أبعاد علم الله تعالى: مفاهيم، خصائص، أقسام

أبعاد علم الله تعالى: مفاهيم، خصائص، أقسام

کپی کردن لینک

يُعتبر علم الله من أبرز صفاته تعالى، حيث يتسم بالكمال والقدرة على إدراك جميع المعلومات دون نقص أو حدود، وتتناول هذه المقالة مفهوم العلم الإلهي، بدءًا من تعريفه ووصولًا إلى خصائصه وأقسامه، وسنستعرض أنواع العلم، مثل العلم الحضوري والعلم الحصولي، ونبين كيف أن علم الله يتجاوز الفهم البشري، فهو علم قديم، شامل، وغير متغير. كما نبيّن كيفية علم الله بالأشياء قبل وبعد وجودها، وسعة علمه التي تشمل كل ما يمكن أن يكون معلوما.

المبحث الأوّل: معنى العلم

العلم: صفة من شأنها كشف المعلومات انكشافاً تامّاً لا يحتمل الخطأ، وتكون هذه الصفة لله تعالى من غير سبق خفاء، قال الشيخ المفيد: العالم بالشيء هو الذي يكون الشيء منكشفاً له حاضراً عنده غير غائب عنه[1].

تنبيه: قال سديد الدين الحمصي: قد حُدّ العلم بحدود ـ أي: عُرِّف العلم بتعاريف ـ لا تصلح، فالأولى أن لا يُحدّ ـ أي: لا يعرّف ـ العالم والعلم[2].

المبحث الثاني: أقسام العلم

القسم الأول: العلم الحضوري، وهو عبارة عن حضور المعلوم عند العالم بواقعيته ومن دون توسّط أيّ شيء، أي: يكون الشيء معلوماً عند العالم بنفسه لا بتوسّط صورته.

نماذج من العلم الحضوري:

1ـ علم الإنسان بذاته.

2ـ علم الإنسان بأحاسيسه ومشاعره.

أقسام العلم الحضوري:

1ـ أن يكون العالِم هو المعلوم، من قبيل علم الإنسان بذاته.

2- أن يكون العالم غير المعلوم، من قبيل علم الإنسان بأحاسيسه ومشاعره.

القسم الثاني: العلم الحصولي، وهو العلم بالشيء عن طريق صورته المنتزعة منه والحاكية عنه، ومعظم علم الإنسان من هذا القبيل، وفيه يعلم الإنسان الأشياء عن طريق انعكاس الصورة الحاصلة منها على صفحة ذهنه.

تنبيهات حول العلم الحصولي:

1ـ الأدوات الحسيّة في الإنسان كلّها، موظّفة في خدمة هذا العلم.

2- يكون الشيء الخارجي في العلم الحصولي معلوماً عن طريق صورته، وتكون الصورة معلومة بذاتها، أي: يكون الشيء معلوماً بغيره ـ بالصورة المطابقة له ـ، وتكون الصورة معلومة بنفسها بالعلم الحضوري.

3- تكون الصورة المطابقة للأشياء في العلم الحصولي هي الوسيلة الوحيدة لإدراك الخارج، ولولاها لانقطعت صلة الإنسان بالخارج.

4- العلم الحصولي في الواقع ليس بعلم حقيقة، وإنّما هو طريق إلى الواقع لمن لم يتمكّن من العلم الواقعي والعيان الحقيقي بالأشياء.

المبحث الثالث: خصائص علم الله

1ـ علم الله تعالى غير حصولي، ودليل ذلك:

أوّلاً: إنّ العالِم بالعلم الحصولي، يحتاج في علمه إلى صورة الشيء الذي يريد أن يعلمه، والله تعالى منزّه عن الاحتياج، فلهذا لا يكون علمه تعالى من قبيل العلم الحصولي الذي يفتقر إلى صورة الأشياء.

ثانياً: إنّ العلم الحصولي علم جزئي، وفيه تغيب بعض أجزاء المعلوم لدى العالم، والله تعالى منزّه عن هذه الجزئية والتبعيض.

2ـ لا يوجد أيّ تشابه بين علمنا وعلم الله تعالى أبداً، لأنّ علمنا مهما كان بديهياً فهو علم محدود، حادث، عارض وطارىء على وجودنا، ولكن علمه تعالى ليس كمثله شيء، وهو علم غير محدود، قديم، ذاتي ولا يشوبه أيّ نقص.

3ـ إنّ العلم من صفات الله الذاتية، قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع): ليس بين الله وبين علمه حدّ[3].

ولهذا: أوّلاً: لا يصح سلب صفة العلم عنه تعالى في جميع الأحوال، ودليل ذلك: نفي العلم عن الله في أيّ حالة من الحالات يوجب المنقصة له تعالى، فلهذا لا يصح نفي صفة العلم عنه تعالى في جميع الأحوال.

ثانياً: لا يصح القول بأنّ علم الله غير ذاته، بل علمه تعالى عين ذاته، ودليل ذلك:

ألف ـ إذا كان علم الله غير ذاته، فسيكون الله عند علمه بالأشياء:

1ـ محتاجاً إلى شيء خارج عن ذاته.

2ـ ناقصاً بذاته ومستفيداً للكمال من غيره، ولكنّ الله منزّه عن الاحتياج والنقص، فلهذا يقتضى تنزيهه القول بأنّ علمه عين ذاته.

ب ـ إذا قلنا بأنّ العلم غير الله، ثمّ قلنا لم يزل الله عالماً، أثبتنا معه شيئاً قديماً لم يزل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولهذا قيل للإمام علي بن موسى الرضا (ع): إنّ قوماً يقولون: إنّه عزّ وجلّ لم يزل عالماً بعلم…، فقال (ع): من قال ذلك، ودان به، فقد اتّخذ مع الله آلهة أخرى… ثم قال (ع): لم يزل الله عزّ وجلّ عليماً… لذاته[4].

ثالثاً: علم الله تعالى لا حدّ له ولا نهاية، ودليل ذلك: الذات الإلهية لا حدّ لها ولا نهاية، وعلم الله عين ذاته، ولهذا قال الإمام الصادق (ع) لأحد أصحابه: لا تقل ذلك ـ أي: لا تقل الحمد لله منتهى علمه ـ فإنّه ليس لعلمه تعالى منتهى[5].

رابعاً: علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، ودليل ذلك: علم الله عين ذاته، ويلزم التغيير والتبدّل فيه التغيير والتبدّل في ذات الله تعالى، وهذا محال، لأنّه تعالى ليس محلاًّ للتغيّرات والتبدلاّت، وإنّما التغيير والتبدّل يكون في المعلومات لا في العلم.

المبحث الرابع: كيفية علم الله

لا يصح السؤال أو البحث عن كيفية علم الله تعالى، ودليل ذلك: ورد في أحاديث أئمة أهل البيت (ع) النهي عن الكلام أو البحث عن كيفية ذات الله، وبما أنّ العلم الإلهي من صفات الله الذاتية، فلهذا لا يصح الكلام أو البحث عن كيفيته.

قال الإمام موسى الكاظم (ع): لا يوصف العلم من الله بكيف[6]، وما يجب علينا معرفته أنّه تعالى عالم بمعنى أنّه لا يجهل شيئاً، ولهذا ورد في أحاديث أئمة أهل البيت (ع).

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): إنّما سُمّي الله تعالى عليماً؛ لأنّه لا يجهل شيئاً من الأشياء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء[7].

قال الإمام علي الرضا (ع): إنّما سُمّي الله عالماً؛ لأنّه لا يجهل شيئاً[8].

قال الإمام محمّد الجواد (ع): قولك عن الله: عالم، إنّما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل سواه[9].

المبحث الخامس: أقسام علم الله

ينقسم علم الله بحسب متعلَّق العلم إلى عدّة أقسام، منها:

1ـ علم الله الذاتي.

2ـ علم الله بذاته.

3ـ علم الله بالأشياء قبل إيجادها.

4ـ علم الله بالأشياء بعد إيجادها.

المبحث السادس: علم الله الذاتي

علم الله الذاتي: هو العلم الذي يبتدع الله سبحانه وتعالى به الخلائق، وقد أشار الإمام علي بن موسى الرضا (ع) إلى هذا العلم بقوله: سبحان من خلق الخلق بقدرته، وأتقن ما خلق بحكمته، ووضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه[10].

أدلة اتّصافه تعالى بالعلم الذاتي

الدليل الأوّل: فعل الله الأفعال المحكمة المتقنة، وكلّ من فعل ذلك كان عالماً[11]، فلهذا نستنتج بأنّ الله تعالى عالم.

تنبيهات:

1- المقصود من الفعل المحكم والمتقن صدوره مرّة بعد أخرى، لا صدوره مرّة واحدة ولهذا لا يصح الإشكال بأنّ الفعل المحكم والمتقن لا يدل على علم الفاعل؛ لأنّ النائم والساهي والجاهل قد تصدر منه بعض الأفعال المحكمة والمتقنة وهو غير عالم بها.

دليل عدم صحة هذا الإشكال: صدور الفعل المحكم والمتقن مرّة واحدة أو مرّتين قد لا يدل على علم الفاعل، ولكن صدور هذا الفعل مرّة بعد أخرى يدل بالضرورة على علم الفاعل، وذلك لاستحالة وقوع الفعل المحكم والمتقن مرّة بعد أخرى من غير العالم.

2ـ الفعل المحكم والمتقن هو المطابق للمنافع المقصودة منه، وبما أنّ المقصود من هذا العالم هو اختبار الإنسان، فلهذا تكون الشرور والآلام والآفات من الأفعال المحكمة والمتقنة؛ لأنّها الوسيلة المطلوبة لهذا الاختبار، وهي الأداة اللازمة لمعرفة مدى صبر وتحمّل الإنسان.

3- إنّ الله تعالى هو الذي يدبّر الحيوانات، وهو الذي يهديها إلى القيام ببعض الأفعال المحكمة والمتقنة، ولهذا فإنّ قيام هذه الكائنات الحيّة ببعض الأفعال المحكمة مع عدم امتلاكها للعلم لا يعني صحّة صدور الفعل المحكم والمتقن من الجهة غير العالمة.

الدليل الثاني: إنّه تعالى مختار، وكلّ مختار عالم… لأنّ فعل المختار تابع لقصده، ويستحيل قصد شيء من دون العلم به.

الدليل الثالث: العلم صفة من صفات الكمال، ووجوده عند المخلوقات دليل على وجوده عند الخالق بأكمل مراتبه وأظهر مصاديقه.

الدليل الرابع: الجهل نقص، والله منزّه عن جميع أنواع النقص.

المبحث السابع: علم الله بذاته

يتعلّق العلم الإلهي بجميع الأشياء، وبما أنّ الله شيء، فلهذا يتعلّق هذا العلم بذات الله، فيثبت علم الله تعالى بذاته.

سُئل الإمام علي الرضا (ع): هل كان الله عارفاً بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟ قال (ع): نعم[12].

شبهة علم الله بذاته

العلم نسبة قائمة بين العالم و المعلوم، والنسبة إنّما تكون بين شيئين متغايرين، فإذا قلنا بأنّ الله يعلم بذاته، فإنّه يلزم أن يكون علم الله شيئاً مغايراً لذات الله، وهذا يخالف القول بأنّ علم الله عين ذاته.

جواب الشبهة

أوّلاً: ليس العلم نسبة قائمة بين العالم و المعلوم، وإنّما العلم حقيقة، قد تكون بين شيئين متغايرين، وقد تكون في شيء واحد، فإذا قلنا بأنّ الله يعلم بذاته، فإنّه لا يلزم التغاير بين علم الله و ذاته، وإنّما المقصود بيان حقيقة في شيء واحد.

ثانياً: لو سلّمنا بأنّ العلم نسبة قائمة بين العالم والمعلوم، فإنّ التغاير الموجود بين العالم والمعلوم في هذا المقام تغاير من حيث المفهوم لا من حيث المصداق، وتعدّد المفهوم[13]، لا يوجب تعدّد المصداق[14].

ومثاله: إنّ لله تعالى العديد من الأسماء وهي مفاهيم، وتعدّد هذه الأسماء لا يوجب تعدّد الذات الإلهية التي هي مصداق لهذه الأسماء والمفاهيم.

بعبارة أخرى: الشبهة المذكورة واردة فيما لو كان التغاير الموجود بين العالم والمعلوم في هذا المقام هو التغاير الحقيقي، ولكن التغاير الموجود هنا تغاير اعتباري، ولا يرد الإشكال المذكور في هذا النمط من التغاير.

المبحث الثامن: علم الله بالاشياء قبل ايجادها

قال الشيخ المفيد: إنّ الله تعالى عالم بكلّ ما يكون قبل كونه، وإنّه لا حادث إلاّ وقد علمه قبل حدوثه… وبهذا قضت دلائل العقول والكتاب المسطور والأخبار المتواترة عن آل الرسول (ع)، وهو مذهب جميع الإماميّة[15].

أحاديث أهل البيت (ع) حول علم الله بالأشياء قبل إيجادها

1- وردت إلى الإمام علي الرضا (ع) رسالة فيها سؤال حول الله، والسؤال: أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكوّنها أو لم يعلم ذلك حتّى خلقها وأراد خلقها وتكوينها فعلم ما خلق عندما خلق وما كوّن؟ فوقّع (ع) بخطه: لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعدما خلق الأشياء[16].

2- قال الإمام محمّد الباقر (ع): كان الله ولا شيء غيره ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه[17].

3- قال الإمام جعفر الصادق (ع): لم يزل الله عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم…، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم[18].

4- قال الإمام أمير المؤمنين (ع):… كلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم، والله لم يجهل ولم يتعلّم، أحاط بالأشياء علماً قبل كونها، فلم يزدد بكونها علماً، علمُه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها…[19].

5- سُئل الإمام جعفر الصادق (ع): أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس كان في علم الله؟ قال (ع): بلى قبل أن يخلق السماوات والأرض[20].

6- سئل الإمام علي الرضا (ع): أيَعلم الله الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون، أو لا يعلم إلاّ ما يكون؟ فقال (ع): إنّ الله تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء[21].

7- سُئل الإمام جعفر الصادق (ع): عن الله تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان، أم علمه عندما خلقه وبعدما خلقه؟ فقال (ع): تعالى الله، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان[22].

8- سُئل الإمام جعفر الصادق (ع): هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله تعالى؟ قال (ع): لا، من قال هذا فأخزاه الله.

أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم الله؟! قال (ع): بلى، قبل أن يخلق الخلق[23].

9- عن جعفر بن محمّد بن حمزة قال: كتبت إلى الرجل (ع) أسأله: أنِّ مواليك اختلفوا في العلم، فقال بعضهم: لم يزل الله عالماً قبل فعل الأشياء. وقال بعضهم: لا نقول: لم يزل الله عالماً؛ لأنّ معنى يعلم يفعل، فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئاً، فإن رأيت ـ جعلني الله فداك ـ أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه؟ فكتب (ع) بخطه: لم يزل الله عالماً تبارك وتعالى ذكره[24].

10- قال الإمام علي الرضا (ع)… لم يزل الله عزّ وجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها…[25].

تنبيه: دور علم الله بالأشياء قبل وجودها هو الكشف عمّا سيقع في الواقع الخارجي فقط، وليس لهذا العلم أيّ دور في علّة صدور الأشياء بل يستحيل أن يكون لهذا العلم أيّ أثر على أفعال الله تعالى .

كيفية علم الله بالأشياء قبل إيجادها

ذهب بعض العلماء إلى أنّ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول، فمع لحاظ الأمور التالية:

1ـ إنّ الله تعالى عالم بذاته.

2ـ إنّ الذات الإلهية علّة لجميع ما سواه، فنستنتج: علم الله بذاته يستلزم علمه تعالى بجميع ما سواه[26].

يرد عليه

1- العلم بالعلّة لا يوجب العلم بالمعلول إلاّ إذا كانت العلّة غير ممتلكة للإرادة، وغير مختارة[27]، ولكن إذا كانت العلّة لها إرادة ومختارة، أي: كانت العلّة تفعل متى ما تشاء ولا تفعل متى ما لا تشاء، فلا يؤدّي العلم بها العلم بمعلولاتها، وبما أنّ الذات الإلهية، علّة مختارة فلا يؤدّي العلم بها العلم بمعلولاتها.

2- العلم بالمعلول من خلال العلم بالعلّة لا يثبت إلاّ العلم الإجمالي، ولكن علم الله بالأشياء قبل ايجادها ـ كما ورد في أحاديث أهل البيت (ع) ـ علم تام وغير إجمالي.

النتيجة: إنّ الله تعالى عالم بالأشياء قبل إيجادها، ولكنّنا نجهل كيفية ذلك؛ لأنّ هذا العلم يرتبط بذات الله تعالى، وعلم الله ـ كما قال الإمام الكاظم(ع) ـ لا يوصف بكيف.

المبحث التاسع: علم الله بالاشياء بعد ايجادها

إنّ الله تعالى محيط بجميع الأشياء بعد إيجادها، وتسمّى هذه الإحاطة بعد تحقّق الأشياء في الواقع الخارجي بـ العلم الفعلي لله.

تنبيه: لا يوجد فرق بين علم الله بالشيء قبل وجوده وبين علمه تعالى به بعد وجوده إلاّ في متعلّق العلم، فإذا كان متعلّق العلم ما هو موجود، فسيسمّى هذا العلم بـ العلم الفعلي.

قال الشيخ الطوسي حول تفسير قوله تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ[28]، إنّما قال: فسيرى الله على وجه الاستقبال، وهو عالم بالأشياء قبل وجودها؛ لأنّ المراد بذلك أنّه سيعلمها موجودة بعد أن علمها معدومة، وكونه عالماً بأنّها ستوجد من كونه عالماً بوجودها إذا وُجدت لا يجدّد حال له بذلك[29].

الآيات القرآنية المشيرة إلى العلم الفعلي لله

الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا[30].

2- فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا[31].

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ[32].

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[33].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ[34].

وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ[35].

وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ[36].

إذن، المقصود من علم الله بهذه الأمور هو علمه تعالى بوجودها؛ لأنّ قبل وجود هذه الأمور لا يصح القول بأنّه تعالى عالم بوجودها، بل الله تعالى يعلم قبل ذلك بأنّها ستوجد أو لا توجد، فإذا وُجدت صح القول بأنّه تعالى عالم بوجودها.

المبحث العاشر: سعة علم الله

إنّ الله تعالى عالم بكلّ ما يصح أن يكون معلوماً، سواء كان هذا المعلوم موجوداً أو معدوماً، واجباً أو ممكناً، قديماً أو حادثاً، كلّياً أو جزئياً، متناهياً أو غير متناه و…

دليل ذلك: إنّ الله تعالى عالم بكلّ ما يصح تعلّق العلم به من دون وجود مخصّص يخصّصه ببعض المعلومات دون البعض، ولهذا يلزم أن يكون علمه تعالى شاملاً لجميع المعلومات، وبعبارة أخرى: نسبة تعلّق علم الله بجميع المعلومات متساوية، وعدم تعلّق علم الله بمعلوم يحتاج إلى سبب، ولا يوجد في هذا الصعيد أيّ سبب، فنستنتج بأنّ علم الله يتعلّق بجميع المعلومات.

علم الله بالجزئيات: إنّ الله تعالى عالم بالجزئيات، ودليل ذلك:

1ـ العلم بالجزئيات صفة كمال، والجهل بها صفة نقصان، وبما أنّ الله أكمل الموجودات، فلهذا يوجب وصفه بالكمال الاعتقاد بأنّه عالم بالجزئيات.

تنبيه: علم الله بالجزئيات المتغيّرة لا يوجب التغيّر في علمه تعالى؛ لأنّ التغيير في هذا المقام يكون في المعلومات لا في العلم، وحقيقة علم الله شيء واحد، وهي الإحاطة الشاملة بكلّ المعلومات المتغيّرة من دون أن يطرء على هذه الإحاطة أيّ تغيير، بل لا معنى لوقوع التغيير في الإحاطة.

الآيات القرآنية الدالة على سعة علم الله

1- أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[37].

وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[38].

3- وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَ[39].

لَا يَعْزُبُ ـ أي: لا يغيب ـ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ[40].

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ[41].

6- إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ[42].

وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا[43].

8- قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ[44].

الاستنتاج

أن علم الله تعالى صفة ذاتية كاملة لا تشبه علم المخلوقين، فهو علم غير محدود، قديم، وشامل لجميع المعلومات، سواء كانت موجودة أو معدومة، واجبة أو ممكنة، ويتنوع علم الله بين العلم الذاتي، علمه بذاته، وعلمه بالأشياء قبل وبعد إيجادها، كما أن علم الله لا يتغير أو يتبدل، بل هو ثابت وثابت في جميع الأحوال، وأن الفهم البشري للعلم محدود، وأن الله منزّه عن أي نقص أو احتياج، وأن علم الله علامة على كماله وعظمته وقدرته على الإحاطة بكل ما هو معلوم.

الهوامش

[1] المفيد، النكت الاعتقادية، فصل 1، ص23.

[2] الحمصي، المنقذ من التقليد، ج1، القول في كونه عالماً، ص38.

[3] الصدوق، التوحيد، باب 10، ح16، ص134.

[4] الصدوق، التوحيد، باب 11، ح3، ص135.

[5] الصدوق، التوحيد، باب 10، ح1، ص130.

[6] الصدوق، التوحيد، باب 10، ح16، ص134.

[7] المجلسي، بحار الأنوار، ج3، باب 5، ص194.

[8] الصدوق، التوحيد، باب 29، ح2 ، ص183.

[9] الصدوق، التوحيد، باب 29، ح7، ص 188.

[10] المجلسي، بحار الأنوار، ج4، باب 2، ح20، ص85.

[11] أي: لا يتأتّى ذلك إلاّ من عالم، وإنّ غير العالم يستحيل منه وقوع الفعل المتقن مرّة بعد أخرى.

[12] الصدوق، التوحيد، باب 29، ح4، ص186.

[13] المفهوم: مجموع الصفات والخصائص الموضّحة لمعنى كلّي.

[14] المصداق: الفرد الذي يتحقّق فيه معنى كلّي.

[15] المفيد، أوائل المقالات، القول 21، ص54.

[16] الكليني، الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح4، ص107.

[17] الكليني، الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح2، ص107.

[18] الكليني، الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح1، ص107.

[19] الصدوق، التوحيد، باب 2، ح3، ص44.

[20] الصدوق، التوحيد، باب 10، ح5، ص131.

[21] الصدوق، التوحيد، باب 10، ح8 ، ص132.

[22] الصدوق، التوحيد، باب 10، ح9، ص132.

[23] الصدوق، التوحيد، باب 54، باب البداء، ح8 ، ص325.

[24] الكليني، الكافي، ج1، كتاب التوحيد، باب صفات الذات، ح5، ص108.

[25] الصدوق، التوحيد، باب 10، ح8 ، ص132.

[26] تنبيه: لا يصحّ القول بأنّنا عالمون بذواتنا التي هي علل لأفعالنا الآتية ولكننا مع ذلك لا نعلم ما سيصدر منّا، ودليل ذلك: إنّ ذواتنا ليست علّة مستقلّة لأفعالنا، بل أفعالنا محتاجة إلى أسباب خارجية بخلاف أفعال الله تعالى .

[27] مثاله: إنّ علم المنجّم بالقوانين الكونية وحركة الشمس والأرض والقمر يوجب علمه بوقوع الخسوف والكسوف وما شابه ذلك.

[28] التوبة، 105.

[29] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج5، تفسير آية 105 من سورة التوبة، ص295.

[30] الأنفال، 66.

[31] الكهف، 11ـ 12.

[32] محمّد، 31.

[33] آل عمران، 142.

[34] المائدة، 94.

[35] الحديد، 25.

[36] البقرة، 143.

[37] البقرة، 231.

[38] الطلاق، 12.

[39] الأنعام، 59.

[40] سبأ، 3.

[41] الأعلى، 7.

[42] آل عمران، 5.

[43] الأعراف، 89.

[44] آل عمران، 29.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ الحمصي، محمود، المنقذ من التقليد، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1412ه‍.

3ـ الصدوق، محمّد، التوحيد، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الحسيني الطهراني، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، بلا تاريخ.

4ـ الطوسي، محمّد، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1409 ه‍.

5ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.

6ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه‍.

7ـ المفيد، محمّد، النكت الإعتقادية، بيروت، دار المفيد، الطبعة الثانية، 1414ه‍.

8ـ المفيد، محمّد، أوائل المقالات في المذاهب المختارات، بيروت، دار المفيد، الطبعة الثانية، 1414 ه‍.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الحسون، علاء، التوحيد عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، مركز بحوث الحج، الطبعة الأُولى، 1432ه‍>