يُعرف نهج البلاغة، الأثر القيم للسيد الرضي والذي يحتوي على كلمات أمير المؤمنين علي (ع)، باسم «أخو القرآن» عند العلماء والمفكرين لشرفه وعظمته. وعلى الرغم من أن هذا الكتاب العظيم «فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق»، إلا أن البعض قد أثار شبهات مختلفة حول نسبته إلى أمير المؤمنين علي (ع). وبعبارة أخرى، لا يعتقد هؤلاء أن هذه الخطب والكلمات الفريدة تنتمي إلى أمير المؤمنين (ع).
تاريخ شبهات نسبة نهج البلاغة
إن الشبهات حول هذا الكتاب القيم كانت موجودة منذ أن شرحه ابن أبي الحديد، وقد سعت جماعة من أصحاب الهوى إلى دس هذه المكائد. يقول ابن أبي الحديد في هذا الشأن:
«فريق من أصحاب الهوى يزعمون أن كثيراً من نهج البلاغة مصطنع، صنعه قوم من فصحاء الشيعة، و ربما نسبوا بعضه إلى السيد الرضي. هؤلاء قوم عميت أبصارهم بالتعصب، و عدلوا عن المحجة البيضاء إلى العمى و الضلال، لجهلهم بأساليب الكلام و طرقه».[1]
وقد استمر هذا الانحراف من قاصدي الضلال في العصور اللاحقة، حيث انتشرت هذه الشبهة. وقد نُسب هذا الرأي بين المستشرقين إلى «مسيو دي مومبيني»[2] و«كارل بروكلمان»، كما أثار الكاتب العربي «جرجي زيدان» هذه الشبهة وذكر لها بعض «الأسباب».[3]
أدلة مثيري الشبهات حول نهج البلاغة
إن مثيري الشبهات حول نهج البلاغة قد أعدوا، حسب زعمهم، أدلة على شبهاتهم، ومنها:
- وجود تلميحات ضد أصحاب رسول الله (ص) في نهج البلاغة، وهذا لا يتوافق مع منزلة الإمام علي (ع) وأخلاقه.
- استخدام كلمتي الوصي والوصاية في الكتاب، في حين أن هذا المصطلح لم يكن معروفاً لدى الناس في ذلك العصر.
- طول بعض الخطب والرسائل، مما لا يتوافق مع الأسلوب المتبع في ذلك الوقت.
- وجود السجع والإيقاع والزخارف اللفظية الأخرى، والتي دخلت الأدب العربي في عصور لاحقة.
- الأوصاف الدقيقة، مثل وصف الخفاش والطاووس والنملة، التي تشبه ما ورد في ترجمات الكتب اليونانية والفارسية.
- تصنيف المعاني والقضايا، وهو ما لم يكن شائعاً في ذلك الوقت، بل أصبح كذلك لاحقاً تحت تأثير الترجمة.
- وجود عبارات في نهج البلاغة تشير إلى ادعاء علم الغيب، في حين أن أمير المؤمنين علياً (ع) لم يكن ليُقدم على مثل هذا الادعاء.
- وجود العديد من الكلمات حول الزهد وذكر الموت، والتي قد تكون نتيجة تأثر المسلمين بالأفكار المسيحية والصوفية، وهذه ظاهرة تعود إلى العصور اللاحقة.
- نسبة بعض الجمل والعبارات في نهج البلاغة إلى أشخاص آخرين في بعض الكتب والمصادر القديمة.
- عدم وجود شواهد أدبية من نهج البلاغة في عدد كبير من كتب اللغة والأدب؛ وربما يكون عدم وجود سند حديثي في متن نهج البلاغة قد أتاح المجال للبعض في أن لا يستبعدوا هذا الوهم من الوهلة الأولى ويقعوا في هذا الخطأ.
وكان من أسباب الشبهة الأخرى أن السيد الرضي كان شيعياً محباً لآل البيت، وأديباً قديراً وشاعراً بارعاً. وبحسب قول «الدكتور شفيع السيد»، وهو أحد المشككين في هذا المجال، فإن «انتماء الشريف الرضي للأسرة العلوية يجعل من الممكن التشكيك في صحة قوله واحتمال تعصبه وميله إلى علي».[4]
ويقول بعض من كتبوا عن السيد الرضي: إنه كان شاعراً يطاوعه اللفظ، وكان له لسان فصيح، وبالإضافة إلى قدرته في الشعر، كان بليغاً وقوياً في النثر أيضاً.
أدلة صحة نسبة نهج البلاغة
إن بطلان هذه الأوهام والأفكار حول نهج البلاغة الشريف، الذي هو حقاً أخو القرآن، يتضح من خلال قليل من التأمل، وتتجلّى الحقيقة بأن هذه الكلمات «فوق كلام المخلوقين ودون كلام رب العالمين» قد صدرت من سيد المتقين أمير المؤمنين علي (ع).
وبالنظر إلى الشبهات المذكورة أعلاه والتي تنبع كلها من إنكار نسبة نهج البلاغة وصحته، يمكننا بشكل عام تقديم أدلة على صحة نسبة هذا الكتاب القيم كما يلي:
أ) أسلوب الكلام و طريقته
إن من ذاق شيئاً من الأدب العربي وتأمل في نهج البلاغة، أدرك أن هذه العبارات لا يمكن أن تصدر عن شاعر أو خطيب عادي، بل لا يمكن أن تكون إلا من أمير البلغاء العرب. ويقول عنه ابن أبي الحديد: «عليٌّ هو إمام أهل الفصاحة وسيد أرباب البلاغة. كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، ومنه تعلم الناس الكلام والكتابة».[5]
إن الأدباء والخطباء عندما يصلون إلى عتبة هذا الكتاب، ينطقون بالثناء عليه، ويعترفون بعجزهم عن وصفه أو بلوغ أعماقه. كما يعتبرونه ساحة البلاغة والفصاحة، ويكشفون عن أنهم في كل نظرة جديدة إلى هذا الكتاب يجدون فيه جوانب جديدة وفوائد حديثة.
يقول عبد الحميد بن يحيى الكاتب، الشاعر والأديب العربي الذي عاش في زمن الخليفة الأموي مروان بن محمد: «حفظت سبعين خطبة من خطب علي (ع)، ففاضت ينابيع الكلام من طبعي».[6]
ويقول ابن نباتة: «ادّخرت كنزاً من الفصاحة، كلما أنفقت منه زاد وانتشر. هذا الكنز الذي ينمو هو مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب». وفي موضع آخر من شرحه، ينقل ابن أبي الحديد عن «ابن الخشاب» أنه عندما قيل له:
إن كثيراً من الناس يقولون إن هذه الخطبة (الشقشقية) هي من تأليف السيد الرضي نفسه، أجاب: «أين الرضي وغير الرضي من هذا النفس وهذا الأسلوب من الكلام والفصاحة؟ نحن نعرف كتابات الرضي، وأسلوبه في النثر، ونعلم أن هذا النثر لا يمكن أن تكون له أي علاقة، بعيدة أو قريبة، بكلام أمير المؤمنين».[7]
ب) التجانس والانسجام الداخلي
إن الانسجام والتوافق الداخلي في أي مجموعة هو أحد أهم الأدلة على صحتها وأصالتها. وعندما أشار القرآن الكريم إلى شبهة الكافرين بأن القرآن من تأليف النبي محمد (ص)، أجاب على هذه الشبهة بقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.[8]
وهذا الدليل هو من أهم الأدلة التي تناولها ابن أبي الحديد، حيث يقول في هذا الصدد:
لا يمكن أن يكون هناك فرض ثالث، إما أن نقول إن نهج البلاغة كله مُصطنع، أو أن نقول إن جزءًا منه كذلك.
الفرض الأول باطل بالضرورة؛ لأننا نعلم بالتواتر صحة نسبة جزء من نهج البلاغة إلى أمير المؤمنين علي (ع)، وقد نقل المحدثون والمؤرخون الكثير أو معظم أجزاء هذا الكتاب، ولا يمكن اتهامهم بوجود غرض في ذلك.
أمّا إذا قلتم بالاحتمال الثاني، فهذا بحدّ ذاته دليلٌ على صحّة رأينا وصحّة نهج البلاغة بأكمله؛ لأنّ كلّ من لديه معرفةٌ بالكلام والخطابة، ولديه حظٌّ من علم البيان والبلاغة، وله ذوقٌ في هذا المجال، يجب أن يكون قادراً على التمييز بين الكلام الفصيح وغير الفصيح، وبين الأفصح والفصيح، وبين الأصيل والمصطنع.
وإذا وقع في يده كتابٌ يحتوي على كلامٍ لعدة خطباء أو لخطيبين فقط، فلا بدَّ أن يكون قادراً على التمييز بين هذه الكلمات والأساليب المختلفة.
إن أدباءنا، بما لديهم من معرفة بالشعر ونقده، إذا قلبوا ديوان الشاعر العربي المعروف «أبي تمام»، ووجدوا في ثناياه قصيدة أو قصائد ليست من شعره، فإنهم سيعرفون بسهولة وبمساعدة ذوقهم الفرق والتناقض بينها وبين شعر أبي تمام وأسلوبه في الوزن والقافية.
أليس العلماء قد حذفوا قصائد مصطنعة كثيرة من ديوانه بهذه الطريقة فقط لأنها لا تتوافق مع أسلوبه، أو أنهم حذفوا الكثير من الأبيات من شعر «أبي نواس» أو غيره، لأنها لا تتناسب مع أسلوبهم الشعري؟ لقد اعتمد النقاد في كل هذا الحذف والتصحيح على ذوقهم فقط.
وبناءً على هذه المقدمة، إذا تأملتم في نهج البلاغة، سترون أن الكتاب بأكمله له أسلوب واحد ومنبع واحد، تماماً مثل جسم بسيط وواسع لا يختلف أي من أجزائه عن الآخر من حيث الجوهر والوجود.
تماماً مثل القرآن الكريم، فإن بدايته ونهايته ووسطه متجانسان ومتوافقان، وكل سورة وآية فيهما متشابهة في الأسلوب والطريقة مع السور والآيات الأخرى. وهذا لا يمكن أن يتحقق إذا كان جزء من نهج البلاغة مصطنعاً وجزء آخر صحيحاً.
وهكذا، اتضح لكم أن الذين ادعوا أن نهج البلاغة كله أو جزءاً منه قد نُسب كذباً إلى أمير المؤمنين علي (ع)، هم مخطئون.
علاوة على ذلك، فإن أصحاب هذا الادعاء يفتحون باباً لا يقبلونه هم أنفسهم؛ لأنه إذا فتحنا هذا الباب وسيطر علينا هذا الشك، فلن نثق أبداً بصحة أي كلام يُنقل عن النبي (ص) أيضاً، وسيصبح من الجائز أن يقول البعض: هذا الخبر مختلق، وهذا القول مصطنع!
وعلى هذا الأساس، فإن كل ما استند إليه هؤلاء المدعون لإثبات صحة حديث النبي وروايات الخلفاء الراشدين والصحابة وكلام الشعراء والخطباء الآخرين، يمكن أن يكون سنداً قوياً لمن ينقلون عن نهج البلاغة.
ج) التجانس المضموني مع الأحاديث الأخرى
إن الكثير مما ورد في نهج البلاغة في المجالات الكلامية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها، يتوافق بشكل واضح مع ما رُوي في نفس المواضيع عن رسول الله (ص) أو عن الأئمة الآخرين (ع).
وهذا دليل آخر على أن ما ورد في نهج البلاغة ينبع من نفس المصدر الذي تنبع منه روايات المعصومين الأخرى. وربما يكون آخر كلام لابن أبي الحديد الذي مرّ ذكره أعلاه إشارة إلى هذا الدليل.
د) الاعتبار التاريخي للروايات المذكورة في نهج البلاغة
إن ما ورد في نهج البلاغة موجود في مصادر أخرى شيعية وسنية قبل وبعد هذا الكتاب. إن سعي السيد الرضي لجمع كلام أمير المؤمنين علي (ع) هو مجرد مثال واحد من سلسلة جهود العلماء والعظماء الذين سبقوه في هذا الأمر الهام.
يقول محمد أبو الفضل إبراهيم، المترجم والمحقق لنهج البلاغة، في مقدمته لشرح ابن أبي الحديد: «لقد سعى العديد من العلماء والأدباء على مر السنين والقرون لجمع كتب خاصة ودواوين لكلمات أمير المؤمنين علي (ع)، وبعض هذه الكتب والدواوين بقيت بينما فقد الكثير منها على مر الزمان».
وفي موضع آخر من شرحه، ينقل ابن أبي الحديد تحت الخطبة الشقشقية (الخطبة الثالثة) عن ابن الخشاب قوله: «أقسم بالله لقد رأيت هذه الخطبة في كتب ألّفت قبل ولادة السيد الرضي بمائتي سنة. لقد رأيت هذه الخطبة بخطوط أعرفها، ولقد وجدت من بين هذه الخطوط خطوط علماء وأدباء عاشوا قبل ولادة والد السيد الرضي».
وبناء على ذلك، كيف يمكن لبعض العلماء والباحثين، على ما يبدو، أن يعتقدوا أن نهج البلاغة الشريف من تأليف السيد الرضي أو غيره من العلماء؟ وكيف يمكن تصديق أن الكلمات التي تسحر كل قارئ وفتنه، هي من تأليف غير الإمام علي (ع)؟
النتيجة
إن نهج البلاغة، لعظمته وجلالته، الذي يُعرف بلقب «أخو القرآن» تذكيراً به وبمفاهيمه القيمة، لطالما كان هدفاً لهجمات من الشبهات الواهية والباطلة من قبل ذوي الأغراض ومن يدّعون العلم من الفرق المختلفة. لقد سعت جماعات من خلال طرح ادعاءات متكررة إلى التشكيك في صحة نسبة نهج البلاغة إلى الإمام علي (ع). وقد تم الرد على أدلة مثيري الشبهات من خلال قليل من التأمل في نهج البلاغة. وفي هذا المقال، استنتجنا أن هذه العبارات لم يكن بالإمكان أن تصدر عن شاعر أو خطيب عادي، بل لا يمكن أن تصدر إلا عن أمير البلغاء العرب.
الهوامش
[1] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 10، ص 127-129.
[2] مبارك، النثر الفني في القرن الرابع الهجري، ج 1، ص 69.
[3] زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية، ج 2، ص 288.
[4] مجلة الهلال، العدد 12، السنة 83، ص 95.
[5] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 24.
[6] مطهري، جولة في نهج البلاغة، ص 11.
[7] مطهري، جولة في نهج البلاغة، ص 11.
[8] سورة النساء، الآية 82.
مصادر البحث
- القرآن الکریم
- ابن ابی الحدید، عبدالحمید بن هبةالله، شرح نهج البلاغة، قم، مکتبة آیتالله المرعشي النجفي (ره)، 1363ش.
- زیدان، جرجی، تاریخ آداب اللغة العربیة، بیروت، دار مکتبة الحياة، 1992م.
- مبارک، زکی، نثر فنی در قرن چهارم هجری (النثر الفنی فی القرن الرابع)، قاهرة، دارالکتب المصریة، 1352 ه ق.
- مجلة الهلال، العدد 12، السنة 1383 الهجري الشمسي.
- مطهری، سیری در نهج البلاغه (جولة في نهج البلاغة)، قم، صدرا، 1393ش.
مصدر المقالة
- آل یاسین، محمدحسن، پاسخی به شبهات پیرامون نهج البلاغه (رد على الشبهات حول نهج البلاغة)، مجلة فصلية نهج البلاغة، العدد 11-12، ص 116-139.
- مقالة «شباهت اندرزنامه بابکان و نهج البلاغه» (تشابه بين كتاب النصائح لبابكان ونهج البلاغة)، ويكيبيديا پاسخ، الموسوعة الافتراضية للرد على الأسئلة والشبهات، التابعة لمركز الدراسات والرد على الشبهات (الحوزات العلمية).