الحسن والقبح العقلي: آراء العدلية وأدلتها في القرآن

الحسن والقبح العقلي، آراء العدلية وأدلتها في القرآن

کپی کردن لینک

تعتبر مسألة الحسن والقبح العقلي من القضايا الجوهرية في الفلسفة الإسلامية، حيث يسعى هذا البحث إلى استكشاف آراء العدلية في هذا الموضوع، ويركز المبحث الأول على قدرة العقل على تمييز الأفعال الحسنة والقبيحة ذاتيا، موضحا أن الشارع يكشف عن هذه الحقائق بدلاً من أن يسببها، كما يبين أن بعض الأفعال يمكن للعقل إدراك حسنها أو قبحها بشكل مستقل، بينما يحتاج البعض الآخر إلى توجيه الشارع، ويتناول البحث أيضا الأدلة العقلية والقرآنية التي تثبت وجود الحسن والقبح العقليين.

المبحث الأول: رأي العدلية القائلين بالحسن والقبح العقلي

أقسام الفعل

القسم الأوّل: إنّ من الأفعال ما هي حسنة في ذاتها، وإنّ من الأفعال ما هي قبيحة في ذاتها، ويكون الشارع عند تحسينه وتقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً عن حُسن هذه الأفعال أو قبحها لا موجباً وسبباً لها.

قدرة العقل على معرفة الحسن والقبح الذاتي لهذه الأفعال

1- يتمكّن العقل ـ في بعض الأحيان ـ من اكتشاف ومعرفة حسن أو قبح هذه الأفعال، مع غض النظر عن حكم الشارع، ويكون حكم الشارع في هذه الحالة مجرّد تنبيه ليلتفت الإنسان إلى حكم العقل.

2- لا يتمكّن العقل ـ في بعض الأحيان ـ من اكتشاف ومعرفة حسن أو قبح هذه الأفعال، وذلك لخفاء ملاكاتها عليه، فيكشف الشارع له ذلك.

تنبيه: يعود هذا الخفاء إلى قصور العقل في تلك الحالات عن إدراك المحاسن والمصالح الكامنة في تلك الأفعال.

القسم الثاني: إنّ من الأفعال ما ليس لها حسن أو قبح في ذاتها، فيقف العقل عند الحكم على حسنها أو قبحها، ويكون الشارع في هذه الحالة هو المصدر الوحيد لبيان حسن وقبح هذه الأفعال، مثال: حسن العمل بالشرايع وقبح تركه، من قبيل: الطهارة والنجاسة والأعمال العبادية.

تنبيه: إنّ العقل يدرك ـ أحياناً ـ الجهة الداعية لأمر اللّه تعالى والجهة الباعثة على نهيه، وقد تخفى عليه هذه الجهات غير أنّ العقل يحكم حكم اليقين بأنّه لو اطّلع على ما خفي عليه لكان حكمه موافقاً تماماً لحكم الشرع.

خلاصة رأي العدلية: إنّ العقل البشري قادر من صميم ذاته ـ على إدراك حُسن أو قبح بعض الأفعال من دون الاستعانة بحكم الشرع، ويكون الشرع عند تحسينه وتقبيحه لهذه الأفعال كاشفاً عما يدرك العقل ومرشداً إليه، وليس للشرع في هذه الأفعال أن: يحسّن ما هو قبيح ذاتاً، أو يقبّح ما هو حسن ذاتاً، ولهذا فإنّ الشكّ بالنبوّة يؤدّي إلى الشك بقبح أكل أموال الربا دون الشكّ بقبح الظلم.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع): بالعقل عرف العباد خالقهم وعرفوا به الحسن من القبيح[1].

تنبيهات

1- إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين هو أنّ العقل بنفسه يدرك أنّ بعض الأفعال ـ بنفسها ومن دون لحاظ شيء آخر ـ حسنة أو قبيحة ذاتاً، بحيث يكون وصف الحسن والقبح ثابتاً وغير متغيّر لهذه الأفعال بصورة مطلقة.

مثال: إنّ العدل حسن ذاتاً، وإنّ الظلم قبيح ذاتاً، ولهذا يحكم العقل بتحسين العدل وبتقبيح الظلم من خلال ملاحظة نفس موضوع العدل والظلم، ومن دون تصوّر كون العدل يشتمل على الصلاح أو أنّ الظلم يشتمل على الفساد.

2- إنّ الشيعة الإمامية ذهبوا إلى إثبات الحسن والقبح العقليين استلهاماً في بحوثهم العقائدية ـ بعد القرآن الكريم والسنة النبوية ـ من إرشادات أئمة أهل البيت (ع)، وإنّ المعتزلة تابعت الإمامية في هذه المسألة دون العكس، ولهذا قال العلاّمة الحلّي: ذهبت الإمامية ومن تابعهم من المعتزلة إلى أنّ من الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح بضرورة العقل.

ثمرة رأي العدلية القائلين بالحسن والقبح العقليّين

1ـ إنّ العدل حسن بما هو عدل، وإنّ الظلم قبيح بما هو ظلم، وإنّ العقل البشري يكشف لنا ذلك من دون اعتماده على النص الشرعي والحكم الديني، ولهذا يكون العقل المجرّد لوحده دون غيره هو الدال على ثبوت العدل الإلهي واستحالة صدور الظلم منه تعالى.

2ـ إنّ من النتائج المترتّبة على إدراك العقل للحسن والقبح: إنّ كلّ ما حكم العقل بحسنه، فهو محبوب شرعاً، وإنّ كلّ ما حكم العقل بقبحه، فهو مذموم شرعاً، ولهذا اشتهر عند الفقهاء: كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع.

المبحث الثاني: أدلة ثبوت الحسن والقبح العقليّين

الدليل الأوّل: يحكم كلّ عاقل ـ على نحو البداهة ـ بحسن بعض الأفعال ذاتاً ولزوم العمل بها، وقبح البعض الآخر من الأفعال ذاتاً ولزوم الانتهاء عنها، وإذا بلغ الأمر إلى الضرورة بطل الاستدلال، ومن طلب الدليل بعد البداهة وقع في الإجحاف، ومن كابر في ذلك فقد كابر مقتضى عقله.

مثال: إنّا نعلم بالضرورة من خيّر شخصاً بين العدل والظلم، ولم يكن لهذا الشخص علم بموقف الشرائع، فإنّه سيختار العدل قطعاً، وما ذاك إلاّ لأنّ حسن العدل وقبح الظلم ذاتي وضروري عقلا.

الدليل الثاني: لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما من ينكر الشرائع، ولكننا نرى غير الملتزمين بالدين ـ على اختلاف فصائلهم ـ: يصفون بعض الأفعال بالحسن، ويجدون أنفسهم ملزمين بفعلها، ويصفون بعض الأفعال الأخرى بالقبح، ويعتقدون بأنّهم ملزمون بتركها، ويسند هؤلاء تحسينهم وتقبيحهم إلى العقل من غير أن يكون للحكم الشرعي أي أثر في هذا التحسين والتقبيح والالتزام بالفعل والترك.

مثال: يحسّن هؤلاء العدل وأداء الأمانة والصدق النافع والوفاء بالعهد وجزاء الإحسان بالإحسان ونحوها، ويرون ضرورة الالتزام بهذه الأفعال، ويقبّح هؤلاء الظلم والخيانة والكذب الضار ونقض العهد وجزاء الإحسان بالإساءة ونحوها، ويرون ضرورة الابتعاد عن هذه الأفعال.

الدليل الثالث: إنّ الاعتقاد بالتحسين والتقبيح العقلي هو السبيل لإثبات صحة التحسين والتقبيح الشرعي، ولا يمكن إثبات الحسن والقبح مطلقاً من دون الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي.

توضيح ذلك: إنَّ إنكار تحسين وتقبيح العقل يلزم إنكار تحسين العقل للصدق وتقبيحه للكذب، فيؤدّي ذلك إلى فقدان الثقة بتحسين وتقبيح الشرع، وذلك لاحتمال كون الشارع كاذباً في إخباره، فينتفي الوثوق بالشرع، وتكون النتيجة عدم الاطمئنان بصحة تحسين وتقبيح الشرع.

وبعبارة أُخرى: إنّ استقلال العقل في تحسينه للصدق وتقبيحه للكذب هو الذي يدفع الإنسان إلى الوثوق بقول الشرع، ولولا ذلك يبقى احتمال عدم صدق الشرع في قوله وإخباره، فينتفي الجزم بصدقه.

توضيح ذلك: إنّ الكذب ـ حسب قول منكري الحسن والقبح العقلي ـ لا يقبح إلاّ إذا قبّحه الشرع، فلا يعلم قبح الكذب قبل تقبيح الشرع له، فلهذا لا يكون للإنسان قبل إيمانه بالشرع دليل على تنزيه الشرع عن الكذب، فينتفي الجزم بصدق الشرع مطلقاً.

الخلاصة: إنّ الجزم بعدم كذب الشارع رهن حكم العقل، وهذا ما يثبت الحسن والقبح العقلي، ولهذا قال العلاّمة الحلّي: إنّا لو لم نعلم حسن بعض الأشياء وقبحها عقلا، لم نحكم بقبح الكذب، فجاز ـ أي: فيؤدّي ذلك إلى جواز ـ وقوعه من اللّه … فإذا أخبرنا تعالى في شيء أنّه قبيح لم نجزم بقبحه، وإذا أخبرنا في شيء أنّه حسن لم نجزم بحسنه لتجويز الكذب فينعدم السبيل لمعرفة ما حسّنه اللّه تعالى وما قبّحه.

الدليل الرابع: إنّ المعجزة هي الوسيلة التي بها يثق الناس بصدق دعوة الأنبياء. ولا يكون هذا الوثوق إلاّ بعد الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي المتمثّل في القاعدة التالية وهي: إنّ إعطاء اللّه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة قبيح ذاتاً، ومن هنا نثق بصدق مدّعي النبوّة فيما لو جاء بالمعجزة، لأنّنا نؤمن بأنّ إعطاء اللّه تعالى هذه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة قبيح ذاتاً، واللّه تعالى لا يفعل القبيح. وإنّما الحسن إعطاء المعجزة للصادق في دعوة النبوّة.

ولكن إذا أنكر الإنسان الحسن والقبح الذاتي، فإنّه لا يصل أبداً إلى مرحلة اليقين بصدق من يدّعي النبوّة ويقدّم المعجزة لإثبات مدعاه، لأنّه يبقى دائماً في حالة شكّ بأنّ هذا الذي يمتلك المعجزة قد يكون كاذباً في دعوته للنبوّة، وإنّما أعطاه اللّه المعجزة عبثاً، لأنّه تعالى يفعل ما يشاء! فتنسد بذلك أبواب معرفة النبي الصادق وتمييزه عن الكاذب.

بعبارة أخرى: لو كان الحسن ما حسّنه الشرع، والقبيح ما قبّحه الشرع، لما قبح من اللّه تعالى أي شيء، حتّى لو كان ذلك إظهاره المعجزات على أيدي الكاذبين، فينتفي بذلك إمكانية تصديق دعوى الأنبياء، وهذه النتيجة باطلة، لأنّها تؤدّي إلى:

1ـ غلق باب معرفة الأنبياء الصادقين، 2ـ منح الكفّار العذر في إنكارهم لنبوّة الأنبياء، ولهذا لا يوجد سبيل سوى الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي.

الدليل الخامس: لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لم يكن للأنبياء أي دليل لإثبات لزوم توجّه الناس إلى البحث والنظر، ووجوب تعرّف الخلق على اللّه تعالى، وضرورة اتّباع الناس لهم.

توضيح ذلك: إذا طلب النبي من أحد الأشخاص البحث والتعرّف على اللّه واتّباع سبيله، فسيقول هذا الشخص للنبي: لماذا أبحث ولماذا أُتعب نفسي من أجل التعرّف على اللّه، وما هو الدليل الذي يلزمني اتّباع سبيلك؟

فإذا كان دليل ذلك هو أنّ البحث وطلب المعرفة واتّباع الرسل أُمور يحكم بها العقل لأنّها أُمور حسنة، وينهى عن تركها لأنّ تركها قبيح، فأنا لا أعتقد بالحسن والقبح العقلي، وإذا كان دليل ذلك هو الشرع، فأنا لا أثق بالشرع، لأنّه من قولك، وقولك لم يثبت عندي أنّه حجّة، لأنّني لم أُؤمن بك لحدّ الآن، فلا يجب عليّ اتّباعك، وبذلك لا تتمّ الحجّة على هذا الشخص، فيلزم الاعتقاد بوجوب الحسن والقبح العقلي.

النتيجة: إنّ وجوب التوجّه إلى البحث والنظر، ووجوب التعرّف على اللّه تعالى، ووجوب اتّباع النبي أُمور عقلية لا شرعية.

الدليل السادس: لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى، ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى، لم يكن فرق بين: العدل والظلم، فيجوز ـ في هذه الحالة ـ أن يظلم اللّه تعالى العباد، لأنّ الظلم غير قبيح ذاتاً، بل: يكون الظلم حسناً فيما لو أمر اللّه تعالى به، ويكون الظلم قبيحاً فيما لو نهى اللّه تعالى عنه، وهذا باطل بالضرورة.

بعبارة أُخرى: لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى فقط، ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى فقط، لم يقبح من اللّه شيء، وتكون النتيجة: إنّ كلّ ما يفعله اللّه تعالى حسن ولو كان ذلك ظلماً، ولكن اللّه تعالى منزّه من الظلم.

الدليل السابع: لو كان الحُسن والقبح مستنداً إلى الشرع فقط، لم يكن فرق بين: ما عُلم قبحه من الشرع، وما عُلم قبحه من العقل، ولكننا نجد: إنّ الشخص الذي يشكّ بالشرع فهو بالطبع:

يشكّ في قبح ما علم قبحه من الشرع كقبح أكل لحم الميتة، ولا يشكّ في قبح ما علم قبحه من العقل كقبح الظلم والخيانة.

المبحث الثالث: إثبات الحسن والقبح العقليّين في القرآن

توجد آيات قرآنية تدل بظاهرها على أنّ العقل البشري قادر بذاته على إدراك حسن وقبح بعض الأفعال، ومن هذه الآيات:

1- وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ[2].

وجه الدلالة: تبيّن هذه الآية بأنّ الكفار كانوا يفعلون القبائح مع اعترافهم بقبحها، ولكنهم يعتذرون عن ذلك بأنّ اللّه تعالى أمرهم بها، فأبطل اللّه تعالى مقالتهم، وبيّن في هذه الآية بأنّه تعالى لا يأمر بالفحشاء.

تنبيه: إنّ ظاهر قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ، هو أنّ اللّه تعالى ينهى عن الفحشاء، لأنّ الفحشاء قبيحة في نفسها، لا أنّ الفحشاء تكون قبيحة بعد نهي اللّه تعالى عنها.

قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ[3].

وجه الدلالة: تبيّن هذه الآية بأنّ الشريعة تحرّم ما يكون قبيحاً في نفسه، والفاحشة: هي الفعلة أو الخصلة التي فحش قبحها في الفطر السليمة والعقول الراجحة التي تميّز بين الحسن والقبيح والضار والنافع.

تنبيه: لو كان القبيح ما نهى عنه الشارع فقط ـ كما ذهبت إليه الأشاعرة ـ: فسيكون معنى قوله تعالى قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ: قل إنّما حرّم ربي ما حرّم! وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة.

أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ[4].

وجه الدلالة: إنّ هذه الآية تشبه الآية السابقة في وجه الدلالة، أي: لو كان القسط عبارة عما أمر به الشارع فقط ـ كما ذهبت إليه الأشاعرة ـ: فسيكون معنى هذه الآية: أمر ربي ما أمر به! وهذا المعنى بعيد عن الفصاحة والبلاغة، فنستنتج بأنّ القسط حسن بذاته، ولهذا أمر اللّه تعالى به، وليس القسط حسنٌ لأنّ اللّه تعالى أمر به.

4- وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[5].

وجه الدلالة: إنّ تعليل قبح الشرك بأنّه ظلم عظيم يدل على أنّ قبح هذا الفعل تابع لملاك عقلي وهو قبح الظلم، فالشرك قبيح، لأنّه ظلم، والظلم قبيح، لأنّه قبيح بذاته، وما هو قبيح بذاته لا يعلّل قبحه بعنوان آخر.

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ[6].

وجه الدلالة: إنّ المعروف هو ما تَعرف العقول السليمة حُسنه، وترتاح له القلوب الطاهرة لموافقته للفطرة الإنسانية، وإنّ المنكر هو ما تَعرف العقول السليمة قُبحه، وتشمَئزّ منه القلوب الطاهرة لمنافرته للفطرة الإنسانية، وأمّا تفسير المعروف بما أمرت به الشريعة، وتفسير المنكر بما نهت عنه الشريعة، فهو من قبيل تفسير الماء بالماء!

وإذا كان المعروف هو ما أمرت به الشريعة، فسيكون معنى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي: يأمرهم بما أمرهم به! وهذا المعنى غير صحيح، وإذا كان المنكر هو ما نهت عنه الشريعة، فسيكون معنى: { وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } أي: ينهاهم عما نهاهم عنه! وهذا المعنى غير صحيح، فيثبت وجود ما هو حسن وقبيح قبل أمر الشارع ونهيه.

أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ[7].

وجه الدلالة: إنّ هذه الآية تحتجّ على منكري القيامة، وتبيّن لهم بأنّ إنكار القيامة يلزم كونه تعالى عابثاً في خلقه للإنسان، ولا يتم هذا الاحتجاج إلاّ إذا كان العبث قبيحاً عندهم، وكونه تعالى منزّهاً عن فعل القبيح، وبما أنّ هؤلاء المنكرين لم يكونوا من المؤمنين بالرسالة، فيكشف اعترافهم بقبح العبث أنّ هذا التقبيح نابع من عقولهم.

هَلْ جَزاءُ الإِحْسانِ إِلاَّ الإِحْسانُ[8].

وجه الدلالة: يفيد الاستفهام الاستنكاري في هذه الآية التأكيد، ويفيد سياق النفي والاستثناء في هذه الآية الحصر، وعليه فالآية تنص على أصل كلّي ثابت في العقول وهو: حسن جزاء الإحسان بالإحسان وقبح جزاء الإحسان بالإساءة.

8- أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[9].

وجه الدلالة: تفيد هذه الآية قاعدة عقلية ثابتة، وهي حسن التفريق بين المحسن والمسيء وقبح التساوي بينهما، وقد ترك اللّه تعالى في هاتين الآيتين القضاء والحكم إلى العقل، وهذا ما يدل على قدرة العقل على التمييز بين الحسن والقبح في هذه القضايا.

9- أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ[10].

وجه الدلالة: يشبه وجه الدلالة في هذه الآية ما ذكرناه في وجه دلالة الآية السابقة.

10- إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ[11].

وجه الدلالة: تبيّن هذه الآية وجود أُمور توصف بالعدل والإحسان والفحشاء والمنكر قبل تعلّق الأمر والنهي الشرعي بها، وتفيد هذه الآية بأنّ الإنسان يجد من صميم ذاته ومن دون استعانته بالشرع اتّصاف بعض الأفعال بهذه الأوصاف، بحيث لا يكون دور الشرع في هذه الحالة سوى تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح.

للاطلاع على المزيد مما كتبه نفس الكاتب حول هذا الموضوع، يُرجى الضغط على الرابط التالي: 1ـ الحسن والقبح، معناه، أقسامه، منشأه، اطلاقاته، والخلاف فيه، 2ـ آراء الأشاعرة وأهل السنة حول الحسن والقبح العقلي.

الاستنتاج

تؤكد المواضيع المطروحة على أهمية رأي العدلية في مفهوم الحسن والقبح العقلي، حيث يبرز قدرة العقل على إدراك الحسن والقبح الذاتي للأفعال بشكل مستقل عن الأحكام الشرعية، ويستند هذا الرأي إلى أدلة عقلية متينة، تُظهر أن بعض الأفعال تحمل صفات الحسن أو القبح في ذاتها، كما يتم دعم هذا المفهوم من خلال نصوص قرآنية تشير إلى قدرة العقل على تمييز القيم الأخلاقية، وتعكس هذه المواضيع تفاعل العقل مع النصوص الدينية.

الهوامش

[1] الكليني، الكافي، ج1، كتاب العقل والجهل، ح35، ص29.

[2] الأعراف، 28.

[3] الأعراف، 33.

[4] الأعراف، 29.

[5] لقمان، 13.

[6] الأعراف، 157.

[7] المؤمنون، 115.

[8] الرحمن، 60.

[9] القلم، 35 ـ 36.

[10] ص، 28.

[11] النحل، 90.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.

مصدر المقالة (مع تصرف)

الحسون، علاء، العدل عند مذهب أهل البيت (ع)، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، طبعة 1432ه‍.