أبو جهل (عمرو بن هشام) مواقفه والآيات النازلة فيه

أبو جهل (عمرو بن هشام) مواقفه والآيات النازلة فيه

کپی کردن لینک

من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو أبو جهل (عمرو بن هشام)، وسنتطرق باختصار إلى سيرته وما قيل فيه، ثم نذكر أنه من ألد أعداء وخصوم رسول الله (ص)، وأنه كان يعذب المسلمين في مكة، وأنه مات كافرا ومشركا، وأخيراً نتطرق إلى الآيات القرآنية التي نزلت فيه.

سيرة أبو جهل

هو أبو الحكم عمرو بن هشام بن مغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم القرشيّ، المخزوميّ، المعروف بابن الحنظليّة نسبة إلى أمّه أسماء بنت مخربة الحنظليّة، وبعد بزوغ نور الإسلام كنّاه المسلمون أبا جهل، وأخته حنتمة بنت هشام أمّ عمر بن الخطّاب.

كان من رؤساء وزعماء قريش في مكّة، وكان تاجرا ثريّا معروفا بالشجاعة والدهاء والحيلة.

أبو جهل ألدّ أعداء وخصوم النبي (ص)

بعد أن منّ اللّه على البشريّة بالإسلام أصبح المترجم له من ألدّ أعداء وخصوم النبيّ (ص) والمسلمين، وأكثرهم إيذاء له وللمسلمين.

كان أبو جهل لعنة اللّه عليه يسبّ النبيّ (ص) ويشتمه، وينال منه ويكذّبه، ويثير الناس عليه وعلى المسلمين.

اشترك أبو جهل في جميع المؤامرات التي حيكت ضدّ النبيّ (ص)، كان يقف حجر عثرة أمام تقدّم الإسلام وانتشاره.

أبو جهل وتعذيبه للمسلمين

كان من الذين يقومون بتعذيب المسلمين وقتلهم، فقام بتعذيب امرأة من بني عديّ كانت تدعى زنيرة حتّى عميت، فقال لها: إنّ اللات والعزّى فعلا بك، فقالت: وما يدري اللات والعزّى من يعبدهما، ولكنّ هذا أمر من السماء، وربّي قادر على ردّ بصري، فأصبحت من الغد وقد ردّ اللّه بصرها.

تولّى أبو جهل قتل سميّة أمّ عمّار بن ياسر بعد أن طعنها في قبلها بحربة. وبعد وفاة أبي طالب (ع) أخذ ينادي ويقول: اقتلوا محمّدا (ص) فقد مات الذي كان ناصره.

كفر أبو جهل وشركه

ولم يزل أبو جهل على كفره وشركه حتّى قتل في معركة بدر الكبرى سنة 2 ه‍، قتله ابن عفراء، وقيل: قتله عبد اللّه بن مسعود، وقيل: عمروبن الجموح، وحين رآه النبيّ (ص) مقتولا قال: «قتل فرعون هذه الأمّة».

ولمّا أيقن بالهلاك دعا باللات والعزّى، فقال النبيّ (ص): «إنّ هذا- يعني أبا جهل- أعتى على اللّه من فرعون؛ لأنّ فرعون لمّا أيقن بالهلاك وحّد اللّه، وهذا لمّا أيقن بالهلاك دعا باللات والعزّى».

وعمره المشئوم يوم هلاكه كان 70 سنة، فذهب غير مأسوف عليه إلى جهنّم وبئس المصير.

القرآن العظيم وأبو جهل‏

أمّا الآيات التي نزلت فيه كثيرة نذكر بعضا منها:

وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا[1].

أَ ومَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها[2].

وإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى‏ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ[3].

وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[4].

ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدىً ولا كِتابٍ مُنِيرٍ[5].

ونزلت فيه وفي خمسة من أهل بيته هذه الآية من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[6].

في أحد الأيام التقى به الأخنس بن شريق فقال له: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمّد أ صادق هوأم كاذب؟ فقال أبو جهل: واللّه، إنّ محمّدا لصادق وما كذب قطّ، ولكن إذا ذهب بنوقصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة فما ذا يكون لسائر قريش؟ فنزلت هذه الآية من سورة الأنعام: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولكِنَ‏ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ[7].

اجتمع أبو جهل وبعض أقطاب الشرك في دار الندوة، فاقترح عليهم أن يأسروا النبيّ (ص) ويقيّده، ثم يعذّبوه بصنوف العذاب، فنزلت فيه وفي جماعته هذه الآية من سورة الأنفال: وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَويَقْتُلُوكَ أَويُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ[8].

ونزلت فيه هذه الآية من سورة الأنفال: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ[9].

وسبب نزولها بأنّه كان يحثّ المشركين ويشجّعهم على حرب النبيّ (ص) ويحذّرهم من الإيمان به.

غاب حمزة بن عبد المطّلب عن النبيّ (ص) مدّة، فانتهز أبو جهل غيبته فأخذ يشتم النبيّ (ص) ويضربه حتّى جرحه، فلمّا عاد حمزة أخبروه بما جرى للنبيّ (ص) من أبي جهل، فغضب وقصد أبا جهل، فوبّخه وأوجعه ضربا حتّى أدماه، فنزلت في حمزة وفي المترجم له هذه الآية من سورة الرعد: أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوأَعْمى‏ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ[10].

جاء أبو جهل وجماعة من المشركين إلى النبيّ (ص)، وطلبوا منه إبعاد جبال مكّة عنها، وفتح عيون من الماء لكي يزرعوا أراضيهم، وغيرها من المطالب، فإن نفّذها النبيّ (ص) لهم آمنوا به، فنزلت فيه وفي صحبه هذه الآية من سورة الرعد: ولَوأَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوقُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوكُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً[11].

لمّا رأى المترجم له والنضر بن الحارث طول عبادة النبيّ (ص) واجتهاده وإخلاصه في ذلك قالا له: إنّك لتشقى بترك ديننا، فنزلت جوابا لهما الآية 1 و2 من سورة طه: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏.

ونزلت فيه وفي أبي سفيان هذه الآية من سورة الأنبياء: وإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً[12]. وذلك لاستهزائهما بالنبيّ (ص).

ونزلت فيه وفي أبي بكر عند ما قبل الإسلام هذه الآية من سورة فاطر: أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ[13].

لما أخذ أبو جهل يصرّ على كفره وطيشه ويتوعّد النبيّ (ص) وينذره نزلت فيه هذه الآية من سورة يس: وجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ[14].

جاء المترجم له وجماعة من الكفّار إلى أبي طالب وطلبوا منه أن يكفّ النبيّ محمد المصطفى (ص) عن آلهتهم، فعرض أبوطالب مطلبهم على النبيّ (ص)، فقال النبيّ (ص): «أنا لا أريد منهم شيئا إلّا أن يقولوا لا إله إلّا اللّه» فنقل ذلك على أبي جهل وجماعته، فنزلت فيهم الآيات التالية:

«ص * والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ * وعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ * وانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى‏ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ يُرادُ * ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي»

ونزلت فيه وفي عمّار بن ياسر هذه الآية من سورة فصّلت: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى‏ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ[15].

جاء أبو جهل يوما إلى أصحابه وهو يحمل مقدارا من التمر والحليب والماء، فقال لهم: تزقّموا؛ استهزاء بالنبيّ (ص) الذي أوعد الكافرين بشجرة الزقّوم، فنزلت فيه الآيات التالية:

إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ[16].

طَعامُ الْأَثِيمِ[17].

ولمّا افتخر وتجبّر على النبي (ص) وقال: أنا أعزّ وأكرم أهل البطحاء نزلت فيه هذه الآية من سورة الدّخان: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ[18].

في أحد الأيّام قال: لو رأيت محمّدا يصلّي وضعت رجلي على رقبته، فنزلت فيه‏ هذه الآية من سورة الانسان: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوكَفُوراً[19].

ولكثرة تحدّيه للنبيّ (ص) ولآيات القرآن، ولتماديه في غروره وطيشه نزلت فيه هذه الآية من سورة التكوير: وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ[20].

ونزلت جوابا له وللمشركين سورة الإخلاص عند ما سألوا النبيّ (ص) عن اللّه عزّ وجلّ وأوصافه.

أمّا الآيات التي شملته فهي كثيرة نذكر منها:

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا[21].

وإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوالْحَقَّ[22].

والشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ[23].

وإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا[24].

وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ[25].

وللمزيد من الآيات القرآنية انظر الى: الكهف 6، الفرقان 41، الفرقان 42، القصص61، الزخرف 22، محمّد 1، الأعلى 13‏.[26]

الاستنتاج

كان أبو جهل من أبرز زعماء قريش المعادين للإسلام. كان رجلاً تاجراً ثرياً، متمرساً في الشدّة والدهاء، ثم صار رمزاً للكفر والشراسة ضد النبي محمد (ص) والمسلمين. شارك في المؤامرات ضد الدعوة وعرّض المسلمين للعذاب والقتل، كما عُرِف عنه إيذاء زنيرة وسميّة وعمّار. يعرض النص آيات قرآنية نزلت في سببه، تبرز كفره ومكره، وتبيِّن أن القرآن صوّره كعدوٍّ أقوى من فرعون عند الهلاك. تُبرز المقالة أيضاً التفاعل الاجتماعي في مكة وتُقدِّم صورة المعركة الأخلاقية بين الإيمان والكفر، مع ذكر وفاة أبي جهل في بدر وتوصيفه بفرعون تلك الأمّة.

الهوامش

[1] الأنعام 112.

[2] الأنعام 122.

[3] الأنعام 124.

[4] الأنفال 33.

[5] الحجّ 8.

[6]  البقرة 6.

[7]  الأنعام 33.

[8]  الأنفال 30.

[9]  الأنفال 49.

[10]  الرعد 19.

[11]  الرعد 31.

[12]  الأنبياء 36.

[13]  فاطر 8.

[14]  يس 9.

[15]  فصلت 40.

[16]  الدّخان 43.

[17]  الدخان 44.

[18]  الدخان 49.

[19]  الانسان 24.

[20]  التكوير 29.

[21]  البقرة 212.

[22]  الأنفال 32.

[23]  الإسراء 60.

[24]  الإسراء 73.

[25]  الإسراء 90.

[26] أسباب النزول للحجتى، ص188؛ أسباب النزول للسيوطير- حاشية تفسير الجلالين – ص405 وص433 وص437 وص463 وص607 وص615 وص632 وص634؛ أسباب النزول لعبد الفتاح القاضي، ص101 وص104 وص111، وص129 وغيرها؛ أسباب النزول للواحدي، ص31 وص176 وص238 وص250 وص280 وص315؛ الأعلام، ج5، ص87؛ الأغاني، ج1، ص31، وج4، ص18، وج8، ص50؛ أيام العرب فى الاسلام، ص10وص19 وص23؛ البداية والنهاية، ج3، ص57 وص63 وص287؛ بلوغ الارب، ج1، ص190 وص288 وص292 وص308 وج2، ص188 وج3، ص215؛ تاريخ الطبري، ج2، ص147 وص154 وص172 وغيرها؛ تاريخ اليعقوبى، ج2، ص28 وص40؛ تفسير البحر المحيط، ج2، ص129؛ تفسير الجلالين، ص3 وص143؛ تفسير أبي السعود، ج1، ص35؛ تفسير شبر، ص465؛ تفسير العسكري (ع)، ص294؛ تفسير أبي الفتوح الرازي، ج1، ص347؛ تفسير فرات الكوفي، ص135 وص617.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *