آزر كافل إبراهيم الخليل (ع) دراسة في الهوية والتفسير

کپی کردن لینک

من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو آزر كافل إبراهيم الخليل (ع) وراعيه، مات كافرا ومشركا بالله تعالى، وسنتطرق باختصار إلى أن آزر كافل إبراهيم الخليل (ع) هل كان أبا إبراهيم؟ والمجمع عليه بين مفسري الشيعة أنه ليس أبا له مستندين الى قرائن ثلاث تثبت أن آباء الأنبياء كلهم موحدون.

آزر كافل إبراهيم الخليل مات كافرا

جاء في كتاب أعلام القرآن ما يلي: اسم أعجمي اختلفوا فيه، فمنهم من قال: هو اسم لتارح والد إبراهيم الخليل (ع)، وقيل: هو لقب لتارح وقيل: هو اسم عم إبراهيم (ع)، وقيل: هو اسم جدّ الخليل (ع) لأمّه، ومنهم من قال: هو اسم صنم كان فريق من الناس يعبدونه.

ومن معاني آزر: الأعرج، والمخطئ، والخرف، والقوّة، والنصرة.

قال الإمام جعفر الصادق (ع): إنّ آزر كان منجّما للفرعون نمرود بن كنعان. وكان من أهل كوثي من أرض بابل في العراق، وكان نجّارا ينحت أصناما صغيرة يبيعها لعبدتها.

كان كافلا وراعيا لإبراهيم الخليل (ع)، وكان آزر كافل إبراهيم الخليل (ع) يعطي الأصنام التي كان ينحتها ويصنعها بيده – إلى ابراهيم (ع) ليبيعها، وكان إبراهيم (ع) المؤمن الموحد يعرضها للناس ويقول: من يشري ما لا يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها منه أحد.

ترعرع النبي إبراهيم الخليل (ع) على الإيمان باللّه ووحدانيته، فلما شبّ وقف في وجه آزر معترضا له على شركه وكفره، وأخذ يسدي له النصح والإرشاد، ويحثّه على ترك‏ عبادة الأصنام التي يصنعها بيده، والتوجّه لعبادة اللّه الواحد الأحد، والإيمان به، فكان آزر يقابله بالجفاء والغلظة والتهديد، ممّا حمل إبراهيم (ع) على البراءة منه، فتركه وهاجر إلى فلسطين.

وبقي آزر كافل إبراهيم الخليل على شركه وكفره حتى مات بحاران عن مائتين وستين سنة، وقيل: عن مائتين وخمسين سنة[1].

آزر كافل إبراهيم الخليل بين التاريخ والتفسير الديني

جاء في كتاب الأمثل ما يلي: تطلق كلمة «الأب» في العربية على الوالد غالبا، ولكنّها قد تطلق أيضا على الجد من جهة الأمّ وعلى العم، وكذلك على المربي والمعلم والذين يساهمون بشكل ما في تربية الإنسان، ولكنّها إذا جاءت مطلقة فانّها تعني الوالد ما لم تكن هناك قرينة تدلّ على غير ذلك.

فهل الرجل الذي تشير إليه الآية (آزر) هو والد إبراهيم؟ أيجوز أن يكون عابد الأصنام وصانعها والد نبي من أولي العزم؟ ألا يكون للوراثة من هذا الوالد تأثير شي‏ء في أبنائه؟

بعض مفسّري أهل السنّة يجيب بالإيجاب على السؤال الأوّل، ويعتبر آزر والد إبراهيم الحقيقي، أمّا المفسّرون الشيعة فيجمعون على أن آزر ليس والد إبراهيم، بل قال بعضهم: إنّه كان جدّه لأمّه، وقال أكثرهم: إنّه كان عمه، وهم في ذلك يستندون إلى القرائن التّالية:

1- لم يرد في كتب التّأريخ أنّ أبا إبراهيم هو آزر، بل يقول التّأريخ إنّ اسم أبيه هو «تارخ» وهذا ما ورد أيضا في العهدين القديم والجديد، والذين يعتبرون آزر والد إبراهيم يستندون إلى تعليلات لا يمكن قبولها من ذلك أنّهم يقولون: إنّ اسم والد إبراهيم هو تارخ ولقبه آزر، وهذا القول لا تسنده الوثائق التّأريخية.

أو يقولون: إنّ «آزر» اسم صنم كان أبو إبراهيم يعبده، وهذا القول لا يأتلف مع هذه الآية التي تقول أن أباه كان آزر، إلّا إذا قدرنا جملة أو كلمة، وهذا أيضا خلاف الظاهر.

2- يقول القرآن: ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ ثمّ لكيلا يتخذ أحد من استغفار إبراهيم لآزر حجّة يقول: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ‏ تَبَرَّأَ مِنْهُ[1]، وذلك لأنّ إبراهيم كان قد وعد آزر أن يستغفر له: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ[2]ي بأمل رجوعه عن عبادة الأصنام، ولكنّه عند ما رآه مصمما على عبادة الأصنام ومعاندا، ترك الاستغفار له.

يتّضح من هذه الآية بجلاء أن إبراهيم بعد أن يئس من آزر، لم يعد يطلب له المغفرة ولم يكن يليق به أن يفعل.كل القرائن تدل على أنّ هذه الحوادث وقعت عند ما كان إبراهيم شابا، يعيش في بابل ويحارب عبدة الأصنام.

ولكن آيات أخرى في القرآن تشير إلى أن إبراهيم في أواخر عمره، وبعد الانتهاء من بناء الكعبة، طلب المغفرة لأبيه (في هذه الآيات لم تستعمل كلمة «أب» بل استعملت كلمة «والد» الصريحة في المعنى) حيث يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ[3].

إذا جمعنا هذه الآية مع آية سورة التوبة التي تنهي المسلمين عن الاستغفار للمشركين وتنفي ذلك عن إبراهيم، إلّا لفترة محدودة ولهدف مقدس، تبيّن لنا بجلاء أنّ المقصود من «أب» في الآية المذكورة ليس «الوالد»، بل هو العم أو الجد من جانب الأمّ أو ما إلى ذلك، وبعبارة أخرى: إنّ «والد» تعطي معنى الأبوة المباشرة، بينما «أب» لا تفيد ذلك.

وقد وردت في القرآن كلمة «أب» بمعنى العم، كما في هذه الآية: قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً[4] والضمير في «قالوا» يعود على أبناء يعقوب، وكان إسماعيل عم يعقوب، لا أباه.

3- وهناك روايات إسلامية مختلفة تؤكّد هذا الأمر، فقد جاء في حديث معروف عن رسول اللّه (ص) أنّه قال: «م يزل ينقلني اللّه من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا لم يدنسني بدنس الجاهلية»[5].

ولا شك أن أقبح أدناس الجاهلية هو الشرك وعبادة الأوثان، أما القائلون أنّ أقبحها هو الزنا فلا يقوم على قولهم دليل. خاصّة وانّ القرآن يقول: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ‏[6].

الطبري، وهو من علماء أهل السنة، ينقل في تفسيره «جامع البيان» عن المفسّر المعروف «مجاهد» أنّه قال: لم يكن آزر والد إبراهيم‏[7].

الآلوسي في «روح المعاني» يؤكّد عند تفسير هذه الآية أنّ الشيعة ليسوا وحدهم الذين يعتقدون أن آزر لم يكن والد إبراهيم، بل إن كثيرا من علماء المذاهب الأخرى يرون أن آزر اسم عم إبراهيم‏[8].

والسيوطي العالم السني المعروف، نقل في كتابه «مسالك الحنفاء» عن أسرار التنزيل للفخر الرازي أن والدي رسول اللّه (ص) وأجداده لم يكونوا مشركين أبدا. مستدلا على ذلك بالحديث الذي نقلنا آنفا، ثمّ يستند السيوطي نفسه إلى مجموعتين من الرّوايات.

الأولى: تقول إنّ آباء رسول اللّه (ص) وأجداده حتى آدم كان كل واحد منهم أفضل أهل زمانه (وينقل أمثال هذه الرّوايات عن «صحيح البخاري» و«دلائل النبوة» للبيهقي وغيرهما من المصادر).

والثانية: هي التي تقول: إنّه في كل عصر وزمان كان هناك أناس من الموحدين الذين يعبدون اللّه، ثمّ يجمع بين هاتين المجموعتين من الرّوايات ويستنتج أنّ أجداد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، بما فيهم والد إبراهيم، كانوا حتما من الموحدين‏[9].

يتبيّن من هذا أنّ التّفسير المذكور لهذه الآية مبني على وجود قرائن واضحة من القرآن نفسه ومن مختلف الرّوايات الإسلامية، وليس تفسيرا مبنيا على الرأي الشخصي فقط، كما يقول بعض مفسّري أهل السنة، مثل صاحب «المنار»[10].

الاستنتاج

تستعرض المقالة الجدل حول هوية آزر كافل إبراهيم الخليل (ع)، وأنه كان نجارًا يصنع الأصنام ويعبدها، بينما كان إبراهيم (ع) مؤمنًا بالله الواحد. عارض إبراهيم (ع) عبادة الأصنام، وحاول نصح آزر، لكنه قوبل بالجفاء والتهديد، مما دفعه لتركه والهجرة إلى فلسطين. وتناقش الآراء المختلفة حول كونه والد إبراهيم أو عمه أو جدّه. وتشير إلى أن مفسري الشيعة يعتبرون آزر ليس والد إبراهيم، مستندين إلى القرائن التاريخية والنصوص القرآنية. كما تناقش المقالة استغفار إبراهيم لآزر، موضحة أن ذلك كان مرتبطًا بوعد سابق، لكنه توقف عندما أدرك إصرار آزر على الشرك. تؤكد المقالة أيضًا على أهمية الأنساب في السياق الديني، مشددة على أن آباء الأنبياء كانوا موحدين.

الهوامش

[1] إثبات الوصية، ص29؛ الأخبار الطوال، ص8؛ الأصنام، ص67؛ أعلام قرآن، للخزائلي، ص37 – 41؛ الأنبياء، للعاملي، ص116 – 119؛ البداية والنهاية، ج1، ص134؛ تاج العروس، ج3، ص12؛ تاريخ أنبياء، للمحلاتي، ج1، ص110؛ تاريخ حبيب السير، ج1، ص42 و43؛ تاريخ ابن خلدون، ج2، ص36؛ تاريخ الطبري، ج1، ص165 و166 و171؛ تاريخ گزيده، ص28؛ تاريخ اليعقوبي، ج1، ص23؛ التبيان في تفسير القرآن، ج4، ص175 و176؛ تفسير البحر المحيط، ج4، ص163 و164؛ تفسير البيضاوي، ج1، ص307 و308؛ تفسير الجلالين، ص137 و308؛ تفسير أبي السعود، ج3، ص151؛ تفسير شبّر، ص137.

تفسير الصافي، ج2، ص131؛ تفسير الطبري، ج7، ص158 و159؛ تفسير أبي الفتوح الرازي، ج2، ص294 و295؛ تفسير الفخر الرازي، ج13، ص34 – 40؛ تفسير القمى، ج1، ص206؛ تفسير ابن كثير، ج2، ص150 و151؛ تفسير المراغى، المجلد الثالث، الجزء السابع، ص168؛ تفسير المنار، ج7، ص533؛ تفسير الميزان، ج7، ص161 – 165؛ تفسير نور الثقلين، ج1، ص729؛ تنوير المقباس، ص113؛ التوراة- سفر التكوين-، ص14؛ الجامع لأحكام القرآن، ج7، ص22 و23؛ جوامع الجامع، ص129؛ الحوار في القرآن، ص251 – 254؛ الخصال، ص318؛ خلاصة الأخبار، ص73؛ دائرة المعارف الاسلامية، ج1، ص25 وج2، ص39.

دائرة المعارف الاسلامية الكبرى، ج1، ص234؛ دائرة المعارف بزرگ اسلامى، ج1، ص326؛ دائرة المعارف البستاني، ج1، ص69؛ الدر المنثور، ج3، ص23؛ الروض الانف، ج1، ص74؛ سفينة البحار، ج1، ص20؛ فرهنگ معين، ج5، ص33؛ القاموس المحيط، ج1، ص363؛ قصص الأنبياء، للجزائري، ص117 و125؛ قصص الأنبياء، لسميح عاطف الزين، ص 187؛ قصص الأنبياء، لابن كثير، ج1، ص191؛ قصص الأنبياء، للكسائى، ص128؛ قصص قرآن، للبلاغي، ص47 و48 و328؛ الكامل في التاريخ، ج1، ص96؛ الكشاف، ج2، ص39؛ كشف الأسرار، ج3، ص401 و402؛ لسان العرب، ج4، ص18 و19.

لغت‏نامه دهخدا، ج2، ص89؛ مجمع البحرين، ج3، ص204؛ مجمع البيان، ج4، ص497 و498؛ مجمل التواريخ والقصص، ص193؛ المحبر، ص4؛ مروج الذهب، ج1، ص44؛ مستدرك سفينة البحار، ج1، ص93؛ معجم أعلام القرآن، ص14 و15؛ معجم مفردات الفاظ القرآن، ص13؛ المعرب، ص134 و135؛ المفصل فى تاريخ العرب، ج1، ص316 وج6، ص50 وج8، ص345؛ منتهى الأرب، ج1، ص23.

[1] التوبة: 113 و114.

[2] مريم: 47.

[3] إبراهيم، 39 و41.

[4] البقرة: 133.

[5] يورد هذا الحديث كثيرون من مفسّري الشيعة والسنة، كالطبرسي في «مجمع البيان» والنيسابوري في تفسير «غرائب القرآن» والفخر الرازي في «التّفسير الكبير» والآلوسي في تفسير «روح المعاني».

[6] التوبة: 28.

[7] الطبري، جامع البيان، ج7، ص158.

[8] الآلوسي، روح المعاني، ج7، ص169.

[9] المجلسي، بحار الأنوار، نقلا عن مسالك الحنفاء، ص17.

[10] مكارم الشيرازي، الأمثل فى تفسير كتاب الله المنزل، ج‏4، ص344.

مصادر البحث

1ـ القرآن الكريم.

2ـ الآلوسي، محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم و السبع المثاني، تحقيق علي عبد الباري عطية، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1415ه‍.

3ـ الطبري، محمّد، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، بيروت، دار الفكر، طبعة 1415ه‍.

4ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403ه‍.

مصدر المقالة (مع تصرف)

1ـ الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.

2ـ مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، نشر: مدرسة الإمام علي (ع)، قم، الطبعة الأولى، 1421ه‍.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *