معنى البداء في شأن الأئمة وأثره على الإمامة

معنى البداء في شأن الأئمة وأثره على الإمامة

کپی کردن لینک

المقالة تتناول معنى العبارة «السلام عليك يا من بدا لله في شأنه» الواردة في زيارة الإمامين الجوادين (ع)، مستعرضة مفاهيم البداء وأثره في شؤون الأئمة (ع)، ويشير النص إلى أهمية هذه العبارة في توضيح كيف أن مشيئة الله تتجلى في تغيير الأمور وتحديد مصير الأئمة وفقا للحكمة الإلهية، ويتم تناول موضوع البداء من خلال أمثلة تاريخية تتعلق بالإمام الكاظم (ع) وعلاقته بابنه إسماعيل، مع تسليط الضوء على كيفية إدراك المؤمنين لمفاهيم الإمامة وتحدياتها.

ما معنى يا من بدا لله في شأنه

ورد في زيارة الإمامين الجوادين (ع): السلام عليك يا من بدا لله في شأنه[1]، ما يراد منه وما ينبغي له من ظاهره وخافيه؟ فنقول:

أولا: أن هذه الفقرة واردة في زيارة العسكريين (ع) وزيارة الرضا (ع) أيضا المروية عن الإمام محمد الجواد (ع)، والظاهر جريان ذلك في الحجة (ع) وإن كانت زياراته خالية منها إلا أن الروايات لا تخلو عن التنبيه عليه والإشارة بل بعضها نص فيه، منها عن أبي حمزة الثمالي قال:

سمعت أبا جعفر الباقر (ع) يقول: يا ثابت إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض فأخره الله إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر ولم يجعل الله بعد ذلك وقتا عندنا ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، قال أبو حمزة: فحدثت بذلك الإمام الصادق (ع) فقال: قد كان كذلك[2].

وغيرها من الأخبار الظاهرة في أن ساعة ظهوره (ع) من العلم المكنون المخزون الذي فيه البداء يقدم ويؤخر كيف شاء الله، فيكون أمر البداء ثابت في الأئمة الستة الأخيرة من موسى إلى الحجة عجل الله فرجه وصلوات الله عليهم أجمعين، وإن اختلفت وجوهه فيهم (ع) ولم يكن على وجه واحد.

البداء الواقع في شأن الإمام الكاظم

فيحتمل على وجهين:

الوجه الأول لما وقع من البداء في شأن الإمام الكاظم

وهو الذي ذكره جل من العلماء أن أكثر الأصحاب في زمن الصادق (ع) كانوا يظنون أن الإمامة والوصاية تنتقل إلى ابنه الأكبر إسماعيل لما يرون منه شدة حبه (ع) إياه، وكان أكبر أولاده ذا جمال وحسن وكمال، ولأمه فاطمة بنت الحسن بن علي بن الحسن (ع) وبوجود هذه الخصال وغيرها زعموا أنه أولى بأمر الإمامة وشأن الولاية والوصاية، لا سيما كونه ابن حرة علوية فاطمية، ولعمري إنه لمزيد فخر وشرف فبدا لله فيه أن توفاه في حياة الصادق (ع) وكان فعل به بعد موته ما فعل من كشفه عن وجهه بعد تكفينه وتقبيله غير مرة إتمام للحجة أنه ميت لا غائب، وأن أمر الإمامة لله يجعله حيث يشاء ليس بمحبة مخلوق وهو به.

وكل ذلك لئلا يفتتن الناس به عمن جعله الله وليا وقيما على خلقه وحافظا لدينه، ومع هذا كله قد افتتن به وتاه عن سبيل هداه خلق كثير وقالوا أن الإمامة في ولده كل من خرج بالسيف، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ[3]، فاقتضت حكمته سبحانه موت إسماعيل رحمة الله عليه في حياة أبيه (ع) وأراد ذلك لمصلحة عامة رحمة للمؤمنين وإتماما لكمال الحجة للظالمين فأظهر بذلك ما كان خفيا عندهم من إمامة موسى (ع) ووصايته وأثبته بعدما كان غير ثابت لديهم ومحا ما كان مثبتاً وظاهراً في نفوسهم من أمر إسماعيل، ويشير إليه روايات يمكن أن يستدل بها، منها:

1ـ روي عن الإمام الصادق (ع) قال: ما بدا لله في شيء كما بدا في إسماعيل ابني[4].

2ـ عن يونس ابن يعقوب قال: أمرني الإمام الصادق (ع) أن آتي المفضل وأعزيه بإسماعيل وقال: أقرىء المفضل السلام وقل له: إنا قد أصبنا بإسماعيل فصبرنا فاصبر كما صبرنا، إنا أردنا أمرا وأراد الله عز وجل أمرا فسلمنا الأمر لله عز وجل[5].

3ـ عن أبي خديجة الجمّال قال: سمعت الصادق (ع) يقول: إني سألت الله في إسماعيل أن يبقيه بعدي فأبى، ولكنه قد أعطاني فيه منزلة أخرى أن يكون أول منشور في عشرة من أصحابه فيهم عبد الله ابن شريك وهو صاحب لواه[6].

4ـ عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي الحسن (ع) بعدما مضى ابنه أبو جعفر وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما  أعني أبا جعفر وأبا محمد (ع) في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد (ع)، وأن قصتهما كقصتهما إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر، فأقبل عليّ أبو الحسن (ع) قبل أن أنطلق فقال: نعم يا أبا هاشم، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر (ع) ما لم يكن يعرف له كما بدا له في موسى (ع) بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة[7].

أقول: وكان أبو جعفر اسمه محمد أصغر سناً من أخيه أبي محمد الحسن (ع) وكان يظن لهذا الأمر كإسماعيل فبدا لله فيه فأماته فمحا ما في نفوس بعض الناس من الظن وأثبت في ـ أي محمد (ع) ـ ما لم يكن يعرف له كما كشف عن حال موسى (ع) بمضي إسماعيل من إثبات إمامة الباقي بمضي الماضي كما يدل عليه ما فيه عن علي بن جعفر قال: كنت حاضراً عند أبي الحسن (ع) لما توفي ابنه محمد فقال للحسن: يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً[8].

ولا يخفى عليك ما في هذه الرواية من صراحتها فيما ذكر من معنى البداء فيما نحن فيه أن الواقع في شأن موسى (ع) كشفه سبحانه عن حال موسى (ع) ما كان مستوراً لبعض من العباد وإيضاح إمامته، ورفع اشتباه المتوهمين أن لها أهلاً غيره (ع)، وكذلك في شأن سائر الأئمة الخمسة الأخيرة (ع).

فيكون ما وقع في إسماعيل من البداء في موته قبل الصادق (ع) وعدم بقائه بعده، وقد سأل الله له ذلك ودعاه وهو السبب الأقوى لبقائه لكنه سبحانه أماته في حياته مع وجود السبب والمقتضي لبقائه لمانع أقوى منه وهو بقاء كثير ببقائه في الشبهة والحيرة عن طريق هداهم لعدم معرفتهم إمامهم وملجأهم، فاقتضت حكمته سبحانه إماتته إبلاغا للحجة وإيضاحا للمحجة لئلا يكون للناس حجة، ففيه مصلحة عامة وتشمله وجميع الأمة.

أما صلاح الأمة فواضح وكذلك صلاح إسماعيل لئلا يغتر به الناس وأبدله سبحانه أن يكون أول منشور في ثلة من المؤمنين فينصر به الدين كما يدل عليه رواية الرجال عن أبي خديجة الجمّال، فمقتضى موته أقوى من مقتضى بقائه كما أن مانع موته أقوى من مانع موته وهذا هو الذي في الرواية الثانية من قوله: أردنا أمراً وأراد الله أمرا فسلمنا الأمر لله، يعني أراد (ع) حياة إسماعيل وأراد سبحانه موته لمنافع شتى.

وكذلك قوله (ع) في أول الروايات: ما بدا لله شيء كما بدا له في إسماعيل ابني، يعني أن البداء فيه إماتته قبله (ع) أعظم من سائر ما وقع فيه البداء، إذ كان وقوعه بعد السؤال والدعاء له بالبقاء، ودعاء المعصوم (ع) لا يرد بل يستجاب، فصار بقاؤه بدعائه منبتاً مبرماً قبل أن يوجد له مانع يمنعه، فلما وجد ما هو أقوى منه مما ذكر من الحكمة والمصلحة العامة وأنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة أن لا يهلك أحدا من الأمة إلا بعد إقامة الحجة وإبانة الطريق، لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ[9]، محا ما أثبته بدعوة الإمام (ع) من بقائه وأثبت ما كان ممحواً بها، فلأجل ذلك صار أعظم فافهم.

ولا تتوهم أن دعوته (ع) قد ردت ومسألته ما استُجيبت حاشاهم بل أفعالهم مثل أقوالهم، فكما إذا أخبروا عن شيء يكون ثم ما كان لمانع له من عالم الشهادة فقد صدقوا أنفسهم إذ كانوا أخبروا أيضا بوجود المانع وتغييره، وإذا أخبروا فكان ما أخبروا فقد صدقوا أنفسهم، فكذلك دعاؤهم وسؤالهم عن الله سبحانه من غير تفاوت.

ثم إن هذا المعنى من البداء الذي وقع في شأن أبي الحسن موسى (ع) من كشف ما خفي من حاله ولم يكن يعرف به وهو كونه (ع) محلا للوصاية وصاحب أمر الإمامة والخلافة جرى في شأن أبي الحسن الرضا (ع) ومن بعده من الأئمة (ع) بوجهين:

الأول: أنه لو لم يكن يكشف حال أبي الحسن الأول (ع) بالإمامة والولاية بما كشف به الله سبحانه وكان بقي على ما كان عليه من خفائه لكان أمر الأئمة التالية المرتبة عليه مستورا غير معروف بطريق أولى، إذ اللاحق منهم (ع) لا بد في شأنه من نص السابق وتصريحه بأنه ولي الأمر بعدي، وهذا لا يفيد شيئاً في شأن الظهور إذا كان النص في نفسه أمره خفياً لا يعرف، فبإظهار أمره وكشف قناع سره انكشف له أمور من بعده وظهرت بالنص منه عليهم، فكان ظهور أمره بما بدا في شأنه لظهورهم، فكذلك كان خفاؤه سبباً لخفائهم وهذا المعنى يعم جميعهم (ع) لا يختلف.

الثاني: قد وقع ذلك في كل واحد منهم (ع) بالخصوص إلا أن جهته في كل غير الآخر والأخبار في ذلك ناطقة به ولكن نكتفي بذكر بعضها إيضاحاً للسبيل وخوفاً من التطويل.

البداء الوارد في شأن أبي الحسن الثاني

1ـ عن يزيد بن سليط قال: لقيت أبا إبراهيم (ع) ونحن نريد العمرة في بعض الطريق وذكر عنده ما جرى بينه وبين الصادق (ع) في ذلك الموضع من أمر الخليفة بعده ونصه (ع) على أبي الحسن (ع) بذلك – والكلام طويل – إلى أن قال يزيد: قلت لأبي إبراهيم (ع): فأخبرني أنت بمثل ما أخبرني به أبوك (ع)؟

فقال لي: نعم إن أبي كان في زمان ليس هذا زمانه، فقلت له: فمن يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك أبو إبراهيم (ع) ضحكا شديدا ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة أني خرجت من منزلي فأوصيت إلى ابني فلان – يعني الرضا (ع) – وأشركت معه بني في الظاهر وأوصيته في الباطن فأفردته وحده ولو كان الأمر إليّ لجعلته في القاسم ابني لحبي إياه ورأفتي عليه ولكن ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء.

ولقد جاءني بخبره رسول الله (ص) ثم أرانيه وأراني من يكون معه، وكذلك لا يوصى إلى أحد منا حتى يأتي بخبره رسول الله (ص) وجدي علي (ع)، ورأيت مع رسول الله (ص) خاتماً وسيفاً وعصاً وكتاباً وعمامةً، فقلت: ما هذا يا رسول الله، فقال: أما العمامة فسلطان الله عز وجل، وأما السيف فعز الله تبارك وتعالى، وأما الكتاب فنور الله تبارك وتعالى، وأما العصا فقوة الله، وأما الخاتم فجامع هذه الأمور، ثم قال لي: والأمر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول الله أرنيه أيهم هو، فقال رسول الله (ص): ما رأيت من الأئمة أحداً أجزع على فراق هذا الأمر منك ولو كانت الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك ولكن ذلك من الله عز وجل.

ثم قال أبو إبراهيم (ع): ورأيت ولدي جميعاً الأحياء منهم والأموات، فقال لي أمير المؤمنين (ع): هذا سيدهم، وأشار إلى ابني علي، فهو مني وأنا منه والله مع المحسنين، ثم قال أبو إبراهيم (ع): يا يزيد إنها وديعة عندك فلا تخبر بها إلا عاقلا أو عبدا تعرفه صادقا وإن سئلت عن الشهادة فاشهد بها وهو قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا[10]، وقال لنا أيضاً: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ[11]،[12] والحديث طويل نقلنا منه محل الحاجة.

ولا يخفى عليك أن خفاء أمر الرضا (ع) كان من أمور شتى مثل الخوف والتقية من أمراء الجور وخلفائه، وسفهاء الرعية من الأعداء، وضعفاء الشيعة الذين إيمانهم جناح بعوضة أرجح منه لا يميزون الأمر ولا يرعون السر، ومخالفة قومه (ع) عنه، وأخوته وعمومته قد أصر جمع منهم في إنكار وصية إنكار وصية أبيه له وعانده وبالغ فيما لا ينبغي من الخطاب إلا بما هو غير الصواب، وأرادوا بذلك إطفاء نوره، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[13].

وأعظم من ذلك قول قائل في حضوره وغيبته: كيف يكون إماماً من لا عقب له، وكان ذلك قبل ولادة الجواد (ع)، وذلك سرت منه الشبهة إلى قلوب ضعفاء الشيعة، ثم محبة أبي إبراهيم (ع) لابنه القاسم حتى قال في حقه: لو كان الأمر إلي لجعلته في القاسم ابني لحبي إياه ورأفتي عليه.

فبهذه الأسباب المقتضية لخفاء نوره وستر أمره بدا لله سبحانه في شأنه أن يظهره ويكشف ما عليه من حاله ما لم يعرف به مثل أبيه لما أراد الله سبحانه، وكتب على نفسه أن الحجة البالغة والنعمة السابغة وقال: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[14].

وكذلك الأمر في من بعده الأئمة (ع) شئونهم متشابهة وأحوالهم متطابقة تركنا ذكر ما ورد من الأخبار في شأنهم من كيفية البداء طلبا للاختصار وصوناً لما فيه من الأسرار من نظر الأشرار وقد سبق شطر منها وفيه الكفاية لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد.

الوجه الثاني لما وقع من البداء في شأن الإمام الكاظم

إن ما وقع من البداء في شأنه (ع) جعل الله أمه التي هي محل رحمة الله ومستودع سر الله من الإماء بعدما كانت أمهات من سبقه من الحجج والأئمة (ع) من الحرائر، ولا شك أنها أشرف وأنسب لشأن الإمام (ع) وما هذا التغيير إلا لأمر عظيم وسر مكتوم إلا من أهله، وهو أن الإمام (ع) يجب في الحكمة أن تكون أصلابه شامخة ولا يدانيه نسب ولا يشبهه حسب في الأمهات والأرحام تقتضي الحكمة طهارتها بحيث لا يكون أطهر منها في عصرها في إيمانها وعفافها وإطاعتها لزوجها ومحبتها للحق وأهله وبغضها للباطل وأهله.

فبهذه الخصلة تستأهل أن تجعل محطاً للأنوار العلوية ومنزلا للكواكب القدسية العلوية، فسائر جهات الشرافة بكلها بدون هذه الخصلة أو بنقص فيها لا توجب لمحلها أهلية لهذا الفيض الإلهي والشأن العلي البهي وإن كانت معه تزيد شرفا على شرف وفضلا فوق فضل.

فأم الإمام الرضا (ع) نجمة المكناة بأم البنين نوبية كانت في عصرها معروفة بالزهد والتقوى وحسن الجمال والأدب اشترتها حميدة أم موسى (ع) لنفسها فأمرها النبي (ص) في المنام أن تعطيها له وأخبرها أنها يولد منها الرضا (ع)، وفي الأخرى أن الإمام (ع) هو الذي اشتراها لنفسه.

وأم الإمام الجواد (ع) جارية نوبية من أهل بيت مارية القبطية أم إبراهيم، كانت سميت بعدة أسماء خيزران لنعومة جسدها ورشاقة قامتها، وريحانة لطيب نكهتها، ودرة لصفاء لونها وبياض وجهها وجبينها، وقد بلغها موسى (ع) بين يد بن سليط وهي التي قال رسول الله (ص) في حقها وحق ابنها: بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة الفم المنتجبة الرحم[15].

وأم الإمام الهادي (ع) جارية مغربية اسمها درة وسوسن وسمانة لصفاء لونها ورقة جلدها وبياض جبهتها وطيب رائحتها ونكهتها وسمنها، كانت معروفة بالكمال صورة ومعنى خلقا وخلقا، وكانت صائمة في أكثر أيامها مشهورة بالتقوى والزهد.

وأم الإمام العسكري (ع) كانت من بنات الملوك ذات جمال وأدب وكمال صورة ومعنى نقية تقية اسمها حديث وسمانة وكنيتها أم الحسن.

وأم الإمام الحجة (ع) اسمها مليكة بنت يشوعا بن قيصر الروم وينتهي نسبها إلى شمعون ابن حمون الصفا وصي عيسى (ع) خطبها رسول الله (ص) من عيسى وقال لشمعون: قد جاءك الخير صل رحمك برحم رسول الله، فعقدها من أبي محمد الحسن ابن علي (ع).

سؤال وجواب

فإن قلت: إن البداء لا يجري ولا يصح في كل ما أخبر الله به وأخبر به أنبياءه وأولياءه إذ كان سبحانه لا يكذب أنبياءه ورسله، فكما أن الأئمة (ع) كانوا أخبر بهم بلسان كل نبي من لدن آدم إلى نبينا (ص) وعليهم أجمعين فكذلك أمهاتهم قد أخبر بها رسول الله (ص) ونزل بأسمائهن في الصحيفة إلى فاطمة (س) فلا يصح فيهن البداء كما لا يجوز في أنفسهم وأعيانهم بغير ارتياب، أما النص بأسمائهن وأعيانهن بوحي سماري فهو الذي رواه في كمال الدين بإسناده إلى أبي نضرة قال:

لما احتضر الإمام محمد الباقر (ع) عند الوفاة دعا ابنه الصادق (ع) فعهد إليه عهدا فقال له أخوه زيد بن علي بن الحسين (ع): لو امتثلت في تمثال الحسن والحسين (ع) لرجوت أن لا تكون أتين منكرا، فقال: يا أبا الحسن إن الأمانات ليست بالتمثال ولا العهود بالرسوم وإنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى، ثم دعا بجابر ابن عبد الله فقال: يا جابر حدثنا بما عاينت في الصحيفة،

فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة (س) لأهنئها بمولود الحسن (ع) فإذا هي بصحيفة بيدها من درة بيضاء، فقلت: يا سيدة النسوان، ما هذه الصحيفة التي أراها معك، قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي، فقلت لها: ناوليني لأنظر فيها، قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، لكنه نهي أن يمسها إلا نبي أو وصي أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها.

قال جابر: فقرأت فإذا فيها أبو القاسم محمد ابن عبد الله المصطفى أمه آمنة بنت وهب، أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أبو محمد الحسن بن علي البر، وأبو عبد الله ابن علي التقي أمهما فاطمة بنت محمد (ص)، أبو محمد علي بن الحسين العدل أمه شهربانويه بنت يزدجرد بن شاهنشاه، أبو جعفر محمد بن علي الباقر أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب.

أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة أمه جارية اسمها حميدة، أبو الحسن علي بن موسى الرضا أمه جارية اسمها نجمة، أبو جعفر محمد بن علي الزكي أمه جارية اسمها خيزران، أبو الحسن علي بن محمد الأمين أمه جارة اسمها سوسن، أبو محمد الحسن بن علي الرفيق أمه جارية اسمها سمانة وتكنى بأم الحسن، أبو القاسم محمد بن الحسن هو حجة الله تعالى على خلقه القائم أمه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين، فبعد هذا التنصيص والإخبار عن الله كيف يصح فيه البداء[16].

قلت أولا: إن هذه الرواية فيها دلالة واضحة على ما اخترناه في جمع خبري الكافي والبحار من أن شهر بانويه بنت يزدجرد كانت حرة عتقها أمير المؤمنين (ع)، لا أنها أم ولد كما توهمه بعض، لأن في كل أمهات الأئمة الستة كانت بعبارة جارية وفي السبعة السابقة مع رسول الله (ص) أمهاتهم مذكورة بأسمائها من غير لفظ جارية ومن جملتها شهر بانويه أم علي بن الحسين (ع)، ولا شك أنها حالها كحال من ذكرت معها في الحرية.

وثانيا: ما أخبر الله به منه محتوم وهو ما لا تتم نعمة الخلق وكمال الدين إلا به وبدونه يقبح التكليف وتفقد الاستطاعة التي هي شرط التكليف، فبدونها إما تكليف بما لا يطاق أو إلزام للغافل مطلقا، فذلك مما اقتضت حكمته وجوده وتحتمه إذ هو لطف محض وفضل وإحسان كوجود الحجج والأئمة صلوات الله عليهم إذ هم الفضل والرحمة في قوله سبحانه: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا[17].

الاستنتاج

أن المقالة تركز على مفهوم البداء في سياق الإمامة، مشيرة إلى أن الله قد يُظهر أموراً لم تكن معروفة سابقا، مما يؤكد على أهمية الإرادة الإلهية في تحديد الأئمة، ويُستشهد بمواقف تاريخية، مثل وفاة إسماعيل ابن الإمام الصادق، لتوضيح كيف أن الله قد أخرجه من دائرة الإمامة ليظهر إمامة موسى الكاظم، ويُبرز المقال أن الأمور الإلهية تتجاوز الفهم البشري، مما يعكس حكمة الله في إدارة شؤون خلقه.

الهوامش

[1] الكليني، الكافي، ج4، ص575.

[2] الكليني، الكافي، ص386، ح۱.

[3] التوبة، 115.

[4] الصدوق، كمال الدين، ص69.

[5] الكليني، الكافي، ج۲، ص۹۲، ح16.

[6] الطوسي، رجال الكشي، ص۲۱۸.

[7] الكليني، الكافي، ج۱، ص۳۲۷، ح۱۰.

[8] الكليني، الكافي، ج۱، ص326، ح4.

[9] الأنفال، 42.

[10] النساء، 58.

[11] البقرة، 140.

[12] الكليني، الكافي، ج۱، ص۳۱۳، ح14.

[13] التوبة، ۳۲.

[14] آل عمران، ۱۷۹.

[15] الكليني، الكافي، ج۱، ص۳۲۳، ح14.

[16] الصدوق، كمال الدين، ص306.

[17] النور،۲۱.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ الصدوق، محمّد، كمال الدين وتمام النعمة في إثبات الغيبة وكشف الحيرة، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1416ه‍.

3ـ الطوسي، محمّد، اختيار معرفة الرجال، المعروف برجال الكشي، تحقيق مهدي الرجائي، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، طبعة 1404 ه‍.

4ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الكاتب: الميرزا محمد باقر الحائري.