عناصر الإمام زين العابدين (ع) النفسية

العناصر النفسية في شخصية الإمام زين العابدين (ع)

کپی کردن لینک

لم يخلق الله تعالى فضيلة أو موهبة كريمة تميز هذا الإنسان إلا وكانت من عناصر شخصية الإمام زين العابدين (ع)، ومن سماته الذاتية، فقد تفرّد (ع) بخصال نبيلة، لم يدانيه فيها أحد، حيث كانت نزعاته وعناصره النفسية تجسد سمو الآداب ومكارم التحرج في الدين.

يقول سعيد بن المسيب، وهو من كبار علماء المدينة: ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين، وما رأيته قط إلا مقت نفسي[1].

لقد رفعته (ع) مثله العليا إلى قمة الشرف والمجد التي ارتقى إليها العظماء من آبائه الذين وهبوا حياتهم للإصلاح الاجتماعي، ونتحدث بإيجاز عن بعض عناصره النفسية.

الحلم

أما الحلم فهو من صفات الأنبياء والمرسلين، وهو من أجل صفات الإنسان وأميزها؛ لأنه ينم عن سيطرة الإنسان على نفسه، وعدم خضوعه لأية نزعة من نزعات الغضب والانتقام، وقد عرفه الجاحظ بقوله: إنه ترك الانتقام عند شدة الغضب مع القدرة على ذلك[2].

وكان الإمام زين العابدين (ع) من أعظم الناس حلماً، وأكظمهم للغيظ، وقد ذكر الرواة والمؤرخون بوادر كثيرة من حلمه، كان منها ما يلي:

1- كانت له جارية تسكب يديه الماء إذا أراد الوضوء للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه الشريف فشجّه، فبادرت الجارية قائلة: إن الله يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ.

وأسرع الإمام (ع) قائلاً: كَظَمْتُ غَيْظِي.

وطمعت الجارية في حلم الإمام (ع) ونبله، فراحت تطلب منه المزيد قائلة: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.

فقال (ع) لها برفق ولطف: عَفا اللهُ عَنْكِ.

وأسرعت الجارية قائلة: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3].

وقابلها (ع) بمزيد من اللطف والإحسان قائلاً: إِذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ[4].

2- ومن بوادر حلمه أن وغداً لئيماً استقبله بالسب والشتم بلا سبب، فقابله الإمام زين العابدين (ع) باللطف قائلا له: يا فتى، إِنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا عَقَبَةً كَؤُوداً، فَإِنْ جُزْتُ مِنْهَا فَلَا أُبَالِي بِمَا تَقُولُ، وَإِنْ أَتَحَيَّرُ فِيْهَا فَأَنَا شَرٌّ مِمَّا تَقُولُ…[5].

لقد كان (ع) مشغولاً بعواطفه ومشاعره نحو الله، والفزع من أهوال دار الآخرة التي لا ينجو فيها إلا المتقون، ولم يزعجه هذا الهراء الذي ينم عن نفس قد خسرت الأخلاق والآداب.

3- ومن آيات حلمه أنه خرج من المسجد، فسبه رجل، فأسرع إليه الناس للانتقام منه، فنهاهم (ع) عن ذلك، وأقبل عليه قائلاً: مَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَنْكَ أَكْثَرُ، أَلَكَ حاجَةٌ نُعِينُكَ عَلَيْها؟

وخجل الرجل، وود أن الأرض قد ساخت به، ولما نظر إليه الإمام (ع) أشفق عليه، فألقى إليه خميصة[6] كانت عليه، وأمر له بألف درهم، وقد قلع بذلك من نفس الرجل نزعة الاعتداء على الناس بغير حق، وأعاده إلى طريق الحق والرشاد، فكان إذا رأى الإمام (ع) بادر إليه قائلاً: إنك من أولاد الأنبياء[7].

4- ومن حلم الإمام زين العابدين (ع): أن لئيماً اعتدى عليه فسبه، فأشاح (ع) بوجهه عنه، فانتفخت أوداج اللئيم، وراح يقول له: إياك أعني.

وأسرع الإمام (ع) قائلاً: وَعَنْكَ أُغْضِي.

وتركه (ع) وانصرف عنه، ولم يقابله بالمثل[8].

وقد تميز الرجل غيظاً وغضباً.

5- ومن عظيم حلم الإمام زين العابدين (ع) أن رجلاً افترى عليه، وبالغ في سبه، فقال له: إن كُنا كَمَا قُلْتَ فَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَإِنْ لَمْ نَكُنْ كَمَا قُلْتَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ.

وبهت الرجل، وراح يعتذر من الإمام (ع) قائلاً: جعلت فداك، ليس كما قلت أنا فاغفر لي.

فقابله (ع) ببسمات مقرونة بالرضا والعفو قائلاً: غَفَرَ اللهُ لَك.

وانصرف الرجل وكله إعجاب وإكبار للإمام (ع)، وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء[9].

الصبر

ومن عناصر الإمام زين العابدين (ع) النفسية الصبر على ما ألم به من المحن والبلوى، فمن المقطوع به أنه لم يبتل أحد في هذه الدنيا بمثل ما ابتلي به هذا الإمام العظيم، فقد طافت به (ع) الخطوب والمصائب منذ أن أدرك الحياة إلى أن فارقها.

فقد فجع بوفاة أمه وهو في المرحلة الأولى من طفولته، ولم ينتهل من نـمـيـر حنانها وعطفها.

وشاهد وهو في غضون الصبا لوعة أسرته على فقد جده الإمام أمير المؤمنين (ع) الذي اغتاله المجرم عبد الرحمن بن ملجم.

وما أعقب ذلك من إجبار عمه الإمام الحسن المجتبى (ع) على مصالحة الباغي ابن الباغية معاوية بن أبي سفيان الذي هو وصمة عار وخزي على العالم العربي والإسلامي، فإنه حينما استوى على أريكة الحكم ظهرت نزعاته الجاهلية، وحقده البالغ على الإسلام والمسلمين.

فقد سخر جميع أجهزة دولته على محو الإسلام من خارطة الوجود، واتخذ أشد الاجراءات القاسية ضد أهل البيت (ع)، ففرض سبهم على المنابر والمآذن، كما قام بالتصفية الجسدية لشيعتهم الذين كانوا يمثلون الوعي الديني والسياسي في الإسلام.

ولما أشرف الإمام زين العابدين (ع) على ميعة الشباب فجع بوفاة عمه الإمام الحسن (ع)، فقد اغتاله بالسم (كسرى العرب)[10] معاوية بن هند، وقد ترك ذلك حزناً عميقاً في نفس الإمام (ع) وبقية أفراد الأسرة النبوية، فقد أذهلهم هذا المصاب الجلل.

ومن أعظم المحن التي مني بها الإمام زين العابدين (ع) أنه رأى السيوف الآثمة في صعيد كربلاء، وهي تحصد رؤوس الصفوة من أهل بيت النبوة بصورة مفجعة لم يعهد لها نظير في تاريخ الأمم والشعوب.

وبعد مصرع تلك الكوكبة من دعاة العدالة والحق، أحاط الجناة من أجلاف أهل الكوفة بالإمام زين العابدين (ع)، فأحرقوا خباءه وأخبية عقائل النبوة، وحملوه أسيراً إلى طاغية لئيم وضيع، وهو ابن مرجانة فقابله بالشماتة والازدراء، والإمام صابر قد أوكل أمره إلى الله تعالى.

وبعد ذلك حمل إلى لقيط آخر وهو يزيد بن معاوية، وقد جرت عليه من المحن والخطوب ما تذوب لها لفائف القلوب، وقد تجرع (ع) تلك الآلام القاصمة راضياً بقضاء الله، فأي نفس كانت نفسه وأي ضمير كان ضميره؟

أما نفسه (ع) فإنها قد رجعت عند كل هول عصف بها إلى خالق الكون وواهب الحياة، وأما ضميره فهو الطاهر النقي الذي هو أصلب وأقوى من كل شيء.

العزة والإباء

ومن ذاتيات الإمام زين العابدين (ع) العزة والإباء، فقد ورث ذلك من أبيه سيد الشهداء (ع) الذي مشى إلى الموت بشوق ورغبة في سبيل عزته وكرامته، فقد خيره الزعانف بين السلة والذلة، فاختار السلة، وخاطبهم بقوله: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إعطاء الزَّليلِ، وَلَا أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرارَ الْعَبِيدِ.

وقد تمثلت هذه الظاهرة الكريمة في الإمام زين العابدين (ع)، فقد قال: ما أُحِبُّ أَنَّ لي بِذْلِ نَفْسِي حُمْرَ النَّعَمِ[11].

وقال في عزّة النفس: مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا[12].

ولما حمل أسيراً إلى الشام لم يكلف أحداً من الموكلين بحراسته، كما لم يكلم أي أحد منهم استهانة بهم واحتقاراً لهم.

ويقول المؤرخون: إن أحد أعمامه أخذ منه بعض حقوقه بغير حق، وكان (ع) بمكة، والوليد الذي كان ملكاً قد حضر موسم الحج، فقيل له: لو سألت الوليد أن يرد عليك حقك؟

فقال (ع) لهم هذه الكلمة الخالدة في دنيا الشرف والإباء: أَفِي حَرَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَسْأَلُ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِنِّي أَنفُ أَنْ أَسْأَلَ الدُّنْيا مِنْ خَالِقِها، فَكَيْفَ أَسْأَلُهَا مَخْلُوقاً مثلي[13].

ونقل المؤرخون نوادر كثيرة من عزّته وإبائه، وهي تكشف عن نفس عصية على الذل والضيم.

الشجاعة

فقد كان الإمام زين العابدين (ع) من أشجع الناس وأربطهم جأشاً، فهو ابن الإمام الحسين (ع) الذي هو أشجع من وُلد من صلب آدم.

وكان من شجاعته (ع) النادرة أنه لما أدخل أسيراً على الطاغية عبيد الله بن مرجانة جابهه الطاغية بكلمات التشفي، فأجابه الإمام زين العابدين (ع) بكلمات نارية ملتهبة كانت أشد على الطاغية اللئيم من وقع السيوف وضرب السياط، ولم يحفل الإمام (ع) بسلطانه وجبروته، فاستشاط ابن مرجانة غيظاً، وانتفخت أوداجه، وأمر بقتله، فلم يرتهب الإمام (ع) ولم يفزع، وإنما قال له بكل هدوء: الْقَتْلُ لَنا عادَةً، وَكَرامَتُنَا مِنَ اللَّهِ الشَّهَادَةُ.

ولما أدخل على يزيد بن معاوية قابله الإمام (ع) بكل جرأة، ونعى عليه ما اقترفه من عظيم الجرم، وسد عليه كل ثغرة يسلك منها للدفاع عن نفسه، وتبرير جريمته.

لقد ورث الشجاعة من أبويه علي والحسين اللذين هما من أشجع من خلق الله، فليس في دنيا الإسلام ولا في غيره من يضارعهما في البطولة والبسالة وقوة العزم والصلابة في الدفاع عن الحق.

التجرد من الأنانية

ومن عناصر الإمام زين العابدين (ع) النفسية البارزة التجرد من كل أنانية، فلم يكن لها أي سلطان عليه، وقد نقل المؤرخون عنه نوادر كثيرة تدلّل على ذلك، كان من بينها: أنه إذا أراد السفر سافر مع قوم لا يعرفونه ليقوم بنفسه برعايتهم وخدماتهم، ولا يخدمه أحد منهم، وسافر مرة مع قوم لا يعرفونه، فنظر إليه رجل فعرفه، فصاح بالقوم: ويلكم أتعرفون هذا؟

ـ لا ندري.

ـ هذا علي بن الحسين.

وأسرع القوم نحو الإمام (ع)، وجعلوا يقبلون يديه ورجليه رافعين عقيرتهم قائلين: أتريد أن تصلينا نار جهنم؟ ما الذي حملك على هذا؟

فأجابهم بصوت خافت رقيق النبرات: كُنتُ قَدْ سَافَرْتُ مَعَ قَوْمٍ يَعْرِفُونَنِي فَأَعْطَونِي بِرَسُولِ اللهِ (ص) مَا لَا أَسْتَحِقُ، وَإِنِّي أَخافُ أَنْ تُعْطوني مِثْلَ ذَلِكَ، فَصَارَ كِثْمَانُ أَمْرِي أَحَبَّ إِلَيَّ[14].

وكان من تجرده (ع) من هذه الظاهرة أنه إذا مر بشارع ورأى ما يؤذي السائرين فيه من حجر أو مدر[15] نزل عن دابته، ونحاه بيده الكريمة عن الطريق.

وكان (ع) إذا سار في الطريق على بغلته لم يقل لأحد: الطَّريقَ، ويقول: هُوَ مُشْتَرَكَ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَنْحَي عَنْهُ أَحَداً[16].

لقد تجسدت في هذه النفس العظيمة جميع خصائص النبي (ص) التي امتاز بها على سائر النبيين، والتي كان من أبرزها سمو الآداب ومكارم الأخلاق.

الإحسان إلى الناس

ومن ذاتيات الإمام زين العابدين (ع) الإحسان إلى الناس والبر بهم، فقد كان قلبه الشريف يفيض بالرحمة والحنان عليهم، يقول المؤرخون: فما علم أن على أحد ديناً وله به مودة إلا أدى عنه دينه[17].

وكان (ع) يبادر لقضاء حوائج الناس خوفاً من أن يقوم بقضائها غيره فيحرم الثواب، وقد قال: إِنَّ عَدُوِّي يَأْتِينِي بِحَاجَةٍ فَأُبادِرُ إِلَى قَضائِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْبِقَنِي أَحَدٌ إِلَيْهَا، أَوْ أَنْ يَسْتَغْنِي عَنْهَا فَتَفُوتَنِي فَضِيلَتُها[18].

وبلغ (ع) من عطفه على الناس ما رواه الزهري قال: كنت عند علي بن الحسين فجاء رجل من أصحابه، فقال له: إني أصبحت وعلي أربعمائة دينار دين، ولا أتمكن من قضائها، وعندي عيال، ولم يكن عند الإمام (ع) في ذلك الوقت شيء من المال ليسعفه به، فبكى (ع) وقال:

أَيَّةٌ مِحْنَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ عَلَى حُرَّ مُؤْمِنٍ مِنْ أَنْ يَرِى بِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ خِلَّةٌ فَلَا يُمْكِنُهُ سَدَها، وَيُشاهِدُهُ عَلَى فَاقَةٍ فَلَا يُطِيقُ رَفْعَهَا[19].

السخاء

أما السخاء فكان عنصراً من عناصر الإمام زين العابدين (ع)، ومقوماً من مقوماته، وقد أجمع المؤرخون على أنه (ع) كان من أسخى الناس، وأنداهم كفاً، وأبرهم بالفقراء والضعفاء، وقد نقلوا نوادر كثيرة من فيض جوده وكرمه كان منها ما يلي:

ومرض محمد بن أسامة فعاده الإمام (ع)، ولما استقر به المجلس أجهش محمد بالبكاء فقال له الإمام (ع): ما يُبْكِيك؟

ـ عليّ دين.

ـ كَمْ هُوَ؟

ـ خمسة عشر ألف دينار.

ـ هِي عَلَيَّ.

ولم يقم الإمام (ع) من مجلسه حتى دفعها له[20]، وقد أزاح عنه كابوس الدين وهمه.

ومن كرمه وسخائه أنه (ع) كان يطعم الناس إطعاماً عاماً في كل يوم في يثرب، وذلك في وقت الظهر في داره[21]. ومن فيض جوده أنه (ع) كان يعول بمائة بيت بالمدينة في السر، وكان في كل بيت جماعة من الناس[22]. إن السخاء يدل على طهارة النفس من الشح، وعلى الشعور برحمة الناس، وعلى شكر الله على عطائه.

حنوه على الفقراء

ومن ذاتيات الإمام زين العابدين (ع) وعناصره العطف والحنان على الفقراء والمحرومين والبؤساء، ونعرض لبعض شؤونه معهم:

۱– تكريمه للفقراء: كان (ع) يحتفي بالفقراء، ويرعى عواطفهم ومشاعرهم، فكان إذا أعطى سائلاً قبّله لئلا يرى عليه أثر الذل والحاجة[23]. وكان (ع) إذا قصده سائل رحب به وقال له: مَرْحَباً بِمَنْ يَحْمِلُ زادِي إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ[24]. إن تكريم الفقير بمثل هذا النحو من المودة والعطف مما يوجب تماسك المجتمع، وشيوع المحبة بين أبنائه.

۲– عطفه على الفقراء: كان (ع) كثير العطف والحنان على الفقراء والمساكين، وكان يعجبه أن يحضر على مائدة طعامه اليتامى والأضراء والزمنى والمساكين الذين لا حيلة لهم، وكان يناولهم بيده[25]. كما كان (ع) يحمل لهم الطعام أو الحطب على ظهره حتى يأتي باباً من أبوابهم فيناولهم إياه[26].

3- نهيه عن رد السائل: ونهى الإمام زين العابدين (ع) عن رد السائل وحرمانه من العطاء، وذلك لما له من المضاعفات السيئة التي منها زوال النعمة وفجأة النقمة. فقد روى سعيد بن المسيب قال: حضرت عند علي بن الحسين يوماً حتى صلى الغداة، فإذا سائل على الباب فقال له: أَعْطُوا السّائِلَ، وَلَا تَرُدُّوا السَّائِلَ[27].

روى أبو حمزة الثمالي، قال: صليت مع علي بن الحسين الفجر بالمدينة يوم الجمعة، فلما فرغ من صلاته نهض إلى منزله وأنا معه، فدعا مولاة له تسمى سكينة، فقال لها: لَا يَعْبُرُ عَلى بابي سائِلٌ إِلَّا أَطْعَمْتُمُوهُ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ جُمُعَةٍ.

فقال له أبو حمزة: ليس كل من يسأل مستحقاً.

فقال له: أَخافُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ يَسْأَلُنَا مُسْتَحِقًا فَلَا نُطْعِمُهُ وَنَرُدُّهُ، فَيَنْزِلُ بِنا أَهْلَ الْبَيْتِ مَا نَزَلَ بِيَعْقُوبَ وَآلِهِ. أَطْعِمُوهُمْ، أَطْعِمُوهُمْ، إِنَّ يَعْقُوبَ كَانَ يَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ كَبْشًا فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ وَعِيالُهُ، وَإِنَّ سَائِلاً مُؤْمِناً صَوَاماً مُسْتَحِقَاً، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ اجْتازَ عَلَى بَاب يَعْقُوبَ يَوْمَ جُمْعَةٍ عِنْدَ أَوانِ إِفْطَارِهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ عَلَى بَابِهِ: أَطْعِمُوا السَّائِلَ الْغَرِيبَ الْجائِعَ مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ، وَهُمْ يَسْمَعُونَهُ وَقَدْ جَهِلُوا حَقَّهُ، وَلَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ.

فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ وَغَشِيَهُ اللَّيْلُ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ، وَباتَ طَاوِياً يَشْكُو جَوْعَهُ إِلَى اللَّهِ، وَباتَ يَعْقُوبُ وَآلُ يَعْقُوبَ شِباعاً بطاناً، وَعِنْدَهُمْ فَضْلَةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ.

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى يَعْقُوبَ فِي صَبِيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ: لَقَدْ أَذْلَلْتَ عَبْدِي ذِلَّةٌ اسْتَجْرَرْتَ بِهَا غَضَبِي، وَاسْتَوْجَبْتَ بِها أَدبي، ونزولَ عُقوبَتِي وَبَلْواي عَلَيْكَ وَعَلَى وَلَدِكَ.

يا يَعْقُوبُ، أَحَبُّ أَنبيائي إِلَيَّ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيَّ مَنْ رَحِمَ مَسَاكِينَ عِبَادِي، وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَطْعَمَهُمْ، وَكَانَ لَهُ مَأْوَى وَ مَلْجَأَ.

يا يَعْقُوبُ، أَمَا رَحِمْتَ عَبْدِيَ الْمُجْتَهِدَ فِي عِبادَتِهِ، الْقَانِعَ بِالسِّرِّ مِنْ ظَاهِرِ الدُّنْيا. أَمَا وَعِزَّتِي لأُنْزِلَنَّ بِكَ بَلْوايَ، وَلَأَجْعَلَنَّكَ وَوَلَدَكَ غَرَضاً لِلْمَصَائِبِ.

فقال أبو حمزة: فجعلت فداك، متى رأى يوسف الرؤيا[28]؟

قال (ع): في تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي بات فيها يَعْقُوبُ وَآلِهِ شِباعاً، وَباتَ السَّائِلُ الْفَقِيرُ طاوياً جائعاً[29].

إن حرمان الفقير المحتاج، وعدم إسعافه مما يوجب زوال النعمة، وحلول غضب الله، وقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدى بذلك، فلا ينبغي لمن أحب بقاء نعمة الله عليه أن يرد سائلاً أو يحرم بائساً وفقيراً مما هو وديعة في يده.

صدقاته 

وكان من أعظم ما يصبو إليه الإمام زين العابدين (ع) في حياته الصدقة على الفقراء لإنعاشهم ورفع البؤس عنهم، وكان (ع) يحث على الصدقة، وذلك لما يترتب عليها من الأجر الجزيل، فقد قال: ما مِنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى مِسْكِينٍ مُسْتَضْعَفٍ فَدَعَا لَهُ الْمِسْكِينُ بِشَيْءٍ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ[30].

ونعرض إلى بعض ألوان صدقاته:

1- التصدق بثيابه: كان الإمام (ع) يلبس أفخر الثياب، فكان يلبس في الشتاء الخز، فإذا جاء الصيف تصدق به أو باعه وتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر، ويتصدق بهما إذا جاء الشتاء[31]. وكان يقول: إني لأستحيي من ربي أن آكل ثمن ثوب قد عبدت الله فيه [32].

2- التصدق بما يحب: كان الإمام زين العابدين (ع) يتصدق بما يحب، ويقول الرواة: إنّه كان يتصدق باللوز والسكر، فسئل عن ذلك فتلا قوله تعالى: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [33]،[34]. وروى المؤرخون: أنه كان يعجبه العنب، وكان صائماً فقدمت له جاريته عنقوداً من العنب وقت الإفطار، فجاء سائل فأمر بدفعه إليه، فبعثت الجارية من اشتراه منه، وقدمته إلى الإمام (ع)، فطرق سائل آخر الباب، فأمر بدفع العنقود إليه، فبعثت الجارية من اشتراه منه، وقدمته للإمام (ع)، فطرق سائل ثالث الباب، فدفعه الإمام إليه[35].

وقد ضارع بهذه المبرة آباءه الذين قدموا قوتهم ثلاثة أيام متوالية وهم صائمون إلى المسكين واليتيم والأسير فأنزل الله تعالى في حقهم سورة (هَلْ أَتى) التي بقيت وسام الشرف لهم على امتداد الزمن حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

٣- مقاسمة أمواله: قاسم الإمام زين العابدين (ع) أمواله مرتين فأخذ قسماً له، وتصدق بالقسم الآخر على الفقراء والمساكين[36]. وقد ضارع بذلك عمه الإمام الحسن (ع)، فقد قاسم أمواله مرتين أو ثلاثاً.

الاستنتاج

أن الإمام زين العابدين (ع) كان نموذجا فريدا في الفضائل الإنسانية، حيث اتسم بالحلم والصبر والشجاعة والعزة، عُرف بحلمه العميق في مواجهة الإساءة، وصبره على المحن التي واجهته، بما في ذلك فقدان عائلته في كربلاء، كما تميز بكريم سخائه، حيث كان يتصدق على الفقراء في الخفاء ويهتم بمساعدتهم، مما جعله رمزا للعطاء والإحسان، بالإضافة إلى ذلك، كانت شخصيته تجسد سمو الأخلاق والآداب، مما أكسبه احترام الجميع حتى أعدائه، وأصبح مثالًا يُحتذى به في الإنسانية.

الهوامش

[1]  اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج٣، ص٤٦.
[2]  القرشي، موسوعة سيرة أهل البيت (ع)، ج15، ص78، نقلا عن تهذيب الأخلاق، ص19.
[3]  آل عمران، ١٣٤.
[4]  ابن عساكر، تاریخ مدينة دمشق، ج41، ص387.
[5]  المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٦، ص٩٦.
[6]  الخميصة: ثوب أسود مربع.
[7]  ابن كثير، البداية والنهاية، ج٩، ص١٠٥.
[8]  ابن كثير، البداية والنهاية، ج٩، ص١٠٥.
[9]  القرشي، موسوعة سيرة أهل البيت (ع)، ج15، ص79، نقلا عن صفة الصفوة، ج2، ص54.
[10]  منحه هذا اللقب الخليفة الثاني.
[11]  الصدوق، الخصال، ص٢٤.
[12]  الحرّاني، تحف العقول، ص278.
[13]  المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٦، ص٦٤.
[14]  عيون أخبار الرضا (ع)، ج٢، ص١٤٥.
[15]  المدر: الطين الذي لا رمل فيه.
[16]  ابن عساكر، تاریخ مدينة دمشق، ج٣٦، ص١٦١.
[17]  مغنية، الشيعة في الميزان، ص227..
[18]  القرشي، موسوعة سيرة أهل البيت (ع)، ج15، ص85، نقلا ناسخ التواريخ، ج١، ص١٣.
[19]  الصدوق، الأمالي، ص٤٥٣.
[20]  ابن كثير، البداية والنهاية، ج9، ص105.
[21]  اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج3، ص6.
[22]  المجلسي، بحار الأنوار، ج46، ص88.
[23]  الإصفهاني، حلية الأولياء، ج3، ص137.
[24]  المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٦، ص98.
[25]  المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٦، ص٦٢.
[26]  المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٦، ص٦٢.
[27]  الكليني، الكافي، ج٤، ص١٥.
[28]  التي رأى فيها أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين.
[29]  النوري، دار السلام، ج٢، ص١٤١.
[30]  الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج٦، ص٢٩٦.
[31]  ابن عساكر، تاریخ مدينة دمشق، ج٤١، ص٣٩٩.
[32]  الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص366.
[33]  آل عمران، 92.
[34]  المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٦، ص٨٩.
[35]  البرقي، المحاسن، ص٥٤٧.
[36]  الإصفهاني، حلية الأولياء، ج3، ص140.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن عساكر، علي، تاریخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الفكر، طبعة 1415 ه‍.
3ـ ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1408 ه‍.
4ـ الإصفهاني، أبو نعيم، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، القاهرة، دار أُمّ القرى، الطبعة الأُولى.
5ـ البرقي، أحمد، المحاسن، تصحيح وتعليق جلال الدين محدّث، قم، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1371 ه‍.
6ـ الحر العاملي، محمّد، وسائل الشيعة، تصحيح وتعليق الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الخامسة، 1403 ه‍.
7ـ الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1404 ه‍.
8ـ الصدوق، محمّد، الأمالي، قم، تحقيق ونشر مؤسّسة البعثة، الطبعة الأُولى، 1417 ه‍.
9ـ الصدوق، محمّد، الخصال، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الاسلامي، طبعة 1403 ه‍.
10ـ الصدوق، محمّد، عيون أخبار الرضا (ع)، تصحيح وتعليق حسين الأعلمي، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، طبعة 1404 ه‍.
11ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
12ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه‍.
13ـ مغنية، محمد جواد، الشيعة في الميزان، بيروت، دار الشروق، الطبعة الرابعة، 1399 ه‍.
14ـ النوري، حسين، دار السلام فيما يتعلّق بالرؤيا والمنام، بيروت، دار البلاغة، الطبعة الثانية، 1427 ه‍.
15ـ اليعقوبي، أحمد، تأريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر، بلا تاريخ.

مصدر المقالة (مع تصرف)

القرشي، باقر، موسوعة سيرة أهل البيت (ع)، تحقيق مهدي باقر القرشي، النجف، دار المعروف، الطبعة الثانية، 1433 ه‍، ج15، ص77 ـ ص91.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *