أهل الباطل في نهج البلاغة من منظور أمير المؤمنين (ع)

أهل الباطل في نهج البلاغة من منظور أمير المؤمنين (ع)

کپی کردن لینک

وفقًا لما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي (ع)، فإن معرفة الباطل وتمييزه عن الحق في البداية يعد أمرًا صعبًا ومعقدًا، وخاصةً في الظروف التي يخفي فيها أهل الباطل وجوههم الحقيقية بالخداع والمكر، مما يجعل جيش الباطل وأتباعه يظهرون في كثير من الأحيان أعتى وأكثر عددًا من أنصار الحق.

غير أن الإمام علي (ع)، بفضل تعاليمه النورانية، بين بوضوح كيفية تجاوز هذه الصعوبة، مؤكّدًا أن الخضوع للحق، والتمسك بالتقوى والصبر، يسهّل معرفة الحق وتمييزه عن الباطل مع مرور الزمن. فالتقوى والصبر، إلى جانب البصيرة وصدق النية، يشكلان سلاحين فاعلين جدًا في مواجهة أهل الباطل.

ومع ذلك، هناك عوامل عدة تفسح المجال لعدم معرفة الباطل، يتوجب الحذر منها. “قضية الباطل وأهله” تحتل مكانة بارزة في خطاب أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة، وسنستعرضها هنا بشكل موسّع.

 ما هو معنى الباطل؟

يذكر عالم اللغة المشهور الجوهري في كتابه “الصحاح”: “الباطل ضد الحق” [1]، كما يقول ابن منظور، صاحب “لسان العرب”: “الباطل نقيض الحق” [2].

خصائص الباطل في نهج البلاغة

1. حدود دقيقة بين الحق والباطل

الحد الفاصل بين الحق والباطل دقيق جدًا، مما يصعّب تمييزهما، ولذا جاءت تسمية “الشبهة” لوصف ما يشبه الحق ولكنه باطل.[3] وهذا الاضطراب بين الحق والباطل هو سبب الفتن الاجتماعية.[4]

2. خفة الباطل وثقل الحق

العمل بالحق ثقيل لكنه حلو المذاق، والعمل بالباطل خفيف لكنه مؤذي وهالك.[5] وبحسب الإمام (ع)، يصبح العمل بالحق أهون على المتقين الصابرين.[6]

3. كثرة جيش الباطل وقلة العاملين بالحق

خفة الباطل تجتذب الأتباع، في مقابل قلّة العاملين بالحق بسبب ثقله بالبداية. يقول الإمام (ع):

«إِنَّ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَهْلاً، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجَىً، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَشْتَبِهُ الْحَقُّ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو مَنْ كَانَتْ لَهُ مِنَ اللهِ سَابِقَةُ سَعَادَةٍ»[7].

كما قال الإمام (ع) لجيشه في الكوفة:

«أَيُّهَا النَّاسُ، أَبْدَانُكُمْ مَعاً وَأَهْوَاؤُكُمْ شَتَّى، كَلَامُكُمْ يُلِينُ الْحَدِيدَ، وَأَفْعَالُكُمْ تُصْلِي بِالْعَدِيدِ، تَدْعُونَ إِلَى الْمَسِيرِ وَتَأْبَوْنَ إِلَيْهِ السَّيْرَ، تَتَكَلَّمُونَ بِالشِّعَارِ وَتَبْتَغُونَ الْفِرَارَ، وَمَا يُدْرِكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ وَالْعَمَلِ»[8].

4. الهزيمة النهائية للباطل

يرى نهج البلاغة أن من يخاصم الحق يصرعه، وأن قوله مصيره الزوال.[9] كما أن قول الباطل مصيره الزوال.[10] وفي طي ذلك، يزول الباطل ويظهر الحق الحقيقي على يد أهل البيت الأطهار (ع)، كما قال الإمام (ع):

«لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ جِمَاحِهَا، كَعَطْفِ الشَّمُولِ عَلَى وَلَدِهَا»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [11].

 

5. ضعف الباطل في ذروة أوجّه

من خصائص الباطل أيضاً أنه ضعيف جداً أمام الحق، حتى في أوج هجومه وإظهار شجاعته. فقد قال الإمام (ع) لأصحابه في معركة صفين:

«عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ فَإِنَّهُ أَمْضَى لِلسُّيُوفِ، وَأَجْلَبُ لِلْكُفُوفِ، وَالْتَفِتُوا إِلَى عَمُودِ الْبَاطِلِ فَاجْلُسُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مُخْتَفٍ خَلْفَهُ، لَهُ يَدٌ لِلْهَجْمِ، وَرِجْلٌ لِلْفِرَارِ، وَاصْبِرُوا حَتَّى يَتَّضِحَ لَكُمْ عَمُودُ الْحَقِّ»[12].

