من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو النبي عيسى بن مريم (ع)، وسنتطرق باختصار إلى سيرته وسيرة أمه مريم (س)، ونتطرق إلى الأحداث التي حصلت بعد ولادته، وبيان بعثه ومعجزاته والكتاب الذي نزل عليه، ثم نذكر قضية صلبه ورفعه الى السماء، وأخيرا نذكر الآيات القرآنية التي نزلت في حقه.
سيرة عيسى بن مريم (ع)
هو عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان، ويصل نسب مريم إلى سليمان بن داود (ع).
كان (ع) يلقّب بألقاب عديدة منها: المسيح، وروح اللّه، وكلمة اللّه، والناصريّ، ويكنّى بابن مريم، واسمه بالعبريّة يشوع أو يسوع.
عيسى بن مريم أحد أنبياء أولي العزم، وصاحب الديانة النصرانيّة أو المسيحيّة، وآخر الأنبياء والرسل من بني إسرائيل إلى البشريّة.
سيرة أمه السيّدة مريم (س)
كانت أمّه مريم (س) منذ نعومة أظفارها تعيش في جوّ من الطهارة والفضيلة، مجتهدة في عبادة اللّه وطاعته، وكانت الملائكة تأتي إليها، وتخبرها بأنّ اللّه اصطفاها وطهّرها من الأدناس والأرجاس والخبائث.
ولمّا بلغت مبلغ النساء دخل عليها جبرئيل (ع) بأمر من اللّه على صورة شابّ، فخافت منه واستعاذت من رؤيته، فطمأنها وقال: أنا جبرئيل، أرسلني اللّه إليك لأهب لك غلاما زكيّا، فنفخ في جيبها، فحملت بقدرة اللّه عزّ وجلّ بعيسى (ع)، واختلف العلماء في مدّة حملها به، فمنهم من قال: إنّ مدّة حملها كان ستّة أشهر، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر وقيل: ساعة واحدة، وقيل: كما حملته ولدته في بيت لحم بالقرب من بيت المقدس بفلسطين، وقيل: ولدته في دمشق.
أحداث بعد ولادته (ع)
وبعد أن وضعته أتت به إلى قومها فقابلوها بالازدراء، واتّهموها بإتيان الفاحشة، فدافع عيسى (ع) وهو رضيع في المهد عن طهارة أمّه وبراءتها من الفاحشة والفجور.
وبعد أن بلغ عيسى بن مريم (ع) ثمانية أيّام ختنوه وسمّوه عيسى أو يسوع أو يشوع. لمّا كان هيرودس ملك اليهود قد أصدر أمرا بقتل الأطفال في بيت لحم؛ خوفا من طفل سينشأ ويقضي عليه وعلى مملكته، وللحفاظ على عيسى (ع) من فتك الملك قام يوسف بن يعقوب النّجار – وهو من أقارب مريم (س) – بنقلها ورضيعها من بيت لحم، وذهب بهما إلى مصر، وأسكنهما في مدينة عين شمس.
ولم يزل عيسى بن مريم (ع) وأمّه في عين شمس إلى أن هلك الملك، فعاد إلى فلسطين، وعمر عيسى يومئذ 7 سنوات، وقيل: 12 سنة.
قضى أيّام صباه في أورشليم، ولمّا كان اللّه عزّ اسمه قد منحه العلم والمعرفة في شئون الدين والدنيا أخذ يجالس العلماء ويناقشهم ويحاجّهم.
وبعد أن قضى فترة من عمره في أورشليم انتقل مع أمّه إلى مدينة الناصرة، وقضى بها أيّام شبابه.
بعثة عيسى بن مريم (ع)
ولمّا بلغ الثلاثين من عمره، ومنهم من قال: لمّا بلغ السابعة من عمره بعثه اللّه إلى بني إسرائيل بشريعة خاصّة به؛ ليخلّصهم من الانحراف والتشتّت والظلم والفساد الذي ساد بينهم وينهاهم عمّا قاموا به من تحريف شريعة موسى بن عمران (ع)، وتبديل كلام اللّه الذي جاء به في التوراة حسب أهوائهم ومصالحهم الدنيويّة.
مكان بعثته ونبوته (ع)
اختلف المؤرّخون في المكان الذي بعث فيه للنبوّة، فمنهم من قال: في الجليل، وآخرون قالوا: في كفرنا حوم، وفريق قالوا: في بيت المقدس، وكلّها في فلسطين، وقيل: استلم الإنجيل من جبرئيل (ع) على جبل الزيتون بفلسطين، ثمّ انتقل إلى أورشليم وسكنها، واشتغل بها في تبليغ رسالته.
وبعد الإعلان عن رسالته ونبوّته بادر جماعة إلى الإيمان به وتصديقه والتعلّم عليه، وكان في مقدّمتهم الحواريّون الاثنا عشر وهم: سمعان المعروف ببطرس الصيّاد، واندراوس أخو سمعان، ويعقوب بن زبدي، ويوحنّا بن زبدي، وفيلبس، وبرتوطاوس، وتوما، ومتّى العشّار، ويعقوب بن حلفي، ولباوس، وسمعان القانوني الغيور، ويهوذا الأسخريوطي، ويضيف بعضهم إليهم الحواري برنابا.
صدّ عنه الكثيرون ونفروا منه، وكذّبوه واتّهموه بالسحر، ولنشر دعوته ودينه بين صفوف اليهود قام بإرسال الحواريّين إلى القرى والأرياف اليهوديّة للتبشير إلى دينه ورسالته.
معجزات عيسى بن مريم (ع)
منحه اللّه القدرة على إنجاز أعمال يعجز غيره من الناس القيام بها، فكان يخلق من الطين كهيئة الطير، ثمّ ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللّه، وكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيى الموتى، ويخبر الناس بما يأكلون ويدّخرون في بيوتهم.
كان عيسى بن مريم (ع) يسيح في الأرض، ليس له منزل ومأوى، وليس له قرار ولا موضع يعرف به، وكان في صلاته يستقبل صخرة بيت المقدس. أنزل اللّه عليه الإنجيل، وهو يتضمّن مجريات حياته وأعماله ومواعظه ومعاجزه والخوارق التي أجراها اللّه تعالى على يده، فكانت مسطّرة على صورة قصص تحثّ الناس على عبادة اللّه وحده، وإطاعة أوامره، والتجنّب عن نواهيه، وتشجيعهم على التمسّك بالأخلاق الفاضلة، والابتعاد عن مساوئ الأخلاق؛ لإيصالهم إلى مراحل الكمال والسؤدد.
كتاب عيسى بن مريم (ع)
أنزل اللّه الإنجيل على قلب عيسى بن مريم (ع)، فكان بدوره يلقيه على تلاميذه وحواريّيه. ولا يغيب عن البال بأنّ الإنجيل لم يكتب ويدوّن في زمانه، بل كتبه من بعده تلاميذه وتلاميذ تلاميذه ممّا حفظوه عنه، فبلغت الأناجيل التي كتبت أكثر من مائة، ومن أشهرها: إنجيل متّى، وإنجيل مرقس، وإنجيل يوحنّا، وإنجيل لوقا، وإنجيل برنابا، والكنيسة المسيحيّة تعترف بجميعها عدا إنجيل برنابا، ويقولون إنّه مخلوق وغير قانونيّ.
يقول المحقّقون: إنّ الأناجيل المذكورة والموجودة بأيدي المسيحيّين لم تكن لها أصالة وصحّة من حيث المحتوى والسند، بل تلاعبت بها الأهواء والأغراض ومعطيات المراحل الزمنيّة التي مرّت بها.
وبعد أن لاقى الأمرين من أعدائه اليهود وغيرهم وشوا به، وتآمروا عليه، وشكوه إلى الوالي فأمر بإلقاء القبض عليه، وهنا تدخّلت عظمة البارئ وحكمته حيث أنقذه من جلاوزة الوالي، وجاءوا بأحد تلاميذه وكان يدعى يهوذا الأسخريوطي وكان يشبهه، وقد وشى بعيسى عند الوالي، فأخذوه وصلبوه ببيت لحم حتّى هلك، فنجا عيسى (ع) من شرور اليهود ومناوئيه، ورفعه اللّه عزّ وجلّ بجسده وروحه حيّا إلى السماء، وسيبقى على قيد الحياة حتّى ظهور الإمام المهدي صاحب الأمر والزمان الحجّة بن الحسن (ع)، فيصبح من أنصار الحجّة (ع) وأتباعه.
صلب عيسى بن مريم ورفعه
وبعد مقتل الأسخريوطي شاع بين الناس بأنّ عيسى (ع) صلب فمات. وللمسيحيّين فيه عقائد وقصص وخرافات لم ينزل اللّه بها من سلطان، ولا ذكرها معصوم، بل صوّرتها لهم أخيلتهم، فاتّهموه بتهم باطلة، وألصقوا به أمورا وحوادث هو براء منها، ومن جملة ما قالوا فيه: هو اللّه، وابن اللّه، وروح القدس، وغيرها من النعوت والصفات والأباطيل بالنسبة إليه ولأمّه عليهما السّلام.
رفع السيّد المسيح (ع) إلى السماء سنة 622 قبل الهجرة المحمّدية (ص)، وعمره يومئذ 34 سنة، وقيل: 33 سنة، وقيل 40 سنة.
والفترة الزمنيّة بينه وبين سيّدنا ونبيّنا محمّد (ص) كانت 600 سنة، وقيل: 500 سنة، وقيل: 560 سنة، وقيل: 540 سنة، وقيل: 620 سنة، وقيل غير ذلك.
وطيلة مدّة عمره الشريف لم يتزوّج قطّ. وبعد أن رفعه اللّه إلى السماء سلّط اللّه على اليهود ومناوئيه أحد ملوك الطوائف من ولد نبوخذنصّر، فقتلهم وشتّتهم، فضربت عليهم الذلّة والمسكنة.
وصف الإمام أمير المؤمنين (ع) له
وصف الإمام أمير المؤمنين (ع) النبي عيسى بن مريم (ع) بقوله: «كان يتوسّد الحجر، ويلبس الخشن، وكان أدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته ريحانة ما أنبتت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يتلفه، ولا طمع يذلّه، ودابّته رجلاه، وخادمه يداه».
القرآن العزيز وعيسى بن مريم
نزلت آيات مباركات كثيرة في حقه (ع)، نذكر هنا بعضها :
1ـ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..[1].
2ـ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى..[2].
3ـ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ..[3].
4ـ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ ومِنَ الْمُقَرَّبِينَ[4].
5ـ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ..[5].
6ـ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ..[6].
7ـ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا..[7].
8ـ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ..[8].
9ـ وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ..[9].
10ـ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِيناً[10].
وللمزيد من الآيات أنظر: النساء 163، النساء 171، النساء 172، المائدة 17، المائدة 46، المائدة 72، المائدة 75، المائدة 78، المائدة 110، المائدة 111، المائدة 112، المائدة 114، المائدة 116، الأنعام 85، التوبة 31، مريم 24، مريم 29، مريم 30، مريم 31، مريم 33، مريم 34، الأنبياء 91، الأحزاب 7، الشورى 13، الزخرف 57، الزخرف 63، الحديد 27، الصفّ 6، الصفّ 14.[11]
الاستنتاج
أن المقالة تعرض عيسى بن مريم (ع) كنبي من بني إسرائيل، ونسبه متصل بمريم إلى سليمان وداود، وتذكر ألقابه وتوصَفه بأنه من أنبياء أولي العزم، وأنه جاء برسالة دينية لمواجهة الانحراف اليهودي وتثبيت عبادة الله وحده. كانت أمّه مريم سابقة في التقى والطهر، وأنجبت عيسى بمعجزة من الله، ثم وُلد، وشار أهل الناصرة وأورشليم في تعليمه وتكليفه. أنزل الله عليه الإنجيل، وأيده بالآيات والعجائب كإحياء الموتى وشفاء المرضى. يرد الجدال حول صلبه أم رفعه حيّا إلى السماء.
الهوامش
[1] البقرة 87.
[2] البقرة 136.
[3] البقرة 253.
[4] آل عمران 45.
[5] آل عمران 52.
[6] آل عمران 53.
[7] آل عمران 55.
[8] آل عمران 59.
[9] آل عمران 84.
[10] النساء 157.
[11] اثبات الوصية، ص65؛ الأخبار الطوال، ص41؛ أسباب النزول، للسيوطي – حاشية تفسير الجلالين – ص186؛ أسباب النزول للواحدي، ص89 وص314؛ أقرب الموارد، ج2، ص853؛ الأمالي للصدوق، ص170 وص401 وص416 وص442؛ الأنبياء للعاملي، ص469؛ الانس الجليل، ج1، ص161؛ البدء والتاريخ، ج3، ص120؛ البداية والنهاية، ج2، ص51 وج6، ص295؛ بصائر ذوي التمييز، ج6، ص111؛ تاج العروس، ج4، ص200؛ تاريخ أنبياء للسعيدي، ص392؛ تاريخ أنبياء لعماد زاده، ج2، ص720، تاريخ حبيب السير، ج1، ص140؛ تاريخ ابن خلدون، ج2، ص167؛ تاريخ الطبري، ج1، ص424.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.