إن الاقتصاد الإسلامي يمثل منهجا متكاملا يسعى إلى تنظيم الحياة الاقتصادية وفقا لمبادئ وقيم دينية وأخلاقية تسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية العامة، ويختلف الاقتصاد الإسلامي عن المذاهب الاقتصادية الأخرى، حيث يركز على تحقيق التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية، ويعتمد على مبادئ مثل الملكية المزدوجة والحرية الاقتصادية المحدودة، مما يضمن حقوق الأفراد ويعزز المسؤولية تجاه المجتمع، من خلال فهم هذه المبادئ، يمكننا استكشاف مزايا الاقتصاد الإسلامي، مثل واقعيته وأخلاقيته، وكيف يُسهم في بناء مجتمع قوي ومتوازن يسعى لتحقيق التنمية المستدامة.
ماذا نعني بالاقتصاد الإسلامي؟
هناك فرق بين المذهب الإقتصادي وعلم الإقتصاد، وهذا التمييز الذي يتيح فهم عنوان الاقتصاد الإسلامي وما المقصود به.
فالمذهب الإقتصادي هو الذي يقدم الطريقة المثلى من وجهة نظره لتنظيم الحياة الإقتصادية على ضوء مجموعة من المفاهيم العامة والتشريعات للوصول الى العدالة المنشودة، وعلى هذا الأساس، فإن وظيفة المذهب هي تقييم وتغيير الواقع، وأما علم الإقتصاد فهو يبحث في الواقع الإقتصادي القائم ليكشف عما يجري فيه، فيحدد قوانينه والعلاقات الاقتصادية القائمة والظواهر وأسبابها، سواء كانت طبيعية كظاهرة تناقص الغلة، أو اجتماعية كظاهرة انخفاض الأسعار.
ويمكن أن يبدأ العلم الإقتصادي من فرضيات فكرية ومذهبية معينة لتوقع سلسلة الأحداث الاقتصادية المترتبة عليها، والاتجاه الاقتصادي العام.
ومن هنا يفهم، أن العلم الاقتصادي يأتي في مرحلة متأخرة عن المذهب الإقتصادي سواء كان قائماً في الواقع أم لا.
وبناءاً على ما تقدم، يتضح أن المقصود بالاقتصاد الإسلامي هو المذهب الاقتصادي وأما علم الاقتصاد الإسلامي فإنه وإن كان من الممكن تشكله في زمن غياب التطبيق الاجتماعي الشامل للإسلام، إلاّ أن نتائجه لن تكون دقيقة، وبالتالي فإننا نحتاج إلى واقع اقتصادي محسوس تجري فيه تجميع الوقائع ودراستها وملاحقات العلاقات القائمة بينها بشكل علمي وموضوعي دقيق لإستنتاج القوانين التي تحكمها. والأمل معقود على تجربة الجمهورية الاسلامية في إيران التي تسعى في هذا السبيل لإقامة المجتمع الاسلامي المعاصر.
مزايا الاقتصاد الإسلامي
يتصف الاقتصاد الإسلامي بمزايا أساسية ثلاثة يمكن ملاحظتها من خلال الكثير من التفاصيل والغايات والوسائل التي تأتي في سياق منهجه لمعالجة الموضوع الاقتصادي وهي:
أولاً: الواقعية
فعلى خلاف العديد من المذاهب الاقتصادية التي تنزع نحو المثالية التي تصل أحياناً الى حد الخيال في غاياتها وأهدافها، كمحاولة الشيوعية إلغاء غريزة الأنانية المركوزة في جبلة الانسان لإقامة مجتمع إنساني جديد لا مكان فيه للتملك، فإن الاقتصاد الإسلامي واقعي في أهدافه وغاياته وفي الوسائل الموصلة إليها، فيلحظ الطبيعة الإنسانية ونوازعها وحاجاتها ويستهدف تحقيقها بأفضل السبل وأيسرها، وبعين هذه الواقعية يحول تشريعاته إلى ضمانات للتنفيذ وتحقيق الأهداف.
فمثلاً حينما يريد الإسلام التوزيع العادل للثروة بين أفراد الأمة فإنه لا يعمل على حرمان الأغنياء من ملكياتهم ومصادرتها (التأميم) وإنما يقدم التشريعات المالية التي تساهم بمجموعها في تحقيق هذا الهدف كتحريم المعاملات الربوية وفرض الخمس والزكاة والكفارات المالية المختلفة ويحث على الانفاق في وجوه الخير ويربط ذلك بالثواب الأخروي ثم يحرم تملك الأرض بدون إحياء ويمنع الاحتكار، وفوق ذلك كله يعطي ولي الأمر صلاحية الإشراف والتدخل في السوق والنواحي الأخرى إذا لزم الأمر. وهو بذلك في نفس الوقت يحدد عملياً معنى الحرية الإقتصادية.
ثانياً: الأخلاقية
إن الاقتصاد الإسلامي يعكس في منهجه القيم الأخلاقية التي يدعو إليها الدين والمتعلقة بالسلوك البشري، فهو إقتصاد أخلاقي بالدرجة الأولى يهتم بالروح بدرجة لا تقل عن إهتمامه بالواقع الموضوعي الخارجي لإقتصاد المجتمع. وهذا ينسجم تماماً مع تشخيصه للمشكلة الاقتصادية.
ففي المثال السابق حينما يريد الاسلام التوزيع العادل للثروة فإنه يسعى ليكون ذلك عن طريق الدافع الذاتي لدى الانسان الطالب لرضا المولى عز وجل، لا بالقوة والإكراه إلاّ في الحدود الضرورية التي لا بدّ منها. لأن الهدف ليس تحقيق الموضوع الخارج كيفما كان وإنما عبر إحياء القيم الأخلاقية والتوجهات النبيلة في المجتمع.
ولا بد من الالتفات الى أن هذا يمثل عامل قوة على المستوى الاقتصادي اليوم نظراً لأهمية العامل النفسي والسلوك المالي والاقتصادي للفرد والجماعة في حصول الأزمات ومواجهتها في الاقتصاديات المعاصرة.
ثالثاً: ربط المصالح الاجتماعية بالدوافع الذاتية
إن أهم المشكلات التي تعترض المذهب الاقتصادي، أياً كان لونه هو في كيفية التوفيق بين المصلحة الاجتماعية الناشئة من علاقة الانسان بالاخرين، وبين دوافعه الذاتية لتحقيقها، للتناقض القائم بينهما في الكثير من الأحيان إذ غالباً ما تتعارض هذه المصالح الاجتماعية مع مصالحه الخاصة الفردية، فينطلق الانسان بقوة هذه الدوافع الذاتية ليعارض كل مصلحة اجتماعية إذا كانت تنتقص من مصلحته الشخصية.
وهنا تبرز أهم ميزة الاقتصاد الإسلامي بوصفه جزءاً من رؤية سماوية كاملة للحياة وهي وجوده ضمن إطار ديني عام يدخر له عوامل التأثير الإيجابي لتحقيق التوافق بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية للإنسان.
فالعقيدة التوحيدية والمفاهيم العامة عن الحياة والكون والعواطف والأحاسيس التي تزخر بها البيئة الاسلامية، مضافاً الى التشريع الديني للمجالات المالية والاجتماعية والسياسية والجزائية وغيرها، كل ذلك يوفر للاقتصاد الاسلامي مجالاً اجتماعياً حياً ومتفاعلاً مع القيم التي ينشدها والأهداف التي يسعى إليها.
وهذا يعني بالضرورة الربط بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية للانسان بأروع صورة حيث تدخل كل مصلحة إجتماعية في مصلحته الدينية ليضيفها الى رصيده الدنيوي أو الأخروي وهناك كثرة في الشواهد القرانية والحديثية على هذا الربط.
فيقول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ عَمِلَ صَالحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابَ[1].
ويقول الله عز وجل: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون[2].
ويقول الله تعالى: ذَلِكَ بأَنَّهُم لاَ يُصيبهُم ظَمَأٌ وَلاَ نَصبٌ وَلاَ مُخْمَصَةٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُون موطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدوٍّ نَّيلاً إلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالحٌ إنَّ اللَّهَ لاَ يَضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنينَ وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وادِياً إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجزِيَهُمُ اللَّهُ أحسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون[3].
وهذا يؤكد حقيقة أن الرسالة الإلهية والدين وحده القادر على حل المشاكل الإنسانية.
وقال عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِينِ حَنِيفاً فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[4].
المبادىء العامة للاقتصاد الإسلامي
يقوم الاقتصاد الإسلامي على مبادىء عامة أساسية تمثل أركانه وخطوطه العريضة التي تميزه عن باقي المذاهب الاقتصادية الأخرى.
أولاً: مبدأ الملكية المزدوجة
لا شك أن ملكية الانسان للأشياء هي ملكية إعتبارية لأن المالك الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى يتصرف فيها كيف يشاء إيجاباً وإعداماً وتغييراً وأعطاءً ومنعاً وغير ذلك من أنحاء التصرفات، لأن المالكية الحقيقية هي من شؤون الخالقية، قال سبحانه وتعالى: وَلَهُ مُلكُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ[5].
ولذا عبر القران الكريم عما بيد الانسان بالاستخلاف تارة كما في قول الله تعالى: امِنُوا بَاللَّهِ وَرَسُولِه وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه[6].
وبالاستعمار أخرى كما في قوله عز وجل: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ واستَعْمَرَكُمْ فِيهَا[7].
وبالإيتاء منه سبحانه وتعالى ثالثة: وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا أَتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسَاً إلاَّ مَا أَتَاهَا[8].
ومسألة التملك احتلت حيزاً هاماً في المذهب الاقتصادي عموماً.
فالرأسمالية تقرر الملكية الفردية الخاصة كمبدأ وقاعدة عامة للتملك في حين أن الملكية العامة استثناء تفرضه الضرورات الاجتماعية.
وأما الاشتراكية فتلتزم بالملكية العامة كأصل في هذا المجال ولا تعترف بالملكية الخاصة إلاّ في ظروف اجتماعية قاهرة واستثنائية.
وأما مذهب الاقتصادي الاسلامي فيتميز عن كلا المذهبين السابقين بإقراره لمبدأ الملكية المزدوجة الذي يعني الملكية بأشكال متعددة ثلاثة هي: الملكية الخاصة وملكية الدولة وملكية العامة، دون أن يعني ذلك مزجاً بين الرأسمالية والاشتراكية، بل على أساس رؤية فكرية أصلية ومستقلة سابقة عليهما، لها مفاهيمها وتشريعاتها الخاصة.
والملكية الخاصة هي: اختصاص الفرد بمال معين بنحو يمنع غيره من الانتفاع به.
وملكية الدولة تعني: تملك المنصب الإلهي في الدولة الاسلامية لمال معين فيعود لولي الأمر حق التصرف في رقبة المال وفقاً للمصالح المسؤولة عنها كالمعادن والنفط.
وأما الملكية العامة فهي: تملك الأمة لمال من الأموال كالأرض العامرة المفتوحة بالجهاد والبحار والأنهار الطبيعية ونحوها.
وقد أثبتت التجربة صحة هذا المبدأ حينما اضطرت الرأسمالية أن تأخذ بفكرة التأميم لبعض المرافق وتمارس تدخلاً واسعاً في الملكية، كما واضطرت الاشتراكية الى إقرار الملكية الخاصة والاعتراف بها وتقنينها فسمحت مثلاً المادة التاسعة من دستور الإتحاد السوفياتي السابق للفلاحين والحرفيين بتملك مشاريع إقتصادية صغيرة إلى جانب النظام الاشتراكي المعمول به في هذه الميادين في حين أن الاقتصاد الإسلامي سالم من هذا التناقض.
ثانياً: مبدأ الحرية الاقتصادية المحدودة
إذا كان المذهب الرأسمالي يطلق حريات الأفراد في الميدان الاقتصادي على أوسع مدى وبدون تحديد، والمذهب الاشتراكي يقيد هذه الحرية الى حد الإلغاء، فإن الاقتصاد الإسلامي قد أعطى للأفراد حرية العمل الاقتصادي، بحدود القيم والضوابط الشرعية التي يدعو إليها إنسجاماً مع الأهداف الالهية في حياة الناس.
وينبع هذا التحديد من أمرين أساسيين:
الأول: التربية الروحية والمعنوية الخاصة التي يربي الاسلام الانسان عليها فيدفعه الى التسابق لفعل الخيرات والانفاق في وجوه الخير وفعل الإحسان، والتي تشكلت عامل قوة للمجتمع الإسلامي حتى مع فقد الحكومة الاسلامية الصحيحة.
والثاني: القاعدة الشرعية التي تنفي حرية الانسان في فعل المعصية وارتكاب الظلم في المجال الاقتصادي ولذا زخرت الكتب الفقهية بما يعرف بالمكاسب المحرمة كالربا والاحتكار والتكسب بالأعيان النجسة والأعمال المحرمة كالنحت والغناء وغيره.
ولضمان صيانة هذه الحرية الاقتصادية للأفراد بالضوابط الشرعية والاخلاقية من جهة، وحماية المصالح العامة للأمة من جهة أخرى كان لولي الأمر حق التدخل والإشراف على النشاط الاقتصادي بصفته السلطة الشرعية الأعلى في المجتمع.
ثالثاً: مبدأ العدالة الاجتماعية
لعل من نافل القول أن هذا المبدأ من المبادىء الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي إذ هو الهدف الأساسي الذي يسعى لتحقيقه ويقيم في نفس الوقت عليه بنيانه. قال الله سبحانه وتعالى: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ[9].
إلاّ أن الاسلام لم يقبل أن يبقيه في الدائرة التجريدية فيقع في محذور التفسير والتأويل المتناقض ويتعرض للتعطيل، بل حدد العدالة الاجتماعية بصورة عملية وتطبيقية من خلال تحقيق فكرتين أساسيتين هما: التكافل الاجتماعي ـ الضمان الاجتماعي ـ والتوازن الاجتماعي الذي يعني نفي الطبقية في المجتمع على صعيد المعيشة مع بقاء باب الإثراء مفتوحاً ضمن الحرية الاقتصادية المحدودة كما ذكرنا. وستتضح هذه الفكرة أكثر مع البحث عن مسؤوليات الحكومة الاسلامية أيضاً.
رابعاً: مبدأ العمل أساس الملكية والحقوق الاقتصادية
لقد مجّد الاسلام العمل وعظّمه واعتبره عزاً للإنسان المؤمن وأنزله منزلة الجهاد في سبيل الله تعالى وأدرجه في جملة العبادات بل وفضّله على كثير منها بقول الإمام علي الرضا (ع): اغْدُ إِلَى عِزِّكَ يَعْنِي السُّوقَ[10].
وعن النبي محمد (ص): الْعِبَادَةُ سَبْعُونَ جُزْءاً أَفْضَلُهَا طَلَبُ الْحَلَالِ[11]، ولذا كانت نظرة الاسلام الى الثروة والعمل إيجابية باعتباره عنصر قوة في حياة الانسان على طريق تحقيقه لأهدافه الكبيرة وصولاً إلى سعادة الاخرة.
قال النبي محمد المصطفى (ص): نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّه الْغِنَى[12]، فانسجاماً مع هذه النظرة للعمل تأسس المبدأ الذي يعطي المشروعية للتملك أو للحق الاقتصادي في الاقتصاد الإسلامي.
فهناك نوعان من الأعمال:
الأول: هو الانتفاع والاستثمار وهو يشكل نشاطاً اقتصادياً ومصدراً للحقوق الخاصة.
والثاني: هو الاحتكار والاستئثار الذي لا يمثل مبرراً للحق وإنما يعتمد على القوة فقط دون أن يكون منتجاً ونافعاً ولذا لا قيمة له.
وعلى هذا الأساس كانت النظرية الاسلامية في استغلال المصادر الطبيعية والتي تقول: إن العامل يملك نتيجة عمله التي يوجدها بجده وطاقته في الطبيعة.
إلاّ أن هذا الحق في التملك يختلف باختلاف النتائج المترتبة على عمله إذ هي على نوعين:
الأول: العمل نتيجة العمل المبذول في المواد الخام وهي الفرصة العامة للإنتفاع بالثروة وبنتيجة تملكه لتلك الفرصة ليكون له الحق في نفس المال كإحياء منجم أو عين ماء أو الصيد ونحوه. فإذا إنعدمت الفرصة التي أوجدها سقط هذا الحق.
الثاني: نتيجة العمل المسؤول في ثروة طبيعية موجودة منذ البدء كإحياء الأرض الميتة فإن العمل هنا لا يوجد الأرض وإنما يوجد فرصة للإنتفاع بها لم تكن موجودة من قبل وهذا ما يعطيه حقاً يمنع الاخرين عن مزاحمته فيها ما دام يواصل الاستفادة منها وهو ما يسمى بحق الأولوية.
على أن هذا الحق إنما يثبت بشرطين هما: أن يكون العمل اقتصاياً، وأن يوجد هذا العمل فرصة جديدة يملكها العامل.
ومما سبق يعلم أن حيازة الثروات المنقولة من الحيوانات والمياه والأحجار وغير ذلك، بما هي عمل انتفاعي بالثروة الطبيعية، هو سبب أصيل مباشر لحق الفرد في تملك هذه الثروة التي حازها، هذا كله في المذهب الاقتصادي الإسلامي.
لكن المذهب الرأسمالي له موقف مختلف حيث يسمح لكل فرد بأن يتملك المصادر الطبيعية مستنداً في ذلك إلى مبدأ الحرية الاقتصادية التي يؤمن بها. ولذا يسمح للفرد أن يملك أية ثروة يتمكن من وضع يده عليها، ولو اعتماداً على القوة المالية المجردة، وبدون أي قيد أو حدّ إلاّ حرية التملك نفسها التي يمنحها للاخرين.
ويمكننا أن نتصور على ضوء ذلك الحالة التي عليها الواقع الاقتصادي الرأسمالي الذي لا تحكمه القيم الاخلاقية والضوابط الدينية من جهة، وتعطى فيه هذا النحو من الحرية في التملك الى أن تصطدم بحرية الاخر من جهة أخرى، لنتوقع بلا شك صراعاً عنيفاً بين القوى المختلفة ومشاريع السيطرة والاحتكار وما يترتب على ذلك من ظلم اجتماعي.
وأما الماركسية فهي أساساً لا تؤمن بحق التملك للفرد سواء في المصادر الطبيعية أو وسائل الانتاج، وتعتبر أن الملكية الخاصة قد أدت دورها في المراحل التاريخية السابقة وخصوصاً في المرحلة الرأسمالية الحديثة، وبالتالي لم يعد لها أي مبرر للوجود.
خامساً: مبدأ تنمية الانتاج
حثّ الاسلام على تنمية الثروة ودعا الى الاستثمار وتنمية الطاقات المادية والمعنوية والإستفادة منها، فقال الله سبحانه وتعالى: فَامشُوا فِي مَنَاكِبَهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ[13].
وعن رسول الله (ص): من بنى بنيانا بغير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرسا بغير ظلم ولا اعتداء، كان له أجرا جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن[14].
ولا شك أن كل المذاهب الاقتصادية تلتزم هذا المبدأ لكنها تختلف في تبني الوسائل والأساليب لتحقيقه تبعاً للرؤية الفكرية الخاصة، فالاسلام لا يقبل الربا وسيلة للتنمية أو وضع اليد على الأرض بدون إحياء وغير ذلك كما أن الرأسمالية لا تقبل بالأساليب التنموية التي تمس الحرية الاقتصادية الفردية المطلقة.
وعلى هذا الأساس فإن المذهب الاقتصادي في الإسلام يستخدم نوعين من الوسائل للتنمية:
الأول: وسائل ترجع الى رؤية المذهب على المستوى الفكري والتشريعي كتعظيم العمل وربطه بالجانب العبادي من حياة المسلم، وكتحريم اكتناز النقود الذهبية والفضية والأعمال غير المنتجة كالسحر والشعوذة والقمار، وتشريع الضمان الاجتماعي.
الثاني: وسائل فنية بحتة لها علاقة بتفاصيل السياسة التي ترسمها بالدولة وكيفية تطبيقها كدراسة الشروط الموضوعية وعمليات الاحصاء والمسح الجغرافي والبشري والمادي، وتحليل الظواهر الاجتماعية وتحديد مستويات المعيشة.
ومما لا بد من التنبيه عليه أن الهدف من تنمية الانتاج في الاسلام هو أن ينتفع الانسان من خلال السيطرة عليه ليرقى في وجوده ويؤدي رسالته في إقامة العدل والكدح نحو الله تعالى، لا أن تكون تنمية الثروة لأجل ذاتها، فإنها تصبح حجاباً بين الانسان وربه وتعطِّل غاية وجوده وهي التي قال عنها الامام جعفر الصادق (ع): أنها رأس كل خطيئة.
الاستنتاج
أن الاقتصاد الإسلامي هو نظام اقتصادي يتجاوز كونه مجرد علم أو مذهب، ليكون إطارا شاملاً يعكس القيم الأخلاقية والدينية، ويتميز بالواقعية، حيث يحترم الطبيعة الإنسانية ومتطلبات الحياة، ويعزز العدالة الاجتماعية من خلال مبادئ مثل الملكية المزدوجة والحرية الاقتصادية المحدودة، ويسعى إلى ربط المصالح الفردية بالمصالح الاجتماعية، كما يشدّد على أهمية العمل كأساس للملكية، ويعزز تنمية الإنتاج بطريقة تتماشى مع القيم الإسلامية.
الهوامش
[1] غافر،40.
[2] ال عمران، 169.
[3] التوبة،120-121.
[4] الروم،30.
[5] الحديد، 2.
[6] طه، 6.
[7] الحديد، 7.
[8] هود، 61.
[9] النساء، 59.
[10] الكليني، الكافي، ج5، ص149، ح7.
[11] الكليني، الكافي، ج5، ص78، ح6.
[12] الكليني، الكافي، ج5، ص71، ح1.
[13] ال عمران، 115.
[14] النوري الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج13، 460، ح15895.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
3ـ النوري الطبرسي، حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، بيروت، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1408 ه.
مصدر المقالة (مع تصرّف)
1ـ الصدر، محمّد باقر، المدرسة الإسلامية، ص121ـ ص131.
2ـ مركز المعارف للتأليف والتحقيق، الاقتصاد الإسلامي، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.