الإيمان بصفات الله تعالى: تنزيه، علم، وقدرة وحياة

الإيمان بصفات الله: تنزيه، علم، وقدرة وحياة

کپی کردن لینک

ثلاثة بحوث يتطرق إليها كتابها في كتبهم حول الإيمان بصفات الله تعالى، الأول: تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثال كما ورد في حديث الإمام الرضا (ع)، والثاني هو إثبات العلم بالصانع، والثالث في إثبات الصانع وصفات الله كالغنى والقدرة والعلم والحياة والإدراك، مما يعكس جمال وعظمة الخالق عز وجل.

1ـ کلام الإمام الرضا في كون الله ليس كمثله شيء

ذكر الشيخ باقر شريف القرشي (ره) في كتابه حياة الإمام الرضا (ع) كلام الإمام الرضا (ع) في كون الله تعالى ليس كمثله شيء:

قال الإمام الرضا (ع): فإن قال قائل: فلم أوجب عليهم الاقرار بالله بأنه ليس كمثله شئ؟ قيل: لعلل منها:

أن لا يكونوا قاصدين نحوه بالعبادة والطاعة دون غيره غير مشتبه عليهم أمر ربهم وصانعهم ورازقهم ومنها انهم لولا يعلموا أنه ليس كمثله شئ لم يدروا لعل ربهم وصانعهم هذه الأصنام التي نصبها لهم آباۆهم والشمس والقمر والنيران إذا كان جائزا ان يكون عليهم مشتبه وكان يكون في ذلك الفساد وترك طاعاته كلها وارتكاب معاصيه كلها على قدر ما يتناهى إليهم من اخبار هذه الأرباب وأمرها ونهيها.

ومنها: أنه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أن ليس كمثله شئ لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والتغيير والزوال والفناء والكذب والاعتداء ومن جازت عليه هذه الأشياء لم يۆمن فناۆه ولم يوثق بعدله ولم يحقق قوله وأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفي ذلك فساد الخلق وابطال الربوبية…[1].

ذكر الإمام علي الرضا (ع) في هذه المقطع العلل الوثيقة التي توجب على العباد الايمان بأن الله تعالى ليس كمثله شئ ولا شبيه له، إذ لو كان له مثل لجرى عليه تعالى ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والفناء وغير ذلك، وفي ذلك فساد الخلق وابطال الربوبية[2].

2ـ في إثبات العلم بالصانع

قال المحقق الحلي (ره) في كتابه المسلك في أصول الدين، حول إثبات العلم بالصانع:

والدليل على ذلك أن الأجسام محدثة، وكل محدث فله محدث، وقبل تقرير هذه الحجة، لا بد من بيان المراد بالألفاظ التي اشتملت عليها، وما يتعلق بها تقريبا، فالجسم هو الطويل العريض العميق، والجوهر هو الحجم الذي لا ينقسم[3]، والمحدث هو الذي لوجوده أول، والقديم عكسه.

والعرض ما وجد في الجوهر من غير تجاوز[4]، والحركة هي زوال الجوهر من محاذاة إلى أخرى[5]، والسكون حصول الجوهر في محاذاة أزيد من وقت واحد، والاجتماع تماس جوهرين، والافتراق عكسه، والكون هو حصول الجوهر في المحاذاة[6].

إذا عرفت هذا فنقول: الدلالة على المقدمة الأولى هي أن الأجسام لم تسبق الحوادث المتناهية، وكل ما كان كذلك فهو محدث، أما أنها لم تسبق الحوادث، فلأنا نعني بها الكون المطلق، وقد بينا أنه عبارة عن الحصول في المحاذاة، وينقسم إلى الحركة والسكون بالمزايلة واللبث، وبالضرورة أن الجسم بعد وجوده يستحيل أن يخرج عن المحاذاة، ثم هو إما لابث، وهو الساكن، أو منتقل وهو المتحرك، وبيان أن هذه الأمور زائدة على الجسم أنها تزول مع بقاء الجسم، ويقدر عليها من لا يقدر عليه.

وأما بيان حدوثها فلأنها يجوز عليها العدم، والقديم لا يجوز عليه العدم، أما جواز عدمها فلأن الأجسام متساوية في الجسمية، فلو وجب لبعضها أن تكون متحركة أو ساكنة، لوجب في الكل كذلك، لكنه باطل، إذ كل جسم يصح اختلاف[7] الحركة والسكون عليه، وأما أن القديم لا يجوز عليه العدم، فلأن القديم إن كان واجب الوجود استحال عدمه، وإن كان جائز الوجود كان المؤثر فيه واجب الوجود، إما بمرتبة أو مراتب، لاستحالة التسلسل والدور، ويلزم من بقائه بقاء معلوله، لاستحالة أن يكون أثرا لمختار[8].

وأما بيان أن هذه الحوادث متناهية، فلأن صدق الحدوث على آحادها يستلزم صدقه على نوعها، إذ النوع لا يتحقق موجودا في الخارج منفكا عن شخص، ولأن كل واحد منها مع فرض حدوثه مسبوق بعدم لا أول له، فمع فرض أن لا بداية تكون الأعدام مفروضة، فإن لم يحصل من آحادها شئ عند ذلك الفرض فهي متناهية، وإن حصل لزم السابق والمسبوق وهو محال.

وأما أن ما لم يسبق الحوادث المتناهية فهو حادث فضرورية، وإذا ثبت حدوثها ثبت أن لها محدثا أحدثها لأنها حدثت مع جواز أن لا تحدث، فلو حدث من غير محدث لحدث الجائز من غير مؤثر وهو محال، وإنما قلنا: إنها حدثت مع الجواز، فإنه لو وجب حدوثها لم تكن بأن تحدث في ذلك الوقت بأولى من غيره، فكان يلزم قدمها، أو الترجيح من غير مرجح[9].

3ـ في الصانع وصفات الله

قال الشيخ منتجب الدين الراوندي (ره) في كتابه عجالة المعرفة حول الصانع تعالى وقدرته وبقية صفات الله: لما ثبت أن المتغير محتاج، والعالم – بجميع أجزائه وتركيبه – متغير فهو محتاج، والمحتاج لا بد له من محتاج إليه، وهو صانعه.

مسألة في غناه، ووجوبه، وقدرته: ولما ثبت هذا، فلا بد أن يكون هو غنيا من كل وجه: إذ بينا أن الحاجة علة لإثبات المحتاج إليه، فهو – بذاته – مستغن كل شئ، فيكون واجب الوجود بذاته، وكل شئ سواه يحتاج إليه، وإذا كان مؤثرا، فلا بد أن يكون وجه يصح أن يفعل ويصح أن يفعل، ويصح أن لا يفعل، وهذا معنى كونه قادرا.

مسألة في علمه: من صفات الله العلم، ولما ميز بين أجزاء الأفعال، وقصد بعضها دون بعض، وركبها على وجه تصلح للنفع، واستمر ذلك منه، لما دل على كونه عالما.

مسألة في حياته، ووجوده: ولما علم أنه عالم قادر، ثبت أنه حي موجود، إذ يستحيل تصور عالم قادر غير حي، ولا موجود، على أنا أثبتنا – أولا – وجوب وجوده، وإذا كان الممكن المحتاج موجودا، فواجب الوجود – الذي لا يحتاج إلى غيره – بالوجود أولى.

مسألة في الإرادة، والاختيار: ويتفرع من كونه حيا، وعالما أنه لا بد أن يعلم الأشياء كما هي، إذ لا اختصاص لكونه عالما بمعلوم دون معلوم، فيعلم ما يفضي إلى صلاح الخلق، وما يؤدي إلى فسادهم، فيختار ما يفضي إلى صلاحهم، ويعبر عنه بالحسن، ولا يختار ما يؤدي إلى فسادهم، وهو القبيح، ثم ذلك الاختيار، لا يخلو: إما أن يتعلق بفعله، أو بفعل غيره:

فما يتعلق بفعله يكون علمه بحسنه داعيا إلى فعله، فيسمى مريدا، وما يتعلق بفعل غيره، يعلمه أن صلاحه في بعض، وفساده في بعض، فيكون إعلامه، أمرا ونهيا، وخبرا، ويسمى كارها، إذا تعلق علمه بقبح شئ، ويصرفه علمه عنه، أو ينهى عنه غيره.

مسألة في الادراك: وعلمه – أيضا – يتعلق بالمعدوم والموجود: فما يتعلق بالمعدوم يسمى كونه عالما، فحسب، وما يتعلق بالموجود المدرك يسمى كونه مدركا.

والسمع ورد بأن يوصف – تعالى – بكونه: مدركا سميعا، بصيرا، وإلا، فقد كفانا إثبات كونه عالما بجميع المعلومات أنه يعلم المدركات، والمسموعات، والمبصرات، إذ ليس إدراكه لشئ منها من جهة الحاسة.

مسألة في القدم ولوازمه: وإذا ثبت أنه تعالى واجب الوجود من كل وجه، فلا يتوقف وجوده على غيره، فلا يحتاج إلى فاعل، ولا شرط، ولا علة، ولا زمان، ولا مكان، ولا غاية، ولا ابتداء، ولا انتهاء؛ لأن هذه الأشياء غيره، وقد قررنا أنه لا يحتاج إلى غيره، فيكون قديما – موجودا أزلا، إذ هو عبارة عما لا أول له، ولا يزال، إذ هو عبارة عما لا آخر له -: إذ لو توقف وجوده على الابتداء والانتهاء، لبطل وجوب وجوده، وقد ثبت وجوبه.

مسألة في التوحيد ولوازمه: وإذ قد ثبت وجوب وجوده، فهو واحد من كل وجه، لا ثاني له: لأنه لو كان له ثان واستغنى عنه من كل وجه، لما استغنى عنه في العدد، وهو كونهما اثنين، وقد فرضناه غنيا من كل وجه، وأيضا: لما تميز الواحد من اثنين، إذ كان من كل وجه مثله، فبماذا يتميز منه؟! وأثبات ما لا يتميز يفضي إلى الجهالات.

وكما لا ثاني له، فلا جزء له: لأنه لو كان له جزء، لاحتاج إلى ذلك الجزء، فيكون محتاجا إلى غيره، وقد فرضناه غنينا من كل أحد، فقد ثبت أنه واحد لا ثاني له، ولا جزء له.

مسألة في التنزيه ولوازمه: ولما ثبت غناه وعلمه، فكل ما يجوز على المحتاج لا يجوز عليه: فلا يحتاج إلى الجهة، ليشغلها، فلا يكون جوهرا، ولا إلى التركيب، فلا يكون جسما، ولا إلى المحل، فلا يكون عرضا، ولا إلى الزمان، إذ قد ثبت قدمه، فبطل عدمه، ولا إلى المكان، إذ هو من لواحق الجسم.

ولا يختار إلا ما هو صلاح العباد، لأنه لا يحتاج إلى فعله، فلا بد من أن يكون قد خلق الخلق لغاية تؤدي إليها حكمته، وتلك الغاية تكون كمال خلقه، والطريق إلى ذلك الكمال لا يخلو: إما أن يفعله هو، وأن يعلمنا الطريق إليه:

وما يفعله هو، لا يخلو: إما أن يفعله – أولا – لا من شئ، ويسمى ذلك الفعل مخترعا، أو يخلق شيئا من شئ، وهو المتولد، والمخترع يكون مبدأ المتولد، لأنه لا بد وأن يبتدئ أولا، ثم يخلق منه شيئا.

فقد عرفت – حينئذ – أن الملائكة ملأ خلقهم الله تعالى لا عن شئ، لما علم أن كنه قدرة البشر لا يبلغ أدنى أثر، جعل الملائكة واسطة المتولدات، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه: من حملة عرشه وسكان سماواته والذاريات والمرسلات وغيرهم، ممن لا يعلمهم إلا الله تعالى كما قال: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ[10]، والمقصود من هذا: أن العبد لا يصل إلى كماله ونجاته إلا: إما بفعله، كخلقه[11].

الاستنتاج

تستنتج من هذه المقالة عدة نقاط رئيسية تتعلق بعقيدة التوحيد وصفات الله تعالى. أولاً، يؤكد الإمام الرضا (ع) على أن الله ليس كمثله شيء، مما يعزز فكرة تنزيه الله عن الصفات البشرية، ثانياً، يُثبت المحقق الحلي أن كل محدث يحتاج إلى محدث، وبالتالي يستدل على وجود الله كخالق أول، وثالثاً، يُظهر الشيخ منتجب الدين الراوندي أن الله غني وعالم وقادر، مما يعني أنه لا يحتاج إلى أي شيء أو شخص آخر، وأخيراً تنبه المقالة إلى أن من صفات الله أنه واحد لا شبيه له، وهذا يعزز إيمان العباد بأهمية التوحيد في حياتهم.

الهوامش

[1] الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج2، ص103.

[2] القرشي، حياة الإمام الرضا (ع)، ج2، ص12.

[3] يراد بالجوهر أحد أمور أربعة، الأول: المتحيز الذي لا يقبل القسمة، هذا على قول من يثبت الجوهر الفرد المسمى بالجزء الذي لا يتجزأ….

[4] قال علم الهدى (ره) في رسالة الحدود والحقائق: العرض: ما يوجد في الجواهر من غير تجاوز احترازا عن وجود المظروف في الظرف.

[5] قال السيد الشريف في التعريفات: الحركة: الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج، قيد بالتدريج ليخرج الكون عن الحركة، وقيل: هي شغل حيز بعد أن كان في حيز آخر، وقيل: الحركة كونان في آنين في مكانين، كما أن السكون كونان في آنين في مكان واحد.

[6] المحاذاة: الجهة التي يصح أن يشغلها الجوهر، كذا في الحدود والحقائق لعلم الهدى.

[7] أي يخلف كل واحد منهما الآخر من باب اختلاف الليل والنهار.

[8] بناء على أن قدم العالم وكونه تعالى مختارا لا يجتمعان.

[9] الحلي، المسلك في أصول الدين، ص39.

[10] المدثر، 31.

[11] الراوندي، عجالة المعرفة، ص30.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ الحلّي، جعفر، المسلك في أُصول الدين، تحقيق رضا الأُستاذي، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، الطبعة الأُولى، 1414ه‍.

3ـ الراوندي، محمّد، عجالة المعرفة، تحقيق محمّد رضا الحسيني الجلالي، قم، تحقيق مؤسّسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1417 ه‍.

4ـ الصدوق، محمّد، عيون أخبار الرضا (ع)، تصحيح وتعليق حسين الأعلمي، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، طبعة 1404 ه‍.

5ـ القرشي، باقر، حياة الإمام الرضا (ع)، قم، انتشارات سعيد بن جبير، الطبعة الأُولى، 1372 ش.