكري – في حجاب العلم ويصل مقام الإنسانية الأول، غير أن هذا الحجاب من الحجب السميكة وكما قالوا: العلم هو الحجاب الأكبر، وعلى السالك أن لا يظلّ فيه وأن يخرقه، فقد يتعرض اذا ما رضي بهذا المقام وحبس قلبه في هذا القيد – الى الاستدراج.
والإستدراج في هذا المقام يكون بالإنشغال في التفريعات العلمية وإطلاق الذهن في إقامة البراهين الكثيرة على هذا الأمر، وبذا يُحرم السالك من المنازل الاخرى ويصبح قلبه متعلقاً بهذا المقام، فيغفل عن الهدف المنشود المتمثل في الوصول الى فناء الله، ويقضي عمره في حجاب البرهان وتشعباته.
وكلما زادت الكثرة فروعاً كبر الحجاب واشتد الاحتجاب عن الحقيقةK وبالتالي لم يؤدّ الآداب الضرورية في الصلاة بسبب ذلك الإنشغال، إذن ينبغي للسالك أن لا ينخدع بمكر الشيطان في هذا المقام، فيحجب عن الحق والحقيقة بواسطة كثرة العلم وغزارته وقوة البرهان ويتخلّف بذلك عن السعي في الطلب.
المرتبة الثانية: الإيمان
يجب على السالك أن يتمنطق بالهمة وأن لا يغفل عن الجد في طلب المطلوب الحقيقي حتى يرقى الى المقام الثاني الذي يتحقق بأن يكتب السالك بقلم العقل ما أدركه العقل بقوّة البرهان والسلوك العلمي على صفحة قلبه ويوصل اليه حقيقة ذُلِّ العبودية وعزّ الربوبية، ويحرره من القيود والحجب العلمية، إذن ثمرة المقام الثاني هي حصول الإيمان بالحقائق.
المرتبة الثالثة: الاطمئنان والطمأنينة
أما المرتبة الثالثة أو المقام الثالث، فهو مقام الاطمئنان والطمأنينة، وهو في الحقيقة مرتبة الإيمان الكامل، قال تعالى مخاطباً إبراهيم (ع): أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[9].
المرتبة الرابعة: المشاهدة
والمقام الرابع والذي يجلبه الإلتزام بالآداب الضرورية في الصلاة هو مقام المشاهدة، وهي نورٌ إلهي وتجل رحماني يظهر في سرّ السالك – تبعاً للتجليات الأسمائية والصفاتية – فينور أرجاءه بالنور الشهودي، ولهذا المقام الرابع درجات كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، وفيه ايضاً تظهر نفحةٌ من نفحات قرب النوافل، كنت سمعه وبصره ويده…فيرى السالك نفسه مستغرقاً في بحرٍ لا نهاية له، ومن بعده بحر لا يسبر غوره تنكشف فيه بعض من أسرار القدر.
وفي كل مقام من تلك المقامات نوع من الإستدراج خاص به، يُعرِّضُ السالك لمهلكة عظيمة. فعليه أن يستخلص نفسه في المقامات كافة من الأنانية والإنية، وأن لا يكون معجباً بنفسه محبّاً لها فذلك منبع أكثر المفاسد وبالأخص للسالك نفسه.
الخشوع
من الأمور والآداب الضرورية للسالك واللازمة لجميع العبادات لا سيما الصلاة – رأس العبادات كافة وذات الصفة الجامعة – هو الخشوع وحقيقته الخضوع التام الممزوج بالحبّ أو الخوف.
وتفصيل ذلك: أن قلوب أهل السلوك مختلفة بحسب الجبلة والفطرة، فبعضها عشقية تمثل مظهراً من مظاهر الجمال، مجبولة ومفطورة على الميل نحو جمال المحبوب، فهي – أثناء السلوك – ما إن تدرك ظل الجميل أو تشاهد أصل الجمال حتى تمحوها العظمة الكامنة في سرّ الجمال وتجعلها تنصعق.
فكل جمال ينطوي على جلال وفي كلِّ جلال جمال مستور، ولعل في کلام مولى العارفين وأمير المؤمنين والسالكين (ع): سبحان من اتسعت رحمته لأوليائه فى شدَّة نقمته، واشتدت نقمته لأعدائه في سعة رحمته[10] إشارة الى هذا المعنى.
إذن فهيبة الجمال وعظمته وسطوته تهيمن على تلك القلوب وتغشاها بحالة الخشوع أمام جمال المحبوب، وهذه الحالة تسبب في بداية الأمر اضطراباً وتزلزلاً في القلب، إلّا أنها بعد جمع الجنان والتمكن من التسلط على الأمر تتحول الى حالة من «الأنس» وتتبدل الرهبة والإضطراب الناتجان عن السطوة والعظمة الى أنس وسكينة فتحصل حالة الطمأنينة، تماماً كما كانت حالة قلب خليل الرحمن (ع).
والبعض الآخر من قلوب أهل السلوك خوفيّة تمثل مظهراً من مظاهر الجلال، فهي في حالة إدراك متواصل للعظمة والكبرياء والجلال؛ فيكون خشوعهم خوفيّاً، وتحصل في قلوبهم تجليات الأسماء القهرية والجلالية، كما هو الحال مع يحيى (ع).
إذن فالخشوع – الذي هو أحد الآداب الضرورية في الصلاة- تارة يكون ممزوجاً بالحب واخرى بالخوف والرهبة، وإن كان في كلِّ حبّ رهبة وفي كل خوف حب.
أما مراتب الخشوع، فهي بحسب مراتب إدراك العظمة والجلال والحسن والجمال. ولأن أمثالنا – بحالتنا هذه – محرومون من نور المشاهدات فلا مناص لنا غير تحصيل الخشوع عن طريق العلم أو الإيمان، قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ[11].
فالآية الكريمة عدّت الخشوع من الآداب الضرورية في الصلاة ومن حدود الإيمان وعلاماته. وعلى أساس قوله تعالى هذا فإن غير الخاشع في صلاته خارج عن زمرة أهل الإيمان، كما أنّ صلواتنا غير مشفوعة بالخشوع نتيجة نقص الإيمان أو فقدانه، ولما كان الإعتقاد والعلم غير الإيمان، فإن العلم الذي يحصل لدينا بالحقِّ تعالى وأسمائه وصفاته – وكذا سائر المعارف الإلهية – أمرٌ غير الإيمان.
فالشيطان مثلاً عالم بالمبدأ والمعاد – كما اشار الى ذلك الحق تعالى – لكنه كافر مع ذلك، فهو رغم إقراره بالحق تعالى وبخالقيته بقوله: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ[12]، ورغم اعتقاده بالمعاد وعلمه بالكتب والرسل والملائكة بقوله: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[13]، إلّا أن الله تعالى خاطبه بالكافر وعده خارجاً عن زمرة المؤمنين.
إذن فأهل العلم وأهل الإيمان متميزون بعضهم عن بعض. وليس كل من كان من أهل العلم لابد أن يكون من أهل الإيمان، لذا وجب على السالك ومن يريد أن يحقق جميع الآداب الضرورية في الصلاة بنحو أدقّ، لا بد له أن يدخل – بعد سلوكه العلمي – في سلك المؤمنين.
وأن يوصل عظمة الحق وجلاله وبهاءه وجماله جلّت عظمته الى قلبه حتى يخشع قلبه، وإلا فإن مجرد العلم لا يؤدي الى الخشوع، تماماً كما ترون في أنفسكم، فمع اعتقادكم بالمبدأ والمعاد وبعظمة الحق وجلاله إلّا أن قلوبكم ليست خاشعة.
أما قوله سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ[14] فلعله اشارة الى الإيمان الصوري، أي الإعتقاد بما جاء به النبي محمد المصطفى (ص) وإلا فإن الإيمان الحقيقي ملازم لمرتبة من الخشوع.
أو لعل المراد من الخشوع في الآية الشريفة هو الخشوع بمراتبه الكاملة، كما يطلق وصف العالم أحياناً على من عبر حد العلم وبلغ حد الإيمان، ولعلَّ الآية الشريفة: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء[15] تشير الى هذه الفئة من العلماء وأوصاف العلم والإيمان والإسلام أطلقت في الكتاب والسنّة على مراتب مختلفة منها، وبيان ذلك خارج عن إطار بحثنا هذا.
والحاصل أنّ سالك طريق الآخرة – لا سيما السالك بمعراج الصلاة – مطالب بأن يجعل قلبه خاشعاً بنور العلم والإيمان، وبأن يُمكِّن هذه النفحة الإلهية والبارقة الرحمانية من قلبه قدر المستطاع علّه يتمكن من حفظ هذه الحالة من الخشوع في جميع أجزاء الصلاة.
وهذه الحالة من تمكن الخشوع واستقراره وإن كانت في البداية أمراً صعباً نوعاً ما لأمثالنا، ومن الآداب الضرورية الصعبة بالنظرة الأولى، إلا أنها أمر غاية في الإمكان بقليل من الممارسة وترويض القلب.
إن تحصيل الكمال والتزوّد للآخرة يستلزم – يا عزيزي – سعياً وبذل جهد، وكلما كان المطلوب أعظم كان بالجدِّ في السعي في سبيله أجدر، ولا شك أن معراج القرب الإلهي ومقام التقرب لجوار رب العزّة لا يُستحصل بحالة الفتور والتهاون والتساهل، بل ينبغي القيام بشجاعة وحزم للوصول الى المطلوب.
فأنت تؤمن بالآخرة وترى أنها لا تقارن بهذه الدنيا، سواء في ذلك اذا كانت المقارنة من حيث السعادة والكمال أم من حيث الشقاء والوبال، فأما من حيث السعادة والكمال فإن تلك الدار تمثل عالماً أبدياً دائماً لا موت فيه ولا فَناء، والسعيد فيها في راحة وعزةٍ ونعمة خالدة لا شبيه لها في هذا العالم، وهو في عزَّةٍ إلهيّةٍ لا نظير لها في هذه الدنيا، ونِعمَ لا تخطر على قلب بشر، وكذا الحال من حيث الشقاء والوبال، فلا نظير في هذا العالم لعذاب الآخرة وشقائها.
والسبيل للوصول الى تلك السعادة إنما هو في طاعة ربِّ العزّةِ، وبين كل الطاعات والعبادات ليس هناك نظير للصلاة في مرتبتها، فهي التركيب الإلهي الجامع والمتكفل بتحقيق السعادة للبشر، وقبولُ جميع الأعمال مرهون بقبولها.
لذا عليك – يا عزيزي – التحلّي بكامل البند في السعي اليها، والدأب وتحمل المشاق في سبيل ذلك، واعلم أن لا مشقة في ذلك، ولا في جميع الآداب الضرورية في الصلاة، فأنت إن واظبت عليها فترة وحصل لك الأنس القلبي بها فإنك ستنال في هذا العالم لذائذ من مناجاة الحق لا يمكن مقارنتها بأي من اللذات الأخرى، وهو ما يتجلى بوضوح مـن مطالعة أحوال أهل مناجاة الحق تعالى.
وخلاصة القول: أن على الإنسان أن يدرك عظمة الحقِّ وجماله وجلاله سواء عن طريق البرهان أو ما أثر عن الأنبياء (ع) وأن يجعل قلبه مستحضراً لذلك، وعليه أن يعلّمه الخشوع رويداً رويداً بالتذكّر والتوجه القلبي والمواظبة على ذكر عظمة الحق وجلاله، لكي تتحقق من ذلك النتيجة المرجوة.
وعموماً، فإن على السالك أن يلتزم بجميع تلك الآداب الضرورية وغيرها مما لم يسع ذكرها في هذا المختصر، وأن لا يقنع بالمقام الذي هو فيه، فكل مقام يحصل عليه أمثالنا لا يساوي نقيراً عند أهل المعرفة، ولا يُشترى حتى بحبة خردل من قبل أصحاب القلوب، على السالك أن يكون في جميع الأحوال مستذكراً لنقائصه ومعايبه، عسى أن يُفتح له بذلك سبيل إلى السعادة.
النتيجة
الصلاة التي تكون من أركان الدين وعموده وتنهى عن الفحشاء والمنكر وإذا قبلت قبل ما سواه وغيرها من آثار دينية وأخروية، لا يتحقق من دون الإلتزام ومراعات جميع الآداب الضرورية لها وفي جميع أحوالها.
الهوامش
[1] تعريب لصدر بيت شعر للشاعر جلال الدين الرومي.
[2] النساء، ۱۰۰ .
[3] الإمام الصادق (ع)، مصباح الشريعة في حقيقة العبودية، باب ١٠٠.
[4] إشارة الى حديث قرب النوافل القدسي….: وإنه ليتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته… يُراجع أصول الكافي كتاب الإيمان والكفر ـ باب من آذى المسلمين واحتقرهم، ج2، ص351.
[5] الشريف الرضي، نهج البلاغة، قصار الحكم، الحكمة ۱۰۳، وفيها: إن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماش بينهما، كلما قرب من واحد بعد من الآخر، وهُما بَعدُ ضرتان.
[6] الإسراء، ١.
[7] منسوب الى النبي الأكرم (ص)، راجع الآملي، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، ص٨، ٩٥، ١٢١.
[8] فخر الرازي، التفسير الكبير ج٢، ص417، وفيه: أرنا الأشياء كما هي، والإحسائي، عوالي اللئالي، ج٤، ص١٣٢، وفيه: اللهم ارنا الحقائق كما هي.
[9] البقرة، ٢٦٠.
[10] الشريف الرضي، نهج البلاغة، خطبة ٨٩.
[11] المؤمنون، ۱ و ۲.
[12] الاعراف، ۱۲.
[13] الاعراف، ١٤.
[14] الحديد، ١٦.
[15] فاطر، ۲۸.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
3ـ الإحسائي، محمد، عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، قم، مطبعة سيد الشهداء (ع)، الطبعة الأولى، 1403 ه.
4ـ الآملي، حيدر، جامع الأسرار ومنبع الأنوار، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، 1426 ه.
5ـ فخر الرازي، محمّد، التفسير الكبير، الطبعة الثالثة، 1420 ه.
6ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
7ـ الإمام الصادق (ع)، مصباح الشريعة في حقيقة العبودية، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأولى، 1400 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الخميني، روح الله، آداب الصلاة، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني (قده)، الشؤون الدولية، الطبعة السادسة، 2003 م.