الكلام عن مفهوم العوض وأبعاده المتعددة، فالبحث الأول عن معنى العوض مع توضيح قيود العوض، ثم البحث عن موارد استحقاق العوض، حيث يُفصل بين إلحاق الألم بالنفس والغير، والبحث الثالث يتناول الجهات المسؤولة عن تعويض الأذى، سواء كانت من الله عز وجل أو من غيره، كما نستعرض أنواع المستحقين للعوض، بما في ذلك المكلّفين وغير المكلّفين، وبحثنا الأخير يكون عن خصائص العوض، فالكلام يقع في خمسة مباحث.
المبحث الأوّل: مفهوم العوض
العوض: (هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والإجلال)[1].
توضيح قيود معنى العوض[2]:
1ـ قيد «المستحق»: يخرج بهذا القيد «التفضّل»، لأنّ التفضّل هو النفع غير المستحق.
2ـ قيد «الخالي من التعظيم والإجلال»: يخرج بهذا القيد «الثواب»، لأنّ الثواب هو النفع المقترن بالتعظيم والإجلال.
المبحث الثاني: موارد استحقاق العِوَض
مصدر إلحاق الألم بالإنسان على نحوين:
الأوّل: أن يؤلم الإنسان نفسه
توضيح ذلك: الأوّل: أن يؤلم الإنسان نفسه، ويكون سبباً في إيذائها، وموجباً لإلحاق الألم بها، وهذا النمط من إلحاق الألم بالنفس على قسمين:
1ـ قبيح: مثاله: قتل الإنسان نفسه، أو جرحه لأحد أعضائه من دون غاية عقلائية، حُكمه: لا يستحق هذا الشخص «العوض»، إزاء الألم الذي يصيبه، ولا يستطيع هذا الشخص أن يطالب اللّه سبحانه وتعالى أو أيَّ شخص آخر «بالعوض» في قبال هذا الألم.
2ـ حسن: مثاله: إلحاق الإنسان الألم بنفسه عن طريق شربه للأدوية المرّة طلباً للشفاء، وينقسم حكم هذا النمط من إلحاق الألم بالنفس إلى عدّة أقسام:
ألف ـ إذا كان المسبّب للمرض هو اللّه تعالى، حُكمه: يستحق هذا الشخص «العوض» من اللّه عز وجل.
ب ـ إذا كان المسبب للمرض غير اللّه تعالى، حُكمه: يستحق هذا الشخص «العوض» من ذلك المسبّب للمرض.
ج ـ إذا كان سبب شرب هذا الشخص للدواء المرّ، وتحملّه ألم تناوله، لدواعي من قبيل ازدياد الرشاقة، حُكمه: لا يستحق هذا الشخص «العوض» من اللّه سبحانه وتعالى أو من غيره.
الثاني: أن يؤلم الإنسان غيره
ويكون سبباً في إيذاء غيره وموجباً لإلحاق الألم به، وهذا النمط من إلحاق الألم بالغير على قسمين:
1ـ قبيح: مثاله: الظلم والتعدّي على حقوق الآخرين، حُكمه: يستحق المظلوم ـ في هذه الحالة ـ «العوض» من الظالم.
2ـ حسن: مثاله: إلحاق الطبيب الألم بالمريض الذي يقوم بمعالجته، وينقسم حُكم هذا النمط من إلحاق الألم بالغير إلى نفس الأحكام السابقة المذكورة بالنسبة إلى النمط «الحسن» من إلحاق الإنسان الألم بنفسه.
المبحث الثالث: الجهات المعوِّضة
إنّ الجهات التي يكون عليها «العِوَض» عبارة عن:
1ـ العوض الذي يعطيه اللّه تعالى: إنّ اللّه تعالى يعوِّض جميع المستحقين للعوض.
تنبيه: إذا كان غير العقلاء من قبيل البهائم والسباع والهوام والصبيان ومن في حكمهم سبباً في إلحاق الألم بأحد الأشخاص[3] فإنّ «العوض» إزاء هذا الألم يكون على اللّه تعالى، لأنّ اللّه عز وجل هو الذي مكّن هذه الكائنات غير العاقلة من إلحاق الألم بغيرها، وهو الذي لم يجعل لها عقلا يصدّها ويزجرها عن ذلك[4].
2ـ العوض الذي يكون على غير اللّه تعالى: إذا كان أحد الأشخاص يطلب غيره «العوض» إزاء الألم الذي ألحقه ذلك الشخص به ظلماً وعدواناً، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى هو الذي يأخذ يوم القيامة «العوض» من ذلك الشخص ويعطيه لمستحقه، وهذا ما يسمّى بـ «الانتصاف»، فالانتصاف ـ في الواقع ـ هو أخذ اللّه عز وجل حقّ المظلوم من الظالم بقدر ما يساوي ظلمه.
المبحث الرابع: أنواع المستحق للعوض
إنّ المستحق للعِوَض على نحوين:
1ـ مكلّف.
2ـ غير مكلّف.
والمكلّف المستحق للعِوَض على نحوين:
1ـ من أهل الجنة.
2ـ من أهل النار.
والمكلَّف المستحق للعِوَض وهو من أهل الجنة:
1ـ يستحق «العوض» من اللّه تعالى: فإنّ اللّه سبحانه وتعالى سيعطيه «العوض» بتمامه وكماله.
2ـ يستحق العوض من غير اللّه تعالى: فإنّ اللّه سبحانه وتعالى سيأخذ «العوض» من ذلك الغير، ويوصله إلى هذا المستحق.
وأمّا المكلّف المستحق للعِوَض وهو من أهل النار:
1ـ يستحق «العوض» من اللّه تعالى: فإنّ اللّه عز وجل سيعطيه «العوض» في دار الدنيا أو في دار الآخرة، وإذا كان هذا التعويض في الآخرة وبعد دخول النار، فإنّه سيكون سبباً في إسقاط جزء من عذاب مستحقِ العِوَض.
2ـ يستحق «العوض» من غير اللّه تعالى: فإنّ اللّه تعالى سيأخذ العوض من ذلك الغير، ويوصله إلى هذا المستحق.
وأمّا غير المكلَّف المستحق للعِوَض فهو على نحوين:
1ـ يستحق «العوض» من اللّه عز وجل: فإنّ اللّه تعالى سيعطيه «العوض» بتمامه وكماله.
2ـ يستحق العوض من غير اللّه سبحانه وتعالى: فإنّ اللّه تعالى سيأخذ «العوض» من ذلك الغير، ويوصله إلى هذا المستحق.
المبحث الخامس: خصائص العوض
من مباحث مفهوم العوض هو خصائصه، وهي:
1ـ لا يحسن أن يؤلم اللّه تعالى أحداً لمجرد «العوض»، لأنّه تعالى قادر على إعطاء «العوض» من دون «الألم»، فلهذا ينبغي في هذا النمط من إيلام الغير:
أوّلا: وجود «المصلحة» ليخرج الألم عن كونه «عبثاً».
ثانياً: وجود «العوض» ليخرج به الألم عن كونه (ظلماً)[5].
مثال: إنّ الإيلام لمجرد العوض يكون بمثابة من يستأجر أجيراً ليغرف الماء من النهر ويصبّه في نفس النهر، لا لغرض سوى نفع الأجير بالأجرة، وهذا العمل عبث، لأنّ صاحب الأجرة قادر على إعطاء تلك الأجرة للأجير من دون فرض ذلك العمل عليه[6].
2ـ إنّ «العوض» من اللّه تعالى يكون بحيث لو خُيّر المتألِّم بين الأمرين التاليين:
أوّلا: إلحاق الألم به وإيصال العوض إليه.
ثانياً: عدم إلحاق الألم به وحرمانه من العوض، لاختار الأوّل[7].
3ـ إنّ العوض:
أوّلا: إذا لم يكن في «تعجيله» مصلحة: جاز «تأخيره»، ولكن يشترط في هذه الحالة إلحاق الزيادة بالعوض.
ثانياً: إذا كان في «تأخيره» مصلحة: جاز «تأخيره»، ولا يشترط في هذه الحالة إلحاق الزيادة بالعوض، لأنّ هذه المصلحة تنوب مكان الزيادة[8].
4ـ إذا ألحق أحد الناس الأذى والألم بنفسه أو بغيره ظلماً وعدواناً، فإنّ هذا الشخص هو الذي يتحمّل «العوض» إزاء ذلك، ولا يصح القول: إنّ اللّه تعالى هو المتحمّل «للعوض»، لأنّه تعالى هو الذي مكّن هذا الشخص من الظلم وأعطاه القدرة على ذلك، ودليل عدم صحّة هذا القول: أنّ اللّه سبحانه وتعالى أعطى هذا الشخص القدرة والاستطاعة ليستعلمها في الخير والطاعة، وقد نهاه تعالى عن الظلم والعدوان، ولهذا لا يتحمّل اللّه عز وجل تبعات سوء تصرفات هذا الشخص، ولا يكون عليه العوض أبداً.
مثال: إنّ من أعطى شخصاً سيفاً ليقتل به «من يستحق القتل»، ولكن قتل هذا الشخص بهذا السيف «من لا يستحق القتل»، فإنّ «العوض» يكون على «القاتل» ولا يكون على (صاحب السيف)[9].
الاستنتاج
أن مفهوم العوض هو نفع مستحق لا يتضمن التعظيم، ويُحدد بناءً على قيود معينة، مثل كونه مستحقًا وغير مترافق مع الثواب، وتُفصِّل المقالة موارد استحقاق مفهوم العوض، مبينة أن الألم يمكن أن يكون ناتجًا عن أفعال الفرد تجاه نفسه أو الآخرين، مع تحديد الحالات التي تستحق العوض، كما تُبرز الجهات المسؤولة عن تعويض الأذى، سواء كان ذلك من الله عز وجل أو من الأفراد.
الهوامش
[1] العلاّمة الحلّي، مناهج اليقين، منهج 6، بحث 7، ص258.
[2] انظر: المصدر السابق.
[3] بشرط أن لا يكون لهذا الشخص أي تقصير في ذلك.
[4] انظر: العلاّمة الحلّي، مناهج اليقين، منهج 6، بحث 7، ص258.
[5] انظر: الشريف المرتضى، شرح جمل العلم والعمل، أبواب العدل، الكلام في الآلام والأعواض، ص112.
[6] انظر: الحمصي، المنقذ من التقليد، ج1، القول في الأمراض والآلام، ص318.
[7] انظر: مقداد السيوري، إرشاد الطالبين، مباحث العدل، ص283.
[8] انظر: الشريف المرتضى، الذخيرة، الكلام في الأعواض، ص254.
[9] انظر: مقداد السيوري، إرشاد الطالبين، مباحث العدل، ص283.
مصادر البحث
1ـ الحلّي، الحسن، مناهج اليقين في أُصول الدين، طهران، دار الأُسوة، الطبعة الأُولى، 1415ه.
2ـ الحمصي، محمود، المنقذ من التقليد، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1412ه.
3ـ السيّد المرتضى، علي، الذخيرة في علم الكلام، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1411ه.
4ـ السيّد المرتضى، علي، شرح جمل العلم والعمل، تحقيق السيّد أحمد الحسيني، النجف، مطبعة الآداب، الطبعة الأُولى، 1378ه.
5ـ السيوري، المقداد، إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين، تحقيق السيّد مهدي الرجائي، قم، مكتبة السيّد المرعشي النجفي، الطبعة الأُولى، 1405 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه.