طلب الخير بالاستخارة بالقرآن والمسبحة بناءً على الرسالة 31.

الاستخارة لطلب الخير بالقرآن أوالمسبحة في نهج البلاغة

2025-12-11

343 مشاهدة

کپی کردن لینک

نظراً لأهمية الدعاء والاستخارة وتأثيرهما في مقادير الإنسان ومصيره، فإن تعلم آداب الدعاء في محضر الله تعالى أمر ضروري للغاية. وقد علم الإمام علي (ع) في الرسالة 31 المؤمنين أدبين في الطلب، أحدهما إخلاص الطلب والآخر هو طلب الخير أو الاستخارة، وهذا البحث يسعى لتوضيح هذين الأمرين.

1- الإخلاص في الدعاء عند الاستخارة

«أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ[1]

الاستخارة تعني طلب الخير، وقد ذكر الإمام علي (ع) في هذه الفقرة أن الإخلاص هو أحد آداب الدعاء، وأحد العوامل لتحقيق المراد وطلب الخير.

لذلك، يجب على الداعي أن يربط قلبه بالله وحده، ويوجه أمله ورجاءه نحو عتبة الذات الأزلية، ويخرج من قلبه كل التعلقات الأخرى، ويُزيل الاعتقاد بأن شيئاً آخر غير الله هو المؤثر.

وقد رُوي أن النبي موسى كليم الله مرّ برجل كان ساجداً يبكي ويتضرع ويدعو ربه ويطلب منه. فقال موسى: «يا رب لو كانت حاجة هذا العبد بيدي لقضيتها». فأوحى الله إليه: « يَا  مُوسَى إِنَّهُ يَدْعُونِي وَ قَلْبُهُ مَشْغُولٌ بِغَنَمٍ لَهُ فَلَوْ سَجَدَ حَتَّى يَنْقَطِعَ صُلْبُهُ وَتَتَفَقَّأَ عَيْنَاهُ لَمْ أَسْتَجِبْ لَهُ.» وفي رواية أخرى: «حَتَّى يَتَحَوَّلَ عَمَّا أُبْغِضُ إِلَى مَا أُحِبُّ.»[2]

إذن، يجب على الإنسان في مقام الدعاء والمناجاة أن ينصرف وينقطع عن كل شيء، ويوجه قلبه إلى الله وحده. وقد ذكر الإمام علي (ع) في ذيل هذه الجملة المباركة سبب ذلك، بقوله: «لأن العطاء والحرمان بيده».

فالله هو الذي يعطي ويرزق ويفتح أبواب إحسانه، والله هو الذي يمنع ويغلق أبواب العطاء والرزق والإحسان.

يقول أحد معاصري المرحوم الحاج ملا علي كني عنه:

«إن جناب حجة الإسلام السيد الحاج ملا علي كني (مد ظله العالي) بعد عودته من العتبات المقدسة، كانت سبل عيشه تقتصر على قناة واحدة في (كن) وكانت مهدمة. حدث زلزال شديد وانهارت القناة، فتدفقت منها ثلاثة أنهار من الماء، مما تسبب في ثرائه وغناه لدرجة أنه لم يعد بحاجة إلى الناس».[3]

2- طلب الخير من الله

«وَ أَكْثِرِ الْاِسْتِخَارَةَ[4]

الإنسان الذي فهم أن كل الأمور بيد الله، سيوجه بصورة طبيعية نظره إلى عتبته، ومن يعرف ذلك، أو أي عمل يتركه، فإنه يتوجه إلى ملجئه وملاذه، وهو الله القادر، طالباً الخير له من أعماق قلبه، وبالتأكيد، فإن الله تعالى، وهو صاحب الرحمة الواسعة، لن يمتنع عن تقدير الخير له.

يقول أمير المؤمنين (ع) عن طلب الخير من الله: إن رسول الله (ص) أرسلني إلى اليمن، وفي وصيته لي قال: «يَا عَلِيُّ مَا حَارَ مَنِ اسْتَخَارَ وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ[5]

طلب الخير بالاستخارة بالقرآن أو المسبحة

النقطة الجديرة بالاهتمام هنا هي: هل المقصود بالاستخارة هو المعنى العام لطلب الخير الذي يتم بتوجه قلبي مع الدعاء، وهو المعنى الظاهر للاستخارة لغوياً، أم أنها تشمل الاستخارات المتداولة أيضاً؟

يقول ابن أبي الحديد في شرحه لهذه الفقرة من كلام الإمام علي (ع): «المقصود من استخارة الإمام ليس ما يفعله الناس اليوم، بل المقصود هو أن يطلبوا الخير من الله في جميع أمورهم».[6]

كما يقول الشيخ محمد عبده في شرحه: «الاستخارة هي إجالة الرأي والفكر في الأمر قبل فعله لاختيار أحسن الوجوه».[7]

ويقول الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر السابق: «من أقبح أنواع الاستخارة هو الاستخارة بالقرآن الكريم، التي أصبحت عادة لبعض المسلمين وشائعة ومعروفة بين الجميع، حتى بين أهل العلم والدين». ثم يقول: «إن الله لم يرضَ أبداً أن يكون كتاب هدايته وإرشاده، الذي هو وسيلة قوام الحياة العقلية والروحية والعملية، وسيلة شعوذة ولعبة في يد عابث، أو مضلل، أو مزور».[8]

لكن كل هذه الأقوال والمطالب غير صحيحة وبعيدة عن الحقيقة، للأسباب التالية:

  • أولاً: إن الاستخارة، وإن كانت تعني طلب الخير من الله، فإن الاستخارات المتداولة هي فرع من تلك الحقيقة ومصداق لذاك المعنى الكلي، ولا يوجد مبرر لنفيها.
  • ثانياً: الاستخارة هي نوع من التوسل والالتجاء إلى العتبة الإلهية، ولا تُستخدم إلا في حالات الحيرة حيث تكون الطرق العادية والطبيعية مغلقة، وإلا فإن العمل الذي له طريق خاص يجب أن يؤتى من طريقه، ومع وجود طريق واضح، لا مجال للاستخارة.
  • ثالثاً: إن الإنسان الذي يلجأ إلى الاستخارة، هو في الحقيقة يتوسل إلى الذات الإلهية الأزلية، ومن بين طريقين هو متحير بينهما، يختار أحدهما من خلال التوسل والتوجه إلى الله تعالى. وبهذه الطريقة، يتوسل بالمعبود الواحد، والله تعالى ينظر إليه بلطفه ويحدد له الخير.

لذلك، فإن الاستخارة ليست مجرد شرك، بل هي عين التوحيد والتوكل والاعتماد على الذات الإلهية الأزلية، وليست شعوذة، بل هي أمر عقلاني وواقعي، سواء تم ذلك بالمسبحة أو بالقرآن الكريم، وليس فيها قبح على الإطلاق حتى تكون الاستخارة بالقرآن أقبح وأسوأ.

وهذا البرنامج ليس حديثاً، بل له سابقة وتاريخ يرجع إلى عصور الأئمة الأطهار، وعمومات الآيات الكريمة تثبت شرعيته. وقد أثبت المرحوم آية الله السيد عبد الحسين النجفي اللاري (أعلى الله مقامه) مشروعيتها بالأدلة الثلاثة من الأدلة الأربعة، فمثلاً، من عمومات القرآن الكريم، استدل بالآيات التالية:

﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[9]

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ[10]

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا[11]

والمستفاد من دلالة هذه الآيات الكريمة أن الاستخارة هي نوع من الدعاء والتوكل والتفويض إلى الله تعالى وحسن الظن به.

ثم استدل بالروايات التي تدل على جوازها، ثم تمسك بالإجماع، وقال: «فيما يتعلق بالإجماع، يكفي أن نقول إن قول الإمامية وفعلهم قد استقر على شرعية الاستخارة والعمل بها، لدرجة أن هذا الأمر أصبح من شعائرهم، وهو بالتأكيد يكشف عن رأي رئيسهم وتقرير من تلك الجهة».[12]

النقطة التالية هي أن الإصرار ليس على الاستخارة بالأسلوب الشائع، بل الأساس هو طلب الخير من الله، لكن غرضنا هو أن الاستخارة المتداولة بين العلماء والصالحين هي أيضاً من مصاديق ذلك المعنى الكلي، ومشروعيتها ثابتة، وأن الفهم الخاطئ لا علاقة له بموضوعنا. إن الاستخارة هي لرفع الحيرة واختيار أحد طرفي القضية.

وليس من الغريب أن يتم الكشف عن الطريق وتحديد الواجب من خلال التوسل والتوجه إلى الله، حيث يُعرض على الإنسان طريق الخير والصلاح بإذن الله. وإن عدم تحقق المراد في بعض الحالات لا يتنافى مع كونها طريقاً ودليلاً على الصواب، لأن الدعاء والتوسل قد لا يُجاب أحياناً، والله قادر على أن يعوض عن ذلك بطريق آخر، إذا كانت الاستخارة قد أخطأت ظاهرياً من وجهة نظر شخصية ضيقة ولم تحقق مراد الإنسان.

وقد حدثت توجيهات وتحديدات للطريق من خلال الاستخارة، وخاصة بالقرآن الكريم، لدرجة أن الأمثلة التي تطابقت وتحققت على أرض الواقع لا يمكن حصرها. وإليكم بعض الأمثلة:

جاء في أحوال المرحوم الشيخ الأنصاري (أعلى الله مقامه) أنه في عام 1240 هـ، غادر دزفول قاصداً زيارة الإمام الثامن (ع) وكان يرغب في لقاء العلماء البارزين، فإذا كانوا أفضل من علماء العراق، فسيستفيد منهم.

لم تكن والدة الشيخ راضية عن هذه الرحلة، لأنها لم تر ابنها منذ عدة سنوات ولم تكن مستعدة لتحمل فراقه مرة أخرى. تحدث مع والدته كثيراً وتوسل إليها، لكنها لم توافق.

وبعد إصرار شديد، قرر أن يستخير. ففتح الشيخ القرآن بنية والدته، فظهرت في بداية الصفحة التي يُكشف فيها عن الخير أو الشر للاستخارة هذه الآية الشريفة:

﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ[13]

هذه الآية الشريفة خففت من حزن تلك السيدة وأضاءت مستقبل الشيخ تماماً، فبكت قليلاً وسمحت له بالسفر.[14]

أما المرحوم آية الله الشيخ مرتضى الحائري (رضوان الله عليه) فقد كتب عن هجرة والده، المرحوم آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري (أعلى الله مقامه):

كان والدي المرحوم، حسب ما أتذكر، لا يستخير بالقرآن. كان يقول: «أنا لا أفهم تماماً، فمثلاً آية: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾[15] ، هل هي جيدة أم سيئة بالنسبة لموضوع الاستخارة؟». ولكن من المعروف والمتفق عليه أنه من أجل البقاء في قم، بعد إصرار عدد من علماء قم وأهلها وكذلك أهل طهران، استخار عند مرقد السيدة المعصومة (سلام الله عليها) فظهرت هذه الآية: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ[16] أي «ائتوني بكل أهلكم وأقاربكم وخواصكم».[17]

النتيجة

يوصي الإمام علي (ع) ابنه بأدبين في مقام الاستخارة أو طلب الخير من الله تعالى. الأدب الأول هو الإخلاص والتوجه الكامل إلى الله، ونفي تعلق القلب بغيره، لأن العطاء والمنع بيد الخالق. أما الأدب الثاني فهو طلب الخير أو الاستخارة في جميع الأمور من الله تعالى.
فطلب الخير والهداية في شؤون الحياة اليومية، بناءً على الروايات، يقي الإنسان من الندم، وأحد وجوه ذلك هو الاستخارة بالقرآن أو المسبحة عند الحيرة في اتخاذ القرار. وهذا العمل مؤيد بالعقل والشرع.

الهوامش

[1] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 31.

[2] الديلمي، إرشاد القلوب، ص208.

[3] قائم مقام فراهاني، ملاحظات وذكريات، ص 215.

[4] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 31.

[5] الطوسي، الأمالي، ج1، ص135.

[6] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج16، ص65.

[7] عبده، شرح عبده، ج 2، ص45.

[8] كلباسي، رسالة في الاستخارة من القرآن المجيد، ص242-247.

[9] سورة غافر، الآية 60.

[10] سورة الفرقان، الآية 25.

[11] سورة الطلاق، الآية 3.

[12] كلباسي، رسالة في الاستخارة من القرآن المجيد، ص8.

[13] سورة القصص، الآية 12.

[14] الأنصاري، حياة وشخصية الشيخ الأنصاري، ص87.

[15] سورة الجمعة، الآية 1.

[16] سورة يوسف، الآية 29.

[17] لاجوردي، ملاحظات المرحوم السيد الحائري، ص134.

مصادر البحث

  1. قرآن کریم.
  2. ابن ابى الحديد، عبدالحمید بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، قم، مکتب آیت الله مرعشی نجفی، 1363.
  3. انصاری، مرتضی، زندگی و شخصیت شیخ انصاری (حياة وشخصية الشيخ الأنصاري)، قم، کنگره بزرگداشت دویستمین سالگرد شیخ انصاری، 1373.
  4. دیلمی، حسن بن محمد، ارشاد القلوب، قم، شریف رضی، 1371
  5. شریف الرضی، محمد بن حسین، النهج البلاغة، مترجم: دشتی، قم، مشهور، سال 1379.
  6. الطوسی، محمدبن حسن، الأمالي، قم، دارالثقافه، 1414ق
  7. عبده، محمد، شرح عبده، تهران، ذوی القربی، 1385.
  8. قائم مقام فراهانی، عبدالمجید، يادداشتها و خاطرات قائم مقام فراهانی (ملاحظات وذكريات)، تهران، بهارستان، 1369.
  9. کلباسی، محمد بن محمدابراهیم، رسالة في الإستخارة من القرآن المجيد، قم، موسسه امام مهدی، 1411ق.
  10. لاجوردی، حبیب، يادداشتهاى مرحوم آقاى حائرى (ملاحظات المرحوم السيد الحائري)، تهران، نادر، چاپ دوم، 1382.

مصدر المقالة

کریمی جهرمی، علی، به سوی مدینه فاضله (إلى المدینة الفاضلة)، قم، راسخون، 1387.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *