من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو النبي موسى بن عمران (ع)، وسنتطرق باختصار إلى سيرته وولادته زمن فرعون وتربيته ونشأته في دار فرعون، ثم نتطرق إلى هروبه إلى مدين ولقائه بشعيب وزواجه من بناته ثم بعثته ونبوته في وادي طوى وذهابه الى فرعون مع أخيه ومحاورة فرعون وتحقق معجزاته أمامه، وخروجه من مصر إلى فلسطين، ثم نتطرق إلى عبادة بني اسرائيل للعجل وقصة ذبح البقرة، وقصته مع الخضر، وأخيرا نذكر الآيات القرآنية التي نزلت في حقه.
سيرة النبي موسى بن عمران (ع)
هو موسى، وبالعبريّة موشي بن عمران، أو عمرام، أو عمرم بن قاهث بن لاوي ابن نبيّ اللّه يعقوب (ع)، وقيل في اسمه: موسى بن عمران بن عازر بن لاوي بن يعقوب (ع)، أمّه يوكابد، وقيل: أفاحية، وقيل: أيارخا، وقيل: يوخابيد، وقيل: أياذخت، وقيل نخيب بنت لاوي، وأخوه هارون بن عمران.
كان موسى بن عمران ينعت بكليم الرحمن، وكانت له عصا تتجلّى فيها عظمة البارئ، ومعاجزه ورثها عن النبی آدم أبي البشر (ع).
أحد أنبياء أولي العزم، وأعظم أنبياء بني إسرائيل، وكان كريما راسخ الإيمان، مخلصا في رسالته، مجدّا في إنقاذ قومه من العصيان والتمرّد، وكان وجيها عند اللّه، كثير التواضع.
كانت شريعته من أعظم الشرائع والأديان، وأمّته بنو إسرائيل، وكانوا كثيري العدد، فيهم الأنبياء والصلحاء والعلماء والأتقياء والزهّاد والملوك والشخصيّات المرموقة، لكنّهم بادوا وانقرضوا، وجرت عليهم النوائب والخطوب، ونتيجة لانحراف الأكثريّة منهم عن شريعتهم الحقيقيّة، وعدم التمسّك بتعاليم نبيّهم موسى (ع)، مسخهم اللّه قردة وخنازير.
ميلاد موسى بن عمران في زمن فرعون
في زمان عمران والد موسى (ع) حكم مصر ملك جائر أمر بقتل الذكور من بني إسرائيل واستحياء نسائهم، خوفا من كثرتهم واستيلائهم على الحكم، حتّى وصل به الأمر أن أصدر أمرا بإلقاء أولاد الإسرائيليّين في النهر ليموتوا غرقا، ففي هذا الجو المرعب والوسط الرهيب ولد موسى (ع)، وذلك بين سنتي 1605 و1645 قبل الميلاد، فخافت عليه أمّه، فسترته وخبّأته عن عيون وجلاوزة الملك، وبعد أن بقي عندها ثلاثة أشهر علّمها اللّه سبحانه صنع صندوق، وتطليه بالزفت والقطران- والقطران مادّة سيّالة دهنيّة تستخرج من أشجار الصنوبر والأرز- وتلقيه في نهر النيل، فأطاعت أمر السماء وأمرت أخته مريم بأن تتابعه وتعرف أثره، فاستمرّت مريم في اقتفاء أثره حتّى تأكّدت من التقاطه من الماء وإدخاله إلى دار فرعون مصر.
لمّا جيء به إلى البلاط الفرعونيّ وبصرت به ولأوّل مرّة زوجة فرعون- وكانت تدعى آسية بنت مزاحم بن عبيد، وكانت مؤمنة موحّدة ومن بني إسرائيل،- ألقى اللّه عزّ وجلّ محبّة موسى (ع) الطفل في قلبها، وقرّرت إبقاءه عندها؛ لتتّخذه وزوجها ولدا لهما، وقيل: إنّ التي التقطته من الماء هي «دربتة» ابنة فرعون.
موسى بن عمران في دار فرعون
دخل الرضيع دار فرعون فأحاطوه بالرعاية الخاصّة والعناية الفائقة، ولكنّه كان يرفض كلّ ثدي يريد إرضاعه، فاقترحت أخته مريم على آسية أن يستدعوا له مرضعة من بني إسرائيل لتقوم بإرضاعه وإنجاز مهامّه، فقبلت آسية بذلك الاقتراح، فانتهزت مريم تلك الفرصة وجاءت بأمّه- والبلاط لا يعلم بحقيقتها- لتلك المهمّة، فأقبل موسى (ع) على ثديها، ففرحوا بذلك، ودفعوه إليها لتتولّى إرضاعه وتدبير شئونه في بيتها.
ولم يزل موسى (ع) عند أمه حتّى فطمته من الرضاع، فأعادته إلى القصر الفرعونيّ ليتولّى الكهنة ورجال الدين تربيته بحسب تقاليدهم وعاداتهم كما كانوا يربّون أبناء ملوكهم.
مطاردات الحاكم وبداية الرحلة
أخذ موسى (ع) يشبّ ويترعرع في البلاط الفرعونيّ وهو يتأهّل يوما بعد يوم بالقوّة الوافرة والبأس الشديد، ويتبحّر في العلوم والمعارف، ويزداد بمرور الأيّام إيمانه باللّه سبحانه وتعالى، ونصرته لقومه الذين أصابهم صنوف الظلم والاضطهاد في مصر، ممّا أدّى إلى تعقّبه من قبل حكّام وقته ليقتلوه، فهرب إلى مدين، وقيل: مديان- وهي بلاد تقع شمال خليج العقبة من جهة، وشمال الحجاز وجنوب فلسطين من جهة أخرى- وهي منسوبة إلى مدين بن إبراهيم الخليل (ع).
لقاء موسى بن عمران بشعيب وزواجه في مدين
وبعد ثمان ليال من الجدّ في السير والجوع والعطش وصعوبات الطريق وصل إلى مدين، وبعد أن ارتوى من مائها صادف امرأتين تستقيان الماء، فسهّل أمر سقايتهما لماشيتهما.
وعند رجوع المرأتين إلى أبيهما أخبرتاه بمعروف موسى، وكان أبوهما هو نبيّ اللّه شعيبا (ع)، وقيل: كان ابن أخي شعيبا (ع)، وكان يدعى يثرون أو يثرى الكاهن، وقيل: كان رجلا مؤمنا من قوم شعيب (ع).
ولمّا علم شعيب (ع) بمعروف موسى (ع) مع ابنتيه طلب من إحداهما أن تدعوه إلى بيته، فلبّى موسى (ع) الطلب وجاء إلى بيت شعيب (ع)، فرحّب به وأحسن ضيافته، ثمّ سأله عن أمره، فأخبره عن ظلم فرعون لبني إسرائيل وإقدامه على قتله بالذات، فهرب من مصر إلى أن ورد مدين، فلمّا سمع شعيب (ع) مقالته طمأنه وآمنه.
وبعد أن بقي عند شعيب (ع) مدّة استخدمه لرعي غنمه لمدّة ثماني سنوات مقابل تزويجه بإحدى بناته، فقبل موسى (ع) بذلك، وتزوّج من ابنته التي كانت تدعى صفورا، فصار صهرا وراعيا لغنمه، وأنجب منها ولدين هما: جرشون وعازر.
من وادي طوى إلى نبوة موسى بن عمران
وبعد أن مكث موسى (ع) عند شعيب عشر سنوات، ففي إحدى ليالي الشتاء بينما هو وزوجته يرعيان الغنم ضلّا الطريق، وأخذا يسيران هنا وهناك حتّى دخلا وادي طوى- موضع بالشام- ومنه دخلا سيناء، ثمّ دخلا مصر ليلا، فتضيّف على أمّه في بيتها وهو لا يعرفها، فلمّا أبصر به أخوه هارون سأله عن نفسه، فلمّا أخبره عن اسمه تعارفا وتعانقا.
ثمّ بعث اللّه موسى (ع) للنبوّة في الوادي المقدّس طوى وعمره أربعون عاما، وأمره اللّه بأن يتّخذ من أخيه هارون شريكا له في رسالته، ثمّ جاء الوحي بأن يذهب وهارون إلى فرعون مصر آمون- وقيل: أحشويرس، وقيل: رعمسيس الثاني، وقيل: الوليد بن مصعب- ويدعوانه إلى الإيمان باللّه وتوحيده، وكان قبطيّا كافرا باللّه، جبّارا شقيّا، ادّعى الألوهيّة وأرغم الناس على إطاعته وعبادته، فجاءا إليه وطلبا منه الإيمان باللّه وحده، والامتثال لشريعة موسى (ع)، وإطلاق سراح الإسرائيليّين الذين كانوا يرزحون في سجونه.
المحاورة الكبرى بين موسى وفرعون
ولمّا دخل موسى (ع) وهارون على فرعون عرض موسى (ع) مطالبه عن طريق أخيه هارون، فجرت محاورة حادّة بينه وبين فرعون انصبّت حول طلب فرعون من موسى (ع) الاعتراف بربوبيّته وتقديسه، وطلب موسى (ع) بوجوب عبادة اللّه الواحد القهّار دون سواه؛ مبيّنا له عظمة البارئ في خلقه، ونعمه الشاملة لجميع مخلوقاته.
وبعد أن أخذ موسى (ع) يلحّ على فرعون بنصائحه وإرشاداته ثارت عنده عناصر الكبرياء والتجبّر والغرور، فأعلن بأنّه سيصعد إلى إله موسى (ع) ويقتله، وبذلك يثبت للناس كذب ادّعاءات موسى (ع)، فأمر وزيره هامان بن همداثا الأجاجيّ أن يبني له صرحا عاليا يصل به إلى السماء التي فيها إله موسى (ع) لينازله، وبعد أن بني له الصرح صعد عليه وصوّب سهما نحو السماء، فعاد إليه نصله مخضّبا بالدم، فقال فرحا: لقد قتلت إله موسى (ع).
معجزة موسى بن عمران أمام فرعون
وبعد أن عجز فرعون من إقناع موسى (ع) بألوهيّته طلب منه معجزة تثبت صدق ادّعاءاته، فجاء الوحي إلى موسى (ع): أن ألق عصاك فستنقلب ثعبانا مخيفا يتحرّك هنا وهناك، وضع يدك في جيبك فتصبح بيضاء للناظرين، فلمّا رأى فرعون وملؤه معجزتي موسى (ع) اتّهموه بالسحر، وقرّروا إحضار السحرة ليفعلوا ما فعله موسى (ع)، فلمّا اجتمع السحرة وحضر خلق كثير من الناس ألقى السحرة عصيّا وحبالا كانت بأيديهم، فانقلبت العصيّ والحبال إلى حيّات وثعابين بعد أن سحروا أعين الناس وأخافوهم.
فجاء الوحي إلى موسى (ع) بأن يلقي عصاه بين تلك الحيّات والثعابين، فألقاها وإذا بها حيّة مهولة مخيفة ابتلعت حيّات وثعابين السحرة، فاندهش الحضور وكانوا ثمانين ألفا، وقيل: سبعين ألفا، وقيل: حدود الثلاثين ألفا، وقيل: كانوا ما بين تسعة عشرا ألفا واثني عشر ألفا، وكان بين السحرة أربعون غلاما من بني إسرائيل تعلّموا السحر بأمر فرعون، وخرّ السحرة ساجدين لله سبحانه وتعالى، وآمنوا بشريعة موسى (ع)، وآمن الكثيرون من بني إسرائيل بشريعة موسى (ع) بعد أن كانوا يؤلّهون فرعون.
موسى وفرعون حتى البلاء الأخير
وبعد أن عجز فرعون أمام معاجز وعظمة موسى (ع) صمّم على عناده وتعنّته وكفره وتعسّفه، وأخذ يصدر الأوامر بقتل بني إسرائيل واستحياء نسائهم، وقرّر التنكيل بشخص موسى (ع) نفسه.
ومن الأوائل الذين أسلموا على يد موسى (ع) هم: آسية بنت مزاحم زوجة فرعون مصر، وحزقيل، ومريم بنت موساء.
وفي ذلك الجوّ المرعب قام رجل من آل فرعون وكان ابن عمّه وخليفته وخازنه، وكان يدعى حزقيل، وقيل: حزبيل، وقيل: خربيل، وكان قد آمن باللّه وبشريعة موسى (ع)، وكان يكتم ذلك- بالدفاع عن موسى (ع)، واحتجّ على فرعون وملئه على إقدامهم على قتل موسى (ع)، فقرّروا قتله، ولكنّ اللّه نجّاه من القوم الظالمين.
وبعد أن أصرّ فرعون وقومه على كفرهم وطغيانهم وفسادهم أنزل اللّه عليهم عذابه بصور مختلفة، فكانت أوّل مصيبة أصابتهم هي أن أجدب اللّه أرض مصر، فنقصت ثمراتهم، ثمّ جاء الطوفان الذي قضى على زرعهم وحرثهم، ثمّ سلّط عليهم الجراد فأكل ما بقي من زرعهم وثمارهم، ثمّ تتابعت الخطوب والرزايا حتّى جاء دور القمل، وقيل: البعوض، فأتعبتهم وسلبت راحتهم، وما انتهى دور القمل حتّى سلّط اللّه عليهم الضفادع، فكانت تتساقط في أطعمتهم وتتخلّل ملابسهم وفرشهم، ثمّ أصيبوا بنزف الدم من أنوفهم، ثمّ أحال اللّه ماء النيل إلى دم، وأخيرا فلق اللّه نهر النيل.
رحيل موسى بن عمران من مصر
وبعد تلك المصائب التي لحقت فرعون وملأه أمر اللّه موسى (ع) بالرحيل من مصر، فرحل موسى (ع) وقومه من بني إسرائيل- وقد بلغوا ستّمائة وعشرين ألفا- من مصر إلى فلسطين، فجهّز فرعون الجيوش وتتبّع أثر موسى (ع) وقومه ليردّهم إلى مصر، فلحق بهم وهم على ساحل البحر الأحمر، فلمّا أحسّ بنو إسرائيل بفرعون وجنوده خافوا من بطشه، فجاء الوحي إلى موسى (ع) بأن يضرب أرض البحر، فضربها فانفلق البحر وبانت أرضه، فعبر موسى (ع) وقومه إلى الشاطي الآخر، فلمّا رأى فرعون انفلاق البحر وعبور موسى (ع) ومن معه من اليابسة التي في البحر أمر جنوده باقتحام البحر من يابسته، فلمّا توسّط هو وجنوده انطبق البحر بقدرة البارئ عليهم، وغرقوا بأكملهم.
وصول موسى بن عمران الى فلسطين
وصل موسى (ع) وقومه ومن آمن به من الأقباط فرحين مستبشرين إلى أرض فلسطين.
وبعد غرق وهلاك فرعون وجنوده أرسل موسى (ع) كلّا من يوشع بن نون وكالب بن يوحنّا على رأس جيشين عظيمين إلى مدائن فرعون في مصر، والتي خلت من أهلها ولم يبق فيها إلّا النساء والأطفال والشيوخ والمرضى، فغنموا ما كان فيها من أموال وكنوز، وحملوها إلى موسى بفلسطين.
العجل الذهبي وآثار الفتنة في بني إسرائيل
ثمّ أوحى اللّه إلى موسى (ع) بأن يصعد جبلا في الشام يدعى جبل الطور، وقيل: جبل حوريب، وقيل: جبل طور سيناء، وقيل: جبل طور سينين، ويبقى فيه ثلاثين ليلة، ويستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل ليدير أمورهم.
وبعد أن مكث ثلاثين ليلة أمره اللّه أن يتمّها بعشر ليال أخر، وبعد أن أتمّها أرسل اللّه إليه أسفار التوراة، وقد بلغت عشرة أسفار وقيل: سفرين، وكانت تحوي مفاهيم وأسسا وأحكاما ومواعظ تهمّ بني إسرائيل وتسعدهم.
وفي فترة غيابه عن بني إسرائيل انتهز رجل دجّال يدعى موسى، وقيل: ميخا السامريّ غيبته وعمل مجسّمة لعجل ذهبيّ على هيئة العجول التي كانت تعبد في مصر، له صوت كصوت العجول، وادّعى أنّه إله موسى (ع)، وطلب من الإسرائيليّين عبادته، ولبلادتهم وحماقتهم اتّخذوه إلها وعبدوه، فلمّا علم بهم هارون أسرع إليهم ونهاهم عن عبادته، ولكنّهم عاندوه وشاكسوه وأصرّوا على عبادة ذلك العجل الذهبيّ.
ولمّا عاد موسى (ع) من الجبل وعلم بأمر السامريّ وعجله تقدّم باللوم اللاذع إلى أخيه هارون، وإلى قومه الذين أغراهم السامريّ، فوبّخهم أشدّ توبيخ، ثمّ وبّخ السامريّ وعاتبه عتابا شديدا وهدّده، وأمر بحرق العجل وإلقائه في البحر.
ثمّ طلب موسى (ع) من قومه الذين عبدوا العجل، وكانوا سبعين ألفا أن يتوبوا إلى اللّه من كفرهم وشركهم به، وأوحى اللّه إلى موسى (ع) بأنّ توبة قومه لا تتمّ إلّا بأن يقتل بعضهم بعضا، وبعد أن اقتتلوا فيما بينهم وبلغ عدد القتلى عشرة آلاف قتيل عفا اللّه عنهم.
أمّا السامريّ فعاقبه اللّه بالتألّم من مسّ أيّ إنسان له.
وبعد أن تخلّص موسى (ع) من السامريّ وعجله صدرت الأوامر السماويّة إليه بأن يذهب ببني إسرائيل إلى فلسطين، ويخلّصها من الجبابرة والعتاة من الكنعانيّين والحيثانيّين والفزاريّين وغيرهم الذين كانوا قد استعمروها، فعرض الأمر على قومه وكانوا قد وصلوا بالقرب من مدينة أريحة الفلسطينيّة، لكنّه خافوا وجبنوا وأبوا الرضوخ لأوامره، واتّهموه زورا بإصابته ببعض الأمراض الخبيثة.
وكان من بين المعاندين الأشدّاء له ابن عمّه قارون الذي كان على دين فرعون، وداثان وأبيرام ابنا الياب، واون بن فالت، وكانوا عصبة شرّيرة يؤلّبون الإسرائيليّين عليه، ويقاومونه بشتى الوسائل، ويتآمرون عليه وعلى أخيه هارون، فشكاهم موسى (ع) إلى اللّه فاستجاب اللّه لشكواه، فحرّم اللّه عليهم دخول مدينة أريحة، وسلّط عليهم التيه، فتاهوا في الصحاريّ والبواري في مصر، وبقوا في تيههم 40 سنة، ثمّ أبادهم بالصواعق والزلازل.
قصة ذبح بقرة بني اسرائيل
أمّا بالنسبة إلى بقرة بني إسرائيل فتتلخّص بما يلي: كان في بني إسرائيل شيخ كبير السنّ ذو ثروة طائلة، وكان له أبناء أخ ينتظرون موته ليرثوه، ولمّا طال انتظارهم أقدم أحدهم على قتله ليلا، وألقاه في مفترق طرق، فلمّا أصبح الإسرائيليّون اختصموا فيه، فجاء ابن أخيه القاتل يصرخ ويبكي ويتظلّم، فشكا أمر قتل عمّه إلى موسى (ع) ليظهر القاتل.
فسأل موسى (ع) ربّه في ذلك، فأوحى اللّه إليه بأن يقوم بنو إسرائيل بذبح بقرة ذات مواصفات خاصّة، وبعد أن ذبحوها جاء الوحي يأمرهم بأن يضربوا جثّة الشيخ القتيل ببعض أجزاء البقرة المذبوحة، وبعد أن نفّذوا أمر السماء أحيا اللّه الشيخ، فسأله موسى (ع) عن قاتله، فأجاب بأنّ قاتله هو ابن أخيه الذي كان يبكي ويتظلّم وذكر اسمه.
قصة موسى بن عمران مع الخضر (ع)
فهي كما يلي بايجاز: في أحد الأيّام ادّعى موسى (ع) أنّه أعلم الناس طرّا، فعاتبه اللّه على ذلك وقال: هناك في مجمع البحرين من هو أعلم منك، ثمّ سأله عن كيفيّة الوصول إليه، فأمره الجليل بأن يصطحب معه يوشع بن نون، فانطلق هو ويوشع إلى المحلّ الذي عنونه اللّه له، وبعد صعوبات جمّة وصلا إلى الخضر (ع) وهو عند صخرة على شاطئ البحر، فعرّف نفسه للخضر (ع)، وأخبره بالسبب الذي قاده إليه، وهو أخذ العلم منه، فأجابه الخضر (ع) قائلا: إنّي على علم من علم اللّه علّمنيه اللّه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم اللّه علّمكه اللّه لا أعلمه، فأجابه موسى (ع) بأنّه على أيّ حال جاء للتعلّم، وسيكون لأوامره مطيعا وصابرا، فقبل الخضر (ع) من موسى بشرط أن لا يسأله عما يقوم به أو يتفوّه به، فاتّفقا على ذلك، وبعد برهة ركبا سفينة ثمّ نزلا منها ودخلا قرية، وعلى ظهر السفينة ودخولهم القرية جرت حوادث وأمور مدهشة، كان موسى يسأل الخضر (ع) عن أسبابها، والخضر (ع) يجيبه في كلّ مرّة قائلا: «أ لم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا» وموسى (ع) يعتذر عن أسألته منه، وأخيرا افترقا.
ولم يزل موسى (ع) يلاقي العصيان والتمرّد من بني إسرائيل حتّى توفّي على جبل نبو، وقيل: نبا بالقرب من جبل طور سيناء حدود سنة 1525 قبل الميلاد أيّام التيه، ودفن هناك، ويدّعي اليهود أنّ في فلسطين قبرا لموسى (ع) يقصدونه في كلّ سنة.
توفّي موسى (ع) وعمره 240 سنة، وقيل: 120 سنة، وقيل: 126 سنة، وقيل: 137 سنة.
توفّي أخوه هارون قبله، ودفن في جبل هور من جبال سيناء.
وبعد وفاة موسى (ع) قام بالأمر من بعده يوشع بن نون بوصيّة منه.
القرآن المجيد وموسى بن عمران (ع)
نزلت آيات مباركات كثيرة في حق موسى بن عمران (ع)، نذكر هنا بعضها :
- وإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً…[1]
- وإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ…[2]
- وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ…[3]
- وإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ…[4]
- وإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ…[5]
- وإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ…[6]
- وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ…[7]
- ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ…[8]
- ولَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ…[9]
- كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ…[10]
الاستنتاج
أن المقالة تسرد سيرة موسى بن عمران (ع) من مولده في زمن فرعون الجائر إلى وفاته، وتعرض نسبه ولقبه وتربيته في قصر فرعون ثم هروبه إلى مدين، حيث تزوّج من صفورا وأنجب جرشون وعازر. وبعث نبيًا في طور سيناء، وأمر الله أن يتولّى هو وأخوه هارون قيادة بني إسرائيل وتحريرهم من العبودية، مع ظهور معجزات وإثبات صدق الرسالة أمام فرعون والسحرة. ثم وقعت فتن عظيمة كعبدة العجل الذهبي، ووقائع التوبة والدماء وفتح الأرض الموعودة. وبعثة التوراة إلى بني إسرائيل، وقيادة يوشع بن نون لاستكمال المسير.
الهوامش
[1] البقرة: 51.
[2] البقرة: 53.
[3] البقرة: 54.
[4] البقرة: 55.
[5] البقرة: 60.
[6] البقرة: 61.
[7] البقرة: 67.
[8] البقرة: 87.
[9] البقرة: 92.
[10] البقرة: 108.
مصدر المقالة (مع تصرف)
الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.