الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما من أسس الدين الإسلامي، وقد أوجبهما الله تعالى كجزء أساسي من التكاليف الشرعية، ويتناول هذا المقال حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستندًا إلى أدلة من القرآن الكريم والروايات الشريفة وسيرة المعصومين (ع)، كما يسلط الضوء على شروط الوجوب وشروط الترك.
أوجب سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعله من التكاليف الأساسية، لأنه غاية الدين كما عبر عنه الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): غاية الدين الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود[1].
أدلة وجوب الأمر بالمعروف: القرآن الكريم
اعتمد أغلب الفقهاء على الآيات القرآنية في اثبات الوجوب دون ذكر تفاصيل الاستدلال، اقرارا منهم بوضوح دلالتها حتى قيل: إن وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة دينية عند المسلمين يستدل بها، ولا يستدل عليها.
وفيما يلي نستعرض الآيات القرآنية الواقعة في مقام الاستدلال على الوجوب.
الآية الأولى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)[2].
المخاطب بهذه الآية القرآنية هم المؤمنون كافة، فهم مكلفون بأن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة، وذلك بأن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في ايجادها.
وهي واضحة الدلالة على الوجوب، فإن قوله تعالى: (ولتكن) أمر، وظاهر الامر الايجاب هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصرت الآية الفلاح بهذا العمل.
و(من) في (منكم) للتبعيض، لذا استدل أغلب الفقهاء على أن الوجوب كفائي، فإذا قام به البعض سقط عن الآخرين.
الآية الثانية: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)[3].
قرنت الآية القرآنية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالايمان بالله تعالى، وقدمتهما عليه لأنهما سياج الايمان وحفاظه.
ومعنى الآية: (صرتم خير أمة خلقت، لامركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم بالله، فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطا في كونهم خيرا)[4].
وهذه الخيرية لا يستحقها من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت الحرام، والتزم الحلال، واجتنب الحرام مع الاخلاص الذي هو روح الاسلام، إلا بعد القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر….
واستدل الفقهاء بهذا الثناء الذي انحصر بهذه المزايا الثلاث على الوجوب فمدحهم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما مدحهم بالايمان بالله تعالى، وهذا يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد اكتفى كثير من الفقهاء بذكر الآية دليلا دون تفصيل، لاقتران الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالايمان بالله تعالى، ووقوعهما في مستواه، وتخصيص الثناء والمدح بالخيرية بهذه الصفات الثلاث.
الآية الثالثة: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين)[5].
جعل الله تعالى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات القيام بالواجبات، ومن علامات الصلاح، فلم يشهد الله تعالى لهم بالصلاح بمجرد الايمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومفهوم الآية هو ان الذين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لا يعدون من الصالحين، ولولا الوجوب لما نفى صفة الصلاح عنهم.
الآية الرابعة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)[6].
جعل الله تعالى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأوصاف الخاصة بالمؤمنين، وهما من شؤون ولاية بعض المؤمنين على بعض.
وعلى هذا فالذي يهجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون خارجا عن (هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية).
واخراج التاركين للامر بالمعروف والنهي عن المنكر من جماعة المؤمنين لا يصح ولا يستقيم إلا إذا كانا واجبين، وعليهما تترتب الرحمة.
ويؤيد ثبوت الوجوب ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وردا في سياق الواجبات كإقامة الصلاة وايتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله (ص) فهما واجبان بدلالة وحدة السياق، وتكرر اقترانهما مع الواجبات يفيد الاطمئنان بوجوبهما.
أدلة وجوب الأمر بالمعروف: الروايات الشريفة
الروايات الدالة على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مستفيضة ومتواترة عن رسول الله (ص) وأهل بيته (ع)، وقد أكدت السيرة على ذلك، حتى أصبح سكوت المعصوم (ع) عن عمل معين دليلا على جوازه، فلو كان محرما لنهى عنه، وكانت سيرة المعصومين (ع) تجسيدا للامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى، بتصحيح اعتقاد الناس وتربية نفوسهم وتهذيب سلوكهم.
عن حذيفة عن رسول الله (ص) أنه قال: الاسلام ثمانية أسهم: الاسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والامر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له[7].
فقد عد رسول الله (ص) الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في جملة الواجبات وجعل الخيبة والخسران نتيجة لمن لا سهم له.
وسلب (ص) صفة الاسلام والايمان ممن لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فقال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر ومعنى السلب هو قلة الحظ من الدين. وصفة الاسلام والايمان لا تسلب إلا ممن لا يؤدي واجبا.
ودلت الروايات على وجوب نشر العلم وتعليم الجهال، ونشر العلم يتحقق بتبيان العقيدة الصحيحة وأحكام الشريعة كما أنزلت وهي مظهر من مظاهر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الإمام أمير المؤمنين علي (ع): ما أخذ الله سبحانه على الجاهل أن يتعلم حتى أخذ على العالم أن يعلم[8].
ومن مظاهر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر محاربة البدع وذلك عن طريق اثبات مخالفتها للعقيدة والشريعة، ثم تبيان الرأي الأصوب والحكم الأصوب والسلوك المنسجم مع المبادئ والقيم الاسلامية. ومحاربة البدع واجبة كما أكد رسول الله (ص) بقوله: إذا ظهرت البدعة في أمتي فليظهر العالم علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله[9].
فلو لم يكن اظهار العلم واجبا لما استحق تاركه اللعنة.
والامر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض العظيمة التي تتوقف عليها إقامة جميع الفرائض كما بين ذلك الإمام محمد الباقر (ع): إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصالحين، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الامر، فأنكروا بقلوبكم، وألفظوا بألسنتكم، وصكوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم…
أوحى الله إلى شعيب النبي (ع): اني لمعذب من قومك مئة ألف: أربعين ألفا من شرارهم، وستين ألفا من خيارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار ؟ فأوحى الله عز وجل إليه أنهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي[10].
فقد بين (ع) ان الساكتين عن المعاصي بعدم مواجهتها بنهي عنها أو أمر بمعروف فقد استحقوا العذاب وان كانوا أخيارا، لأنهم تركوا واجبا ولم يؤدوه.
وقد تظافرت الروايات على أن الله تعالى يبغض من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعلى نزول العذاب عليه، فلو لم يكن واجبا لما ترتب بغض الله تعالى لمن تركه أو نزول عذابه عليه.
وتترتب على ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر آثار وخيمة يوم القيامة، بحيث لا تنفع الانسان سائر عباداته ان كان غافلا عن المواعظ الإلهية، فلم يقم بأدائها أو الترويج لها واشاعتها بين الناس، قال أمير المؤمنين علي (ع): وقد سبق إلى جنات عدن أقوام كانوا أكثر الناس صلاة وصياما، فإذا وصلوا إلى الباب ردوهم عن الدخول، فقيل: بماذا ردوا ؟ ألم يكونوا في دار الدنيا قد صلوا وصاموا وحجوا ؟ فإذا بالنداء من قبل الملك الاعلى جل وعلا: بلى قد كانوا ليس لأحد أكثر منهم صياما ولا صلاة ولا حجا ولا اعتمارا، ولكنهم غفلوا عن الله مواعظه[11].
أدلة وجوب الأمر بالمعروف: سيرة المعصومين (ع)
صدع رسول الله (ص) بالدعوة إلى الله تعالى، بنبذ عبادة الأصنام، والاستسلام له في العبودية، والتعالي على مفاهيم وقيم الجاهلية، فقد دعا (ص) إلى المعروف الأكبر وهو الايمان بالله تعالى وتوحيده، ونهى عن المنكر الأكبر وهو الكفر والشرك، فخاطب العقول ثم القلوب ثم الإرادة، ليكون الولاء لله ولرسوله (ص)، وليكون السلوك والممارسات الأخلاقية منسجمة مع ما أراده الله تعالى.
فدعا إلى البر والتقوى، وإلى الصدق والأمانة، وإلى العدل والرحمة، وحفظ العهد، ومطابقة القول للفعل.
ونهى عن الشر والعصيان، وعن الكذب والخيانة، وعن الظلم والاعتداء، وعن الخداع والغش، وعن سائر الموبقات.
ودعا إلى حسن العلاقات الاجتماعية ونهى عن التقاطع والتدابر.
وكان يدعو الكفار كما يدعو أهل الكتاب، وكان يذكر المسلمين بالفضائل والمكارم، وينهاهم عن الرذائل وسوء الافعال، ولم يتوقف عن ذلك في جميع مراحل حياته (ص)، وفي جميع الظروف.. في مرحلة العهد المكي حينما كان مضطهدا ومطاردا من قبل المشركين، وفي مرحلة العهد المدني بعد تأسيسه للدولة الاسلامية.
وتابع أمير المؤمنين (ع) سيرته (ص) في القيام بأداء مسؤولية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع مراحل حياته، إلى أن وصل إلى مرحلة المجابهة بالسيف على من ارتكبوا المنكر الأكبر وهو التمرد على الإمامة الحقة، وأرادوا شق عصا المسلمين، فأجاب (ع) من اعترض عليه في مواجهته العسكرية للبغاة في صفين:… ولقد أهمني هذا الامر وأسهرني، وضربت أنفه وعينيه، فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد (ص).
إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الأغلال في جهنم[12].
وحينما وجد الإمام الحسين (ع) أن المنكر قد استحوذ على الحاكم وعلى أجهزته الحكومية، وتفشى في الأمة، بتحريف المفاهيم وتغيير معالم الدين، وارتكاب الموبقات بشكل علني دون مراعاة للحرمات والمقدسات، قام بأداء مسؤوليته في أعلى مراتبها، وهي القيام بالسيف لأنه الأسلوب الأمثل للحفاظ على مفاهيم وقيم الرسالة الاسلامية.
وقد أعلن عن أهداف ثورته في وصيته الخالدة:… واني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمة جدي محمد (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد (ص) وسيرة أبي علي بن أبي طالب…[13].
وفي جميع مراحل تحركه كان يدعو إلى أداء الواجب في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد خطب في جيش الحر بن يزيد الرياحي قائلا: أيها الناس إن رسول الله (ص) قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله[14].
وكان بقية الأئمة (ع) يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مستخدمين مختلف الأساليب في اصلاح الأمة وتغييرها، بنشر الأحاديث الشريفة عن رسول الله (ص)، وبنشر العلم، وبإقامة المناظرات مع التيارات المنحرفة، وببناء الكتلة الصالحة لتوسيع دائرة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقد تعرضوا لشتى ألوان الأذى والمضايقة والاعتقال ثم القتل الهادئ عن طريق السم، لان حكام زمانهم لا يروق لهم أن يقوم أحد بمهمة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وان كانت بالقول فقط.
شروط الوجوب
يختلف الناس فيما بينهم من حيث الطاقات والامكانيات البدنية والعقلية والروحية، وفي ضوء ذلك يختلفون في مراتب التكليف والمسؤولية التي تتناسب طرديا مع الطاقات والامكانيات.
ومن هنا فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعين على القادرين على القيام به وأدائه بالصورة التي تحقق الهدف المناط به، ومن شروط الوجوب:
أولا: العلم بالمعروف وبالمنكر: يجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على العالم بهما، الذي يعرف مصاديقهما ومواردهما، وقادر على التشخيص والتمييز بين الأقوال والافعال والممارسات السلوكية، ويتناسب الوجوب مع درجة العلم والاطلاع، فوجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون آكدا على الفقيه ثم المتفقه في الدين.
ثانيا: القدرة على التأثير: يجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على من له القدرة على التأثير، بان يكون قوي النفس قوي الإرادة، قوي البيان، له اطلاع كامل على مستويات الناس وطاقاتهم العقلية والنفسية، ويستطيع الصمود أمام العقبات والتعقيدات التي تواجهه، وله قوة في شخصيته يستطيع من خلالها التأثير على الآخرين، بالقول والفعل، وبالايحاء والتلقين.
لذا نجد ان على رأس الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم الأنبياء والأوصياء والأئمة والفقهاء، ومن له سلطة روحية أو سياسية أو له مكانة اجتماعية مرموقة.
ومن مصاديق القدرة هي القدرة البدنية في خصوص مرتبة استخدام القوة، فالمريض والعاجز والضعيف لا يتعين عليه العمل المتوقف على القوة.
ثالثا: القطع بالتأثير أو احتماله: إذا نظرنا إلى طبيعة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر نجده تكليفا ليس بالهين ولا باليسير، لأنه يصطدم بشهوات الناس ونزواتهم، ويصطدم بمصالح البعض ومنافعهم الذاتية الضيقة، ويصطدم بالغرور والكبرياء اللذين تحملهما النفس الانسانية.
والناس يختلفون فيما بينهم تجاه المعروف والمنكر، فالبعض يبحث عن الاستقامة في العقيدة والسلوك، فهو يتأثر بما يقال له وبما يؤمر به أو ينهى عنه، والبعض مكابر لا يذعن للحجة وإن قطع بها، والبعض منغمس في الانحراف، ويبغض الاستقامة، والبعض قد آنس بالانحراف العقائدي والسلوكي حتى أصبح جزءا من كيانه، يجد فيه تحقيقا لمصالحه ورغباته ويرفض من يعارضها ويخالفها.
ومن هنا يكون الوجوب مختصا بمن يقطع أو يحتمل تأثير أمره ونهيه على المقابل.
وسئل رسول الله (ص) عن حديث: إن أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر ما معناه ؟ قال (ص): هذا على أن يأمره بعد معرفته وهو مع ذلك يقبل منه وإلا فلا[15].
وقد قامت سيرة المعصومين (ع) على هذه القاعدة، فأمير المؤمنين (ع) أكثر من نصحه لعثمان بن عفان، وكان يأمره بالمعروف وينهاه عن الممارسات التي يمارسها مع المسلمين خلافا لسنة رسول الله (ص) كتعيينه الولاة الجائرين والفاسقين، وكان يحذره من مروان وأمثاله، ولكنه حينما يئس من اصلاح وتغيير ممارساته قال له: ما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك[16].
رابعا: الامن من الضرر: إن مهمة الدعوة الاسلامية المتجسدة بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة شاقة تواجه أصنافا من الناس يختلفون في الاستجابة، فمنهم من يتفاعل معها ليغير مفاهيمه وقيمه وممارساته في ضوء ما يؤمر به وينهى عنه، ومنهم من تصده شهواته ونوازعه عنها، فيعرض عنها معاندا لا ينفتح قلبه لدلائل الهدى، مصرا على انحرافه الفكري والعقائدي يقابل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بسخرية واستهزاء أو بالاعراض وعدم الاستماع.
ومنهم من يترقى به العناد والغرور والكبرياء إلى المواجهة العنيفة، ويعمل على الحاق الأذى بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وقد يصل الأذى إلى مرحلة الجرح أو التعويق أو القتل، ففي مثل هذه الحالة فان الانسان يسقط عنه وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه مشروط بالأمن من الضرر سواء على نفسه أو على غيره.
قال الإمام جعفر الصادق (ع): والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على من أمكنه ذلك، ولم يخف على نفسه ولا على أصحابه[17].
شروط الترك
شرع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لهداية الناس وارشادهم، وتغيير المحتوى الداخلي للنفس البشرية وما تحمل من أفكار ومشاعر، لتكون حاكمة على الممارسات العملية من سلوك صالح وأخلاق فاضلة وعلاقات حسنة.
والغاية منهما تخليص النفوس من ظلمات الأوهام والانحرافات العقائدية، وتحريرها من ربقة الشهوات، لتنتصر على الهوى وتتغلب على الشهوة، عن طريق استحثاث الطاقة الكامنة في كيان الانسان، وانماء القدرات الممكنة النماء.
كل ذلك يتم عن طريق الانذار والايقاظ بالحجة والبرهان والترغيب بالاستقامة والسمو والتكامل، فإذا أغلق الانسان منافذ الهداية في كيانه، ورفض الاستماع أو التلقي غرورا وكبرا، ولم يستجب للموعظة المراد منها تطهير القلب وتزكية النفس وتحسين الأخلاق، أو آنس بواقعه العقائدي والسلوكي، أو كان جاهلا بما يصلحه جهلا مركبا مطبقا على كيانه، فإذا لم توقظه موحيات الايمان وموجبات الهداية، ورفضت نفسه الوضيعة السمو إلى الكمال، فان المواعظ والارشادات المصحوبة بعدم الاستجابة ستكون إضاعة للوقت، وصرفا للجهد في غير محله.
وفي هذه الحالة فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سيكون مخيرا بين الاستمرار في أداء مسؤوليته، وبين تركها من تحين الفرص المناسبة لها.
ويمكن تحديد شروط ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنقاط التالية:
أولا: تجذر الانحراف: إذا تجذر الانحراف وأصبح جزءا من كيان الانسان، ويئس المكلف من اصلاحه وتغييره، فيجوز له ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه لا يغير من الواقع شيئا، بل قد يؤدي إلى نتائج سلبية على المكلف نفسه.
ثانيا: انحراف الأكابر: من طبيعة النفس البشرية أنها تذعن وتخضع للأكابر والمتنفذين وتقتبس المفاهيم والقيم من الشخصيات البارزة في المجتمع، والمؤثرة فيه، لامتلاكها خصائص التأثير الذاتية والعملية، كالملوك والعلماء ورؤساء القبائل والوجودات الاجتماعية، فإذا انحرف هؤلاء انحرف المجتمع، وهذه حقيقة ثابتة في جميع المجتمعات.
ففي مثل هذه الحالة يتفشى الانحراف ويستشري ويصعب اصلاحه وتغييره، ولا يكون للامر بالمعروف والنهي عن المنكر أي تأثير في العقول والنفوس.
وفي مثل هذا الظرف يكون الواجب على كل مؤمن عالم بالمعروف والمنكر أن يحافظ على نفسه بأن يروضها بالعمل بالمعروف والترك للمنكر حتى لا يؤثر فيه الجو العام في المجتمع، وأن يحافظ أيضا على أهله وذويه ومن يهمه أمره الذين ينصاعون لأوامره ونواهيه، صونا لهم من الانحراف والانجراف.
ثالثا: وقوع الفتن: حينما تكون الأهواء حاكمة على الأفكار والمواقف دون الرجوع إلى الأسس الثابتة للمنهج الاسلامي، وحينما تبتدع الاحكام المخالفة لكتاب الله تعالى، ويتحكم التعصب بولاء الانسان والمجتمع بعيدا عن أسس الولاء التي حددتها الشريعة الاسلامية، فان الفتن ستكون هي الظاهرة القائمة المتفشية في المجتمع الاسلامي، قال أمير المؤمنين (ع): إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجال رجالا، على غير دين الله…[18].
وإذا وقعت الفتن فسيعيش المجتمع ظاهرة الاضطراب الفكري والنفسي والسلوكي بتبادل النظرة السلبية، والموقف المتشنج، ويدخل في صراع دائم مستمر بتبادل الاتهامات ودفعها، ويصبح النبز بالكفر والانحراف والفسق هو الحاكم على العلاقات دون الاستناد إلى الأصول الواضحة للمنهج الاسلامي.
الاستنتاج
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثلان واجبًا دينيًا أساسيًا في الإسلام، يستند إلى أدلة قوية من القرآن الكريم، الروايات الشريفة، وسيرة المعصومين (ع)، ويظهر أن هذه الفريضة تهدف إلى تعزيز القيم الأخلاقية والعدالة في المجتمع، كما يتضح أن هناك شروطًا محددة لوجوب هذا الأمر، بالإضافة إلى شروط للترك، مما يعكس أهمية مراعاة الظروف والسياقات عند تطبيق هذه الفريضة.
الهوامش
[1]الحرّاني، تحف العقول، ص19.
[2] آل عمران، 104.
[3] آل عمران، 110.
[4] الطبرسي، مجمع البيان، ج1، ص486.
[5] آل عمران، 113 – 114.
[6] التوبة، 71.
[7] المنذري، الترغيب والترهيب، ج3، ص232.
[8] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص45.
[9] البرقي، المحاسن، ص231.
[10] الطوسي، تهذيب الأحكام، ج6، ص180.
[11] الديلمي، ارشاد القلوب، ص13.
[12] المنقري، وقعة صفين، ص474.
[13] ابن أعثم الكوفي، الفتوح، ج5، ص33.
[14] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج4، ص48.
[15] الكليني، الكافي، ج5، ص60.
[16] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص165.
[17] الصدوق، الخصال، ج2، ص609.
[18] الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص88 ، الخطبة 50.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الأضواء، الطبعة الأُولى، 1411 ه.
3ـ ابن الأثير، علي، الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، طبعة 1386 ه.
4ـ الآمدي، عبد الواحد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأُولى، بلا تاريخ.
5ـ البرقي، أحمد، المحاسن، تصحيح وتعليق جلال الدين محدّث، قم، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1371 ه.
6ـ الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1404 ه.
7ـ الديلمي، حسن، إرشاد القلوب، قم، منشورات الرضي، طبعة 1415 ه.
8ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
9ـ الصدوق، محمّد، الخصال، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الاسلامي، طبعة 1403 ه.
10ـ الطبرسي، الفضل، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الأُولى، 1415 ه.
11ـ الطوسي، محمّد، تهذيب الأحكام، تحقيق وتعليق السيّد حسن الخرسان، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365 ش.
12ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
13ـ المنذري، عبد العظيم، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، بيروت، دار الفكر، طبعة 1408 ه.
14ـ المنقري، نصربن مزاحم، وقعة صفين، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، القاهرة، المؤسسة العربية الحديثة، الطبعة الثانية، 1382ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
مركز الرسالة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قم، مركز الرسالة، الطبعة الأُولى، 1430 ه.