فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز القيم الإسلامية التي تعكس روح الدين وتوجهاته نحو بناء مجتمع فاضل، وفي هذا السياق، سنستعرض مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإيجاز، ونتناول الشروط اللازمة لوجوب هذه الفريضة، بالإضافة إلى مواردها المتعددة التي تشمل شتى مجالات الحياة، فالكلام يقع في ثلاثة مواضيع:
1ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باختصار وإيجاز
قال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الذي هو من أهم الواجبات شرعا وعقلا، وهو أساس من أسس دين الاسلام، وهو من أفضل العبادات، وأنبل الطاعات، وهو باب من أبواب الجهاد، والدعوة إلى الحق، والدعاية إلى الهدى، ومقاومة الضلال والباطل، والذي ما تركه قوم إلا وضربهم الله بالذل، وألبسهم لباس البؤس، وجعلهم فريسة لكل غاشم، وطعمة كل ظالم.
وقد ورد من صاحب الشريعة الاسلامية، وأئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم، في الحث عليه، والتحذير من تركه، وبيان المفاسد والمضار في إهماله ما يقصم الظهور، ويقطع الأعناق، والمحاذير التي أنذرونا بها عند التواكل والتخاذل في شأن هذا الواجب قد أصبحنا نراها عيانا، ولا نحتاج عليها دليلا ولا برهانا.
ويا ليت الأمر وقف عند ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتجاوزه إلى أن يصير المنكر معروفا والمعروف منكرا، ويصير الآمر بالمعروف تاركا له، والناهي عن المنكر عاملا به، فإنا لله وإنا إليه راجعون (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)[1] فلا منكر مغير، ولا زاجر مزدجر، لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، الناهين عن المنكر العاملين به[2].
2ـ شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الشيخ جعفر السبحاني حول شروط وجوب الأمر بالمعروف:
قد فصّل الفقهاء والمتكلمون الكلام في شرائط وجوبهما، وإليك بيانها.
أـ عِلْم فاعلهما بالمعروف والمنكر.
ب ـ تجويز التأثير، فلو علم أنّهما لا يؤثران لم يجبا.
ج ـ انتفاء المضرّة، فلو علم أو غلب على ظنه حصول مفسدة له، أو لبعض إخوانه في أمره ونهيه، سقط وجوبهما دفعاً للضرر.
د ـ تنجّز التكليف في حق المأمور والمنهي، فلو كان مضطراً إلى أكل الميتة، لا تكون الحرمة في حقه منجّزة، فلا يكون فعله حراماً ولا منكراً، وإن كان الحكم في حق الآمر والناهي منجزاً.
نعم، إنّ الشرط الثالث، أي عدم المضرة، شرط في موارد خاصة لا مطلقاً، فربما يجب على الآمر والناهي تحمل الضرر، و عدم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ وذلك فيما إذا كانت المصلحة مهمة، كما لو استلزم سكوته خروج الناس عن الدين، وتزلزلهم في العقيدة، فيحرم عليه السكوت، بل يجب عليه الاصحار بالحقيقة، وإن بلغ ما بلغ من ضرب، أو شتم، أو حبس، حتى القتل.
قال رسول اللّه (ص): «إذا ظهرت البدع في أُمّتي، فليظهر العالم علمه، وإلا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين»[3].
وقال أمير المؤمنين علي (ع): «وما أخذ اللّه على العلماء أنّ لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم»[4][5].
3ـ موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ورد كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمركز الرسالة ما نصه: لا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمورد من الموارد، ولا مجال من المجالات، بل هو شامل لجميع ما جاء به الإسلام من مفاهيم قيم، فهو شامل للتصورات والمبادئ التي تقوم على أساسها العقيدة الإسلامية، وشامل للموازين والقيم الإسلامية التي تحكم العلاقات الانسانية، وشامل للشرائع والقوانين، وللاوضاع والتقاليد.
وبعبارة اُخرى: هو دعوة إلى الإسلام عقيدة ومنهجا وسلوكا؛ بتحويل الشعور الباطني بالعقيدة إلى حركة سلوكية واقعية، وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة ومتصلة مع الاوامر والارشادات الإسلامية، ومنكمشة ومنفصلة عن مقتضيات النواهي الإسلامية.
وقد بيّن الإمام الحسين (ع) موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائلاً: «… بدأ الله بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنّها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هينها وصعبها؛ وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها، ووضعها في حقها…»[6].
وقد تجلّت هذه الشمولية بوصية رسول الله (ص) لمعاذ بن جبل حينما ولاّه على أحد البلدان: «يا معاذ علمهم كتاب الله وأحسن أدبهم على الاخلاق الصالحة، وانزل الناس منازلهم ـ خيّرهم وشرهم ـ وانفذ فيهم أمر الله… وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام، واظهر أمر الإسلام كلّه، صغيره وكبيره، وليكن أكثر همّك الصلاة فإنّها رأس الإسلام بعد الاقرار بالدين، وذكّر الناس بالله واليوم الآخر واتبع الموعظة»[7].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستتبع جميع مقوّمات الشخصية الانسانية في الفكر والعاطفة والسلوك، لتكون منسجمة مع المنهج الالهي في الحياة، وتكون هذه المقومات متطابقة مع بعضها، فلا ازدواجية بين الفكر والعاطفة ولا بينهما وبين السلوك، وهي وحدة واحدة يكون فيها الولاء والممارسة العملية لله وحده ولمنهج التوحيد الذي دعا إليه في جميع مفاهيمه وقيمه[8].
الاستنتاج
أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي من أبرز الواجبات الشرعية والعقلية في الإسلام، ويشدد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء على أهمية الالتزام بهذا الواجب، محذرًا من العواقب الوخيمة للترك، مثل انتشار الفساد والظلم، كما يوضح الشيخ جعفر السبحاني شروط وجوب الأمر بالمعروف، مثل العلم بالمأمور والمنهي، وعدم وجود مفسدة، وتُظهر المقالة أن هذا الواجب ليس مقصورًا على جوانب معينة، بل يمتد ليشمل جميع مجالات الحياة.
الهوامش
[1] الروم: 41.
[2] كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، ص251.
[3] القمي، سفينة البحار، ج1، ص63.
[4] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة الثالثة.
[5] السبحاني، معارف القرآن الاعتقادية 2، درس 27.
[6] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج١، ص٤٨٣.
[7] ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، ص١٦٨.
[8] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مركز الرسالة، ص5.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1404 ه.
3ـ السبحاني، جعفر، معارف القرآن الاعتقادية 2.
4ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
5ـ الطبرسي، الفضل، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1415 ه.
القمّي، عباس، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، العتبة الرضوية، الطبعة الثالثة، 1430 ه.
6ـ كاشف الغطاء، محمّد حسين، أصل الشيعة وأصولها، تحقيق علاء آل جعفر، قم، مؤسّسة الإمام علي (ع)، الطبعة الأُولى، 1415 ه.
7ـ مركز الرسالة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قم، مركز الرسالة، الطبعة الأُولى، 1430 ه.