وقال أيضاً في ذم جيش الجمل:

«لَقَدْ صَاحُوا صَيْحَةً وَلَمْ يُصِيبُوا شَيْئاً، وَبَرَقُوا بَرْقاً وَلَمْ يَمْطُرُوا قَطْراً، وَرَغَا بَغَاً، وَقَامَتْ فَلَيْحَةٌ، وَنَفَحَ فِي خَنْدَرِهِ، فَلَمْ يُصِبْ شَيْئاً. فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ مَتَى مَا يَرْتَغُونَ يَرْتَغِي عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ؟»[13].

وسائل معرفة الباطل

1. البصيرة وصدق النية

إحدى وسائل معرفة الحق والباطل في نهج البلاغة هي امتلاك البصيرة وصدق النية؛ وبناءً على ذلك، فإن وجود البصيرة وصدق النية يلعب دوراً مهماً جداً في معرفة الباطل وأهله.

البصيرة تعني امتلاك نظرة عميقة ودقيقة للقضايا والأحداث المحيطة. فبفضل البصيرة يمكن للمرء أن يعرف الوجه الحقيقي لأهل الباطل وأن يكون في مأمن من خداعهم ومكرهم. وصدق النية يعني امتلاك قلبٍ طاهرٍ ونيةٍ خالصةٍ في طريق الحق. فصدق النية هو نورٌ يهدي الإنسان من ظلمات الباطل وأهله إلى نور الحق.

«فَسِيرُوا بِالنَّاسِ سَيْرَ ذِي بَصِيرَةٍ، وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا سِرْتُ عَلَى جَادَّةٍ مِنَ الْحَقِّ، وَلاَ عَدَوْتُ عَنْهَا، إِلَّا وَأَنْتُمْ مُؤَخِّرُونَ، وَإِنَّمَا قُلْتُ مَا قُلْتُ لِذَاتِكُمُ الْتَمَاسَاً لِاسْتِغْفَارِكُمْ لِي وَلَكُمْ»[14]. البصير من وجهة نظر الإمام (ع) هو من يفكر بعد أن يسمع، ويكتسب نظرة جديدة مع كل نظرة، ويستفيد من العبر.[15]

2. التقوى

يُشبه أمير المؤمنين علي (ع) الخطايا بالخيول الجامحة، ويُشبه التقوى بمركبةٍ لينةٍ سلمت زمامها لراكبها، وتهديه بهدوء نحو الجنة، فيقول: «حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلٍّ أَهْلٌ»[16].

عوامل عدم معرفة الباطل

1. اختلاط الحق بالباطل

كما أشرنا، فإن دقة الحدود بين الحق والباطل تجعل التمييز بينهما صعباً، مما يؤدي إلى اشتعال الفتن الاجتماعية:

«فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجَىً، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَشْتَبِهُ الْحَقُّ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو مَنْ كَانَتْ لَهُ مِنَ اللهِ سَابِقَةُ سَعَادَةٍ»[17].

2. اتباع الهوى

من آفات معرفة الحق والباطل في نهج البلاغة اتباع الهوى، وهو أحد أمرين كان الإمام (ع) يخشاهما على الناس أكثر من أي شيء آخر (والآخر هو طول الأمل)[18]، لأن «اتِّبَاعُ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ»[19].

3. الجدل والمراء الجاهل

عاملٌ آخر يُعمي بصيرة الإنسان عن الحق، هو الإفراط في الجدل والمراء الجاهل:

«فَمَنْ لَازَ فِي الْجِدَالِ صَمَّ عَنِ الْحَقِّ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ اسْتَنْكَرَ الْخَيْرَ، وَمَنِ اسْتَنْكَرَ الْخَيْرَ خَبَلَ عَقْلُهُ، وَمَنْ خَبَلَ عَقْلُهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ أَمْرُهُ، وَمَنْ خَبَلَ عَقْلُهُ وَانْتَفَخَ بِمُعَادَاتِهِ، اسْتَحَالَتْ نَجَاتُهُ وَصَعُبَتْ مَوَاقِفُهُ»[20].

كما قال الإمام (ع): «فَإِنَّ مَنْ دَامَ فِي الْجِدَالِ لَا يَخْرُجُ مِنَ الظُّلْمَةِ»[21].

4. التعصب الجاهلي

خلال معركة الجمل، عندما وصل أمير المؤمنين علي (ع) بالقرب من البصرة، أرسل إليه بعض أهلها رجلاً عربياً يُدعى كليب الجرمي، ليستوضح حقيقة الموقف بين الطرفين. شرح له الإمام (ع) ما جرى بينه وبين أصحاب الجمل، وأثبت أنه على الحق. ثم قال له الإمام: «بايعني»، لكنه أجاب: «أنا رسول قوم، ولن أفعل شيئاً حتى أعود إليهم».

قال له أمير المؤمنين (ع): «إذا أرسلك قومك لتكون رائدهم، لتبحث عن مكانٍ فيه مطر، ثم تعود إليهم لتخبرهم عن النبات والماء، فإن خالفوا رأيك وساروا إلى أرضٍ قاحلةٍ بلا ماء، فماذا تفعل؟»

قال الرجل: «أتركهم يذهبون، وأذهب أنا إلى حيث وجدت النبات والماء».

قال له الإمام (ع): «إذاً، قدم يدك».

قال الرجل: «والله، عندما أصبحت الحجة واضحةً لي، لم أستطع رفض البيعة. فبايعته».[22] وهكذا، أوضح الإمام (ع) له أن الانتماء إلى قومٍ وقبيلةٍ لا يجب أن يمنع من قبول الحق.

5. الإصرار والعناد على الباطل

في نهج البلاغة، يعتبر الإمام (ع) العناد والإصرار سبباً لغفلة القلب وسوء المصير:

«مَنْ دَامَ عَلَى اللِّجَاجِ وَالْإِصْرَارِ فَإِنَّهُ مُوَلٍّ غَفَلَةً وَسُوءَ عَاقِبَةٍ»[23].

6. البقاء في الشك وعدم السعي لإزالته

من العوامل الأخرى التي تمنع وضوح الحق والباطل، هو البقاء في الشك وعدم الاهتمام بإزالته، مما يُحوّل الشك مع مرور الوقت إلى صفةٍ راسخة، فيجعل الإنسان لا يتأكد أبداً من كون الشيء حقاً أو باطلاً. وفي هذا الشأن، يقول أمير المؤمنين (ع):

«مَنْ دَامَ عَلَى الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ فَإِنَّهُ يُصَابُ فِي مَوَاقِفِ الشَّيْطَانِ»[24].

7. المبالغة في تقدير الأعمال

من وصايا الإمام (ع) لمالك الأشتر: «إِيَّاكَ وَالْإِفْرَاطَ فِي الْأَعْمَالِ، فَإِنَّهُ يُزِيلُ نُورَ الْحَقِّ»[25].

8. التسرع في المعرفة

من العوامل الأخرى التي تؤدي إلى الانحراف عن المسار الصحيح للمعرفة، هو عدم التأمل والدقة، وهو نتيجة التسرع في المعرفة.

رد أمير المؤمنين (ع) على الخوارج في النهروان قائلاً: «وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ وَقَّتَ فِي هَذَا الْحُكْمِ مُدَّةً؟ فَلِأَنَّ الْجَاهِلَ لَا يَعْلَمُ، وَالْعَالِمَ لَا يَعْجَلُ، وَلَعَلَّ اللَّهَ فِي هَذَا الْأَجَلِ أَنْ يُصْلِحَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَا يَكُونُ كَمَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَسْتَعْجِلُ إِلَيْهِ فَيَذْهَبُ مَعَ الْبَاطِلِ»[26].

9. الاكتفاء بما يُسمع وعدم الاحتكاك المباشر بالواقع

يُعد الاكتفاء بما يُسمع بدلاً من المواجهة المباشرة للحقائق من موانع المعرفة الصحيحة للحق والباطل في نهج البلاغة.

قال أمير المؤمنين (ع) وهو ينهى عن الاستماع إلى الكلام السيء عن الأشخاص الذين دينهم وأعمالهم صحيحة وثابتة:

«اعْلَمُوا أَنَّ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ».

فسُئِل عن معنى ذلك، فوضع الإمام (ع) أصابعه بين عينيه وأذنيه، ثم قال:

«الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ: سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ: رَأَيْتُ»[27].

اعلموا أن بين الحق والباطل لا يكون إلا أربعة أصابع. ثم سُئل عن معناها، فوضع الإمام (ع) أصابعه بين عينيه وأذنيه، ثم قال: «الباطل أن تقول: سمعت، والحق أن تقول: رأيت».

كما أكد (ع) لمالك الأشتر أن «خُفِيُّ الْوُجُودِ عَنْ الرَّعِيَّةِ يَحُولُ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَبَيْنَ الْعِلْمِ بِمَا عَنْهُمْ، فَإِنَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَمْرِ يُشَوَّشُ، وَالْقَلِيلَ يُزْدَادُ، وَالْحَسَنَ يُقْبَلُ، وَالْقَبِيحَ يُرْفَعُ، وَالْبَاطِلَ يَلْتَبِسُ بِالْحَقِّ»[28].

10.  عبادة الشخصية

أحد أسباب حيرة الإنسان في التمييز بين الحق والباطل هو الحكم على الحق من خلال الأشخاص، بدلاً من الحكم على الأشخاص من خلال الحق.

رد أمير المؤمنين (ع) على حارث بن حوط، الذي جاء إلى الإمام وقال: «أتظن أنني أعتبر أصحاب الجمل على ضلال؟!»، فقال له الإمام:

«يَا حَارِثُ، إِنَّكَ قَدْ نَظَرْتَ تَحْتَ قَدَمِكَ وَلَمْ تَنْظُرْ مَا حَوْلَهَا، فَتَرَدَّدْتَ، وَأَنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ أَهْلَهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ أَهْلَهُ»[29].

أهل الباطل

أهل الباطل هم من يسيرون في طريق الباطل ويُروّجون له في الوقت نفسه. ومن وجهة نظر أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة، فإن هؤلاء هم:

1. معاوية وأتباعه

يصف الإمام علي (ع) جيش بني أمية وأهل الشام بأنهم من أبرز مصاديق الباطل وأهله[30]، ويُعرف معاوية وعمرو بن العاص بأنهما الزعيمان والمفسدان الأساسيان فيه.[31] كما يعتبر الإمام (ع) أن الشيطان هو أحد الأسباب الرئيسية لهذا المعسكر، وأنه يُروّج الباطل على ألسنة الناس.[32]

2. أصحاب الجمل

يُعدّ أصحاب الجمل أيضاً جيشاً آخر من جيوش الباطل.[33] فقد كان الشيطان هو المحرك الرئيسي للفتنة في معركة الجمل. ويقول الإمام (ع) عن ثورة أهل الجمل: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ الْبَاطِلُ إِلَى حَالِهِ»[34].

3. المنافقون

وفقاً لنهج البلاغة، فإن المنافقين هم أحد الأعضاء الرئيسيين في جبهة الباطل. ويقول أمير المؤمنين (ع) عن هذه الفئة: «هُمْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مُبْهَمُونَ، وَبَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمِرْيَةِ مُتَرَدِّدُونَ، وَبَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ قَاتِلُونَ، وَبَيْنَ النَّهَارِ وَالظُّلْمَةِ مُظْلِمُونَ»[35].

4. الخوارج

الخوارج، أو أصحاب النهروان، هم فئة من فئات الباطل من وجهة نظر الإمام (ع).[36] وقد كان الشيطان هو المرشد في فتنة هذه الجماعة أيضاً.[37]

ومع ذلك، يبدو أن موقف أمير المؤمنين (ع) من الخوارج كان مختلفاً عن موقفه من بقية فرق الباطل. فقد قال (ع): «لَا تَقْتُلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي، فَمَنْ كَانَ مِنَّا فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَأَخْطَأَ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ وَوَجَدَهُ[38]».

طريقة معرفة أهل الباطل

كما ذكرنا سابقاً [39]، فإن معرفة الحق والباطل في نهج البلاغة هي الطريقة الوحيدة لمعرفة أهل الحق وأهل الباطل، والعلاقة العكسية ليست صحيحة. أي أنه لا يمكن تمييز الحق والباطل من خلال الأشخاص، باستثناء شخصيات المعصومين (ع) الذين هم بذاتهم معيار الحق ومؤشر لمعرفته.

 أمير المؤمنين (ع) في مواجهة الباطل وأهله

1. الحزم المطلق في المواجهة

يخاطب أمير المؤمنين علي (ع) ابن عباس قائلاً: «أَنَّ أَقْصَى مَا لَكَ مِنَ الدُّنْيَا إِطْفَاءُ الْبَاطِلِ وَإِحْيَاءُ الْحَقِّ»[40].

وفي موضع آخر، يقول (ع) له أيضاً: «لَشِدَادُ هَذَا الْبَاطِلِ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ، وَلَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُطِفِئَ بِهَا جَمْرَةَ الْبَاطِلِ لَفَعَلْتُ»[41].

كما اشتكى الإمام (ع) مراراً من الكوفيين بسبب تقاعسهم وضعفهم في مواجهة الباطل، ووبّخهم على ذلك.[42]

2. ضرورة الطاعة والوحدة

من الأمور التي أكد عليها نهج البلاغة باستمرار في مواجهة جبهة الباطل، هو الحفاظ على الوحدة وطاعة الناس والجنود لقائدهم. وفي شكواه من أهل الكوفة، يوضح الإمام (ع) أن سبب انتصار جبهة الباطل هو طاعة جنودها واتحادهم، بينما سبب هزيمة جبهة الحق هو عصيان أتباعها وتفرقهم.[43]

النتيجة

في تاريخ نضالات الإمام علي (ع)، نرى أمثلةً عديدةً على حزمه في مواجهة أهل الباطل. فلم يستسلم أبداً لخداعهم ومكرهم، ووقف بكل وجوده من أجل إحقاق الحق والعدالة. وقد أظهر الإمام علي (ع) لأتباعه من خلال تعاليمه أن أهل الباطل، مهما بدا مظهرهم كبيراً ومرعباً، فإن مصيرهم في النهاية هو الهزيمة والزوال.

لن يستطيع الباطل وأهله الصمود أبداً أمام الحق والحقيقة. إن نهج الإمام علي (ع) الحازم في مواجهة أهل الباطل لم يكن قدوةً في عصره فحسب، بل هو كذلك في جميع العصور، لكل من يسير على طريق الحق والعدالة. لقد علّم الإمام علي (ع) الجميع بثباته وصلابته أنه في مواجهة أهل الباطل، يجب أن نكون يداً واحدةً وموحدين، وألا ندّخر أي جهد. وبهذه الطريقة، لن يستطيع الباطل وأهله أبداً مقاومة قوة الإيمان وإرادة طالبي الحق، وسوف ينهزمون في النهاية.

الهوامش

[1] الجوهري، الصحاح، ج 4، ص 1635.

[2] ابن منظور، لسان العرب، ج 11، ص 56.

[3] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 38.

[4] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 50.

[5] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 53.

[6] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة 376.

[7] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 16.

[8] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 16.

[9] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 29.

[10] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 141.

[11] سورة القصص، الآية 5.

[12] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 66.

[13] المصدر نفسه.

[14] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 197.

[15] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 153.

[16] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 16.

[17] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 50.

[18] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 42.

[19] الآخر هو “طول الأمل”. الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 42.

[20] الآخر هو “طول الأمل”. الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 42.

[21] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة 31.

[22] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة 31.

[23] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 170.

[24] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 58.

[25] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة 31.

[26] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 53.

[27] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 125.

[28] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 141.

[29] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 53.

[30] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطب 25، 27، 93، 97، 98، 108، و 192.

[31] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطب 25، 27، 93، 97، 98، 108، و 192.

[32] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبتان 7 و 66.

[33] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبتان 137 و 192.

[34] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 22.

[35] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 194.

[36] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطب 36، 181، و 192.

[37] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 192.

[38] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 61.

[39] تحت عنوان “عبادة الشخصية”.

[40] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 66.

[41] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 33.

[42] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطب 25، 27، 29، 69، و 97.

[43] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطب 25، 27، و 97.

مصادر البحث

  1. قرآن کریم.
  2. الجوهري، أبونصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (متوفى: 393ق)، الصحاح تاج اللغة و صحاح العربية، تحقیق: عطا، احمد عبدالغفور، بیروت، دار العلم للملايين، 1407ق.
  3. ابن منظور الأنصاري، جمال الدين محمد بن مکرم بن على (المتوفى: 711هـ)، لسان العرب (چاپ سوم)، بیروت، دار صادر، 1414 ق.
  4. الشریف الرضی، محمد بن حسین، نهج البلاغة، تصحيح الدكتور صبحي صالح، قم، مؤسسه دار الهجرة.

مصدر المقالة

المؤمني، فريبا، «الحق والباطل في نهج البلاغة»، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة طهران، ربيع 1380، ص 362-380.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *