إن واقعة الغدير تتكون من حدث عظيم وخطاب مؤثر، مما يستدعي منا التأمل في منهج فهم كل من الأحداث والخطابات بشكل عام، ومن الضروري أن نشير إلى ما يتناسب مع واقعة الغدير وخطبتها، لنتمكن من الوقوف على جوهر مغزى واقعة الغدير وما تحمله الخطبة التي ألقاها النبي (ص) في سياقها في هذا الإيضاح، وسنستعرض منهج فهم واقعة الغدير كحدث، لننتقل بعد ذلك إلى التأمل في منهج فهم الخطاب الذي تم توجيهه في تلك المناسبة.
وهنا نقاط ثلاثة:
1ـ واقعة الغدير حادثة سیاسیة
ان واقعة الغدير حادثة سیاسية، وذلك لأن الخطبة التي خطبها النبي (ص) في واقعة الغدير تتألف من فقرتین أساسیتین:
أـ فقرة ایجاب التمسك بالثقلین
وهذه الفقرة تتحدث عن مکانة أهل البیت بین الامة بشکل خاص والتمسك بهم کسبیل للامن من الضلالة، وهذا المعنی ذو ظلال في عالم السیاسة، فأي حاکم مستقبلي لا بد أن یحسب لرجال هذا البیت – الذین قال فیهم النبي (ص) قولته هذه – حسابا کما یحسب الحکام دائما حسابا لأصحاب المواقع الدینیة الذین یراهم الجمهور هداة في الدین وفي مقتضیاته في الحیاة.
ب ـ فقرة الولاء
وهذه الفقرة التي قالها رسول الله (ص) في واقعة الغدير تتحدث عن أمر ذي دلالات سیاسیة.
وذلك:
أولا: أنها تحدثت عن الولاء لشخصیة سیاسیة في دولة النبي (ص) وهو الامام علي (ع)، فقد کان الامام (ع) في زمان النبي (ص) أبرز عصبة النبي (ص) وحماته، وکان النبي (ص) قد صرح بأنه أخوه ووزیره ووصیه، والوزارة لمن یکون في موقع القیادة السیاسیة كالنبي (ص) هي طبعا ذات معنی سیاسي، کما أن عقد الاخاء معه (ع) لن یخلو عن مغزی سیاسي کما یظهر بتأمل ذلك جیدا.
وثانیا: أن النبي (ص) قد ارتکز في عقد الولاء للامام (ع) علی صلاحیته السیاسیة وهي أولویته بالمؤمنین من أنفسهم، فان ذلك یتعلق بأمر تدبیره وقیادته للامة وحقه في تقریر ما یراه.
اذا مضمون خطبة واقعة الغدير في کل من فقرتیها سياسي أو ذو بعد سياسي، فتکون واقعة الغدير ذات مدلول سياسي، ویجب التعامل معها والتفطن لدلالاتها واتجاهها وفق ما یلزم من العنایة في شأن الأمور السیاسیة، والالتفات إلى ما تکون هذه الأمور عرضة له من وجوه التأویل والتحریف، لا سيما اذا لم تکن لمصلحة الخلفاء والحکام کما هو الحال في واقعة الغدير، اذ کانت الخلافة بعد النبي (ص) عموما في غیر أهل البیت (ع) عدا فترة وجیزة وهي خمس سنوات حکم فیها الامام علي (ع)، وستة أشهر بعدها حکم فیها الامام الحسن (ع).
2ـ تحلیل الأحداث السیاسیة والاجتماعیة
ان من الضروري في تحلیل أي حدث اجتماعي وسياسي – ولو کان معاصرا – أن يرتقي الباحث إلى مستوی من الوعي المناسب لتحلیل هذا الحدث وما یحتفّ به من ملابسات وحوادث، والاتراءت له أمور خاطئة وقراءة الحوادث قراءة غیر صائبة وبعیدة عن الواقع.
وهذا أمر یجده أي انسان نابه في الحیاة المعاصرة عندما یتأمل الحوادث الاجتماعیة والسیاسیة التي یشهدها والاقوال التي یسمعها والغایات المنظورة بها.
ولکن کثیرا من الناس في المجتمع لا یرتقون إلى هذه الدرجة بشکل مباشر، فهم لا یتقنون التحلیل الاجتماعي والسیاسي لما یحدث وما یتعلق به من تقییم الرجال ومراتبهم وغایاتهم ومطامحهم، ولذا یقع کثیر منهم في فخ الانطباعات الخاطئة ویتّبعون علی أساسها قیادات غیر مؤهلة للاتباع، لأنهم لا یستطیعون قراءة الواقع وتحلیله علی وجه مناسب.
وهناك من یعتمد في تحلیل القضایا علی أشخاص یثق بهم، فإن کانوا ممن یستوجبون منه الوثوق لاختباره علمهم وأخلاقهم وطلبهم للحقیقة وبصیرتهم في الأمور فهو سوف یصیب الواقع بذلك، وان کانوا من الذین لا یستوجبون الوثوق، ولکن اغتر بهم من جهة عناوینهم ومواقعهم وخطابهم ومزاعمهم عن أنفسهم دون تثبت وتدقیق منه فإنه یقع في الخطأ بطبیعة الحال.
وهذا المعنی ینطبق في صراع الحق والباطل في الاتجاهات الاجتماعیة والسیاسیة علی وجه عام حتی وان لم یکن في المجتمع الديني أو علی أساس الخطاب الديني کما یلاحظه الناظر في المجتمعات غیر الدینیة، فهناك اتجاهات عدیدة فیها، بعضها معنيّ بالصالح العام، وبعضها معنيّ بالغایات الشخصیة، وجمهور الناس بین من یعتمد تحلیل هذه الفئة أو تلك، کما یتحقق مثل ذلك في المجتمع الديني.
وقد یستغرب کثیر من النابهین قناعة فریق من الناس بقیادات تمارس الکذب والتمویه والتلبیس في تسویق أنفسها وتدعي الغایات الحمیدة والسوابق السدیدة.
ولیس ذلك إلا من جهة عدم ارتقاء هؤلاء إلى تحلیل الامور والحوادث من الناحیة الاجتماعیة والسیاسیة علی وجه مناسب، ولو من جهة التسرع والانفعال والانخداع بالاعلام والشعارات المرفوعة.
ویعبر في لغة النصوص الدینیة عن مثل هذه الاختلافات بالشبهات والفتن کما یرد ذلك کثیرا في کلمات الامام علي (ع)، وقد ذکر الامام (ع) في کلام له ورد في نهج البلاغة: أن الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم علی سبیل نجاة، وهمج رعاع أتباع کل ناعق[1].
ومراده (ع) بالعالم الرباني من کان مخلصا متبصرا للحق وواقفا علی حقائق الامور وتحلیل الاحداث.
کما أن المراد بالمتعلم علی سبیل النجاة من یتثبّت في تحدید الموقف الصائب تثبّتاً كافياً ویزن الأمور بمیزان صحیح فیمیل إلى من یوثق به وبتبصّره للامور.
والمراد بالهمج الرعاع المتسرّعون إلى تصدیق کل رایة من دون تثبّت وبصیرة.
وقد ترك (ع) في التعداد ذکر صنف رابع من الناس وهم أئمة الضلال وقادته الذین یتبعهم الهمج الرعاع، وهم الذین ذکرهم بعنوان «کل ناعق» لکنه لم یدخلهم في التعداد.
فهذا أمر یجري في عامة المجتمعات الانسانیة دینیة کانت أم لا.
ولکن ینطبق ذلك بشکل خاص في المجتمع الديني، فالمجتمع الديني بحاجة کبیرة إلى تحلیل صائب للاتجاهات المتعددة والحوادث الواقعة وتحدید المسار السلیم عن المسار الخاطئ، وتشخیص من یکون مؤهلا بالثقة به عمّن لا یکون کذلك.
واذا تأمّلنا المشهد الديني في أوساط المسلمین فإننا نجد في الساحة الدینیة خطابات متعددة وأشخاصا مختلفین کل منهم یترأس جماعة یتّبعونه ویوافقونه في التحلیل الاجتماعي والسياسي للامور والأحداث وما یترتب علیها من استحقاقات.
وقد کان الأمر كذلك منذ بدایة الاسلام.
ولنضرب لذلك عدة أمثلة حتی یتضح الموضوع.
1ـ تأمّل المشهد السياسي في عصر النبي
لقد کان المسلمون في زمان النبي (ص) علی هذا الوصف کما یظهر من القرآن، إذ کانت ظروف النبي (ص) والمسلمین صعبة، إذ کان هذا الدین دینا جدیدا مبتلی بمحاربة عامة العرب له فکانت تکتنفه ظروف الحرب والقتال والضیق، وهي ظروف تولّد الشبهات والفتن بطبیعتها، وقد کان هناك منافقون یؤمنون بظاهر کلامهم ویبطنون الکفر في قلوبهم ویلقون الشبهات في أوساط المؤمنین ویثیرون أسئلة یجیبون علیها بأجوبة خاطئة.
کما کان في المجتمع أهل الکتاب الذین کانوا یحسنون اللغة الدینیة وکیفیة المجادلة بالحق والباطل في الدین وأسالیب التمویه والتلبیس والزیادة والنقصان بما یوقع الشبهة بین أوساط المسلمین کما حکی الله سبحانه کل ذلك في القرآن.
وکان هناك في المؤمنین من هو علی حافة الایمان، فهو یزل بأدنی شك وشبهة، وقد یتأثر اذا أصاب مصلحة اثر ایمانه فیقوی ایمانه واذا أصابه ضرر تراجع عن الایمان أو تزلزل في عقیدته لعدم رسوخ العقیدة في عقله وقلبه، وهؤلاء هم بعض الذین جاء أنهم آمنوا ثم کفروا، کما کان هناك فریق من المؤمنین لم تزل رواسب العصبیة قائمة في نفوسهم، فاذا أثیرت فیهم ثاروا في اتجاهها ولم یأبهوا بما یملیه علیهم دینهم.
وقد حث الله سبحانه المؤمنین علی أن یتلقّوا تحلیل الحوادث من أهل العلم ویحذروا الشبهة والفتنة.
ومن المقاطع القرآنیة الرائعة فی ذلك ما نزل في فقرة من سورة النساء نزلت فیما یبدو في الاعداد لفتح مکة في السنة الثامنة للهجرة، قال تعالی: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا * وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا[2].
وقد کان من المسلمین من هو أشبه بالهمج الرعاع فیتأثر بما یبثه المنافقون أو المشرکون أو أهل الکتاب، أو یتخذهم أولیاء یرکن الیهم ویثق بهم ولا یتوقی من سوء مقاصدهم، وقد جاء في سورة الممتحنة – وقد نزلت قبل سورة النساء ـ النهي الشديد عن ذلك.
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ[3].
وجاء في سورة آل عمران من قبل – وقد قیل انها نزلت في السنة الثالثة للهجرة – قال تعالی: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[4].
2ـ تأمّل المشهد السياسي بعد النبي
اننا اذا لاحظنا مشهد المسلمین بعد النبي (ص) وفق الروایات المتفق علیها وجدنا مشهدا غریبا علی کل حال، فقد بادر الانصار إلى عقد اجتماع داخلي فیما بینهم لتعیین من يلي النبي (ص) منهم من غیر استشارة لبني هاشم والامام علي (ع) ولا لسائر المهاجرین من قریش رغم أن النبي (ص) کان یستشیرهم في أمور السلم والحرب ویستأنس برأیهم، وقد أمره الله بذلك.
ولأن المشورة تقرّب القلوب وتؤلف النفوس وتذهب بالضغائن، لکنهم خشوا ان أشرکوا قریشا وبني هاشم أن یغلبوا علی الأمر، فرأوا أن یبایعوا أحدهم، ویجعلوا قوم النبي وعشیرته الأقربین (بني هاشم) في مقابل الأمر الواقع، وقد تمسکوا لاستحقاقهم في الامر بأنهم الذین آووا النبي (ص) ونصروه بعد أن طرده قومه (قریش) من مأواه مکة وکادوا یقتلونه ثم حاربوه.
والواقع أنه لو تم للانصار أن یبایعوا أحدهم لکان وضع المسلمین خطیرا، لان قریشا ومهاجریها لم یکونوا یقبلون بذلك عادة، لأنهم یرون أنفسهم أشرف العرب، وعصبیتهم أقوی من عصبیة الأنصار، ولأنهم قوم النبي (ص) فهم أحق بتراثه وفق العرف القبلي.
کما أن خضوع سائر العرب للانصار کان أمرا صعبا، ولیس علی حد خضوعهم لقریش؛ لمکانة قریش المرکزیة عند العرب، ولذلك کان من المتوقع حدوث فتن بین المسلمین کأن یخرج جل قریش من المدینة إلی مکة وینافسون الانصار علی حکم العرب، وقد تقع الحرب بینهم وبین الأنصار.
هذا، وبین کان الأنصار في صدد ابرام الأمر لأنفسهم، اذ بثلاثة من مهاجري قریش – وکأنهم یمثلون هوی جل رجال قریش غیر بني هاشم – وهم أبو بکر وعمر وأبو عبیدة یفاجئونهم بالدخول إلی السقیفة، ویطالبون بأن یکون الامر لهم، ویقع الخلاف الشدید بینهم وبین الأنصار، فیحتج الأنصار بحقهم في أن یکون لهم نصیب من الأمر، ویحتج هؤلاء بأن قریشا قوم النبي (ص) فیکونون هم أولی بتراثه.
وقد بادر أحد هؤلاء الثلاثة ـ وهو عمر ـ بالضرب علی ید آخر منهم – وهو أبو بکر ـ، وکان أسن الثلاثة وأسبقهم إلی الاسلام – یبایعه قبل أن یتفق مع الاخرین، وتبعه أبو عبیدة، فوقع الخلاف بین الأنصار وتحرکت روح المنافسة بین رجالها فبایع بعضهم ثم تبعه الاخرون.
وهؤلاء المهاجرون الثلاثة لم یخبروا ولم یستشیروا الجناح الاخر في قریش، وهم بنو هاشم الذین حموا النبي (ص) في مکة من قریش نفسها، ولا سیدهم الامام علیا (ع) الذي هو ابن عم النبي (ص) وربیبه وقرینه، ومن خصه النبي (ص) بالمؤاخاة والوزارة ووجوه من الثناء الممیز، وکان رجل بني هاشم وقریش في حیاة النبي (ص) بعد أبیه أبي طالب بلا منازع، وکان بذلك أحق الناس بمقام النبي (ص) وفق العرف العربي والقبلي، مضافا إلى الاستحقاق الالهي بالنص والتعیین.
ثم ذهب أبو بکر إلى مسجد النبي (ص) على أنه خلیفة النبي (ص) کأمر واقع إذ بویع علیها من قبل بعض المهاجرین والأنصار، فبایعه الاخرون.
ثم اطلع علی الأمر بنو هاشم والامام علي (ع) بعد ابرامه، وامتعضوا من بیعة أبي بکر، وکان معه (ع) بعض المهاجرین من قریش وغیرهم کالزبیر، ودخل عمر وعصابة معه بیت الامام (ع) لیکرهوا الامام (ع) ومن معه علی البیعة، وكسر سیف الزبیر فبایع، ولکن الامام (ع) امتنع مهما وقع من الضغط علیه، واستمر (ع) علی عدم البیعة لشهور عدة.
والامتناع من بیعة الخلیفة خاصة من الوجوه والاعیان وخاصة من یری نفسه ویراه العرف أولی یعني أمرا خطیرا؛ لانه یعتبر بحسب مفهومه العرفي عدم اذعان بشرعیة الخلافة، ورغم ذلك استمر الامام في الامتناع عن البیعة، ثم بایع بعد وفاة فاطمة (س)، وقد تحدث هو (ع) عن سبب ذلك، فقال: ان السبب هو خوفه علی الاسلام من جهة رجوع راجعة الناس عن الاسلام، وفي کلام آخر أشار إلى أنه لم یکن قادرا علی تغییر الأمور بعد إبرامها، وذکر لأبي بکر أنه کان یری نفسه أولی وقد استبد بالأمر من دونه، فهذه قصة ما جری بعد النبي (ص).
ولما تولّی الامام علي بن أبي طالب (ع) الخلافة ـ بعد خمس وعشرین سنة من حکم الخلفاء عندما خرج الأمر من ید قریش فقتل عثمان دون وصیة لأحد – لم یسکت عمّا جری بعد الرسول (ص)، بل ملأ الکوفة بذکر أولویته وامتیاز أهل البیت (ع)، وعبر عن ذلك بملاحن من القول تعرف مثلها العرب في الاوضاع الحرجة، حتی انتشر التشیع في الکوفة کما یشهد بوضوح بالغ في التاریخ.
وتمسك من بعده بنوه کالامام الحسن والحسین (ع) وذریتهم بأولویتهم بالامر، کما یدل علیه ملاحظة مجموعة کلماتهم ومواقفهم.
ولکن مع ذلك نجد أن جماعة یسعون إلی أن یمثّلوا الموقف بعد النبي (ص) علی أنه کان اجماعیا بین أهل الحل والعقد من الصحابة، ویعتبرون موقف الامام (ع) مطابقا مع اتجاه الصحابة ومذعنا بالخلفاء وراضیا بخلافتهم، وتلك مفارقة واضحة للتاریخ، وسذاجة بالغة في تحلیل الأحداث، وسعي متکلف في تحصیل الواقع الخاطئ والذمیم.
3ـ تأمّل المشهد السیاسي في خلافة علي
واذا لاحظنا الأمور في زمان الامام أمیر المؤمنین (ع) نجد أن الامام (ع) – بغض النظر عن أولویته بالامر – قد انعقدت له الخلافة علی أساس معترف به علی وجه ظاهر للجمیع حیث بایعه جمهور المهاجرین والانصار من غیر کره ولا اجبار، فکان المفروض أن یسلم المجتمع من الفتنة والشبهات.
ولکن قوما من الخاصة أثاروا الفتنة علی أساس العصبیات القبلیة والمطامع الشخصیة، وهو أمر متوقع عموما، ولکن الملفت اتّباع جماعة من الناس لهم وقتاهم معهم ضد الامام (ع) من دون تثبّت انخداعا بالعناوین الکبیرة.
فهؤلاء طلحة والزبیر وعائشة کانوا ممّن حرّض علی عثمان في المدینة بسبب ایثاره قومه بني أمیة، وکان طلحة وعائشة من فرع آخر من قریش وهم بنو تیم، والزبیر من فرع ثالث وهم بنو أسد بن عبد العزی، فلما تولّی الامام (ع) الخلافة بادرا الی بیعته ظنا منهما أن السبق الی البیعة یکون أقرب إلى المکافأة وأدنی إلی القیادة المقبلة، فلما خاب أملهما استأذنا الامام (ع) في العمرة، ولحقا بالبصرة، وأخذا معهما عائشة، فرفعوا شعار مظلومیة عثمان في البصرة، وعرفا أنفسهما بأنهما صاحبا رسول الله (ع)، وهذه عائشة زوجته وأم المؤمنین.
وقد کان أهل البصرة عند قدوم هؤلاء علیهم خالي الذهن عمّا حدث في المدینة، ولکنهم لم یتثبّتوا بارسال وفد إلى المدینة للتحقق من الموضوع، بل اعتمدوا علی هذه العناوین الکبیرة، وقاتلوا من دونهم علی أنهم یدافعون عن مظلومیة عثمان، وأریقت منهم دماء کثیرة جذّرت فیهم الولاء لعثمان وطلحة والزبیر وعائشة، فان الدم اذا أریق – بحق کان أو بباطل – یثبت في نفوس الناس أثره اتجاه من أراق الدم، وکلما خاطبهم الامام (ع) وأوضح هم الأمر لم یرفعوا الید عنهم، إذ امتلأت أذهانهم من قبل بما قصّه طلحة والزبیر وعائشة وتعاطفوا مع حدیث مظلومیة عثمان.
فهذه قضایا قد نجدها واضحة ونجد التحلیل الاجتماعي والسیاسي لهذه الفتنة سهلا وبدیهیا.
ولکن لایزال جماعة من المسلمین یرون أن طلحة والزبیر تحریا الحق وقاتلا الامام (ع) علی أساس الحجة ولیس علی أساس طمع في جاه ولا رغبة في مال، وكذلك الحال في عائشة، فهي لم تندفع علی أساس قبلي ولا لانفعالات نسائیة لکون الامام صهر ضرتها خدیجة.
وهذا بالرغم من تواتر الشواهد التاریخیة علی موقف هؤلاء الثلاثة من عثمان، وتصریح الامام (ع) بأن طلحة والزبیر بایعا طائعین، ووضوح خصال عائشة وحساسیتها في صحاح الاثار، ولکن لا یزال التحلیل الاجتماعي والسیاسي لدی أولئك یمیل إلی أنهم کانوا یعتمدون علی الحجة ویطالبون بالاقتصاص من قتلة عثمان، ویقاتلون الامام (ع) علی أساس أنه حمی قتلة عثمان ولا یسلمهم إلى أولیاء دمه.
علی أن الواقع أن الامام (ع) لو کان قد فعل ذلك فانه لیس مبررا للبغي علیه بهذا الأسلوب واثارة الفتنة والتفرق بین المسلمین بما يؤدّي الی هذه المقتلة الکبیرة، کما لا یصحّح أحد من المسلمین الخروج علی الحاکم وقتاله بهذا المقدار، وهو أمر بديهي، فلا سبیل لتبریر صنیع طلحة والزبیر وعائشة بحال ولو باجتهاد حقيقي خاطئ، وانما هو هوی متبع وانفعالات غیر حمیدة.
وهذا معاویة بن أبي سفیان کان طالبا لولایة الشام کما کان والیا علیها طیلة عقدین من الزمن منذ زمان عمر ثم عثمان، فلم یقبل الامام (ع) بولایته علی الشام، فواجه الامام (ع) ورفع شعار مظلومیة عثمان والمطالبة بالقصاص من قتلته بدعوی حمایة الامام (ع) لهم، بل اتّهم الامام (ع) بأنه حرّض علی قتل عثمان، مع أن الامام (ع) کان حذرا للغایة في زمان عثمان من أیة حرکة أو قول یتلّقی کذلك، کما حدّث عنه (ع) بنفسه.
وکانت حقیقة الأمر أن معاویة لم یکن یرید أن یخرج الأمر بعد عثمان عن بني أمیة، وقد أسّس لحکم وراثي لأوّل مرة في الاسلام بتولیة یزید، رغم وضوح عدم أهلیته للخلافة لاستهتاره وطیشه وغیر ذلك، وقد ارتکب معاویة من الفظائع ما ارتکب، منها قتل حجر بن عدي علی ولاء الامام علي (ع)، وکل ذلك علیه شواهد واضحة للغایة في التاریخ الاسلامي العام والحوادث المتفق علیها.
ولکن أهل الشام اقتنعوا بأقوال معاویة من دون تثبّت، وبذلوا نفوسهم في الدفاع عنه وعن موقفه، ولا یزال هناك جماعة من المسلمین یحلّلون الأمور بطریقة مختلفة ویرون أن معاویة کان متحرّیا للحق وأنه اجتهد في سبیله، لکنه قد یکون أخطأ، فهو مأجور علی ما فعل، وقیل ان قائلهم لمّا سأل عن قبر حجر قال: هذا قبر سیدنا حجر بن عدي رضي الله عنه قتله سیدنا معاویة رضي الله عنه علی ولائه لسیدنا علي رضي الله عنه فرضي الله عنهم جمیعا.
ثم یسندون هذا الانطباع إلى أساس قرآني لأنه سبحانه قال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[5].
ومعاویة من التابعین باحسان کما أن طلحة والزبیر من السابقین الاولین من المهاجرین، وهذا ایقاع للمعارضة بین النصوص وبین الواقع المشهود علی خلافها، بالنظر إلی وضوح الحوادث التي اتفقت من الصحابة في التاریخ في تنافسهم علی الجاه والمال وانطلاقهم من العصبیات الضیقة وتمسکهم بالشبهات الواهنة.
فهذه الأمثلة توضح أهمیة المقدرة علی التحلیل الاجتماعي والسیاسي للحوادث ومناشئها وغایاتها والتمییز بین التفسیر الملائم والتفسیر غیر الملائم لتلك الاحداث.
وهذه مقدمة عامة نحتاجها في تحلیل عموم الحوادث الواقعة المتصلة بأهل البیت (ع) والامام علي (ع) في حیاة النبي محمد المصطفى (ص) وبعدها.
الاستنتاج
تتناول واقعة الغدير أبعادا اجتماعية وسياسية، حيث أكد النبي محمد (ص) على أهمية التمسك بأهل البيت وولاء الإمام علي (ع) كقيادة سياسية. وتتضمن الخطبة فقرتين رئيسيتين: الأولى تدعو للتمسك بالثقلين، مما يعكس مكانة أهل البيت، والثانية تؤكد الولاء للإمام علي (ع) كقائد سياسي. ونؤكد على أهمية التحليل الدقيق للأحداث السياسية لتجنب الانطباعات الخاطئة، محذّرين من الانجراف وراء الشخصيات غير المؤهلة. كما نستعرض مشهد المسلمين بعد وفاة النبي (ص) والصراعات التي نشأت نتيجة عدم التشاور في اختيار القيادة، مما أدى إلى انقسامات وصراعات داخل المجتمع الإسلامي.
[1] لاحظ: الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص496.
[2] النساء، ٨٠ ـ ٨٣.
[3] الممتحنة، 1ـ 2.
[4] آل عمران، 118ـ 120.
[5] التوبة، 100.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
السيستاني، محمد باقر، واقعة الغدير ثبوتها ودلالاتها، الطبعة الثانية، 1444 ه، بلا تاريخ، ج1، ص107 ـ ص125.