يُعتبر الإسلام خاتم الأديان، وهو مفهوم جوهري في العقيدة الإسلامية، حيث يؤمن المسلمون أن النبي محمداً (ص) آخر الأنبياء والمرسلين، وأن رسالته هي الرسالة النهائية التي أُرسلت إلى البشرية والتي هي خاتم الأديان، في هذا السياق يتناول هذا المقال معنى الخاتم في اللغة، ودلالاته في النصوص الدينية، وكيف يجسد هذا المفهوم أهمية الرسالة الإسلامية ويبرز دورها في توجيه البشرية نحو الحق والخير.
معنى الخاتم
الخاتم – على زنة حاتم – لدى أرباب اللغة: هو الشئ الذي تنهى به الأمور، وكذلك جاء بمعنى الشئ الذي تختم به الأوراق وما شابهها.
وكان هذا الأمر متداولا فيما مضى – ولا يزال إلى اليوم – حينما يريدون إغلاق الرسالة أو غطاء الوعاء أو باب المنزل لئلا يفتحها أحد، فإنهم كانوا يضعون مادة لاصقة على الباب أو القفل ويختمون عليها.
ويكون هذا الخاتم من الصلابة بحيث إنه لابد من كسره إذا ما أريد فتح الباب، وهذه المادة التي توضع على مثل هذه الأشياء تسمى خاتما.
ولما كانوا في السابق يستعملون لهذا الأمر الطين الصلب الذي يلصق، فإننا نقرأ في متون بعض كتب اللغة المعروفة أن معنى الخاتم هو ما يوضع على الطينة.
كل ذلك بسبب أن هذه الكلمة مأخوذة من مادة الختم أي النهاية، ولما كان هذا العمل – أي الختم – يجري في الخاتمة والنهاية فقد اطلق عليه اسم الخاتم لذلك.
وإذا ما رأينا أن أحد معاني الخاتم هو الخاتم الذي يوضع في اليد، فبسبب أنهم كانوا يضعون إمضاءهم وتوقيعهم على خواتيمهم ويختمون الرسائل بها، ولذلك فإن من جملة الأمور التي تذكر في أحوال النبي (ص) وأئمة الهدى (ع) والشخصيات الأخرى هو نقش خاتمهم.
ويروي الشيخ الكليني (ره) في الكافي حديثا عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: إن خاتم رسول الله كان من فضة نقشه محمد رسول الله[1].
وجاء في بعض التواريخ أن إحدى حوادث السنة السادسة للهجرة أن النبي (ص) اختار لنفسه خاتما نقش فيها، وذلك أنهم أخبروه أن الملوك لا يقرؤون الرسائل إذا لم تكن مختومة.
وجاء في كتاب الطبقات: أن النبي (ص) لما صمم أن ينشر دعوته في الآفاق، ويكتب الرسائل إلى ملوك الأرض وسلاطينها أمر أن يصنعوا له خاتما كتب عليه: محمد رسول الله، وكان يختم به رسائله[2].
بهذا البيان يتضح جيدا أن الخاتم وإن اطلق اليوم على خاتم الزينة أيضا، إلا أن أصله مأخوذ من الختم، أي النهاية، وكان يطلق ذلك اليوم على الخواتيم التي كانوا يختمون بها الرسائل.
إضافة إلى أن هذه المادة قد استعملت في القرآن في موارد متعددة، وكلها تعني الإنهاء أو الختم والغلق، مثل قوله تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [3].
وقول الله سبحانه وتعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [4].
ومن هنا يعلم أن الذين شككوا في دلالة هذه الآية على كون نبي الإسلام (ص) خاتم الأنبياء، وانتهاء سلسلة الأنبياء به، غير مطلعين على معنى هذه الكلمة تماما، أو أنهم تظاهروا بعدم الإحاطة والاطلاع عليها، وإلا فإن من له أدنى إحاطة بآداب العرب يعلم أن كلمة خاتم النبيين تدل على الخاتمية، وأن الدين الإسلامي هو خاتم الأديان.
وإذا قيل – عند ذاك – في تفسير هذه الآية غير هذا التفسير فإنه تفسير متطفل غير متزن، كأن نقول: إن نبي الإسلام كان خاتم الأنبياء، أي أنه زينة الأنبياء، لأن الخاتم آلة زينة للإنسان، ولا يمكن أن يوازي الإنسان في المرتبة مطلقا، وإذا فسرنا الآية بهذا التفسير فسنكون قد حططنا من مقام النبي (ص)، وأنزلنا منزلته إلى أدنى المستويات، مع إنه لا يناسب المعنى اللغوي، ولذلك فإن هذه الكلمة حيثما استعملت في القرآن الكريم – في ثمانية موارد – فإنها أعطت معنى الإنهاء والإغلاق.
خاتم الأديان في ضوء العقل والوحي
اتفقت الأمة الإسلامية على أن نبيها محمد (ص) خاتم النبيين، وشريعته خاتم الأديان، وكتابه خاتم الكتب السماوية، ويدل على ذلك نصوص من الكتاب والسنة نشير إليها، ثم نجيب عن أسئلة حول خاتم الأديان.
نص القرآن الكريم على أنه (ص) خاتم النبيين بقول الله سبحانه وتعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ[5].
قال ابن فارس: الختم له أصل واحد وهو بلوغ آخر الشئ، يقال: ختمت العمل وختم القارئ السورة، والختم وهو الطبع على الشئ فذلك من هذا الباب أيضا، لأن الطبع على الشئ لا يكون إلا بعد بلوغ آخره[6].
ثم إن ختم باب النبوة يستلزم ختم باب الرسالة ـ أي أن الإسلام خاتم الأديان ـ، وذلك لأن الرسالة هي إبلاغ أو تنفيذ ما تحمله الرسول عن طريق الوحي، فإذا انقطع الوحي والاتصال بالمبدأ الأعلى فلا يبقى للرسالة موضوع، وهذا واضح لمن أمعن النظر في الفرق بين النبي والرسول، فالنبي هو الإنسان الموحى إليه بإحدى الطرق المعروفة، والرسول هو الإنسان القائم بالسفارة من الله للتبشير أو لتنفيذ عمل في الخارج أيضا، وهناك آيات أخرى تدل على الإسلام خاتم الأديان تصريحا أو تلويحا يطول المقام بذكرها.
ومما ينص على خاتم الأديان من الأحاديث، حديث المنزلة المتفق عليه بين الأمة فقد نزّل النبي (ص) نفسه مكان موسى (ع)، ونزّل عليا (ع) مكان هارون، وقال (ص) مخاطبا عليا (ع): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي[7].
ودلالة الحديث على أن الإسلام خاتم الأديان وأن رسول الله خاتم الرسل واضحة، كدلالته على خلافة الإمام علي للنبي (ص).
وقال الإمام علي بن أبي طالب (ع): أرسله على حين فترة من الرسل، وتنازع من الألسن، فقفى به الرسل وختم به الوحي[8].
إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة في ذلك الدالة على أن الإسلام هو خاتم الأديان.
شبهة واهية
أورد على خاتم الأديان شبهات واهية غنية عن الإجابة يقف عليها كل من له إلمام بالكتاب والسنة والأدب العربي، منها:
كيف يدعي المسلمون انغلاق باب النبوة والرسالة، وأن الإسلام خاتم الأديان مع أن صريح كتابهم ناص بانفتاح بابهما إلى يوم القيامة حيث يقول الله سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [9].
والجواب، أن الآية تحكي خطابا خاطب به سبحانه بني آدم في بدء الخلقة، وفي الظرف الذي هبط فيه آدم إلى الأرض، فالخطاب ليس من الخطابات المنشأة في عصر الرسالة حتى ينافي ختمها ـ بمعنى أن الإسلام خاتم الأديان ـ، بل حكاية للخطاب الصادر بعد هبوط أبينا آدم إلى الأرض، والشاهد على ذلك أمران:
الأول: سياق الآيات المتقدمة على هذه الآية الكريمة.
الثاني: قوله سبحانه وتعالى في موضع آخر: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ [10].
فقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى، يتحد مضمونا مع قوله: إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي.
خاتم الأديان وخلود التشريع الإسلامي
إن هاهنا سؤالا يجب علينا الإجابة عنه، وهو أن توسع الحضارة يلزم المجتمع بتنظيم قوانين جديدة تفوق ما كان يحتاج إليها فيما مضى، وبما أن الحضارة والحاجات في حال تزايد وتكامل، فكيف تعالج القوانين المحدودة الواردة في الكتاب والسنة، الحاجات المستحدثة غير المحدودة؟
والجواب، أن الإسلام خاتم الأديان وأنه غني عن كل تشريع مبني على أمور تالية:
1ـ حجية العقل في مجالات خاصة
اعترف القرآن الكريم والسنة الشريفة بحجية العقل في مجالات خاصة، مما يرجع إليه القضاء فيها، وقد بين مواضع ذلك في كتب أصول الفقه، فهناك موارد من الأحكام العقلية الكاشفة عن أحكام شرعية، كاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، الملازم لعدم ثبوت الحرمة والوجوب إلا بالبيان، واستقلاله بلزوم الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي في الشبهات التحريمية، ولزوم الموافقة القطعية في الشبهات الوجوبية، واستقلاله بإطاعة الأوامر الظاهرية، وغير ذلك، ولعل الجميع يرجع إلى مبدأ واحد وهو استقلال العقل بالحسن والقبح في بعض الأفعال.
وبما أن هذا البحث، يرجع إلى علم أصول الفقه نقتصر على هذا القدر، ونختم الكلام بحديث عن الإمام موسى الكاظم (ع) وهو يخاطب تلميذه هشام ابن الحكم بقوله: إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول[11].
2ـ تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد
يستفاد من القرآن الكريم بجلاء أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد، وبما أن للمصالح والمفاسد درجات ومراتب، عقد الفقهاء بابا لتزاحم الأحكام وتصادمها، فيقدمون الأهم على المهم، والأكثر مصلحة على الأقل منه، وقد أعان فتح هذا الباب على حل كثير من المشاكل الاجتماعية التي ربما يتوهم الجاهل أنها تعرقل خطى المسلمين في معترك الحياة.
3ـ تشريع الاجتهاد
إن من مواهب الله سبحانه وتعالى العظيمة على الأمة الإسلامية، تشريع الاجتهاد، وقد كان الاجتهاد مفتوحا بصورته البسيطة بين الصحابة والتابعين، كما أنه لم يزل مفتوحا بين أصحاب الأئمة الطاهرين (ع).
وقد جنت بعض الحكومات في المجتمعات الإسلامية حيث أقفلت باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع وحرمت الأمة الإسلامية من هذه الموهبة العظيمة.
4ـ صلاحيات الحاكم الإسلامي وشؤونه
من الأسباب الباعثة على كون التشريع الإسلامي صالحا لحل المشاكل أنه منح للحاكم الإسلامي كافة الصلاحيات المؤدية إلى حق التصرف المطلق في كل ما يراه ذا صلاحية للأمة، ويتمتع بمثل ما يتمتع به النبي والإمام المعصوم من النفوذ المطلق، إلا ما يعد من خصائصهما.
قال المحقق النائيني: فوض إلى الحاكم الإسلامي وضع ما يراه لازما من المقررات، لمصلحة الجماعة وسد حاجاتها في إطار القوانين الإسلامية[12].
وهناك كلمة قيمة للإمام الخميني (قده) نأتي بنصها:
إن الحاكم الإسلامي إذا نجح في تأسيس حكومة إسلامية في قطر من أقطار الإسلام، أو في مناطقه كلها، وتوفرت فيه الشرائط والصلاحيات اللازمة، وأخص بالذكر: العلم الوسيع، والعدل، يجب على المسلمين إطاعته، وله من الحقوق والمناصب والولاية، ما للنبي الأكرم من إعداد القوات العسكرية، ودعمها بالتجنيد، وتعيين الولاة وأخذ الضرائب، وصرفها في محالها، إلى غير ذلك….
وليس معنى ذلك أن الفقهاء والحكام الإسلاميين، مثل النبي والأئمة في جميع الشؤون والمقامات، حتى الفضائل النفسانية، والدرجات المعنوية، فإن ذلك رأي تافه لا يركن إليه، إذ أن البحث إنما هو في الوظائف المخولة إلى الحاكم الإسلامي، والموضوعة على عاتقه، لا في المقامات المعنوية والفضائل النفسانية، فإنهم – صلوات عليهم – في هذا المضمار في درجة لا يدرك شأوهم ولا يشق لهم غبار حسب روائع نصوصهم وكلماتهم[13].
5ـ الأحكام التي لها دور التحديد
من الأسباب الموجبة لانطباق التشريع القرآني على جميع الحضارات، تشريعه لقوانين خاصة، لها دور التحديد والرقابة بالنسبة إلى عامة تشريعاته، فهذه القوانين الحاكمة، تعطي لهذا الدين الإسلامي ـ الذي هو خاتم الأديان ـ مرونة يماشي بها كل الأجيال والقرون.
يقول سبحانه وتعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [14].
ويقول سبحانه وتعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [15].
ويقول سبحانه وتعالى : إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [16].
ويقول سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [17].
وما ورد حول النهي عن الضرر من الآيات، كلها تحدد التشريعات القرآنية بحدود الحرج والعسر والضرر، فلولا هذه التحديدات الحاكمة لما كان الدين الإسلامي ـ الذي هو خاتم الأديان ـ مماشي لجميع الحضارات البشرية.
6ـ الاعتدال في التشريع
من الأسباب الموجبة لصلاح الإسلام للبقاء والخلود كون تشريعاته مبتنية على أساس الاعتدال موافقة للفطرة الإنسانية، فأخذت من الدنيا ما هو لصالح العباد، ومن الآخرة مثله، فكما ندب إلى العبادة، ندب إلى طلب الرزق أيضا، بل ندب إلى ترويح النفس، والتخلية بينها وبين لذاتها بوجه مشروع.
وقال الإمام أمير المؤمنين (ع): للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي ربه، وساعة يرم فيها معاشه، وساعة يخلي بين نفسه ولذاتها[18].
أدلة كون نبي الإسلام خاتما للأنبياء
بالرغم من أن الآية المذكورة كافية لوحدها في إثبات هذا المطلب، إلا أن الدليل على كون نبي الإسلام (ص) خاتما للأنبياء، وأن الإسلام خاتم الأديان لا ينحصر بها، فإن آيات أخرى في القرآن الكريم تشير إلى هذا المعنى، إضافة إلى الروايات الكثيرة الواردة في هذا الباب:
فمن جملتها قوله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ[19]، فإن سعة مفهوم تعبير ومن بلغ توضح رسالة القرآن ونبي الإسلام العالمية من جهة، ومسألة خاتم الأديان من جهة أخرى.
وهناك آيات أخرى تثبت عمومية دعوة نبي الإسلام لكل البشر، مثل: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِي[20].
وكقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا[21].
والآية الكريمة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا[22].
إن ملاحظة سعة مفهوم العالمين والناس والكافة تؤيد هذا المعنى أيضا.
إضافة إلى أن إجماع علماء الإسلام من جهة، وكون هذه المسألة ضرورية لدى المسلمين من جانب آخر، والروايات الكثيرة الواردة عن النبي (ص) وباقي أئمة الهدى (ع) من جانب ثالث توضح هذا المطلب وهو أن الإسلام خاتم الأديان، ونكتفي هنا بذكر بعضها من باب الشاهد والمثال:
1ـ ورد عن النبي محمد (ص): حلالي حلال إلى يوم القيامة، وحرامي حرام إلى يوم القيامة[23].
إن هذا التعبير مبين لاستمرار هذه الشريعة حتى نهاية العالم وفنائه.
وقد روي هذا الحديث بهذه الصيغة أحيانا: حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره، ولا يجئ غيره[24].
2ـ حديث المنزلة المعروف، والذي ورد في مختلف كتب الشيعة والسنة، وهو في شأن علي (ع) وبقائه مكان النبي في المدينة عندما توجه (ص) إلى غزوة تبوك، فإنه يوضح مسألة الخاتمية تماما، لأنا نقرأ في هذا الحديث أن النبي (ص) قال لعلي (ع): أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي[25].
3- لقد ورد كون نبي الإسلام (ص) خاتما للنبيين صريحا في كثير من خطب نهج البلاغة، يقول أمير المؤمنين (ع) في وصف نبي الإسلام (ص): أمين وحيه، وخاتم رسله، وبشير رحمته، ونذير نقمته[26].
وقول أمير المؤمنين (ع): أرسله على حين فترة من الرسل، وتنازع من الألسن، فقفى به الرسل، وختم به الوحي[27].
وقال أمير المؤمنين (ع) في الخطبة الأولى من نهج البلاغة، بعد أن عدد تعليمات الأنبياء الماضين: إلى أن بعث الله سبحانه محمدا رسول لإنجاز عدته، وإتمام نبوته.
4- قد وردت مسألة الخاتمية وأن الإسلام خاتم الأديان في ختام خطبة الوداع، تلك الخطبة التي ألقاها نبي الإسلام (ص) في آخر حجة له، وفي آخر سنة من عمره المبارك، كوصية جامعة للناس، حيث قال: ألا فليبلغ شاهدكم غائبكم لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ثم رفع يديه إلى السماء حتى بان بياض إبطيه، فقال: اللهم اشهد أني قد بلغت[28].
5- ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: إن الله ختم بنبيكم النبيين فلا نبي بعده أبدا، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبدا[29].
إن الأحاديث الواردة في باب خاتم الرسل وخاتم الأديان كثيرة جدا، بحيث جمع منها في كتاب معالم النبوة 135 حديثا من كتب علماء الإسلام عن النبي (ص) وأئمة الإسلام العظام.
الاستنتاج
إن الإسلام يُعتبر خاتم الأديان، والنبي محمد (ص) هو خاتم الأنبياء. وقد تناولت المقالة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعم هذا المفهوم، وكون الإسلام خاتم الأديان يعكس أهمية كبيرة في العقيدة الإسلامية، حيث يُظهر كمال الرسالة وشمولية الدين، وتُختتم المقالة بالتأكيد على أن الإسلام، بصفته خاتم الأديان، يتمتع بمرونة وقدرة على مواجهة التحديات والمستجدات التي تطرأ على الحياة البشرية.
الهوامش
[1] البيهقي، سنن البيهقي، ج10، ص128.
[2] ابن سعد، الطبقات، ج1، ص258.
[3] يس، 65.
[4] البقرة، 70.
[5] الأحزاب، 40.
[6] ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة ختم.
[7] أخرجه البخاري في صحيحه، ج3، ص58، ومسلم في صحيحه، ج2، ص323.
[8] الشريف الرضي، نهج البلاغة، خطبة 133.
[9] الأعراف، 35.
[10] طه، 123.
[11] الكليني، الكافي، ج1، ص16.
[12] النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، ص97.
[13] الخميني، ولاية الفقيه، ص63.
[14] الحج، 78.
[15] البقرة، 173.
[16] الأنعام، 119.
[17] النحل، 106.
[18] الشريف الرضي، نهج البلاغة، باب الحكم، رقم 390.
[19] الأنعام، 19.
[20] الفرقان، 1.
[21] سبأ، 28.
[22] الأعراف، 158.
[23] المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص260، باب 31، ح17.
[24] الكليني، الكافي، ج1، باب البدع والرأي والمقاييس، ح19.
[25] الطبري، ذخائر العقبى، ص79.
[26] الشريف الرضي، نهج البلاغة، خطبة 173.
[27] الشريف الرضي، نهج البلاغة، خطبة 133.
[28] المجلسي، بحار الأنوار، ج21، ص381.
[29] الكليني، الكافي، ج1، ص269، ح4.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن سعد، محمّد، الطبقات الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1410 ه.
3ـ ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمّد هارون، دار الجيل العربي، طبعة 1991 م.
4ـ البخاري، محمّد، صحيح البخاري، دار الفكر، طبعة 1401ه.
5ـ البيهقي، أحمد، السنن الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأُولى، 1414ه.
6ـ الخميني، مصطفى، ولاية الفقيه، طهران، نشر وتحقيق مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طبعة 1418 ه.
7ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه.
8ـ الطبري، أحمد، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، القاهرة، مكتبة القدسي، طبعة 1356 ه.
9ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
10ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية، 1403 ه.
11ـ مسلم، صحيح مسلم، القاهرة، دار الحديث، الطبعة الأُولى، 1412 ه.
12ـ النائيني، محمّد حسين، تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة، تحقيق جواد الورعي، قم، مكتب التبليغ الإسلامي التابع للحوزة العلمية في قم، الطبعة الأُولى، 1382 ش.
مصدر المقالة (مع تصرف)
1ـ السبحاني، جعفر، محاضرات في الإلهيات، ص329ـ 336.
2ـ مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج13، ص277ـ 282.