إحياء عيد الغدير ضمان استمرار خط النبوة

إحياء عيد الغدير ضمان استمرار خط النبوة

کپی کردن لینک

قضية إحياء عيد الغدير من القضايا الهامة التي تمسك بها أهل البيت (ع) و دعوا إلى إحياءها كي لا يتوقف خط رسالة الخاتم (ص): «أحيوا أمرَنا رحمَ اللّهُ مَن أحيا أمرَنا و دعا إلى ذكرِنا».[1] عيد الغدير من أهمّ إحياء أمرهم.

الرسول الأعظم (ص) عند قال في خبطة الغدير: «فليبلغ الشاهدُ منكم الغائبَ» أراد من الأمّة الإسلامية جمعاء أن تهتمّ بإحياء عيد الغدير لتنتقل قضيةُ عيد الغدير من جيل إلى جيل فيضمن خطُ النبوة بإحياء عيد الغدير.

فعدم إحياء عيد الغدير يعني ايقاف ذلك الخط النبوي المحتاج بخط الإمامة والولاية إلى لكي يببقى إلى قيام الساعة، فإحياء عيد الغدير تفسير عملي لتبليغ الشاهد منا الغائبَ.

تواترُ حديث الغدير أمر مسلّم به

ألّف المسلمون من أتباع مدرسة الخلفاء ومن أتباع مدرسة أهل البيت (ع) عشرات الكتب المختلفة الأحجام وطرق الحديث والمؤلفين، فقد ذكر الباحث محمد علي الأنصاري، وعنده كتاب في هذا المعنى، أن عدد الكتب التي ألفت حول واقعة الغدير، من القرن الأول الهجري، الإسلامي، إلى زماننا هذا، يتجاوز 414 كتابا. 414 عنوان كتاب، ألفها علماء من أتباع مدرسة الخلفاء، ومن أتباع أهل البيت (ع). [2]

إحياء عيد الغدير واستمرارية تعاليم النبي

لم يكن الغدير مناسبة مؤقتة محدودة، ولا شعلة مؤججة تؤول إلى الخمود، ولا شمسا بازغة تصير إلى الأفول، ولا برقا يتألق ثم ينطفئ فيعقبه ظلام دامس. كلا، بل (الغدير) منطلق لأمواج النور على حياة البشرية، امتدادًا للفجر الإسلامي، الذي ليس له ضحى، ولا ظهر، ولا عصر، ولا ليل.

إن الزمن – مهما امتد بالإسلام – لم يكن ليخمد من شعاعه الوهاج، بل قد أثبت التاريخ أن الإسلام هو الحق الذي يشدده مر الزمان قوة وثباتًا، وهو الحقيقة التي لا يكشف مر الأيام إلا عن ناصع برهانه. والغدير، كواحد من أهم أحداث الإسلام، كذلك، يظل معه سائرا مسير النور مع الفجر، والضياء مع النهار ولقد أخذ الغدير من اهتمام الرسول (ص) قسطًا كبيرًا في يومه الأول، فجابه به كل التهديدات التي كانت تعترضه والتي وعده الله بالعصمة من أصحابها، وتحتمل عناء الموقف، وخطب تلك الخطبة الجامعة الغراء، في حر الهجير، وقام بتتويج الأمير، وأخذ له البيعة من كل الحاضرين، وأتم الحجة على الجمع أجمعين. والغدير اكتسب قدسية بما قام به النبي (ص) في يومه الأول ذلك. ثم وقع الغدير موقع العناية الفائقة من الأئمة المعصومين من أهل البيت (ع)، فلم يألوا جهدا في إحيائه وتعظيمه. وعمل الأئمة (ع) – الذين يعتبر وجودهم امتدادا عمليا لوجود الرسول (ص) – في المحافظة على الإسلام، ويمثلونه تمثيلا صادقا في بث معارفه وإحياء ذكرياته، مدعاة للتأمل والبحث. إن الأئمة الأطهار (ع)، فتحوا للغدير حسابا واسعا في حياتهم الكريمة العلمية والعملية. [3]

إنّ المسلمين قد التزموا بقول النبي (ص): «ألا فليبلغ الشاهد الغائب»، ثم إن هذه الوقعة كانت أهم حوادث سفر الحج في تلك السنة. ومن الطبيعي جدا أن يكثر نقلها والتحدث بها. ولأهميتها الخاصة كانت تثار بين الحين والآخر، أي أنها لم تكن كسائر الحوادث العادية يدور حولها الكلام لمدة ثم يطويها النسيان.

ذات يوم وبعد مرور خمس وعشرين سنة على هذه الحادثة العظيمة – أي في الوقت الذي كان قد توفي فيه كثير من الصحابة ولم يبق منهم إلا قلة – طلب علي (ع) في مسجد الكوفة ممن سمع حديث الغدير من النبي (ص) أن يذكره. فنهض من بين الجالسين ثلاثون نفرا ونقلوا الحديث.

وقبل هلاك معاوية بسنتين أي سنة (58 ه‍) أو (59 ه‍) جمع الإمام الحسين (ع) في منى بني هاشم والأنصار وسائر الحجاج، وقال في جملة ما قال: «أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (ص) نصبه – أي عليا (ع) – يوم غدير خم، فنادى له بالولاية، وقال: ليبلغ الشاهد الغائب؟ قالوا: اللهم نعم».[4]

أهمية عيد الغدير في ترسيخ ولاية الإمام علي (ع) في قلوبنا

ينبغي أن تكون في هذا العيد – عيد الغدير – على قدر فضله على كل يوم سعيد فتكون عند المجالسة لشرف تلك الأوقات كما لو جالست مماليك سلطان معظمين في الحرمات و المقامات و تكون في عيد الغدير كما لو جالست سلطان أولئك المماليك المعظمين و صاحبت مولاهم الذي هم علاقة عليه في أمور الدنيا و الدين فاجتهد في احترام ساعاته و التزام حق حرماته و صحبته لشكر الله جل جلاله على تشريفك بمعرفته و تأهيلك لكرامته و تحميلك بتجديد نعمته.[5]

وَ بِسَنَدٍ مُعْتَبَرٍ عَنْ فَيَّاضِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كُنْتُ فِي يَوْمِ عِيدِ الْغَدِيرِ فِي مَرْوَ عِنْدَ الْإِمَامِ الرِّضَا (ع)، وَ كَانَ (ع) قَدْ جَمَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ خَاصَّتَهُ وَ أَصْحَابَهُ وَ أَبْقَاهُمْ لِيُفْطِرُوا عِنْدَهُ وَ بَعَثَ إِلَى بُيُوتِهِمْ بِالطَّعَامِ وَ الْخُلَعِ وَ الْحُلِيِّ حَتَّى الْخَاتَمِ وَ النَّعْلِ وَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِخُلَعٍ فَاخِرَةٍ، وَ أَلْبَسُ خَدَمَهُ أَلْبِسَةً جَيِّدَةً وَ جَدِيدَةً وَ نَفِيسَةً جِدّاً، وَ كَانَ يَنْقُلُ لِلنَّاسِ فَضِيلَةَ هَذَا الْيَوْمِ، فَقَالَ فِيمَا قَالَ (ع):

إِنَّهُ اجْتَمَعَ فِي إِحْدَى سَنَوَاتِ خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الْجُمُعَةُ وَ عِيدُ الْغَدِيرِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنَ الْيَوْمِ خَمْسُ سَاعَاتٍ ارْتَقَى الْإِمَامُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الْمِنْبَرَ وَ خَطَبَ خُطْبَةً طَوِيلَةً، وَ أَكْثَرَ فِي بَيَانِ فَضَائِلِ يَوْمِ الْغَدِيرِ، وَ ذَكَرَ أَسْمَاءَ عَدِيدَةٍ لِهَذَا الْيَوْمِ ثُمَّ قَالَ: عُودُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ جَمْعِكُمْ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى عِيَالِكُمْ وَ الْبِرِّ بِإِخْوَانِكُمْ وَ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَا مَنَحَكُمْ وَ اجْتَمِعُوا يَجْمَعِ اللَّهُ شَمْلَكُمْ وَ تَبَارُّوا يَصِلِ اللَّهُ أُلْفَتَكُمْ وَ تَهَانَوْا نِعْمَةَ اللَّهِ كَمَا هَنَاكُمْ بِالثَّوَابِ فِيهِ عَلَى أَضْعَافِ الْأَعْيَادِ قَبْلَهُ وَ بَعْدَهُ إِلَّا فِي مِثْلِهِ وَ الْبِرُّ فِيهِ يُثْمِر[6].

عدم إحياء عيد الغدير كتمان للحق

قال تعالی: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ، أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏».[7]

فاللّه سبحانه و عباده الصالحون و ملائكته المقربون يلعنون من يكتم الحق، و بعبارة اخرى، كل أنصار الحق يغضبون على من كتم الحق. و أية خيانة للعالم أكبر من محاولة العلماء كتمان آيات اللّه المودعة عندهم من أجل مصالحهم الشخصية و لتضليل النّاس.

و عبارة «مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ‏» إشارة إلى أن هؤلاء الأفراد يصادرون في الواقع جهود الأنبياء و تضحيات أولياء اللّه الصالحين، و هو ذنب عظيم…«البينات» و «الهدى» لهما معنى واسع يشمل كل وسائل الهداية و التوعية و الإيقاظ و إنقاذ النّاس.[8]

و لقد كان أهل الكتاب يعرفون مما بين أيديهم من الكتاب مدى ما في رسالة محمد (ص) من حق، و مدى ما في الأوامر التي يبلغها من صدق، و مع هذا يكتمون هذا الذي بينه اللّه لهم في الكتاب.

فهم و أمثالهم في أي زمان، ممن يكتمون الحق الذي أنزله اللّه، لسبب من أسباب الكتمان الكثيرة، ممن يراهم الناس في شتى الأزمنة و شتى الأمكنة، يسكتون عن الحق و هم يعرفونه، و يكتمون الأقوال التي تقرره و هم على يقين منها، و يجتنبون آيات في كتاب اللّه لا يبرزونها بل يسكتون عنها و يخفونها لينحوا الحقيقة التي تحملها هذه الآيات و يخفوها بعيدا عن سمع الناس و حسهم، لغرض من أغراض هذه الدنيا .. الأمر الذي نشهده في مواقف كثيرة، و بصدد حقائق من حقائق هذا الدين كثيرة .. «أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ».[9]

النتيجة

حادثة غدير خم هي من مسلّمات القضايا التي لاتقبل النقاش لكونها متواترة وقطعية الصدور. ومن ضمن ما جاء في خطبة غدير خم، قول الرسول الأعظم – (ص): «فليبلغ الشاهد منكم الغائب». وهذا التعبير، يثبت لنا أنه كما أن تبليغ رسالات الله من قبل أنبياءه ورسله له استمرارية مادام الليل والنهار، كذلك قضية ولاية يعسوب الدين علي (ع) لها استمرارية إلى قيام الساعة.

إحياء عيد الغدير في كل سنة يدفع عجلة الولاية إلى الأمام ويعطيها الاستمرارية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إحياء عيد الغدير يرسخ ولاية الإمام علي (ع) في قلوب الموالين له (ع). إحياء عيد الغدير لن يفسح مجالاً  لكتمان حقائق الحادثة بل يفضح أولئك الذين سعوا ويسعون إلى كتمان الحادثة أو تفسيرها حسب تلاءم أهوائهم وأغراضهم السياسة والدفاع عن وُلاّتهم.

الحواشي

[1] – ابن عبد الوهاب، عيون المعجزات، ص6.

[2] – فوزي، الغدير في حديث الأرقام والأئمة الكرام، (محاضرات صوتية ومكتوبة)، www.al-saif.net

[3] – الشبيري، مجلة تراثنا، العدد :21، العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي الدراسات الإستراتيجية، السنة الخامسة / شوّال سنة 1410 هـ، www.iicss.iq

[4]  – فارس، الروض النضير في معنى حديث الغدير، ص165- 166.

[5] ابن طاووس، إقبال الأعمال (ط – القديمة) – ج‏1؛ ص 494.

[6] المجلسي، زاد المعاد – مفتاح الجنان – ص209.

[7] – البقرة: 159.

[8] مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج‏1  ص458.

[9] قطب، فى ظلال القرآن، ج‏1، ص150.

 

مصادر المقالة: (مع تصرف يسير في بعضها)

  1. ابن عبد الوهاب، حسين بن عبد الوهاب، عيون المعجزات – إيران – قم، الطبعة: الأولى بدون التاريخ.
  2. ابن طاووس، على بن موسى، إقبال الأعمال (ط – القديمة) – تهران، الطبعة: الثانية، 1409 ق.
  3. الشبيري، السيد محمد جواد، مجلة تراثنا، العدد 21، العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي الدراسات الإستراتيجية، السنة الخامسة / شوّال سنة 1410 هـ، iicss.iq
  4. الشيخ فوزي السيف، الغدير في حديث الأرقام والأئمة الكرام، (محاضرات صوتية ومكتوبة)، al-saif.net
  5. فارس حسون كريم، الروض النضير في معنى حديث الغدير، مؤسسة أمير المؤمنين (ع) للتحقيق، قم – ايران – الطبعة: الأولى التاريخ: 1419 هـ.
  6. قطب، سيد، فى ظلال القرآن، دار الشروق – لبنان – بيروت – الطبعة الخامسة والثلاثون: 1425 ه.ق.
  7. المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، زاد المعاد – مفتاح الجنان – بيروت، الطبعة: الأولى التاريخ: 1423 ق.
  8. مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع) – إيران – قم، الطبعة: الأولى التاريخ: 1421 ه.ق.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *