الرضا بالقضاء والقدر وأقسامه، وفهمه الصحيح

الرضا بالقضاء والقدر وأقسامه، وفهمه الصحيح

کپی کردن لینک

تتناول المقالة مفهوم الرضا بالقضاء والقدر، ويُبين المبحث الأول ضرورة القبول بما قدره الله، إذ أن قضاءه دائماً قائم على الحق والعدل، كما توضح المقالة أقسام القضاء والقدر، مثل القضاء العلمي والعيني، وتناقش خصائصهما، وأهمية فهمهما الصحيح، وفي المبحث الأخير تتعرض للفهم الخاطئ الذي يؤدي إلى الاستسلام والكسل، مؤكدة أن العقيدة الصحيحة بالقضاء والقدر لا تعني التخلي عن السعي والعمل.

المبحث الأول: الرضا بقضاء اللّه وقدره

1- قال رسول اللّه (ص): قال اللّه جلّ جلاله: من لم يرض بقضائي ولم يؤمن بقدري فليلتمس إلهاً غيري[1].

2- قال الإمام أمير المؤمنين (ع) لأحد الأشخاص:… وإن كنت غير قانع بقضائه وقدره فاطلب رباً سواه[2].

توضيحات

1- يجب الرضا بقضاء اللّه وقدره، لأنّه تعالى لا يقضي إلاّ بالحق، ولا يقدّر إلاّ ما كان صواباً، ولا يفعل إلاّ ما كان عدلا.

2- إنّ معنى الرضا بالقضاء والقدر الإلهي وفق تفسيره بكتابة اللّه تعالى لأفعال العباد في اللوح المحفوظ وإخباره الملائكة بها هو الرضا بهذه الكتابة والإخبار.

3- إنّ معنى الرضا بالقضاء والقدر الإلهي وفق تفسيره بالأمر والنهي الإلهي هو القبول والاستسلام والإيمان والإذعان بما كلّف اللّه به العباد من أوامر ونواه وأحكام.

4- إنّ معنى الرضا بالقضاء والقدر الإلهي وفق تفسيره بنظام الأسباب يعني الرضا بالنظام الذي اقتضته الحكمة الإلهية وأرادت جريانه في هذا العالم.

5- إنّ اللّه سبحانه وتعالى قضى وقدّر أن يكون الإنسان حرّاً مختاراً في سلوكه، والرضا بقضاء اللّه وقدره لا يعني الرضا بكلّ ما يفعله الإنسان، وإنّما هو الرضا بأنّ اللّه تعالى خلق الإنسان حرّاً ومختاراً في سلوكه وتصرّفاته.

6- لا يعني الرضا بالقضاء والقدر الإلهي أن يتّجه الإنسان نحو التكاسل ويترك الأسباب ويرضى بكلّ ما يجري عليه، لأنّ الإنسان مكلّف بتغيير الواقع السيء الذي هو فيه، ولا يجوز له الاستسلام والقعود عن العمل في الحالات التي يكون قادراً على التغيير.

المبحث الثاني: أقسام القضاء والقدر

التقسيم الأوّل: 1ـ القضاء والقدر العلمي. 2 ـ القضاء والقدر العيني.

القضاء العلمي: وهو عبارة عن علم اللّه عزّ وجلّ بوجود الأشياء وإبرامها، ومعرفته بتحقّقها أو عدم تحقّقها.

القدر العلمي: وهو عبارة عن علم اللّه عزّ وجلّ بخصوصيات ومقدار جميع الأشياء التي ستوجد.

القضاء العيني: وهو عبارة عن ضرورة وجود الشيء في الخارج عند وجود علّته التامّة.

القدر العيني: وهو عبارة عن الخصوصيات التي يكتسبها الشيء من علله عند تحقّقه.

تنبيه: ينسجم هذا التقسيم مع الرأي الثالث للقضاء والقدر، أي: تفسير القضاء والقدر بنظام الأسباب، وأمّا على ضوء الرأي الأوّل، أي: تفسير القضاء والقدر بما يكتبه اللّه في اللوح المحفوظ فمعنى القضاء والقدر مغاير لما ورد في هذا المقام.

التقسيم الثاني: 1ـ القضاء والقدر التكويني: وهو أنّ اللّه تعالى جعل حدّاً محدوداً لما أراد خلقه، ثمّ أوجده وفق ذلك القدر. 2- القضاء والقدر التشريعي: وهو أنّ اللّه تعالى بيّن الأحكام التي يريدها من العباد، وبيّن حدودها ومقاديرها وأمرهم بالالتزام بها.

المبحث الثالث: خصائص القضاء والقدر

1- إنّ القضاء والقدر أمران متلازمان، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، لأنّ أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء[3].

2- إنّ القضاء والتقدير الفعليّين من صفات اللّه الفعلية، لأنّهما يتعلّقان بالموجودات الممكنة، ولا يكون لهما وجود خارجي إلاّ بوجود الخلقة.

3ـ إنّ القضاء والقدر الفعليّين العينيّين مخلوقان للّه تعالى.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع): إنّ القضاء والقدر خلقان من خلق اللّه، واللّه يزيد في الخلق ما يشاء[4].

معنى خلق اللّه للقضاء والقدر: لا تتحقّق أي ظاهرة في الكون، ولا تصل إلى مرتبة الوجود إلاّ بعد توفّر أسبابها وتعيين قدرها من قبل الأسباب، واللّه سبحانه وتعالى هو الخالق للأسباب، فلهذا ينسب خلق القضاء والقدر إليه تعالى.

4- إنّ المألوف والمتداول على الألسنة هو أن يقال: القضاء والقدر، فيقدّم القضاء على القدر، ولكن القدر ـ في الواقع ـ مقدّم على القضاء في مراتب الفعل الإلهي، لأنّ اللّه تعالى يقدّر ثمّ يقضي، ولا يقضي شيئاً إلاّ بعد تحديد قدره.

أدلة تقدّم القدر على القضاء

1- قول الله عز وجل: إِنّا كُلَّ شَيْء خَلَقْناهُ بِقَدَر[5]،  أي: لا يكون قضاء من دون  سبق قدر، وبعبارة أُخرى: إنّ القضاء الإلهي لا يتحقّق ما لم تتكامل المقتضيات وتتمّ المقادير المعيّنة بشروطها.

2- قال رسول اللّه (ص): إنّ اللّه عزّ وجلّ قدّر المقادير ودبّر التدابير قبل أن يخلق آدم بألفي عام[6].

3- قال رسول اللّه (ص): قدّر اللّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة[7].

4- قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): إنّ اللّه إذا أراد شيئاً قدّره، فإذا قدّره قضاه، فإذا قضاه أمضاه[8].

5- إنّ القدر هو تحديد الشيء وتبيين مقداره ومعالمه، ولهذا فهو يدخل في المقدّمات، ولكن القضاء يكون بمثابة النتيجة التي تأتي بعد المقدّمات، ولهذا يكون القدر قبل القضاء.

المبحث الرابع: الفهم الخاطئ للقضاء والقدر

تشويه مفهوم القضاء والقدر

1- حاولت بعض السلطات الجائرة تشويه العديد من المفاهيم الدينية وتفريغها من محتواها الحقيقي ـ منها القضاء والقدر ـ لأسباب ترتبط بخدمة مصالحها السياسية.

2- إنّ بعض وعّاظ السلاطين والسذّج من الدعاة روّجوا المعنى الخاطئ للقضاء والقدر عن طريق مدح الكسل والخمول والتقوقع باسم فضل الزهد والصبر والتوكّل.

3- لا ينبغي القول بأنّ الاختلاف في مختلف العصور الإسلامية حول معنى القضاء والقدر هو اختلاف علمي فحسب، لأنّ المشكلة لا تقتصر على البُعد العلمي فقط، بل المشكلة ـ في الواقع ـ تكمن في مبادرة السلطات الجائرة ـ عن طريق الاستعانة بامكاناتها الضخمة وقدراتها الواسعة ـ إلى ترويج المعنى الخاطئ للقضاء والقدر.

الفهم الخاطئ للقضاء والقدر

إنّ الإنسان مجبور في جميع أفعاله وتصرّفاته بما قضى اللّه تعالى له وقدّر.

تبعات الفهم الخاطئ للقضاء والقدر

1- التلبّس بالعقلية المستسلمة التي تركن إلى الوهن والتكاسل والعجز والخمول نتيجة اعتقادها بالمعنى الخاطئ للقضاء والقدر.

2- وهن العزائم وتثبيط الهمم وشّل الإرادة وتعطيل السعي وبث روح الكسل بالتقاعس عن العمل.

3- تفشّي الانحطاط والتخلّف والفشل في أوساط الواقع الاجتماعي نتيجة إمحاء دواعي السعي من الخواطر وغلّ الأيدي عن العمل.

4- الشعور بالعجز عن الإبداع والاتّكال على الظروف والفرص المحتملة والاستسلام للوضع الراهن من دون المبادرة إلى تغييره.

5- الوقوف مكتوفي الأيدي في وجه الكوارث نتيجة إيثار البطالة والكسل، ومن ثمّ الوقوع في المصائب والنكبات والآلام والضعف والذل.

6- الميل في معظم الأحيان إلى الخرافة والشعوذة بدلا من التمسّك بالأسباب الطبيعية الكامنة وراء الوقائع، وبدلا من البحث عن العلاقات السببية الموجودة بين الظواهر.

7- تفسير التخلّف تفسيراً دينياً على أساس القضاء والقدر، ومن ثمّ تضعيف صلة بعض أبناء المجتمع ـ ولا سيما الشباب ـ بالدين واندفاعهم إلى التخلّي عن الأسس والمبادئ الدينية من أجل نيل التقدّم والاندماج في مسارات التحديث.

8- انتشار الفساد وظهور الكفر وعلو الباطل في الأرض، وغير ذلك من التبعات الناتجة من القراءة المعرفية المغلوطة لعقيدة القضاء والقدر والانسياق وراء الفهم الخاطئ لها.

تنبيهات

1- إنّ عقيدة القضاء والقدر قد امتزجت بالجبر في نفوس بعض المسلمين وينبغي للطبقة الواعية في المجتمع أن تبادر إلى تصحيح هذه العقيدة مما طرأ عليها من مفاهيم مغلوطة.

2- من الخطأ أن يقتصر حديثنا عن القضاء والقدر عند مواقع فشلنا وعجزنا أو عند الحديث عن نجاح الآخرين، في حين لا نرى أيّة إثارة لهذه المسألة عند الحديث عن نجاحنا في العمل.

3- إنّ الفقر والحرمان الناتج من التكاسل عن العمل، وعدم السعي في طلب الرزق هو فقر ناتج من اختيار الإنسان، ولا يحق لصاحبه أن يحمّل هذا الأمر على التقدير الإلهي، لأنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما قدّر الفقر لهذا الشخص المتكاسل لتمسّكه بأسباب الفقر واختياره الحرمان بنفسه.

4- لا يحقّ للإنسان المتكاسل الذي لا يصل إلى أهدافه وآماله نتيجة كسله وخموله أن يلقي اللوم على غيره وأن يسلّي نفسه بكلمات من قبيل: الحظ والصدفة وعدم التوفيق والقضاء والقدر و ….

معالجة الفهم الخاطئ للقضاء والقدر

1- إنّ القضاء والقدر عقيدة قرآنية، ولا يعني وقوع البعض في الفهم الخاطئ لهذه العقيدة المبادرة إلى إلغائها كما تفعل الاتّجاهات العلمانية، بل ينبغي تصحيح هذا المفهوم في الواقع الفردي والاجتماعي وفق ما تقتضيه الحقيقة.

2- إنّ الشريعة الإسلامية واجهت الرؤية الاستسلامية التي تصوّر الإنسان مخلوقاً لا قدرة له على تغيير وإصلاح الواقع الذي هو فيه، وأشارت مراراً إلى قدرة الإنسان على تغيير ما هو عليه عن طريق التمسّك بالأسباب التي جعلها اللّه سبحانه وتعالى وسيلة للتغيير والإصلاح.

3- لو كان قصد الإسلام من تبيين مسألة القضاء والقدر الدعوة إلى الكسل والخمول لما أتعب رسول اللّه (ص) نفسه في الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيله، ولما تحمّل من المشركين ما تحمّل.

للاطلاع على المزيد مما كتبه نفس الكاتب حول هذا الموضوع، يُرجى الضغط على الرابط التالي: 1ـ مسألة القضاء والقدر وأسباب النهي عن الخوض، 2ـ تفسير القضاء والقدر وفق نظام الأسباب الإلهي.

الاستنتاج

أن الرضا بالقضاء والقدر هو واجب ديني أساسي، وتوضح المقالة أن الرضا لا يعني الاستسلام للكسل، بل يتطلب السعي للتغيير واستخدام الأسباب المتاحة، كما تبرز المقالة أقسام القضاء والقدر، مثل القضاء العلمي والعيني، وتؤكد على تلازمهما، وكذلك تتناول الفهم الخاطئ للقضاء والقدر الذي يؤدي إلى الاستسلام والعجز، مشددة على أهمية تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة في المجتمع.

الهوامش

[1] الصدوق، التوحيد، باب60، باب القضاء والقدر و…، ح11، ص360.

[2] الصدوق، التوحيد، باب60، باب القضاء والقدر و…، ح13، ص361.

[3] انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة قضى.

[4] الصدوق، التوحيد، باب 60، باب القضاء والقدر، ح1، ص354.

[5] القمر، 49.

[6] الصدوق، التوحيد، باب 60، باب القضاء والقدر و…، ح22، ص366.

[7] الصدوق، التوحيد، باب 60، باب القضاء والقدر و…، ح7، ص358.

[8] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 3، القضاء والقدر و…، ح64، ص121.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ ابن منظور، محمّد، لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، طبعة 1405 ه‍.

3ـ الصدوق، محمّد، التوحيد، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الحسيني الطهراني، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، بلا تاريخ.

4ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه‍.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه‍.