ما هو تفسير الولاء الثابت للإمام علي (ع) من منظور اللغويين، لأن تفسير الولاء يحمل دلالات متعددة تستدعي دراسة لغوية عميقة لفهم معانيها المتنوعة، وذكر للولاء وللمولى والولي في كتب اللغة معان متعددة، ولكنها ليست معاني لها حقيقة، بل هي على ضربين:
1ـ ما يكون مصداقاً لها؛ مثل: جعل المولى بمعنى المالك والعبد والحليف والجار والابن والعم وابن العم وابن الأخت والصهر والقريب مطلقاً والصاحب، ففي كل من هذه الموارد وشيجة بين الطرفين من جهة الملك أو التحالف أو القربى أو المصاهرة أو الصحبة أو الرحم.
ما يكون من لوازم الولاء، مثل جعل المولى بمعنى الناصر والمحب فإن النصرة والمحبة من لوازم تلك الوشيجة الرابطة بين الطرفين.
ولا حجة في ذكر اللغويين للأمور المذكورة في معاني المولى والولي والولاء على أنها معان لهذه المادة وفروعها، لوجوه ثلاثة:
الأول: أننا ندرك من خلال ملاحظة النصوص والاستعمالات القديمة والحاضرة ومن خلال الوجدان اللغوي الناشئ منها أن الولاء لا يرد بهذه المعاني بخصوصياتها وإنما هو معنى جامع بينها.
الثاني: أن الذي يظهر بالاطلاع على الكتب اللغوية وكلمات اللغويين في أسلوب تفسير المواد أنهم لا يعنون بما يذكرونه من معان للمادة اللغوية والكلمة أنها هي معاني للكلمة بخصوصياتها بدليل أنهم كثيراً ما يذكرون أموراً لا يحتمل أن تكون معاني للكلمة بحدها.
نظير ذكر ابن العم والعم في معاني المولى والولي ولا شك أنهما لا يردان مرادفين للعم ولابن العم، وإنما يذكرون كثيراً من الأمور التي هي من مصاديق المعنى أو لوازمه وملزوماته للدلالة على طبيعة المعنى وحدوده فحسب.
الثالث: أن التتبع والممارسة في كلمات اللغويين يفضي إلى الوقوف على أنهم أحياناً قد تأثروا في تفسير الكلمات باتجاهاتهم الدينية والمذهبية.
إما بشكل مباشر من جهة أن جماعة من اللغويين أو المتصدين للتأليف في اللغة هم – بجنب علمهم باللغة – ذوو اتجاهات دينية ومذهبية وفقهية متعددة، بل إن جماعة منهم معدودون ـ بجنب كونهم من علماء اللغة والمصنفين فيها ـ من علماء الكلام والمذهب والفقه.
وإما بشكل غير مباشر من جهة تعويلهم على آخرين من أهل العلم قد تأثروا بتلك الاتجاهات كمن صنّف في غريب القرآن والحديث، فكانت تصنيفاتهم هذه مصدراً للغويين من بعدهم، وقد نبه على هذا المعنى بعض المحققين[1] من الأصوليين من أساتذتنا في البحث عن حجية قول اللغوي في علم الأصول، وعلى ذلك شواهد كثيرة لا يسع المقام ذكرها.
ولا بأس هنا بالإشارة إلى تفسير الولاء بالمحبة وتفسير الولاء بالنصرة لأنهما مما فسر بهما المولى في خطبة الغدير.
نقد تفسير الولاء بالمحبة
أما تفسير الولاء بالمحبة فقد ذكر في كتب اللغة في ضمن معاني المولى والولي في اللغة (المحب) وكذلك في معنى سائر فروع المادة، قالوا يقال: ولي فلان فلاناً ولاية إذا أحبه، وكذلك يقال والى فلاناً موالاة وولاء إذا أحبه.
ولكن الصحيح أنه لا يرد الولاء بمعنى ذات المحبة، بل لا بد أن تكون هناك وشيجة تستوجب ضرباً من الحماية والنصرة، ولكنها قد تنشأ عن المحبة أو تستتبع المحبة بحسب اختلاف الموارد، ولذا نجد أنه لا يطلق الولاء على محبة غير الإنسان، فلو أحببت بيتاً أو حيواناً أو متاعاً لم يصح القول: إنك وليته أو واليته، ولذا عبر أهل اللغة أنه يقال: ولي فلاناً ووالاه، فكلمة فلان قد تشير إلى أنه لا بد أن يكون المحبوب شخصاً.
وينبه على عدم كون الولاء بمعنى المحبة أنك لو أحببت طفلاً أو بالغاً لجماله أو أحببت صاحب محل لأنه يبيعك الشيء بقيمة مناسبة لم يصدق أنك وليته أو واليته بتاتاً، وليس ذلك إلا لأن الولاء هنا لا يعبر عن وشيجة من شأنها أن تستتبع النصرة.
ومما ينبه على ذلك ملاحظة حال العداء بالالتفات إلى أن العداء ضد للولاء ـ كما هو ظاهر ـ بحسب الوجدان اللغوي، ويشهد له المضادة بينهما في الاستعمالات مثل ما في خطبة الغدير اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، ومن المعلوم أن العداء لا يطلق على صفة شخص يكره شخصاً آخر أو يبغضه إلا إذا كانت كراهته إياه أو بغضه له بمستوى يكون من شأنه أن يتعرض له بالأذى والعدوان.
نعم، قد يكون تفسير الولاء ناشئاً عن المحبة بمعنى أن الإنسان إذا أحب شخصاً عقد معه وشيجة تستوجب الدفاع عنه وحمايته، وقد تنشأ هذه المحبة عن الولاء فهو يوالي عشيرته ومن ثم يحبهم.
ولذلك نجد ذكر المحبة في موارد الولاء في جملة من آيات القرآن الكريم كما نص سبحانه على النهي عن اتخاذ المؤمنين للمنافقين بطانة، وهو في معنى النهي عن توليهم، ثم ذكر أنهم يحبون هؤلاء المنافقين ولكن المنافقين لا يحبونهم.
وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[2].
لكن التأمل في هذه الآيات يقتضي أن المحبة والمودة لم تذكر على أنها هي الولاء، بل على أنها من مظاهره في المورد، وينبّه على ذلك أن الولاء في هذه الآيات ليس بمعنى المحبة والمودة قطعاً، بل هو وشيجة كان يقيمها المؤمنون مع الكفار والمنافقين من عشائرهم الذين يرتبطون بهم بالولاء القبلي وهو ليس ولاء محبة فقط؛ وذلك خشية أن يضطروا إليهم يوماً إذا ما خسر الرسول (ص) والمؤمنون، كما يظهر هذا المعنى من سائر الآيات الناهية عن موالاة الكفار والمنافقين، ولذا قال سبحانه: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ.
وانفكاك الولاء – بمعنى الوشيجة – عن المحبة والمودة أمر ظاهر، فالمرء قد يوالي عشيرته ورجالها رغم كراهته قلباً لها أو لبعض رجالها، ولكنه يحافظ على الوشيجة معهم من جهة مصلحته كما هو ظاهر.
إذا اتضح بما ذكرنا أن الولاء لا يرد بمعنى المحبة بتاتاً.
نقد تفسير الولاء بالنصرة
وأما تفسير الولاء بالنصرة فليس صحيحاً، بل هو وشيجة تستتبع النصرة، ويكون ذلك من شأنها، ولكن قد تتخلف النصرة، فترى تخلف أولياء الشخص عن نصرته.
والذي يوهم كون الولاء بمعنى النصرة هو لصوق النصرة بالولاء في العرف والاستعمالات، ومن الآيات التي تمثل هذا الارتباط:
1ـ قوله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[3].
فهذه الآية تشير إلى أن شأن الولي أن يرجى نفعه أو دفعه الضرر عمن يتولاه.
2ـ وقوله تعالى: وَمَا كَانَ هُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلِ[4]، فهذه الآية تدل على أن شأن الولي أن ينصر من يتولاه.
3ـ وقوله تعالى: مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[5]، وهذه الآية تدل على أن شأن الولي أن ينصر من تولاه ويدفع عنه الضر.
4ـ وقوله تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ[6].
ولكن يدل سياق كثير من الآيات على أن النصرة إنما هي من آثار الولاء.
ومن هذه الآيات:
1ـ قوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا[7]، والملاحظ في هذه الآية أنهم اتخذوا الكافرين أولياء طلباً للعزة التي تحصل بالحماية والنصرة، فالعزة غاية للولاء وليست مساوقة معه، فالولاء أمر فعلي والعزة أمر مرجو.
2ـ وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَفَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ[8].
والملاحظ في هاتين الآيتين أيضاً توصيف بعض المؤمنين باتخاذهم اليهود والنصارى أولياء رجاء أن يحموهم إذا أصابتهم دائرة، فكان الولاء فعلياً والحماية مرجوة في حال الحاجة إليه مستقبلاً.
3ـ وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَا يَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[9].
ومن الملاحظ في هذه الآية أنها تفصل بين المؤمنين المهاجرين والأنصار وبين المؤمنين غير المهاجرين وبين نصرتهم إذا استنصروهم، فجاء عن غير المهاجرين: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وهو ليس نفياً للولاية معهم، ولكن المراد أنه لا يترتب على الولاية أثر من آثارها عدا النصرة في الدين.
4ـ وقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[10]، وهذه الآية ترتب على الولاء أثراً غير النصرة وهو الصيانة عن الوقوع في الإثم.
5ـ وقوله تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ[11]، فهذه الآية تشير إلى أنه لا يترتب على الركون للظالمين والولاء لهم ما يرجى من نصرتهم.
ومن خلال هذه الآيات يظهر أن النصرة أثر يرجى ترتبه على الولاء وليست عين الولاء.
فظهر مما تحصل أن تفسير الولاء بمطلق المحبة مسامحة بينة؛ لأن من الخطأ أن يعبر المرء عن محبة بعض الناس لبعض بالولاء إذا لم يكن مستعداً لإعانته وحمايته ونصرته، فلا يقول القائل بدل أحبك: إنني أواليك، وإذا لاحظنا أنه قد يعبر عن المحب بالموالي فلأن له علاقة به شأنها أن توجب حمايته ونصرته.
كما أن مجرد نصرة شخص لآخر في موقف خاص اتفاقاً مثل شجار ونحوه لا يوجب صدق كونه وليه بل لا بد في صدقه أن يفرض لنفسه علاقة خاصة به، فيقوم بنصرته تفريعاً على ذلك.
هذا عن أصل تفسير الولاء في الحديث.
وضوح كون الولاء المذكور للنبي (ص) والإمام (ع) في خطبة الغدير في ولاء الحكم.
حول معنى ولاء المسلمين للنبي وللإمام
إن المفهوم من خطبة الغدير بوضوح إثبات ولاء الحكم للنبي (ص) والإمام علي بن أبي طالب (ع)، فقد قام النبي (ص) بين المسلمين قرب وفاته ونبّه (ص) على اقتراب أجله وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.
ولو أن مثل هذا الموقف صدر من أي شخص في موقع القيادة الجماعة – ولو في مستوى شيخ العشيرة – قرب وفاته، فاختار شخصاً مؤهلاً للقيادة واجداً لمقوماتها العرفية في المورد، كأن يكون أقرب الناس إليه، فقام بين جماهير الناس، وأخبر عن قرب وفاته، وقال: ألست أنا أولى بكم، فقالوا نعم، فقال فمن كنت مولاه فهذا الشخص مولاه، لم يشك أحد في أنه قد عين ذلك الشخص لموقعه القيادي من بعده.
وليس من المعقول بحال إثارة التشكيك في هذا الشأن بمجادلات لغوية وفنية.
أما بالنظر إلى ذات الجملة التي تتضمن أن الإمام (ع) مولى المؤمنين، فالوجه فيه أن المدار الحقيقي لدلالة الحديث في قوله: فعلي مولاه، على ولاء الحكم للإمام (ع) من عدمها هو أن هذا الولاء إن كان من قبيل الولاء المتكافئ بين الإمام وبين المؤمنين لم يدل الحديث على ولاء الحكم طبعاً، إذ يكون المؤمنون موالي الإمام (ع) كما أنه مولى لهم، ويكون ذكر ولاته خاصة على سبيل التأكيد.
والولاء المتكافئ بين الإمام (ع) وبين المسلمين ليس إلا ولاء الإسلام والإيمان، إذ لا سبب آخر هنا للولاء المتكافئ مثل القرابة والجوار والمصاهرة ونحو ذلك.
وإن كان تفسير الولاء المذكور في قوله: فعلى مولاه هو الولاء غير المتكافئ – بمعنى كون الإمام هو محور الولاء فهو قائد متبوع والمسلمون تبع له كما هو الحال في ولاء النبي (ص) – فإن المفهوم منه حينئذ هو ولاء الحكم، كما هو المفهوم في شأن ولاء النبي (ص) ؛ إذ ليس للإمام (ع) صفة أخرى تجاه عامة المؤمنين يكون بها قائداً ومتبوعاً، فيكون مفاد الكلام جعله مولى للمسلمين من بعد وفاة الرسول (ص).
هذا، ومن المعلوم أن المفهوم من جعل الشخص بعينه مولى للناس كافة هو أنه المحور للولاء والناس في موقع التبعية له، وليس ولاؤه معهم بولاء متكافئ؛ وذلك لوجهين:
الأول: أن الولاء العام المتكافئ بين الإمام (ع) وبين المؤمنين ليس هو ولاء له بشخصه، بل بصفة كونه مؤمناً مثلهم، ومن الظاهر أن المفهوم من جعله (ع) مولى للمؤمنين أنه مولى لهم بشخصه لا بصفة زائدة هي الإيمان.
الثاني: أن التركيز على الشخص في الولاء على كل حال يناسب خصوصيته في الولاء بالقياس إلى سائر الناس، والولاء العام هو ولاء مشترك بينه وبين الناس ولا خصوصية له في الولاء وهذا خلاف المفهوم من الكلام.
ولكننا سوف نثير الشك في ذلك بدواً بذكر الاحتمالات الأخرى في مؤدى الحديث ونقدها لننهي الشك باليقين ثم نفصل القرائن الدالة على إرادة ولاء الحكم بالحديث.
نقد الاحتمالات الأخرى المتكلفة في المراد بالولاء
فنقول: إن الاحتمالات الأخرى الواردة في الولاء الذي تم إثباتها للرسول (ص) وللإمام (ع) بقوله: من كنت مولاه فهذا علي مولاه غير إرادة ولاء الحكم ثلاثة:
الاحتمال الأول
أن يكون المراد بالولاء الولاء المتكافئ الثابت بين كل من النبي محمد المصطفى (ص) والإمام (ع) وبين المؤمنين بالنظر إلى صفة الإيمان الجامع بينهم، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض كما جاء في القرآن الكريم.
وكلمة المولى تستعمل في كل من الولاء المختلف والولاء المتكافئ وتستعمل كذلك في الأعم منهما كما يتمثل ذلك في القرآن الكريم.
فمن استعمال المولى في الولاء غير المتكافئ في طرفه الأعلى موارد متعددة جاء منها في القرآن الكريم موردان:
۱. ما ورد من إطلاق المولى على الله تعالى مضافاً إلى المؤمنين كما قال تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ[12]، ومثله آيات عديدة أخرى، وقد حكى ذلك من قول المؤمنين أنهم خاطبوا الله سبحانه بأنه مولاهم، كما في قوله تعالى: أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[13]، وربما ذكر أنه تعالى المولى الحق للكفار كما في قوله تعالى: وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ[14].
2ـ إطلاق المولى على السيد كما قال سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ[15].
وقد يطلق على العبد أنه مولى السيد وهو الطرف الأدنى في الولاء المختلف، كما في قوله تعالى عن الأدعياء: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ[16].
وقد يطلق المولى في الولاء غير المتكافئ على كل من الطرف الأعلى والأدنى وقد يجعل من ذلك قوله تعالى: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهير[17]، فإن الله سبحانه هو الطرف الأعلى في الولاء والرسول (ص) والمؤمنون هم الطرف الأدنى.
ومن استعمال المولى في الولاء المتكافئ إطلاقه على العصبة في قوله تعالى: وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ[18]، وقوله سبحانه عن زکریا (ع): وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا[19].
ومن إطلاق الولاء على ما يشمل الولاء المتكافئ والمختلف قوله تعالى: يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلَّى عَنْ مَوْلَى شَيْئًا[20]، فإنّه يشمل مطلق المولى الذي شأنه أن ينفع، فيشمل الولاء المتكافئ والمختلف جميعاً.
وهكذا يتضح أن كلمة المولى تستعمل في الولاء المتكافئ كما تستعمل في الولاء المختلف، وبذلك يصبح مفاد قوله: من كنت مولاه فهذا علي مولاه مجملاً في الولاء المقصود إثباته للرسول (ص) والإمام (ع)؛ إذ كما يجوز إرادة ولاء الحكم – وهو ولاء غير متكافئ – تجوز إرادة الولاء المتكافئ المبني على الإيمان.
ويلاحظ على هذا الاحتمال: أن الولاء المتكافئ معنى صحيح لمادة الولاء ولكلمة المولى، ولكن هذا لا يلائم هذه الخطبة، فإن التركيز في الولاء للإمام (ع) على الشخص وقرنه بالولاء للرسول الظاهر فيه الولاء غير المتكافئ يجعل الجملة واضحة جداً في الولاء غير المتكافئ الذي يملي على الأمة وظيفة خاصة تجاه الإمام (ع) كالرسول (ص).
الاحتمال الثاني
أن يكون الولاء في الحديث من قبيل الولاء غير المتكافئ ولكن لا في مستوى ولاء الحكم والقيادة، بل يكون وشيجة معنوية بين الناس وبين الإمام علي (ع) يترتب عليها وجوب محبتهم فحسب، كما تجب محبة قرباه (ع) بوجه عام لقوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[21].
وذلك ولاء غير متكافئ؛ لأنها وشيجة خاصة مع الإمام علي (ع)، وليست وشيجة مشتركة بين أهل البيت (ع) وسائر الأمة كما في وشيجة الإيمان والنصرة بين المؤمنين حيث أن الجميع سواء في ذلك.
وهذا المعنى ينبغي أن يكون هو مراد من فسر المولى في الحديث بالمحب فيكون المراد بذلك إثبات وشيجة للمؤمنين مع الرسول (ص) والإمام (ع) تقتضي محبتهم لهما فهو يريد بذلك إثبات ولاء المحبة بينهما وبين المؤمنين.
ولا يصح أن يكون المراد بهذا القول تفسير المولى في الحديث بكلمة المحب؛ إذ يكون معنى الكلام أن من كنت محبه فهذا علي محبه، فتفيد أن الرسول (ص) والإمام (ع) يحبان المسلمين، ومن المعلوم أن هذا غير مراد بالكلام، وإنما المراد أنه يجب على المسلمين محبتهما ونصرتهما، فالمناسب أن يفسر بالمحبوب لا بالمحب، والمراد أنهما (ع) يرتبطان مع المؤمنين بوشيجة تقتضى محبة المؤمنين لهما.
هذا تقرير هذا الاحتمال.
ولكن هذا الاحتمال خاطئ لوجهين:
1ـ أنه لو صح ورود الولاء بهذا المعنى لم يكن ملائماً للحديث؛ لأن المفهوم من الحديث في إثبات الولاء للرسول (ص) والإمام (ع) هو أنه من سنخ الولاء المعروف بين الناس في القبائل لوحدة الانتماء القبلي أو التحالف والذي يستتبع الحماية والنصرة ونحو ذلك.
2ـ على أن الصحيح أن جعل الولاء بمعنى المحبة أو الوشيجة المستوجبة للمحبة فحسب أمر خاطئ من أصله لما تقدم من قبل، وخلاصته أن الولاء في اللغة والعرف وشيجة من شأنها أن توجب التكاتف والعون والحماية والنصرة كما يظهر بتأمل الآيات التي عرضناها والتي يظهر منها الآثار المختلفة للولاء، وعليه لا تكفي في صدقه المحبة ولا الوشيجة الموجبة للمحبة فقط، كما أن ضده وهو العداء لا يكفي في صدقه مجرد كراهة شخص وبغضه، بل ما كان من شأنه أن يستوجب إيذاءه والعدوان عليه في الحقيقة.
والواقع أن العرف لا يعتبر مجرد محبة شخص لآخر وشيجة بينهما، فمن أحب طفلاً لجماله أو طبيباً لحذاقته لا يصدق أن له وشيجة معه وولاء، فإن الوشيجة هي نحو من الاتصال بين الطرفين حتى كأنهما جزء من كل بحيث يقتضي وحدة مصيرهما، فيكون أحدهما حامياً للآخر وواقياً له ومتحملاً للأذى معه.
الاستنتاج
أن تفسير الولاء في اللغة العربية يحمل دلالات متعددة، وتختلف هذه الدلالات بين معانٍ تتعلق بالملكية والتحالف والقربى، وأخرى تتعلق بالنصرة والمحبة، ويُظهر الكاتب أن الولاء ليس مجرد محبة عابرة، بل هو علاقة تستدعي الحماية والدعم المتبادل، ويؤكد على أن الولاء الثابت للإمام علي في خطبة الغدير يمثل ولاءً غير متكافئ، حيث يُعبر عن علاقة قيادية واضحة، مما يوجب على المسلمين محبته ونصرته.
الهوامش
[1] سماحة السيد الأستاذ السيد السيستاني (مد ظله العالي).
[2] الممتحنة، 1ـ4.
[3] الرعد، ١٦.
[4] الشورى، ٤٦.
[5] الجاثية، ١٠.
[6] آل عمران، ١٥٠.
[7] النساء، ١٣٩.
[8] المائدة، ٥١ – ٥٢.
[9] الأنفال، ٧٢.
[10] التوبة، ۷۱.
[11] هود، ۱۱۳.
[12] آل عمران، ١٥٠.
[13] البقرة، ٢٨٦.
[14] يونس، ٣٠.
[15] النحل، ٧٥-٧٦.
[16] الأحزاب، ٥.
[17] التحريم، ٤.
[18] النساء، ٣٣.
[19] مريم، ٥.
[20] الدخان، ٤١.
[21] الشورى، ٢٣.
مصدر المقالة (مع تصرف)
السيستاني، محمد باقر، واقعة الغدير ثبوتها ودلالاتها، الطبعة الثانية، 1444 ه، بلا تاريخ، ص326 ـ ص345.