خطبة الغدير أساليب البلاغة وملاحن الكلام في الخطاب الديني

خطبة الغدير أساليب البلاغة وملاحن الكلام في الخطاب الديني

کپی کردن لینک

تعتبر خطبة الغدير من الأحداث المحورية في التاريخ الإسلامي، حيث تعكس أهمية فهم الخطاب في سياقها، مما يستدعي استنطاق الكلام وفهم زواياه وملائماته، إن فهم ملاحن الخطاب ومعاريضه يعد أساسياً لتحديد مدلولات الكلام، خاصة في النصوص الدينية، في هذا السياق، سنتناول أهمية حسن فهم الخطاب بشكل عام، ثم سنركز على فهم خطبة الغدير، مستعرضين العناصر التي تعزز من بلاغتها وتأثيرها، وكيفية استيعابها بشكل دقيق من قبل المخاطبين.

1ـ أهمية حسن فهم الخطاب 

إن من أهم العناصر الدخيلة في فهم الموقف الصحيح هي القدرة على استنطاق الكلام وفهم زواياه وملائماته، وتعبر عن ذلك بفهم ملاحن الكلام ومعاريضه.

فخصائص الكلام وأساليبه عناصر معبّرة عن تحديد مدلول الكلام عندما تعرض الشبهة والإبهام، لأن انتقاء المفردات والأساليب تأتي بطبيعة الحال ملائمة لغرض المتكلم ما لم يرتبك في الأداء.

وباب ملاحن الكلام ومعاريضه لهو باب معروف في الأدب العربي.

والمراد بلحن الكلام خصائصه المعبرة عما وراءه من المقاصد والغايات وهو ما يظهر عند العدول والميل في صياغة الكلام عن الأسلوب المسترسل والمعتاد، كأن يقول القائل قولاً يترك فيه التصريح إلى التعريض والإبهام، يقال: لحنت لفلان إذا قلت له قولاً يفهمه عنك وقد يخفى على غيره، قال ابن دريد في كتاب الملاحن: اللحن عند العرب الفطنة، ومنه قول رسول الله (ص): لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته…[1]، أي أفطن لها وأغوص فيها، وذلك أن أصل اللحن أن تريد شيئاً فتوّري عنه بقول آخر.

والظاهر عدم اختصاص معنى اللحن في اللغة بالتورية، بل يعم كل خصوصية في الكلام تعبّر عند التفطن لها عن معنى دقيق، ومنه قول الله سبحانه لرسوله عن المنافقين: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ[2].

فالمراد أن نواياهم التي يضمرونها تظهر على خصوصيات أقوالهم وكلماتهم، ومن ذلك أيضاً ما عن رسول الله (ص) في المتخاصمين: إنما أنا بشر وأنكم تختصمون ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار[3]، فالمراد هو أن يصوغ المرء كلامه على نحو تتم الحجة له، ولا يعطي مأخذاً لخصمه.

وأما المعاريض فهو من التعريض بالشيء، وهو الدلالة على وجه لا يخلو عن خفاء ودقة، ومنه أن يتكلم المرء بكلام يتراءى منه معنى ولكنه يقصد معنى آخر، ولذا قيل: إن في المعاريض المندوحة من الكذب، وقد جاء أن الإمام جعفر الصادق (ع): إنا والله لا نعد الرجل من شيعتنا فقيهاً، حتى يلحن له فيعرف اللحن[4]، وفي نص آخر: لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا[5].

وليس هناك من شك في اختلاف دلالات الكلام في فهمها دون مؤونة أو حاجتها إلى شيء من الفطنة والفقه، وقد ورد عن رسول الله (ص): نصر الله امرأ سمع منا حديثاً حفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه[6]، وقال (ص): نضّر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع[7]، وفي حديث آخر: نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه[8].

وكلما كان المتكلم أكثر بلاغة وإمساكاً بزمام اللغة وأقدر على استخدام الأساليب التعبيرية كانت خصائص كلامه أكثر انسجاماً مع غرضه ومقصده.

وتفريعاً على ذلك: فإن فهم الكلام وخاصة الكلام البليغ يقتضي ارتقاء المخاطب والسامع والناظر في الكلام إلى ما يلائم مستوى كلام المتكلم، ولذلك فإنه متى كان المخاطب بليغاً نابهاً متصفاً بالذوق الأدبي فإنه يستطيع أن يتفطن من خلال تأمل الكلام إلى حقيقة مدلوله، ويستنطقه عما وراءه، بينما يغفل المخاطب العادي عن العناصر الذكية التي يستبطنها الكلام، وقد يحمل المخاطب العادي الكلام على وجه غير ملائم متكلفاً في توجيه خصائصه وأسلوبه بما ليس محتملاً.

وكثيراً ما يجد الناظر في كتب تفسير القرآن الكريم أو شرح الأحاديث تفسيرات غير ملائمة للنص تفقد النص بريقه وبلاغته مما يدل على عدم ارتقاء صاحبها إلى مستوى فهم الخطاب.

عوامل عدم الانتباه إلى المؤدى الدقيق للخطاب

وهناك عدة عوامل لعدم انتباه الناظر في الخطاب إلى حقيقة مؤداه:

1ـ عدم اتصاف الناظر بالذوق الأدبي اللازم لفهم الكلام، وتلك حالة معروفة يكثر وقوعها حتى في أوساط بعض أهل العلم من المفسرين للقرآن الكريم والحديث النبوي كما يظهر بالممارسة والاطلاع.

2ـ عدم انتقال الناظر في الخطاب أحياناً إلى دلالات المفردات والأساليب المستخدمة في الخطاب من جهة تلقي الفكرة الصائبة في منظوره من خارج الخطاب وفق المعهودات الذهنية السابقة، وذلك ضرب من الفهم والتفسير بالرأي.

3ـ حيلولة موانع فكرية ومذهبية دون الفهم الملائم للنص.

ومن نماذج ذلك – على سبيل المثال – ما طرحه بعض المفسرين من المناقش في دلالة آية الولاية على مكانة مميزة للإمام أمير المؤمنين (ع) بدعوى عدم نظر الآية إلى واقعة جزئية، واستند في ذلك إلى التعبير بالجمع: وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[9]، ولم ينتبه إلى أن طبيعة هذا الحدث ـ دفع الزكاة في حال الركوع ـ تلائم كونه واقعة خاصة، والتعبير بالجمع لا ينفي ذلك؛ لأنه أسلوب أدبي يجعل الحالة الخاصة حالة عامة إما تجنباً عن ذكر التركيز على الخصوصية كي لا تثار حساسية الآخرين أو تشويقاً للآخرين للتأسي بهذا الفعل الكريم ليندرجوا في الثناء في الآية إن شاؤوا.

4ـ حجاب الغيبة والتاريخ، والمراد بذلك أنه قد يبتلى الناظر بالتكلف في التعامل مع النص، لأنه لا يشهد النص وتأثيراته في مشاعر الحاضرين على وجه حي، وإنما يتأمله كنص علمي، ولو كان في مشهد النص أو عاشه لانتقل إلى مراميه ودلالاته، ولذلك نجد أن من الناس من إذا أراد أن يتكلم بشيء يثبت عليه دقّق كثيراً في انتقاء المفردات الملائمة، ولكنه إذا نظر في كلام الآخرين لم يعمل هذا التدقيق في مقام فهمها، كما أن من الناس من إذا كان معنياً بالنص ـ بمعنى أن النص يتعرض له ولمنافسه بتلويح أو تعريض في ثناء أو عتاب ـ تحسس من دلالاته وانتقاءاته في المفردات والأسلوب، لكن إذا لم يكن يعنيه النص فإنه لا يجد مثل ذلك.

ولذلك كان تصوّر المشهد على وجه حي، وانتقال المرء بنفسه إلى تاريخ الحدث والخطاب حتى كأنه من حضاره قد يساعد على فهم الدلالات الحقيقية للنص.

5ـ عدم الالتفات إلى حراجة الموضوع وحساسيته في أجواء الخطاب، فإن هذا العامل بطبيعته يؤدي إلى الغفلة عن الانتباه إلى مرامي الخطاب.

والوجه في ذلك أن الكلام يزداد اشتمالاً على الملاحن والمعاريض والدلالات الذكية في الموارد الحرجة والحساسة التي يسعى المتكلم فيها إلى تفهيم الشيء بطريقة ملائمة لا يجرح شعور المخاطبين ولا يثيرهم، فلو أراد الثناء على شخص ممن ينافسه ولا يعتقد به فإنه سينتقي الألفاظ المعبرة عما يريده بحذر.

وكذلك الحال في الموارد المهمة والخطيرة التي يراد فيها التأكيد على أمر تأكيداً بالغاً، فيضطر المتكلم إلى الإطناب في أداء الموضوع باستخدام أدوات متعددة تعطي أهمية هذا الأمر.

وكذلك الحال في موارد مواجهة حالة التشكيك والمشاكسة والتنكر عند المخاطب للمضمون الذي يراد تفهيمه، فيسعى المتكلم إلى اختيار ما يزيل هذا الشك ويرفع الشبهة ويقطع العذر.

ولذلك فإن من المهم في النصوص التاريخية الانتباه إلى ظروف النص وبيئته وانطباعات المجتمع المخاطب به في شأن موضوعه.

وهذا كله مما يجده الباحث بالاطلاع والممارسة والذوق الأدبي.

2ـ فهم خطبة الغدير من خلال ملاحظة العناصر المختلفة

لا شك في أن رسول الله (ص) كان متكلماً بليغاً، يلقي القول في موضعه، ويختار في أدائه المفردات والأساليب المعبرة والمؤثرة، وكان تلميذه الإمام علي بن أبي طالب (ع) كذلك، كما يدل على ذلك تحليل ما أثر عنهما من جمل وأقوال بليغة ومميزة، وقد كان ذلك من جملة العوامل المساعدة على حفظ بعض أقوالهما، لأن النفوس تركز على القول البليغ.

ويجد الناظر في خطبة الغدير أنها خطبة بليغة حقاً، ومحبوكة حبكة قوية تشتمل على استخدام العديد من المفردات والأساليب المعبرة.

ونحن نعرض هذه العناصر في تأمّل مسترسل في خطبة الغدير، وسوف نتأمل دلالة الخطبة على مكانة أهل البيت (ع) في الدين وعقد الولاء الخاص للإمام أمير المؤمنين (ع) في إيضاح لاحق، وإنما المراد هنا الوقوف على أسلوب فهم خطبة الغدير في ضوء القاعدة المتقدمة لفهم الخطاب.

1ـ سوق الحديث على وجه الخطبة

إن رسول الله (ص) لم يتكلم بما أراده على وجه اعتيادي كما كان كثيراً ما يحدث أصحابه وهو بينهم، بل صاغ كلامه على وجه الخطبة، وهو يمثل اهتماماً خاصاً.

والخطبة في المفهوم والنموذج الإسلامي خطاب يوجه إلى جماعة أو جمهور ويبدأ بالبسملة والثناء على الله تعالى، وقد يُعقّب في خطب الرسول (ص) بذكر بعض ما يتعلق بنفسه (ص)، كما يُعقّب في خطب من بعد الرسول (ص) بالثناء عليه (ص)، وقد تشتمل الخطبة أيضاً على الموعظة والتذكرة، ثم يذكر المتكلم غرضه وينهي الخطبة، وتكون الخطبة عادة مؤلفة من جمل عديدة ولا تقل عن ثلاثة أسطر أو يزيد، وخطب رسول الله (ص) فيما يبدو كانت غالباً مختصرة ومركزة، وهذا بخلاف غالب ما أثر عن الإمام أمير المؤمنين (ع) فإنها خطب مفصلة، وذلك ضرب من التدرج الذي يقتضيه اختلاف الزمان.

وأصل الخطبة بالنحو المذكور الذي ساد في الإسلام مقتبس من جملة من سور القرآن الكريم، فإنه تعالى بدأ فيها السور بالبسملة وبالثناء على الله تعالى، فمنها ما بدأها سبحانه بالحمد كسورة الحمد والأنعام، ومنها ما بدأها بالتسبيح كالمسبحات، ومنها ما بدأها بوجه آخر من الثناء كسورة الملك، وربما ذكر سبحانه وتعالى رسوله الكريم (ص) بعد الثناء على ذاته المقدسة كما في سورة الجمعة: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[10].

وقد جرى رسول الله (ص) أيضاً في خطبه على الثناء على الله تعالى بحمده، واتّبعه الإمام أمير المؤمنين (ع) وزاد في كثير منها الثناء على رسوله، وذكر في بعضها – ولو في أثناء الخطبة أو آخرها – الثناء على أهل البيت (ع) أيضاً.

وللكلام على وجه الخطبة جمال خاص، حيث يلقي ذكر الله سبحانه والثناء عليه هيبة على الكلام، ويضفي عليه إيحاءات معنوية وتربوية، ويهيئ نفس المخاطب للإذعان بالحق، وقد كان لهذا الأسلوب وقع مميز في العصر الأول لكونه أسلوباً حديثاً غير شائع أو معهود، ولكن اعتاد عليه الناس في مثل عصرنا هذا فاختلف الأمر بعض الشيء.

وقد ساق رسول الله (ص) كلامه في الغدير سوق الخطبة، فبدأ بحمد الله سبحانه والثناء عليه، ومهّد لما ذكره بالتذكير بأصول الدين من الإيمان بالله سبحانه واليوم الآخر من البعث والحساب والجنة والنار، إلى آخر ما جاء فيها.

ولو شاء النبي محمد المصطفى (ص) لقال قولاً مختصراً كأحاديثه المعتادة، ولم يجعله على وجه الخطبة.

ومن اقتضاءات الخطبة – لا سيما لجمع محتشد بعشرة آلاف وما يزيد عليها. أن يرتقي المتكلم إلى موقع يراه الجميع ويهيمن عليهم، وكان لرسول الله (ص) في مسجده منبر يخطب عليه، وقد جاء في ذكر واقعة الغدير أنه (ص) صنع مكاناً مرتفعاً وارتقاه وخطب بالحاضرين، وهذا يقتضي أن تكون الخطبة في موضع مميز بالنسبة إلى المخاطبين بها.

2ـ تخصيص خطبة الغدير بمكانة أهل البيت والولاء للإمام

أن رسول الله (ص) خصص خطبة الغدير بالحديث عن مكانة أهل البيت (ع) والولاء للإمام علي (ع)، حيث لم يذكر فيها موضوعاً آخر كما كان (ص) قد فعل في خطبة عرفة قبل ثمانية أيام ـ حسب اقتضاء المقام فيها ـ، وهذا أمر ظاهر بالتأمل في سياق خطبة الغدير فإنّ كل ما جاء فيها من ذكر الله تعالى والدار الآخرة والاستشهاد على ذلك إنما كان تمهيداً فيها، كما أن ذكر التمسك بالقرآن الكريم إنما جاء للأمر معه بالتمسك بأهل البيت (ع) حيث جعلهما (ص) قرينين معبراً عنهما بالثقلين، ولذلك قال: إنهما لا يفترقان، حتى لا يظن ظان إن التمسك بالكتاب وحده يقي الأمة من الضلالة.

وفي تخصيص خطبة الغدير بموضوع واحد مزيد اهتمام به وبتركيز الحاضرين عليه حتى لا تتشتت أذهانهم بين المواضيع المتعددة، ويتوزع اهتمامهم وانتباههم بينها، كما أن ذلك يؤدي إلى حفظ مضمونها وعدم سهولة التعامي عنه، بحيث إذا قيل خطبة الغدير انتقل السامع إلى هذا الموضوع، ولو أنه (ص) ذكر عدة مواضيع لأمكن أن يترك موضوع التمسك والولاء وينقل سائر ما اشتملت عليه خطبة الغدير، وقد أصبحت خطبة الغدير فعلاً علماً لذكر مكانة أهل البيت (ع) والولاء للإمام علي (ع) في السيرة والحديث والتراث التاريخي والأدبي والجغرافي، وساعد هذا التخصيص على حفظ خطبة الغدير وموضوعها كما يظهر بملاحظة نصوصها وحكاياتها في السيرة والروايات والأدب.

3ـ إلقاء خطبة الغدير في الاجتماع الجماهيري العام

إن رسول الله (ص) اهتم بإلقاء هذه الخطبة في الاجتماع الجماهيري العام الذي تحضره الألوف من الناس.

وذلك أنه (ص) كان يتحدث في أجواء مختلفة، فهناك ما يتحدث به بعد صلاة الجماعة في مسجده بالمدينة، وهناك ما يتحدث به في خطبة صلاة الجمعة وهي أوسع من صلاة الجماعة إذ يأتيه الرجال من مسافة ثمانية فراسخ، وقد ينادي الصلاة جماعة فيتحدث مع من يحضر فيها.

والملاحظ أنه في شأن موضوع خطبة الغدير لم يكتف رسول الله (ص) بذكر ذلك لبعض أصحابه ممن حضر وبالتعويل على نقلهم للآخرين، ولا اكتفى بمن يجتمع معه عند الصلاة، ولا أجّله إلى بلوغ المدينة ليلقيه هناك، بل جمع المشاركين في هذه المسيرة وهم من أهل المدينة وما حولها ومن أماكن أخرى تقع في طول المسيرة فألقى خطبة الغدير فيهم.

هذا، وفي إلقاء خطبة الغدير في الاجتماع الجماهيري العام مزيد عناية بموضوعها، وهو موقع أهل البيت (ع) في الدين وعقد الولاء للإمام أمير المؤمنين (ع)، كما أنه يقتضي أنه كان أمراً عاماً لا يخص طائفة، ولا يكون محل ابتلاء جماعة فحسب كأهل المدينة مثلاً التي كان الإمام أمير المؤمنين (ع) ساكناً فيها، ويتعرض للعداء والحسد من المنافقين وغيرهم، بل هو شأن عام من شؤون المسلمين يشمل أهل المدينة من المهاجرين والأنصار وسائر المسلمين القاطنين في أنحاء الجزيرة العربية.

4ـ عقد الاجتماع لأجل خطبة الغدير

إن رسول الله (ص) لم يلق خطبة الغدير في اجتماع طبيعي اجتمع فيه الناس لغرض آخر كما في اجتماعات الحج والصلاة مثلاً، بل عقد الاجتماع لأجل إلقاء هذه الخطبة.

بيان ذلك: أن جموع الحجاج وإن كانت مرافقة له بشكل طبيعي، إلا أن رسول الله (ص) جمعها وهي منتشرة ومتفرقة في الطريق ووجهها إلى وادي غدير خم لتتوقف هناك، ولم يكن ذلك على حد خطبته في اجتماعات الحج كيوم عرفة حيث كان الاجتماع طبيعياً تماماً، وهذا الأمر يمثل مزيد اهتمام بالموضوع يستوجب هذا العناء، كما أنه يؤدي إلى شعور الحاضرين بمزيد الاهتمام به، كما يوجب مزيد تركيزهم على هذا الحدث والخطاب، وبذلك يثبت هذا الحدث في ذاكرة الحجاج ويساعد على نقل الخطبة بشكل طبيعي.

5ـ الاهتمام بخصوصية مكان خطبة الغدير

إن النبي الأكرم محمد (ص) لم يلق خطبة الغدير في مكان معتاد كما لو ألقاها في مكة المكرمة قبل أيام في اجتماع الحجاج، أو في المدينة بعد أيام عند الرجوع من الحج، بل ألقى خطبة الغدير في الطريق، وهو أمر غير معتاد، وقد وجه الحجاج إلى مكان مخصوص أصبح علماً للخطبة، وأصبحت الخطبة علماً له وهو غدير خم، فكلما مر المسلمون بهذا المكان أو ذكروه استذكروا خطبة الغدير، وبهذا تميزت عن خطبة عرفة لأنها ألقيت في مكان معهود، وهو وادي عرفات الذي هو محل الوقوف العبادي من أركان الحج، وهذه الجهة – أي كون عرفات محل الوقوف المفروض في الحج – هي السمة الغالبة لهذا المكان.

ويمثّل تخصيص الخطاب بمكان متميز على هذا السبيل مزيد اهتمام بالحدث كما يساعد على تركيز الحاضرين، ويثبت الحادث في ذاكرتهم، وهو ما يجده ويستشعره الباحث بملاحظة هذه الواقعة في السير والروايات والأدب واللغة وكتب البلدان.

كما تساعد خصوصية المكان على حفظ الواقعة والثقة بها لأنها تقى من احتمال الكذب، إذ ليس من المعقول أن يضع الوضاع أن النبي محمد المصطفى (ص) توقف في غدير خم فخطب في الولاء للإمام أمير المؤمنين (ع) من غير أن يكون قد فعل (ص) ذلك.

6ـ المفاجأة بخطبة الغدير

إن النبي محمد المصطفى (ص) جعل من هذه الحادثة مفاجئة.

بيان ذلك: أن الخطاب قد يكون متوقعاً مثل يوم الجمعة أو يوم العيد، وقد يكون مفاجئاً لا يتوقعه حاضروه.

مزايا الخطاب المفاجئ

1ـ أنه يكون له تأثير مميز بالمقارنة مع الخطاب المعتاد، لتأثير عنصر المفاجأة في نفس الحاضرين فيثبت الحادث في الذاكرة ويزيد من وقعه في نفس المخاطب.

2ـ أنه يفوّت التدبير المضاد للخطاب باتفاق جماعة – ممن لا يروق لهم مضمون الخطاب – مثلاً على التشويش عليه كما يقع في هذا العصر أحياناً.

3ـ أنه قد يقي المتكلم من اتهامه بتدبير مسبق لهذا الموضوع.

وقد كان هذا العنصر موجوداً في خطبة الغدير على النحو الأمثل، إذ لم يكن يتوقع أحد أن يخطب النبي محمد (ص) في الطريق، لا سيما أنه (ص) كان قد خطب في أولئك الجماهير الراجعين من الحج أنفسهم في يوم عرفة وفي مناسبات غيرها مثل يوم العيد حسبما ورد في الآثار.

وربما يساعد هذا العنصر على وقاية خطبته (ص) هذه مما وقع في خطبة عرفات التي ألقاها النبي محمد المصطفى (ص) قبل ثمانية أيام من واقعة الغدير، فإنه تطرق فيها إلى الأمر بالتمسك بأهل البيت (ع) وذكر أن الأئمة من قريش وهم اثنا عشر، وربما كان لكلامه بقية في هذا السياق فحدثت الضوضاء وفق الروايات المتفق عليها، وقد كان اجتماع عرفات معلوما لأنه من واجبات الحج، وخطاب رسول الله (ص) فيه قد يكون متوقعا عادة، ولكن خطبة الغدير لم يكن كذلك فلم يستطع أحد التشويش فيها.

كما أن في المفاجأة في خطبة الغدير دلالة أكيدة ـ لمن كان تراوده شكوك في أن يكون النبي محمد (ص) قد نص على الإمام أمير المؤمنين (ع) انحيازا منه (ص) لابن عمه وقومه ـ على أنّه (ص) إنما أُمر من الله تعالى أمرا مفاجئا بما يذكره في شأن أهل بيته (ع) وولاء الإمام أمير المؤمنين (ع)، إذ لو كان ذلك في قبله لرغبته في ابن عمّه كما كان يظنّه بعض أصحابه لم يقع على هذا النحو من المفاجأة وفي اثناء الطريق.

الاستنتاج

أن المقالة تتناول أهمية فهم الخطاب، خاصة في سياق واقعة الغدير، حيث يشدد الكاتب على ضرورة استنطاق الكلام وفهم معانيه العميقة من خلال الملاحن والمعاريض، وتوضح المقالة أن حسن فهم الخطاب يتطلب قدرة على إدراك زوايا الكلام ودلالاته، مما يساهم في تحديد مدلولاته، كما تبرز أهمية خطبة الغدير كحدث محوري، حيث ألقاها النبي محمد (ص) في سياق خاص ومفاجئ، مما زاد من تأثيرها، كما يُظهر المقال كيف أن اختيار المكان والزمان والمضمون يعزز من فهم الرسالة، ويؤكد على دور البلاغة في توصيل المعاني الدقيقة.

الهوامش

[1] لاحظ مثلاً: البخاري، صحيح البخاري، ج3، ص162.

[2] محمد، ۲۹ـ ۳۰.

[3] البخاري، صحيح البخاري، ج8، ص62.

[4] النوري، مستدرك الوسائل، ج17، ص345.

[5] الصدوق، معاني الأخبار، ص۲.

[6] النسائي، سنن النسائي، ج3، ص431.

[7] الترمذي، سنن الترمذي، ج4، ص142.

[8] ابن حنبل، مسند أحمد، ج4، ص80.

[9] المائدة، ٥٥.

[10] الجمعة، ٢.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الأُولى، 1416 ه‍.

3ـ البخاري، محمّد، صحيح البخاري، دار الفكر، طبعة 1401ه‍.

4ـ الترمذي، محمّد، سنن الترمذي، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثانية، طبعة 1403 ه‍.

5ـ الصدوق، محمّد، معاني الأخبار، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، طبعة 1379 ش.

6ـ النسائي، أحمد، سنن النسائي، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأُولى، 1348 ه‍.

7ـ النوري، حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، بيروت، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأُولى، 1408 ه‍.

مصدر المقالة (مع تصرف)

السيستاني، محمد باقر، واقعة الغدير ثبوتها ودلالاتها، الطبعة الثانية، 1444 ه‍، بلا تاريخ، ج1، ص135 ـ ص153.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *