تعتبر مصادر الإنتاج من العناصر الأساسية في فهم الاقتصاد الإسلامي، حيث تشتمل مصادر الإنتاج على الطبيعة ورأس المال والعمل، ويبرز الباحثون أهمية الطبيعة كمصدر أول وأساسي في مصادر الإنتاج، إذ يشمل الأرض والموارد الطبيعية، ويرى السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قده) أهمية استبعاد رأس المال والعمل من النقاشات الأولية، مركزاً على المصدر الأول من مصادر الإنتاج وهو الطبيعة كمصدر جوهري من مصادر الإنتاج، كما يستعرض المقال تفاصيل حول تقسيم الأرض وفقاً للأحكام الإسلامية، بالإضافة إلى المواد الأولية والمياه والثروات الأخرى، ويتناول مسؤولية الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي في المجتمع الإسلامي.
مصادر الإنتاج وموقف الإسلام
يذكر الباحثون في الاقتصاد السياسي أن مصادر الإنتاج ثلاثة هي: الطبيعة ورأس المال والعمل بما يشمل الإدارة والتنظيم.
ويرى السيد الشهيد الصدر (قده) أنه ينبغي استبعاد البحث في المصدرين الأخيرين لسبب بسيط هو أن تحديد الموقف ينبغي أن يلحظ المصدر الأول من مصادر الإنتاج، وبناءً عليه، فرأس المال يمثل ثروة سبق إنتاجها لتشكل مادة لإنتاج ثروة أخرى ولذا فهو يندرج ضمن الثروة المنتجة فيبحث الموقف منه في نظام التوزيع بعد الإنتاج.
فأما العمل فهو عنصر معنوي، لا ثروة مادية تمتلك على نحو خاص أو عام، وأن كان له دور في مصادر الإنتاج.
فتبقى الطبيعة بصفتها المصدر الأول من مصادر الإنتاج والأساس لكل إنتاج، وهي تشتمل على عناصر أربعة: الأرض والمواد الأولية والمياه الطبيعية والثروات الأخرى المختلفة.
العنصر الأول من مصادر الإنتاج: الأرض
قسّم الفقهاء الأرض الى أربعة أقسام تتفق أحياناً وتختلف أخرى من حيث الأحكام وهي:
1- أرض الفتح وهي الأرض التي أصبحت إسلامية بالفتح والجهاد كأراضي الشام والعراق ومصر وإيران وغيرها، وهي على ثلاثة أنواع:
أ- الأرض العامرة بشرياً حين الفتح فقد أجمع علماء الامامية على أنها ملك عام لكل المسلمين من وجد ومن سيوجد. رُوي عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: لا يشترى من أراضي أهل السواد ـ أي أرض العراق ـ شيئاً إلاّ من كانت له ذمة فإنما هو فيءٌ للمسلمين[1].
ب – الأرض الميتة حين الفتح وهي التي لم تكن عامرة حين دخولها في حوزة الاسلام لا طبيعياً ولا بشرياً فهي ملك للإمام (ع)، وباصطلاح العصر ملك الدولة الاسلامية لقوله سبحانه وتعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ للَّهِ والرَّسُول[2]، وجاء عن الإمام جعفر الصادق (ع): أن الموات كلها هي له وهو قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ….
وقد سمحت الشريعة لأفراد المسلمين إحياء هذه الأرض وإعمارها وإستثمارها مما يفهم منه أن الأحياء يعطيهم حقاً خاصاً بهم.
فقد جاء عن أهل البيت (ع): من أحيى أرضاً فهي له وهو أحق بها.
لكن اختلف الفقهاء في طبيعة هذا الحق بين قائل بالملكية الخاصة وبين قائل بثبوت حق التصرف دون أن يمتلك المحي رقبة الأرض كما عن الشيخ الطوسي رحمهم الله.
ويرى السيد الشهيد الصدر (قده) أن الرأي الثاني أكثر إنسجاماً مع النصوص الشريفة بدليل أن المحي يتوجب عليه دفع أجرة الأرض للإمام، لما ورد عنهم (ع): من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها[3]، أي أجرتها.
ج- الأرض العامرة طبيعياً حين الفتح كالغابات فإنها ملك الامام أي الدولة الاسلامية لقول الإمام موسى الكاظم (ع): ما كان من أرض باد أهلها فذلك الأنفال فهو لنا[4].
ويرى السيد الشهيد الصدر (قده) أن الأرض العامرة طبيعياً هي ملك الدولة الاسلامية سواء كانت مفتوحة عنوة أم لا.
2- الأرض المسلمة دون جهاد، وهي التي أسلم أهلها طوعاً كأرض المدينة المنورة وأندونيسيا وغيرها، فما كان منها ميتاً فهو كسائر الموات يدخل في ملكية الدولة الاسلامية، وكذلك الأرض العامرة طبيعياً، وأما العامر منها بأهلها فهي لهم.
3- أرض الصلح، وهي الأرض التي غزاها المسلمون فلم يسلم أهلها لكنهم لم يقاوموا عسكرياً وقبلوا العيش في كنف الدولة الاسلامية مسالمين فتخضع الأرض لشروط الصلح معهم ولا يجوز مخالفتها، وأما الأرض الموات والعامرة طبيعياً فهي ملك الدولة الاسلامية كسائر الأراضي المماثلة.
4- أراضي الدولة الإسلامية الأخرى من قبيل الأرض التي باد أهلها أو التي استجدت بطمر السواحل أو بعض مجاري الأنهار، وكذلك الأراضي التي سلمها أهلها للدولة الاسلامية طوعاً، فهذا كله من الأنفال التي للإمام أي الدولة الاسلامية.
ويتضح من العرض السابق أن الملكية الخاصة للأرض قد وضعها الإسلام في إطار ضيق إلى أبعد الحدود، حتى أن بعض فقهاء الامامية كابن البراج وابن حمزة ذهبوا الى إنتقال الأرض المملوكة الى الدولة إذا أهملها أصحابها الأصليون ولم يستثمروها، ويبرر السيد الشهيد الصدر (قده) ذلك بمبررين:
الأول: اقتصادي يعود الى ضرورة مساهمة الأرض في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحركة الإنتاج في المجتمع.
والثاني: سياسي وهو أن إقرار ملكية الداخلين في الإسلام على أرضهم يحمل اعتباراً خاصاً لمصالح الرسالة واتساع حوزة الاسلام بدون عقبات كبيرة لكن ذلك ليس مطلقاً بل يرتبط هذا الإقرار بمدى إسهامهم في الحياة الاسلامية.
وإنطلاقاً من ذلك أبدى (قده) محاولة فقهية هامة ومفادها أن المبدأ في الأرض ـ التي هي مصادر الإنتاج ـ هو ملكية الدولة الاسلامية والى جانبه حق الإحياء بدون إستثناء وهو ما يمكن من فهم قول الامام أمير المؤمنين (ع): الأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا فَمَنْ أَحْيَا أَرْضاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْمُرْهَا ولْيُؤَدِّ خَرَاجَهَا إِلَى الإِمَامِ[5].
العنصر الثاني من مصادر الإنتاج: المواد الأولية
تحظى الدولة الأولية باهتمام خاص في الأبحاث الاقتصادية ـ أي الإنتاج ـ سواء كانت علمية أو مذهبية، نظراً الى ما تمثله من قوة أساسية لإدارة عملية أهم مصادر الإنتاج في الحياة الاقتصادية، والمقصود بها المعادن.
ويقسم عادة الفقهاء المعدن الى قسمين: ظاهر وباطن.
فالمعدن الظاهر هو الذي لا يحتاج الى جهد وعمل لإظهار معدنيته كالملح والنفط.
والمعدن الباطن هو الذي يحتاج الى جهد وعمل لإظهار معدنيته كالحديد والذهب.
والرأي الفقهي المعروف في المعدن الظاهر أنه من المشتركات فتدخل في الملكية العامة ويرجع الى ولي الأمر ـ الدولة ـ تحديد استثماراتها بما يتفق مع المصالح العامة للأمة، ولذا يمنع الأفراد والجماعات القيام بعمليات استثمارية للمعادن وإنما يسمح لهم بالحصول على حاجتهم دون تحديد لقدر الحاجة.
وأما المعادن الباطنة فهي على قسمين: المعادن الباطنة القريبة من سطح الأرض فحكمها كالمعادن الظاهرة، والمعادن الباطنة في أعماق الأرض التي تتطلب جهداً إضافياً في التفتيش عنها والحفر للوصول إليها.
والرأي السائد بين أكثر علماء الامامية أن المعادن ـ التي هي مصادر الإنتاج ـ ملك الدولة وتحت نظر ولي الأمر لكونها من الأنفال فتملك بالكشف والحفر لأنها لون من ألوان الإحياء والحيازة لكن بحدود ذلك الحفر الذي اصطلحوا عليه بحريم المعدن، ولم يفرق الفقهاء بين الأرض ـ التي هي من مصادر الإنتاج ـ العامة أو الخاصة ـ المملوكة ـ، لأن دليل الاحياء عندهم يختص بالأرض فلا يشمل ما تحويه من الثروات في الأعماق.
والنتيجة التي تظهر من العرض السابق فيما يتعلق بالمعادن أنها من الأملاك العامة وأنها من مصادر الإنتاج.
العنصر الثالث من مصادر الإنتاج: المياه الطبيعية
تنقسم المياه الطبيعية الى قسمين:
الأول: المياه الظاهرة على سطح الأرض كالأنهار والبحار والعيون الطبيعية ونحوها… وهذا القسم من المشتركات العامة بين الناس الذي يدخل في الملكية العامة، واستثني منها على الرأي المشهور بين الفقهاء المياه النابعة في الأرض الخاصة، وعن رسول الله (ص): الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلاء[6]، وعليه، فلا يملك شيء من هذه المياه إلاّ بالعمل والحيازة.
الثاني: المياه الجوفية كمياه الابار، فإنها تملك بالعمل والحفر وما يتجدد منها دون نفس العين. ومع ذلك فلا يحق للمستخرج أن يبيع الزائد عن حاجته الى الاخرين لقول النبي محمد المصطفى (ص): لا تبعه ولكن أعره جارك أو أخاك، لأن المادة الزائدة عن حاجته لا تزال من المشتركات العامة والتي تنفع في عملية الإنتاج.
العنصر الرابع من مصادر الإنتاج: الثروات الطبيعية
والمقصود بها الطيور والمواشي والغابات والمراعي وسائر الثروات الطبيعية، وهي من المباحات العامة التي تملك بالعمل والحيازة وهي من مصادر الإنتاج.
مسؤولية الدولة في الاقتصاد الإسلامي
تتحمل الدولة في مذهب الاقتصاد الإسلامي مسؤولية أساسية لحماية مصالح الأمة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها من خلال التدخل والإشراف استناداً الى القاعدة الشرعية في قول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمرِ مِنْكُمْ[7].
ولقد شهدت السيرة النبوية الشريفة ألواناً من التدخل كما في الحديث الصحيح عن النبي محمد المصطفى (ص) من أنه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل إنه لا يمنع نفع شيء. وقضى بين أهل البادية إنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء. مع أن منع النفع ليس محرماً بصورة عامة في الشريعة المقدسة فيعلم أن المنع كان منه بصفته ولياً للأمر بشهادة التعبير بقضى أي حكم.
وتدخل الدولة، وإن كان واحداً من مسؤولياتها إلاّ أننا سنركز على أمرين أساسيَيْن اخرين نظراً لإرتباط تدخل الدولة بولاية الأمر التي سيأتي توضيحها. وهذان الأمران هما: الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي.
أولاً: الضمان الاجتماعي
لا شك أن من مسؤوليات ومهام أية دولة ضمان معيشة أفراد المجتمع بصورة كافية من خلال وسيلتين رئيسيتين هما: إتاحة فرص العمل ووسائله اللازمة للناس، والتقديمات التي تكمل وتسد حاجاتهم:
ويعتمد مبدأ الضمان الاجتماعي في الاسلام على أساسين:
1- التكافل العام الذي يفرض على المسلمين كفالة بعضهم البعض، وهو واجب شرعي كسائر الواجبات الشرعية الأخرى التي يحرم مخالفتها ويكون للدولة الاسلامية حق إلزام المسلمين وحملهم على القيام بها بمقتضى الصلاحيات المخولة لها.
وقد جاء عن الامام جعفر الصادق (ع): أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَنَعَ مُؤْمِناً شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْه وهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْه مِنْ عِنْدِه أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِه أَقَامَه اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدّاً وَجْهُه مُزْرَقَّةً عَيْنَاه مَغْلُولَةً يَدَاه إِلَى عُنُقِه فَيُقَالُ: هَذَا الْخَائِنُ الَّذِي خَانَ اللَّه ورَسُولَه ثُمَّ يُؤْمَرُ بِه إِلَى النَّار[8].
ويفهم من الحديث الشريف أن المقصود بالحاجة أي الحاجة الشديدة كالطعام والشراب واللباس.
2- الحق العام في ثروة الدولة والذي يفرض عليها إعالة المحتاجين وكفايتهم.
فقد جاء في كتاب الامام أمير المؤمنين (ع) إلى واليه على مصر: ثُمَّ اللَّه اللَّه فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ، مِنَ الْمَسَاكِينِ والْمُحْتَاجِينَ وأَهْلِ الْبُؤْسَى والزَّمْنَى، فَإِنَّ فِي هَذِه الطَّبَقَةِ قَانِعاً ومُعْتَرّاً، واحْفَظِ لِلَّه مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّه فِيهِمْ، واجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ، إلى أن يقول (ع): وتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ – مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَه ولَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَه[9].
وتشكل قطاعات الدولة بمواردها العامة وملكياتها مضافاً الى فريضتي الخمس والزكاة المصدر الأساسي لهذا الإنفاق. وقد أفتى بعض الفقهاء كالشيخ الحر العاملي (قده) بشمول ضمان الدولة لغير المسلمين الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية.
وقد حدد القران الكريم وظيفة الفيء ودوره الاقتصادي في المجتمع في قول الله تعالى في سورة الحشر: وَمَّا أفَاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَنْ يَشاءُ واللَّهُ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلْرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وابنِ السَّبيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دولةَ بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ[10]. حيث تحدد ذيل الاية الكريمة الهدف من توزيع الفيء وحق المجتمع فيه.
ثانياً: التوازن الاجتماعي
يرتبط التوازن الاجتماعي بقضية حساسة وحيوية هي قضية الأمن الاجتماعي في الدولة والقاضي بمكافحة الفوارق والتناقضات الاجتماعية الفادحة التي تقود المجتمع نحو الصراعات والانقسام.
وينطلق الاسلام في علاجه لهذه المسألة من حقيقتين هما:
1- الحقيقة التكوينية القائلة بأن الأفراد يتفاوتون في خصائصهم النفسية والفكرية والجسدية بقطع النظر عن الظروف المحيطة بهم من معوقات ومحفزات.
2- الحقيقة التشريعية التي تؤكد على أن العمل أساس التملك. وهاتان الحقيقتان تنتجان بالضرورة تفاوتاً بين الأفراد في الثروة.
ومن هنا، فإن التوازن الاجتماعي لا يعني توازناً بين أفراد المجتمع في مستوى الدخل وامتلاك الثروة، بل المطلوب التوازن في مستوى المعيشة الذي يقضي على التناقضات الفادحة التي نراها في المجتمعات الرأسمالية.
فمضافاً الى الضوابط الأخلاقية والشرعية في الانفاق كتحريم الاسراف والندب الى أعمال الخير والبر. يقوم ولي الأمر بتوجيه المال بالوجهة التي تحقق هذا التوازن في معيشة الناس كما جاء في حديث الامام موسى الكاظم (ع) في أموال الزكاة: فَأَخَذَه الْوَالِي فَوَجَّهَه فِي الْجِهَةِ الَّتِي وَجَّهَهَا اللَّه عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا والْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرِّقَابِ والْغَارِمِينَ وفِي سَبِيلِ اللَّه وابْنِ السَّبِيلِ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَسْتَغْنُونَ بِه فِي سَنَتِهِمْ بِلَا ضِيقٍ ولَا تَقْتِيرٍ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ رُدَّ إِلَى الْوَالِي وإِنْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ولَمْ يَكْتَفُوا بِه كَانَ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَمُونَهُمْ مِنْ عِنْدِه بِقَدْرِ سَعَتِهِمْ حَتَّى يَسْتَغْنُوا[11].
وتعتمد الدولة لتحقيق هذا والتوازن على وسائل ثلاث:
1- الضرائب الثابتة في التشريع وهي الخمس والزكاة بأصنافها فيرتفع بالفقير الى مستوى المعيشة في عصره كما عند سائر الناس وبما يتناسب مع الحجم العام للثروة ومستوى الرقي والرفاهية المتعارفة.
2- إيجاد القطاعات الإنتاجية والخدماتية العامة التي تؤمن انفاقاً وتقديمات مناسبة.
3- التشريعات الاسلامية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم في إيجاد التوازن وحمايته. فمثلاً: تحريم الاكتناز للنقود وإلغاء الفائدة والاستثمارات الرأسمالية للثروات الطبيعية يقضي على الاحتكار والاخلال بالتوازن الاجتماعي، وأحكام الإرث تمنع تكديس الثروة وتعيد توزيعها على الأقرباء وبالتالي على الشرائح الاجتماعية المختلفة وهكذا…
ويبقى لتدخل الدولة وإشرافها على سائر الشؤون الحياتية أثر فاعل في تحقيق التوازن الاجتماعي وحمايته من الاختلال.
الاقتصاد الإسلامي وولاية الأمر
إن من المزايا المهمة التي إمتاز بها الاقتصاد الإسلامي ـ الذي هو قام على الطبيعة التي هي من مصادر الإنتاج ـ هو اشتماله على نحوين من الأحكام: الأولى ثابتة لا تقبل التغيير، والثانية متحركة تتحدد وفقاً لمتطلبات الأهداف العامة وبملاحظة الزمان والمكان وهو ما اصطلح عليه بمنطقة الفراغ التي يملؤها ولي الأمر بصفته الحاكم الشرعي في الدولة سواء كان نبياً أو إماماً أو فقيهاً.
ولذا فالتعبير بمنطقة الفراغ ليس تعبيراً عن فراغ في تشريع الاقتصاد الإسلامي بمعنى الكلمة، بل هو استيعاب تشريعي ثابت للمتغيرات والتطورات الحتمية مع مرور الزمن في المجتمعات الانسانية، وتقوم فكرة منطقة الفراغ على رؤية واقعية عميقة لنوعين من العلاقات الانسانية: علاقة الانسان بالطبيعة وعلاقته بأخيه الانسان.
ولا شك أن العلاقة الأولى في تطور دائم عبر الزمن تبعاً لتطور معارف الانسان وقدراته على الاستفادة من الثروة ـ التي هي الطبيعة التي هي من مصادر الإنتاج ـ واستثمارها وسيطرته عليها. في حين أن العلاقة الثانية محكومة بقيم ثابتة وجوهرية، لا تقبل التبديل، وإذا كان التمييز ضرورياً بين النوعين إلاّ أنه لا يمكن إغفال الاثار السلبية التي تخلفها علاقة الانسان بالثروة على علاقته بأخيه الانسان مما يولد أخطاراً على الجماعة باستمرار ولذا كانت منطقة الفراغ من الناحية التشريعية مواكبة لهذا العامل المتحرك والمتطور لدرء الأخطار الناجمة عنه.
ومن هنا لا يصح تقويم المذهب الاقتصادي في الاسلام بمعزل عن تشريع منطقة الفراغ وإلاّ كان ناقصاً.
وقد أوكل الاسلام أمر هذا النوع من التشريعات الى ولي الأمر استناداً الى قول الله سبحانه وتعالى: أطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولي الأَمرِ مِنْكُمْ[12].
وهذا يعني بالنتيجة أن الصورة التطبيقية الكاملة للاقتصاد الاسلامي ـ الذي يعتبر مصدرا من مصادر الإنتاج ـ ترتبط بوجود نظام الحكم الذي على رأسه ولي الأمر وهو في زماننا الفقيه العادل الجامع للشرائط المتصدي لأمر الدين والأمة.
وفي الحقيقة أن الإشراف والتوجيه للحياة الاقتصادية في المجتمع الاسلامي وتقنين مختلف الأنشطة فيه من المهام الرئيسية لولي الأمر الفقيه وفق أصول الاجتهاد المقررة التي تعطي للمباح صفة ثانوية بحسب الظروف والمصالح يقضي الولي على ضوئها بالوجوب أو الحرمة.
ويمكن في الختام أن نذكر مجموعة من النماذج لصلاحيات ولي الأمر في المجال الاقتصادي ـ الذي هو مصدر من مصادر الإنتاج ـ لها شواهدها في الحديث والسيرة المطهرة وقد تقدم ذكر بعض منها ونذكر الباقي وهي:
1- منع الاحتكار الذي لا مانع منه بصورة عامة.
فقد جاء في عهد الامام أمير المؤمنين (ع) لمالك الأشتر (ره): واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين في البائع والمبتاع.
2- السماح أو المنع من إحياء الأرض الموات.
3- توجيه الإنتاج لتأمين السلع الضرورية والحيوية بما يتلاءم مع خطط التنمية والتطوير.
4- الأحكام المساهمة في إنماء الثروة الزراعية والحيوانية والتي تعتبر من مصادر الإنتاج، فعن الامام جعفر الصادق (ع) أنه قال: قضى رسول الله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع فضل ماء وكلاء.
5- توزيع الثروات الطبيعية الخام وتوجيه استثماراتها من أجل الإنتاج.
6- التدخل في الأسواق لمنع الصراعات الخطرة.
فعن الامام جعفر الصادق (ع) أنه سئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها؟ فقال: قد اختصموا في ذلك الى رسول الله (ص) فكانوا يذكرون ذلك فلما راهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكنه فعل ذلك من أجل خصومتهم.
الاستنتاج
تظهر المقالة أن الإسلام يضع الطبيعة في قلب مصادر الإنتاج، حيث تُعتبر الطبيعة المصدر الأساسي الذي يتضمن الأرض، والمعادن، والمياه، والثروات الطبيعية، ويبرز السيد الشهيد الصدر (قده) أهمية استبعاد رأس المال والعمل من المناقشة الأولية، مشدداً على أن الملكية الخاصة للأرض محدودة، وتظل الدولة هي المالكة الأساسية لأهم مصدر من مصادر الإنتاج، وتركز المقالة أيضاً على مسؤولية الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان المعيشة من خلال الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي، كما تؤكد المقالة على دور ولي الأمر في توجيه الاقتصاد الإسلامي ـ الذي هو من مصادر الإنتاج ـ بما يتماشى مع القيم الإسلامية، مع ضرورة المحافظة على الإنتاج في المصالح العامة ودرء الأخطار الاجتماعية.
الهوامش
[1] الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج3، ص240، ح3879.
[2] الملك: 15.
[3] الطوسي، تهذيب الأحكام، ج4، 145، ح404.
[4] المجلسي، بحار الأنوار، ج93، ص210، ح8.
[5] الكليني، الكافي، ج1، ص407، ح1.
[6] الطوسي، الخلاف، ج3، ص281.
[7] النساء: 59.
[8] الكليني، الكافي، ج2، ص367، ح1.
[9] الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص438، كتاب 52.
[10] الحشر: 7.
[11] الكليني، الكافي، ج1، ص541، ح4.
[12] النساء: 59.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
3ـ الصدوق، محمّد، من لا يحضره الفقيه، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، منشورات جامعة المدرّسين، الطبعة الثانية، بلا تاريخ.
4ـ الطوسي، محمّد، الخلاف، قم، تحقيق ونشر مؤسّسة النشر الإسلامي، طبعة 1407 ه.
5ـ الطوسي، محمّد، تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق السيّد حسن الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365 ش.
6ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
7ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه.
مصدر المقالة (مع تصرّف)
1ـ الصدر، محمّد باقر، المدرسة الإسلامية، ص121ـ ص131.
2ـ مركز المعارف للتأليف والتحقيق، الاقتصاد الإسلامي، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.