تُعَدُّ مسألة التكليف بما لا يطاق من القضايا الفلسفية والدينية الأساسية التي تثير جدلاً واسعاً في الفكر الإسلامي، في هذا المبحث نستعرض الأدلة العقلية والنصوص القرآنية التي تنفي قبح التكليف بما لا يُطاق، مشددين على موقف أئمة أهل البيت (ع) الذين أكدوا على عدل الله ورحمته في تكليف عباده، كما سنستعرض آراء الأشاعرة الذين يجيزون التكليف بما لا يطاق، ونناقش الأدلة التي قدموها في هذا السياق.
المبحث الأول: تكليف من لم تتمّ عليهم الحجّة في الدنيا
إنّ الذين لم تتمّ عليهم الحجّة في الدنيا، ولم يتحقّق تكليفهم فيها، فإنّ تكليفهم سيكون في الآخرة، وبذلك التكليف يتمّ تحديد مصيرهم: فإن فازوا في ذلك التكليف الإلهي فمصيرهم الجنة، وإن خسروا في ذلك التكليف الإلهي فمصيرهم النار.
أحاديث شريفة واردة في هذا المجال
1- قال الإمام محمّد الباقر (ع): إذا كان يوم القيامة احتجّ اللّه عزّ وجلّ على خمسة: على الطفل، والذي مات بين النبيين، والذي أدرك النبي وهو لا يعقل، والأبله، والمجنون الذي لا يعقل، والأصم والأبكم، فكلّ واحد منهم يحتجّ على اللّه عزّ وجلّ.
قال: فيبعث اللّه إليهم رسولا فيؤجّج لهم ناراً فيقول لهم: ربّكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن عصى سيق إلى النار[1].
2ـ قال الإمام محمّد بن علي الباقر (ع):… إذا كان يوم القيامة اُتِيَ: بالأطفال والشيخ الكبير الذي قد أدرك السنّ ولم يعقل من الكبر والخرف والذي مات في الفترة بين النبيين والمجنون والأبله الذي لا يعقل فكلّ واحد منهم يحتجّ على اللّه عزّ وجلّ فيبعث اللّه تعالى إليهم ملكاً من الملائكة فيؤجّج ناراً، فيقول: إنّ ربّكم يأمركم أن تثبوا فيها فمن وثب فيها كانت عليه برداً وسلاماً ومن عصاه سيق إلى النار[2].
تنبيهات
1- قال الشيخ الصدوق (ره): إنّ قوماً من أصحاب الكلام ينكرون ذلك ويقولون: إنّه لا يجوز أن يكون في دار الجزاء تكليف، ودار الجزاء للمؤمنين إنّما هي الجنة، ودار الجزاء للكافرين إنّما هي النار، وإنّما يكون هذا التكليف من اللّه عزّ وجلّ في غير الجنة والنار، فلا يكون كلّفهم في دار الجزاء، ثمّ يصيّرهم إلى الدار التي يستحقونها بطاعتهم أو معصيتهم، فلا وجه لإنكار ذلك[3].
2- قال الشيخ الصدوق (ره) حول الأحاديث الشريفة المبيّنة بأنّ أولاد المشركين والكفار مع آبائهم في النار:… أطفال المشركين والكفار مع آبائهم في النار لا يصيبهم من حرّها لتكون الحجّة أوكد عليهم متى أمروا يوم القيامة بدخول نار تؤجّج لهم مع ضمان السلامة متى لم يثقوا به ولم يصدّقوا وعده في شيء قد شاهدوا مثله[4].
3- قال العلاّمة الحلّي (ره): ذهب بعض الحشوية إلى أنّ اللّه تعالى يعذّب أطفال المشركين، ويلزم الأشاعرة تجويزه، والعدلية كافة على منعه، والدليل عليه أنّه قبيح عقلا، فلا يصدر منه تعالى[5].
4- إنّ قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمان أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ[6]، لا تدل على إلحاق مطلق الذرية بآبائهم المؤمنين، بل تدل على إلحاق الذرية المؤمنة بآبائهم المؤمنين، والذرية التي لم ينكشف إيمانها في الدنيا، فإنّ الاختبار الإلهي لها في الآخرة يبيّن إيمانها وعدم إيمانها، فإن اتّبعت هذه الذرية آباءها في الإيمان، فإنّها ستلحق بآبائها، وإن لم تتبع هذه الذرية آباءها في الإيمان، فإنّها لا تلحق بآبائها.
بعبارة أُخرى: تبيّن هذه الآية بأنّ الذرية إذا اتّبعت آباءها بالإيمان ولكنها لم تبلغ درجة الآباء في الإيمان، فإنّ اللّه تعالى سيلحق هذه الذرية بالآباء، وذلك لتقرّ عين الآباء باجتماعهم معهم في الجنة.
إن قيل: كيف يلحقون بهم في الثواب ولم يستحقوه، فالجواب: إنّهم يلحقون بهم في الجمع لا في الثواب والمرتبة[7].
تتمة: تكليف ولد الزنا
إنّ ولد الزنا غير مقصّر أبداً، ولا يمكن التنقيص منه نتيجة سوء فعل أبويه، قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): إنّ ولد الزنا يستعمل، إن عمل خيراً جُزي به، وإن عمل شراً جُزي به[8].
قال العلاّمة المجلسي (ره) بعد ذكره لهذا الحديث الشريف: هذا الخبر موافق لما هو المشهور بين الإمامية من أنّ ولد الزنا كسائر الناس مكلّف بأصول الدين وفروعه، ويجري عليه أحكام المسلمين من إظهار الإسلام، ويثاب على الطاعات ويعاقب على المعاصي[9].
تنبيه: لا يمكن الأخذ ببعض الأحاديث الدالة على أنّ في ولد الزنا منقصة تنافي الاختيار، لأنّ هذه الأحاديث معارضة للآيات القرآنية الدالة على أنّه تعالى ليس بظلاّم للعبيد.
المبحث الثاني: التكليف بما لا يطاق
أنّ من شروط حسن التكليف أن يكون المكلَّف قادراً على ما يُكلَّف به، لأنّ تكليف ما لا يطاق قبيح، واللّه تعالى منزّه عن فعل القبيح، ولكن ذهب الأشاعرة إلى عكس هذا القول، ولهذا تطلّب الأمر تسليط المزيد من الأضواء على هذا الموضوع.
أدلة قبح التكليف بما لا يطاق
1ـ إنّ العقل يحكم على نحو البداهة والضرورة بقبح التكليف بما لا يطاق.
2- إنّ المكلَّف عاجز عن امتثال التكليف بما لا يطاق، وتكليف العاجز ومؤاخذته عليه ينافي العدل والحكمة الإلهية.
3- إنّ غاية التكليف هي أن يفعل المكلَّف ما كُلِّف به، وتنتفي هذه الغاية فيما لو كان التكليف فوق استطاعة المكلَّف، فيكون التكليف ـ في هذه الحالة ـ عبثاً، والعبث قبيح.
نفي التكليف بما لا يطاق في القرآن الكريم
ورد في القرآن الكريم جملة من الآيات الدالة بوضوح على أنّ اللّه تعالى لا يكلِّف العباد إلاّ قدر وسعهم وطاقتهم، منها قوله تعالى: 1ـ لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها[10]، 2ـ لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها[11]، 3ـ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج[12]، 4ـ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[13].
نفي التكليف بما لا يطاق في أحاديث أئمة أهل البيت (ع)
ورد في أحاديث أئمة أهل البيت (ع) العديد من النصوص الدالة بوضوح على أنّ اللّه تعالى لا يكلّف العباد إلاّ قدر وسعهم وطاقتهم، ومن هذه الأحاديث الشريفة:
1- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): ما كلّف اللّه العباد إلاّ ما يطيقون[14].
2- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): … ليس من صفته عزّ وجلّ الجور والعبث والظلم وتكليف العباد ما لا يطيقون[15].
3- الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): … كلّ شيء أُمر الناس بأخذه فهم متّسعون له، وما لا يتّسعون له فهو موضوع عنهم…[16].
4- الإمام موسى الكاظم (ع): … إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها، ولا يحمّلها فوق طاقتها…[17].
5- الإمام علي بن موسى الرضا (ع): سأله الراوي عن اللّه عزّ وجلّ هل يكلّف عباده ما لا يطيقون؟ فقال (ع): كيف يفعل ذلك وهو يقول: وَما رَبُّكَ بِظَلاّم لِلْعَبِيدِ[18].
تنبيهان: 1ـ إنّ التكليف بما لا يطاق قبيح، من غير فرق بين: أوّلاً: أن يكون نفس التكليف بذاته محال، ثانياً: أن يكون التكليف ممكناً بالذات، ولكنّه خارج عن إطار قدرة المكلَّف، 2- إنّ القيام بالتكاليف الإلهية يختلف باختلاف طاقة العباد، وكلّ إنسان مكلّف بأداء الواجبات وترك المحرمات بقدر طاقته.
رأي الأشاعرة حول التكليف بما لا يطاق
جوّز الأشاعرة أن يكلّف اللّه تعالى العباد بما لا يطيقون، وقالوا بأنّ التكليف بما لا يطاق جائز، ولا يمتنع عليه تعالى أن يكلّف العباد بما هو فوق وسعهم وطاقتهم وما لا يقدرون عليه.
تنبيه: ذكر بعض الأشاعرة بأنّ مرادهم من القول بجواز تكليف اللّه العباد بما لا يطيقون هو إمكان الوقوع فقط، وأمّا الوقوع فإنّه لم يقع في نطاق التشريع، وذلك لقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها، وبعبارة أُخرى: إنّ اللّه تعالى يجوز له أن يكلّف العباد فوق وسعهم وطاقتهم، ولكنه لم يفعل ذلك.
أدلة الأشاعرة على جواز التكليف بما لا يطاق ومناقشتها
الدليل الأوّل: إنّ اللّه تعالى يمتلك الحرّية المطلقة، فلهذا يجوز له أن يكلّف العباد بأيّ وجه أراد، ولو كان ذلك تكليفاً بما لا يطاق، لأنّه تعالى يفعل ما يشاء.
يرد عليه: إذا كان الأمر كذلك، فينبغي القول بأنّ اللّه تعالى يجوز له الكذب على العباد، لأنّه يمتلك الحرّية المطلقة، ويفعل ما يشاء، فتزول حينئذ الثقة بأنبيائه وكتبه السماوية، ولكن الأمر ليس كذلك، لأنّ اللّه تعالى على رغم امتلاكه الحرية المطلقة في الفعل، فإنّه حكيم وعادل، ولا يصدر منه ما ينافي جلالة قدره وعظمة شأنه.
بعبارة أُخرى: إنّ أيّ دليل يتمسّك به الأشاعرة لإثبات عدم إخباره تعالى بالكذب، فهو دليل على عدم تكليفه تعالى بما لا يطاق.
الدليل الثاني: لو كان تكليف اللّه العباد بما لا يطيقون قبيحاً، لما وقع ذلك، ولكنه وقع، ومنه أنّ اللّه تعالى كلّف أبا لهب بأن يؤمن بالنبي (ص) ويصدّق بكلّ ما أخبر به، ومن جملة ما أخبر به (ص) هو أنّ أبا لهب لا يؤمن، فيكون تكليف أبي لهب: أن يؤمن بأنّه لا يؤمن، وهو جمع بين النقيضين، وهذا تكليف بما لا يطاق، وقد وقع من قبل اللّه تعالى، فيثبت عدم قبح تكليف ما لا يطاق، ويرد عليه: ورد في مقام الردّ على هذا الدليل مجموعة آراء، منها:
1ـ إنّ الإخبار عن أبي لهب بأنّه لا يؤمن وقع بعد موته لا قبله.
2- إنّ اللّه تعالى لم يخبر بأنّ أبا لهب لا يؤمن أو أ نّه سيموت كافراً، وإنّما أخبر بأنّه سيصلى ناراً ذات لهب، وهذا لا يستلزم الكفر، لأنّ العذاب الإلهي أيضاً يشمل الظالم ولو كان مسلماً.
3- كان أبو لهب مكلّفاً بالإيمان من حيث كونه مختاراً وقادراً على الإيمان، وهذا الإيمان أمر ممكن وليس مما لا يطاق.
وأمّا إخباره تعالى بعدم إيمان أبي لهب فهو من حيث العلم، والعلم ـ كما ذكرنا ـ يكشف عن الواقع كما هو عليه، وقد كشف علم اللّه تعالى بأنّ أبا لهب لا يؤمن باختياره، ولو كان أبو لهب مختاراً للإيمان، لكان في علم اللّه تعالى بأ نّه يؤمن، والعلم تابع للمعلوم، وليس له أي تأثير على الواقع الخارجي.
4- إنّ إخباره تعالى بعدم إيمان أبي لهب ورد بعد أن لم يؤمن أبو لهب بما كُلّف به، فأخبر اللّه تعالى بأنّه لا يؤمن، لأنّه أصبح نتيجة أعماله ممن خُتم على قلبه وسمعه وبصره.
الآيات القرآنية التي استدل بها القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق
استدل بعض الأشاعرة بآيات قرآنية ظنّوا أ نّها تدل على جواز التكليف بما لا يطاق، مع أ نّها بعيدة كلّ البُعد عما ذهبوا إليه، وأبرز هذه الآيات:
الآية الأولى: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ[19].
وجه الاستدلال: إنّ الكافرين أُمروا أن يسمعوا الحقّ وكُلّفوا به مع أ نّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فدلّ ذلك على جواز التكليف بما لا يطاق، يرد عليه: إنّ سبب عدم استطاعة هؤلاء الكافرين على السمع والبصر المعنوي هو تماديهم في الظلم والغي وإحاطة ظلمة الذنوب على قلوبهم وأعينهم وأسماعهم، حيث أمات العصيان والطغيان قلوبهم وأصمّ أسماعهم.
بعبارة أُخرى: إنّ هذه الآية لا تدل على فقدان الكافرين السمع والبصر المعنوي في بداية الأمر، بل تدل على أ نّهم حرموا أنفسهم من هذا السمع والبصر بذنوبهم، فصارت الذنوب التي ارتكبوها سبباً لئلا يسمعوا وأن لا يبصروا الحقائق المعنوية.
الآية الثانية: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ[20].
وجه الاستدلال: إنّ هذه الآية تدل بوضوح على جواز تكليف ما لا يطاق، فلو لم يكن التكليف للعاجز جائزاً لم يكن لهذا الدعاء معنى وفائدة، ويرد عليه: هذه الآية: لا تشير إلى تكليف ما لا يطاق، وإنّما تشير إلى تحميل ما لا يطاق، وهناك فرق بين التكليف والتحميل، والفرق هو: إنّ في التكليف يطلب المكلِّف من المكلَّف أن يقوم بفعل معيّن، ولهذا يشترط في هذا المقام أن يمتلك المكلَّف القدرة والطاقة على ذلك الفعل.
ولكن التحميل ليس فيه طلب، وإنّما هو عبارة عن مصائب وابتلاءات وكوارث يحمّلها اللّه تعالى على الإنسان لأغراض حكيمة، وهذه المصائب التي يواجهها الإنسان: قد يطيقها ويتمكّن من الوقوف بوجهها والمحافظة على تعادله، وقد لا يطيقها فتربك توازنه وتشل حركته وتدمّر قدراته وقواه.
النتيجة: الكلام يدور في هذه الآية حول تحميل المصائب التي لا يطيق الإنسان صدّها وإبعاد نفسه عنها، وليس الكلام حول التكليف بما لا يطاق.
الآية الثالثة: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ[21].
وجه الاستدلال: إنّ اللّه تعالى كلّف الملائكة بأن يذكروا أسماء ما كانوا عالمين بها، ولا طريق لهم إلى علمها، وهذا ما يدل على أ نّه تعالى كلّفهم بما لا يطاق، ويرد عليه: إنّ الأمر في قوله تعالى: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ للتعجيز لا للتكليف، وهذا نظير قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[22].
بعبارة أُخرى: إنّ الغرض من أمره تعالى في هذا المقام بيان عجز المخاطبين، وليس هذا الأمر من قبيل الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ولهذا لم يستحق الملائكة العقاب عندما لم ينبئوا ويخبروا اللّه تعالى بهذه الأسماء، ولم يعدّ عدم تلبيتهم لهذا الأمر الإلهي ذنباً أو عصياناً.
الآية الرابعة: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ[23].
وجه الاستدلال: إذا جاز تكليف هؤلاء في الآخرة بما لا يستطيعون جاز ذلك في الدنيا، ويرد عليه: ليس الغرض من هذه الآية التكليف الحقيقي الذي يشترط فيه القدرة، بل الغاية منه إيجاد الحسرة والندامة في نفوس التاركين للسجود على ما فرّطوا في الدنيا عندما كانت أبدانهم تتمتّع بالصحة والسلامة.
بعبارة أُخرى: إنّ الآية بصدد بيان أنّ هؤلاء رفضوا امتثال أوامر اللّه تعالى في الدنيا عندما كانوا يستطيعون ذلك، ولكنهم بعدما كُشف الغطاء عن أعينهم، ورأوا العذاب همّوا بالطاعة والسجود، ولكن أنّى لهم ذلك في الآخرة، فهم لا يستطيعون ذلك لعدم سلامة أبدانهم، أو نتيجة القبائح التي ارتكبوها في الدنيا، أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم.
الآية الخامسة: قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً[24]، وقال تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ[25].
وجه الاستدلال: إنّ اللّه عزّ وجلّ جوّز تعدّد الزوجات، وكلّف كلّ من يتزوّج أكثر من واحدة أن يراعي العدل بين زوجاته، ولكنه تعالى بيّن في الآية الثانية بأنّ مراعاة العدل بين الزوجات أمر لا يقدر عليه الإنسان، فنستنتج بأنّ المتزوّج أكثر من واحدة مكلّف من قبل اللّه تعالى بما لا يطاق، ويرد عليه: إنّ المقصود من العدالة في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا غير المقصود من العدالة في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا.
توضيح: أقسام العدالة بين الزوجات
1ـ عدالة يمكن مراعاتها، وهي العدالة في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها من حقوق الزوجية التي تقع في دائرة اختيار الإنسان، وهذه العدالة هي المقصودة في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا.
2- عدالة لا يمكن مراعاتها، وهي العدالة في إقبال النفس وما يرتبط بالقلب وغيرها من الأُمور التي لا تقع في دائرة اختيار الإنسان، وهذه العدالة هي المقصودة في قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا.
التكليف الإلهي حول مراعاة العدالة بين الزوجات
إنّ المتزوّج أكثر من واحدة مكلّف فقط بمراعاة العدالة التي يقدر عليها، ـ وهي العدالة المذكورة في القسم الأوّل ـ، وهو غير مكلف بمراعاة العدالة التي لا يقدر عليها ـ وهي العدالة المذكورة في القسم الثاني ـ، ولهذا لا يوجد في هاتين الآيتين ما يدل على وقوع التكليف بما لا يطاق.
للاطلاع على المزيد مما كتبه نفس الكاتب حول هذا الموضوع، يُرجى الضغط على الرابط التالي: معنى التكليف وأهميته في العقيدة الإسلامية
الاستنتاج
من خلال تحليل موضوع التكليف بما لا يطاق، نستنتج أن الله تعالى لا يكلف عباده إلا بما يطيقون، حيث يتعارض التكليف بما لا يطاق مع مفهوم العدل والحكمة الإلهية، والأدلة العقلية والنصوص القرآنية وأحاديث أئمة أهل البيت (ع) تؤكد جميعها هذا المبدأ، مما يعكس رحمة الله ورعايته لعباده، وبالمقابل يطرح الأشاعرة وجهة نظر تخالف ذلك، لكن هذه الآراء تواجه انتقادات قوية.
الهوامش
[1] الصدوق، الخصال، باب 5، ح31، ص283.
[2] الصدوق، معاني الأخبار، نوادر الأخبار، ح86، ص408.
[3] الصدوق، الخصال، باب الخمسة، ذيل ح31، ص283.
[4] الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، أبواب القضايا والأحكام، ب 151، ذيل ح4، ص318.
[5] الحلّي، كشف المراد، مقصد 3، فصل 3، مسألة 10، ص436.
[6] الطور، 21.
[7] الطبرسي، مجمع البيان، ج9، تفسير آية 21 من سورة الطور.
[8] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 12، ح14، ص287.
[9] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، باب 12، ح14، ص288.
[10] البقرة، 286.
[11] الطلاق، 7.
[12] الحج، 78.
[13] البقرة، 185.
[14] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح66، ص41.
[15] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح29، ص19.
[16] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح51، ص36.
[17] الصدوق، التوحيد، باب 59، باب نفي الجبر والتفويض، ح9، ص352.
[18] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، أبواب العدل، ب1، ح17، ص11.
[19] هود، 20.
[20] البقرة، 286.
[21] البقرة، 31 ـ 32.
[22] البقرة، 23.
[23] القلم، 42 ـ 43.
[24] النساء، 3.
[25] النساء، 129.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ الحلّي، محمّد، كشف المراد، شرح العلّامة الحلّي، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الرابعة، 1413 ه.
3ـ الصدوق، محمّد، التوحيد، تصحيح وتعليق السيّد هاشم الحسيني الطهراني، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، بلا تاريخ.
4ـ الصدوق، محمّد، الخصال، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الاسلامي، طبعة 1403 ه.
5ـ الصدوق، محمّد، معاني الأخبار، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، طبعة 1379 ش.
6ـ الصدوق، محمّد، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، منشورات جامعة المدرّسين، الطبعة الثانية، بلا تاريخ.
7ـ الطبرسي، الفضل، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1415 ه.
8ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه.