معنى التكليف وأهميته في العقيدة الإسلامية

معنى التكليف وأهميته في العقيدة الإسلامية

کپی کردن لینک

يُعتبر التكليف مفهوما مركزيا في الفكر الديني والعقائدي، حيث يمثل العلاقة بين المكلَّف ومُكَلِّفه، ويبدأ هذا البحث بتوضيح معنى التكليف وأبعاده، متناولًا متعلقات التكليف من علم وعمل، بالإضافة إلى مفهوم حسن التكليف وأهميته في توجيه الأفعال، كما يستعرض وجوب التكليف من الله تعالى للعباد، موضحا الغرض من ذلك وكيفية تحقيقه، وأخيرا يتناول البحث الشروط اللازمة لحسن التكليف، مما يتيح للمؤمن فهم طبيعة التكاليف المفروضة عليه وكيفية الامتثال لها بشكل يتماشى مع التعاليم الإلهية.

المبحث الأوّل: معنى التكليف

معنى التكليف في اللغة: التكليف مأخوذ من الكُلفة، وهو عبارة عن الأمر بما فيه المشقّة[1].

معنى التكليف في الاصطلاح العقائدي: التكليف هو بَعْثُ من تجب طاعته ـ ابتداءً ـ على ما فيه مشقة بشرط الإعلام.

توضيح قيود معنى التكليف

القيد الأوّل: بعث

البعث على الفعل هو الحمل عليه والحثّ عليه بالأمر والنهي.

أقسام البعث

أوّلاً: البعث على الفعل، وهو: 1ـ الواجب: الفعل الذي يجب فعله، 2ـ الندب: الفعل الذي من الأفضل فعله.

ثانياً: البعث على ترك الفعل، وهو: 1ـ المحرّم: الفعل الذي لا يجوز فعله، 2ـ المكروه: الفعل الذي من الأفضل عدم فعله.

تنبيهان: 1- إنّ التكليف ـ بصورة عامة ـ ينبغي أن يكون بعثاً على ما يستحق فعله المدح، من قبيل فعل الواجب والمستحب وترك القبيح، وعلى هذا يخرج المباح، لأنّ فعله أو تركه لا يستحق المدح، 2- إنّما ورد في تعريف التكليف كلمة بعث ليندرج في هذا التعريف: الإرادة والأمر والإلزام والنهي والإعلام، فإنّها بأجمعها تشترك في كونها باعثة.

القيد الثاني: من تجب طاعته

يدخل بهذا القيد من تجب طاعته من قبيل اللّه تعالى والنبي (ص) والإمام (ع) والوالدين والسيّد والمنعم، ويخرج من لا تجب طاعته، لأنّ بَعث غير واجب الطاعة لا يسمّى تكليفاً.

القيد الثالث: الابتداء

يكون التكليف بهذا القيد محصوراً بطاعة اللّه تعالى فقط، لأنّ البعث الإلهي هو البعث الوحيد الذي يكون من جهة الابتداء، وغيره تابع له، ولهذا لا تسمّى أوامر ونواهي النبي والإمام ومن تجب طاعتهم من العباد تكليفاً، لأنّ طاعتهم متفرّعة عن طاعة اللّه تعالى، فلا يعتبر بعثهم على ما أمر به اللّه تعالى تكليفاً، مثال: لا يسمّى بعث وأمر الوالد ولده على الصلاة تكليفاً لسبق بعثه تعالى وأمره بها، وإنّما يقال للوالد: أمر ولده بها، ولا يقال: هذا تكليف من الأب لولده.

القيد الرابع: المشقّة

يتمّ بهذا القيد الاحتراز عما لا مشقة فيه، لأنّ ما لا مشقة فيه لا يسمّى تكليفاً.

تنبيهات: 1- ورد قيد المشقّة في تعريف التكليف، لأنّ التكليف مأخوذ من الكلفة ـ وهي المشقّة ـ فلابدّ من اعتبارها، 2- ليس المراد من المشقّة العسر الذي يؤدّي إلى نفي الحكم، بل المراد ما يوجب الزحمة، ويحتاج فعله إلى مؤونة.

3- قد استشكل البعض بأنّ جملة مما تشتهيه النفس من قبيل النكاح وتناول الطعام يقع في دائرة التكليف، وهو ليس فيه مشقة، فكيف أصبحت المشقّة من لوازم التكليف؟ الجواب: إنّ المشقة الموجودة في هذا المقام عبارة عن اقتصار النفس على النكاح والطعام الحلال وترك الحرام، وردع النفس عن تلبية الهوى واتّباع الشهوات.

القيد الخامس: الإعلام

يشترط في التكليف إعلام المُكلَّف ما كُلِّف به، لأنّ البعث الفاقد للإعلام لا يسمّى تكليفاً، وبعبارة أُخرى: إنّ التكليف لا يكون تكليفاً لأحد إلاّ بعد إعلامه بما كُلِّف به، وإنّ المكلَّف لا يكون مكلّفاً إلاّ بعد إعلامه بما يُطلب منه.

تنبيهان: 1- إنّ اشتراط الإعلام لا يرتبط بحقيقة التكليف، بل يعتبر شرطاً من شروط القيام بالتكليف، 2 ـ إنّ اللّه تعالى يعلم العباد بتكاليفهم عن طريق: أوّلاً: تكميل عقولهم، ليمكنهم الاستدلال بها، ثانياً: إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية إليهم.

المبحث الثاني: متعلّق التكليف

ينقسم متعلّق التكليف إلى علم وظن وعمل:

أوّلاً: علم، وهو ينقسم نتيجة لحاظ مصدر العلم إلى: 1ـ عقلي، 2ـ شرعي، 3ـ عقلي شرعي، توضيح ذلك:

1- عقلي: وهو أن يكون متعلّق التكليف علماً يتمّ الحصول عليه عن طريق النظر والاستدلال ونحوها مما يستقل العقل بحكمه، مثال: التكليف بمعرفة اللّه تعالى وصفاته.

2- شرعي: وهو أن يكون متعلّق التكليف علماً يتمّ الحصول عليه عن طريق الشرع، لأ نّه يكون مما لا يستقل العقل بدركه، مثال: التكليف بمعرفة الأُمور الشرعية، أي: العلم بالواجبات والمحرّمات والمستحبات، والمكروهات والمباحات التي يعلم الإنسان بها عن طريق الشرع، ومنه أيضاً العلم بوجود الملائكة وتفاصيل البرزخ والمعاد وكلّ الاُمور الغيبية.

3- عقلي شرعي: وهو أن يكون متعلّق التكليف علماً يتمّ الحصول عليه عن طريق العقل والشرع، مثال: التكليف بمعرفة وحدانية اللّه تعالى.

ثانياً: ظن، وهو أن يكون متعلّق التكليف ظناً أقيم الدليل على اعتباره، مثال: التكليف ـ في بعض الموارد ـ بظواهر الكتاب والأخبار الآحاد والبيّنة ونحوها.

ثالثاً: عمل، وهو ينقسم إلى:

1ـ عقلي: وهو أن يكون متعلّق التكليف عملا يأمر العقل به أو ينهى عنه، مثال: وجوب شكر المنعم والإنصاف والإحسان وبرّ الوالدين وردّ الوديعة.

2- شرعي: وهو أن يكون متعلّق التكليف عملا يأمر الشرع به أو ينهى عنه، مثال: فعل العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد وغيرها من الأعمال الشرعية.

المبحث الثالث: حسن التكليف

وجه حسن التكليف: إنّ التكليف حسن، لأنّه يشتمل على مصلحة، وهذه المصلحة هي التعريض لنفع عظيم لا يمكن الحصول عليه إلاّ عن طريق التكليف، وهذا النفع هو الثواب.

معنى التعريض: إنّ التعريض في التكليف هو جعل المُكلَّف بحيث يتمكّن من الوصول إلى الثواب الذي عُرِّض له، ويكون التعريض للشيء في حكم إيصاله.

تنبيهات

1- لا يمكن القول بأنّ التكليف حسن لكونه شكراً للمنعم، لأنّ الشكر لا يشترط فيه المشقّة، ولكن التكليف فيه مشقّة.

2-لا يشترط في التكليف المراضاة بين المُكلِّف ـ وهو اللّه تعالى ـ وبين المكلَّف ـ وهو الإنسان أو غيره من المكلَّفين ـ، لأنّ مقدار النفع الذي أعدّه اللّه تعالى لمن يلتزم بالتكليف يبلغ حدّاً يكون الممتنع عنه سفيهاً عند العقلاء، ولهذا لا يشترط المراضاة في هذا المجال.

3- إنّ حسن التكليف عام يشمل المؤمن والكافر، لأنّ فائدة التكليف هي التعريض للثواب وإراءة طريق السعادة، وهذه الفائدة ثابتة في حقّ الكافر كما هي ثابتة في حقّ المؤمن، وإنّ المؤمن والكافر متساويان في التعريض للثواب والنفع، إلاّ أنّ خسران الكافر من سوء اختياره.

بعبارة أُخرى: إنّ صيرورة التكليف وبالٌ ومفسدةٌ على الكافر ناشئة من اختياره، لا من نفس التكليف، مثال: لو أنّ طبيباً: أخبر شخصاً بما يضرّه ويفني حياته، وأمره بالاجتناب عنه، وأخبره بما ينفعه ويبقي حياته، وأمره بتناوله أو فعله، فإنّ هذا الطبيب سيكون محسناً في حقّ هذا الشخص.

فإذا خالف هذا الشخص أوامر الطبيب، وفعل عكس ما أمره، ثمّ تضرّر أو هلك، فإنّ الطبيب لا يكون مسيئاً في حقّه، بل يكون هذا الشخص هو السبب في إلحاق الضرر والهلاك بنفسه نتيجة سوء اختياره ومخالفته لأوامر الطبيب.

المبحث الرابع: وجوب التكليف من اللّه للعباد

اتّفقت العدلية على وجوب التكليف من اللّه تعالى للعباد.

تنبيه: لا يخفى بأنّ وجوب التكليف على اللّه تعالى لا يعني فرض الوجوب عليه تعالى من غيره، بل يعني: أنّ الحكمة الإلهية تقتضي ذلك.

أدلة وجوب التكليف من اللّه تعالى للعباد

1ـ إنّ العباد يجهلون الكثير: مما يعود عليهم بالنفع والصلاح، ومما يعود عليهم بالضرر والخسران، ولهذا تقتضي رحمة اللّه تعالى ولطفه أن: يبيّن اللّه تعالى للعباد ما فيه النفع والصلاح لهم، ويرشدهم إلى طرق الخير والسعادة، ويأمرهم باتّباعها، ويبيّن اللّه تعالى للعباد ما فيه الضرر والخسران لهم، ويزجرهم عن طريق الشرّ والشقاء، وينهاهم عن اتّباعها، وهذا هو التكليف.

2ـ إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق الشهوات والميل إلى القبيح في العباد، فلو لم يكلّفهم، فإنّه تعالى سيكون عابثاً أو مغرياً لهم بالقبيح، وذلك لا يجوز عليه تعالى.

3ـ إنّ الغرض الإلهي من خلق العباد هو أن يصلوا إلى الكمال، ويعتبر التكليف هو السبيل الوحيد الذي يصل به العباد إلى هذا الغرض الإلهي، فلولا هذا التكليف لانتقض الغرض الإلهي، ولا يخفى أنّ نقض الغرض قبيح، ولهذا تقتضي الحكمة الإلهية لزوم تكليف العباد.

تنبيه: إنّ العلم باستحقاق المدح على الفعل الحسن لا يكفي لبعث العباد على هذا الفعل، وإنّ العلم باستحقاق الذم على الفعل القبيح لا يكفي لزجر العباد عن فعل القبيح، ولهذا لا يكون المدح والذم بديلا عن التكليف.

بعبارة أُخرى: إنّ الكثير من العباد لا يعبؤون بالمدح والذم، فيرجّحون شهواتهم على مدح وذم العقلاء، ولاسيما مع حصول الدواعي الحسّية التي تكون في أغلب الأحيان قاهرة للدواعي العقلية، ولهذا لا يمكن القول بأنّ المدح داعي والذم زاجر ولا حاجة إلى التكليف، بل التكليف هو السبيل الوحيد لتحفيز العباد على الفعل الحسن، وزجرهم عن الفعل القبيح.

المبحث الخامس: غرض التكليف

إنّ تكليف اللّه تعالى للعباد:

1ـ ليس فيه غرض: وهو محال، لأنّ التكليف لغير غرض عبث، وفعل العبث قبيح، واللّه تعالى منزّه من فعل القبيح.

2 ـ فيه غرض: وهو الصحيح، وهذا الغرض: 1ـ مضرّ: وهو محال، لأ نّه قبيح، واللّه تعالى منزّه من فعل القبيح، 2ـ مفيد: وهو الصحيح، وهذه الفائدة:

ألف ـ تعود للّه تعالى، وهو محال، لأ نّه يستلزم النقص والحاجة في ذاته تعالى، واللّه تعالى كامل وغني في ذاته وصفاته.

باء ـ تعود لغير اللّه تعالى: وهو الصحيح، وهذا الغير هو:

1ـ غير المكلَّف: وهو غير صحيح، لأنّ المكلَّف هو المتحمّل مشقة التكليف، فينبغي أن يكون هو المنتفع لا غيره.

2 ـ المكلَّف: وهو الصحيح، وهذه الفائدة التي يحصل عليها المكلَّف هي:

ألف ـ جلب نفع أو دفع ضرر ـ أي: الحصول على الثواب والاجتناب عن العقاب ـ: وهو غير صحيح، لأنّ الكافر الذي يموت على كفره مكلّف مع أنّ تكليفه لا يجلب له نفعاً ولا يدفع عنه ضرراً.

باء ـ تعريض[2] للنفع وتحذير من الضرر (أي: تعريض للثواب وتحذير من العقاب): وهو الصحيح.

حديث شريف: قال الإمام علي ابن أبي طالب (ع): أيّها الناس! إنّ اللّه تبارك وتعالى لمّا خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنّهم لم يكونوا كذلك إلاّ بأن يعرّفهم ما لهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلاّ بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلاّ بالترغيب، والوعيد لا يكون إلاّ بالترهيب، والترغيب لا يكون إلاّ بما تشتهيه أنفسهم وتلذّه أعينهم.

والترهيب لا يكون إلاّ بضدّ ذلك، ثمّ خلقهم في داره، وأراهم طرفاً من اللذات، ليستدلّوا به على ما ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم، ألا وهي الجنة، وأراهم طرفاً من الآلام، ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة، ألا وهي النار، فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطاً بمحنهم، وسرورها ممزوجاً بكدرها وغمومها[3].

انقطاع التكليف: ينبغي أن يكون التكليف منقطعاً ومحدّداً بفترة زمنية معيّنة، لأنّ التكليف يتبعه الحصول على الثواب الإلهي، ودوام التكليف يوجب عدم إمكان الحصول على ذلك الثواب، فلهذا ينبغي أن يكون التكليف الذي فيه مشقة منقطعاً، ليصل المكلّف بعد ذلك إلى الثواب الذي لا مشقة فيه.

إشكال وردّ: أشكل البعض: إذا كان الغرض الإلهي من تكليف العباد هو أن يعطيهم النفع، فإنّ اللّه تعالى قادر على إيصال هذا النفع إليهم من غير واسطة التكليف، فلهذا يكون التكليف عبثاً، ويرد عليه:

1ـ إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق نظام الأسباب، وهو الذي شاءت حكمته أن تتوقّف بعض الأُمور على البعض الآخر في الواقع الخارجي، ولهذا لا يكون توسّط الفعل من أجل الوصول إلى الغرض عبثاً.

2ـ ليس الغرض الإلهي من تكليف العباد: أن يعطيهم النفع، وإنّما الغرض الإلهي من تكليف العباد: أن يصلوا إلى الكمال، والوصول إلى الكمال على نحوين: أوّلاً: إجباري، ثانياً: اختياري، وبما أنّ الوصول إلى الكمال بالإجبار لا قيمة له، فإنّ اللّه تعالى منح العباد الاختيار، وجعل التكليف سبيلا لتكاملهم.

النتيجة: إنّ الغرض الإلهي من تكليف العباد هو أن يصلوا إلى التكامل الاختياري، ولا يتحقّق هذا التكامل إلاّ عن طريق اختيار الإنسان الكمال بنفسه، وقد جعل اللّه تعالى التكليف سبيلا يصل من خلاله الإنسان باختياره إلى الكمال المطلوب، ولهذا لا يوجد أي عبث في هذا الصعيد.

المبحث السادس: شروط حسن التكليف

شروط التكليف

1ـ وجود المكلَّف، لأنّ تكليف المعدوم عبث.

2ـ انتفاء المفسدة فيه، لأنّ وجودها قبيح.

3ـ تقدّمه على وقت الفعل زماناً يتمكّن فيه المكلَّف من معرفة التكليف والامتثال به بالصورة المطلوبة، لأنّ التكليف يكون في غير هذه الحالة تكليفاً بما لا يطاق، وهو قبيح.

4ـ إمكان وقوعه، لأنّ التكليف بالمستحيل قبيح.

5ـ أن لا يتعلّق التكليف بالمباح، وإنّما يتعلّق بما يستحق به الثواب كالواجب والمندوب وترك القبيح، لأنّ التكليف بما لا يستحق الثواب عبث، وهو قبيح.

شروط المكلِّف

1ـ أن يكون حكيماً ومنزّهاً عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، لأ نّه لو كان فاعلا للقبيح ومخلاًّ بالواجب لجاز تكليفه بالقبائح وإخلاله في إعطاء الثواب إزاء التكليف، وهذا قبيح.

2ـ أن يكون عالماً بحسن وقبح الفعل الذي يكلّف به، لئلا يكلِّف بالقبيح، من قبيل الأمر بفعل القبيح.

3ـ أن يكون عالماً بمقدار الثواب والعقاب الذي يستحقه كلّ مكلَّف عند الطاعة أو المعصية، حتّى لا يكون مضيّعاً لحقّ المكلَّفين.

4ـ أن يكون قادراً على إيصال المستحق حقّه، لأنّ عدم القدرة في هذا المجال تستلزم العجز والظلم، وكلاهما محال على اللّه تعالى.

5ـ أن يكون له غرض في التكليف، لأنّ التكليف من دون غرض قبيح، وقد ذكرنا هذا الأمر في المبحث السابق.

6ـ أن يقوم بتقوية دواعي المكلَّف فيما يكلِّفه[4] بحيث يمكّنه من فعل ما يؤمر به وترك ما يُنهى عنه.

شروط المكلَّف

1ـ أن يكون قادراً على ما يكلَّف به، لأنّ التكليف بما لا يطاق قبيح، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح.

2ـ أن يكون متمكّناً من الأدوات التي يحتاج إليها في أداء ما يُكلَّف به، لأنّ التكليف مع فقدان الأدوات يكون بمنزلة التكليف بما لا يطاق، وهو قبيح.

3ـ أن لا يكون مجبوراً فيما كُلِّف به، لأنّ من شروط التكليف أن يكون الإنسان مختاراً لفعل الخير أو الشر.

4ـ أن يكون عالماً أو متمكّناً من العلم بما كُلِّف به، كما ينبغي أن يكون متمكّناً من التمييز بين ما كلِّف به وبين ما لم يكلّف به، لأنّ التكليف لا يكون إلاّ بعد إقامة الحجّة.

تنبيه: لا يخفى أنّ العلم بالتكليف والتمييز بينه وبين غيره يحتاج إلى كمال العقل، ولهذا يشترط أن يكون المكلَّف كامل العقل.

الجاهل بالتكليف

أقسام الجاهل بالتكليف

1ـ الجاهل القاصر: وهو الذي لم يتمكّن من طلب العلم لمانع أو لقصور في ذاته، 2ـ الجاهل المقصِّر: وهو الذي تمكّن من طلب العلم، ولكنه ترك ذلك عمداً أو إهمالا.

حكم الجاهل بالتكليف

1ـ إنّ الجاهل القاصر معذور عند اللّه تعالى ولا عقاب عليه، لأنّ اللّه تعالى لا يعاقب أحداً إلاّ بعد البيان ووصول البرهان، وقد ورد في أحاديث أهل البيت (ع) بأنّ الذين لم تتمّ عليهم الحجّة في الدنيا يُكلَّفون في الآخرة، ويُحدّد هناك مصيرهم عن طريق ذلك التكليف.

2ـ إنّ الجاهل المقصِّر في معرفة التكليف غير معذور، وهو مسؤول عند اللّه تعالى ومعاقب على تقصيره.

قال الإمام جعفر الصادق (ع) حول قوله تعالى: قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ[5]: إنّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا، قال له: أفلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فتلك الحجّة البالغة[6].

تتمة: إنّ الحجّة ـ عند المتكلّمين ـ هي ما توجب القطع وتفيد العلم وتقطع العذر، وتنقسم الحجّة إلى قسمين: 1ـ باطنية: وهي العقول، 2ـ ظاهرية: وهي الرسل والكتب السماوية، قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): حجّة اللّه على العباد النبي، والحجّة فيما بين العباد وبين اللّه العقل[7].

للاطلاع على المزيد مما كتبه نفس الكاتب حول هذا الموضوع، يُرجى الضغط على الرابط التالي: أدلة التكليف بما لا يطاق، ورأي الأشاعرة حوله

الاستنتاج

أن التكليف هو مفهوم أساسي يحدد العلاقة بين الله والعباد، حيث يشمل أوامر ونواهي تتطلب المشقة والالتزام، ويتعين على المكلَّف أن يفهم متعلقات التكليف، التي تشمل العلم والعمل، وأن يدرك حسن التكليف كوسيلة لتحقيق مصلحة روحية، ووجوب التكليف يعكس رحمة الله وإرشاده للعباد نحو الخير، بينما تكمن أهدافه في التعريض للثواب وتحذير من العقاب، لتحقيق التكليف بشكل صحيح، يجب توافر شروط معينة، مثل القدرة على الامتثال والوعي بالتكاليف.

الهوامش

[1] انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة كلف.

[2] معنى التعريض ـ كما ذكرنا سابقاً ـ هو جعل المكلّف بحيث يتمكّن من الوصول إلى النفع الذي عُرِّض له.

[3] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 15، ح13، ص316.

[4] لا يخفى بأنّ المقصود من تقوية الدواعي هي التي لا تبلغ حدّ الإلجاء والجبر المنافي للتكليف.

[5] الأنعام، 149.

[6] الطوسي، الأمالي، مجلس 1، ح14، ص11.

[7] الكليني، الكافي، ج1، كتاب العقل والجهل، ح22، ص25.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ ابن منظور، محمّد، لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، طبعة 1405 ه‍.

3ـ الطوسي، محمّد، الأمالي، قم، دار الثقافة، الطبعة الأُولى، 1414 ه‍.

4ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.

5ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه‍.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه‍.