الرياء والنفاق من الآفات الأخلاقية وأمراض القلب. الرياء، من جذر «رؤية»، ويعني «التظاهر واستعراض الذات وإظهار العمل للآخرين»، أي أن هدف الشخص المرائي هو جذب أنظار الناس إليه من خلال التظاهر بالعبادة والأعمال الصالحة. في الحقيقة، مثل هذا الشخص هو مشرك؛ لأنه يرى عزته وكرامته وعظمته بيد الناس لا بيد الله، ولذلك يقوم بأعماله بدافع كسب رضا الناس[1].
الإخلاص، نقيض الرياء
الإخلاص في النية يعني جعل القصد والدافع خالصاً لله وحده. فالنية لا تكون خالصة لله إلا إذا لم يكن للإنسان في عبادته أو عمله دافعٌ آخر سوى الله، ولم يدفعه إلى العبادة أو العمل أي سببٍ سوى التقرب من الله ونيل رضاه.
نظراً لأن الأهواء النفسانية تحاصر الإنسان بشكلٍ واسعٍ وقوي، فإن امتلاك نيةٍ خالصة في العمل والعبادة، مع حضور وجه الله في الذهن، أمرٌ في غاية الصعوبة.
يتحقق الإخلاص في النية بالوعي الكامل والتوجه التام نحو الله. فحيثما لا يكون هناك توجه نحو الله، توجد الغفلة. وحيثما توجد الغفلة، يتحقق الشرك والرياء. فالشخص الذي لا يتوجه نحو هدفه هو غافل، ومن يغفل عن الهدف يتوقف عن الحركة.
تحذير أمير المؤمنين (ع) من الرياء والسُّمعة
في توجيهٍ جامعٍ لجميع المؤمنين، يؤكد الإمام علي (ع) على أن أعمالهم يجب أن تكون خالصةً لله وحده؛ لأنه في غير هذه الحالة، عليهم أن يطلبوا جزاء عملهم من الشخص أو الأشخاص الذين قاموا بالعمل لأجلهم، وليس من الله. لذلك، يقول في بيانٍ بليغ:
«وَ اخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ وَ اعْمَلُوا فِي غَيْرِ رِيَاءٍ وَ لَا سُمْعَةٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ يَكِلْهُ اللَّهُ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ»[2]؛
معنى السمعة
الكلمة التي وردت في هذا القول إلى جانب الرياء هي «السمعة». وقد أقام العلماء فرقاً بسيطاً بينهما. يذكر آية الله مكارم الشيرازي تفسيرين للفرق بين هاتين الكلمتين:
- التفسير الأول: السمعة هي أن يقوم الإنسان بعملٍ من أجل الله وبدافعٍ إلهي، ثم يأتيه الفكر لاحقاً بإيصال هذا العمل إلى أسماع الآخرين ليحصل على اعتبارٍ منهم. هذا النوع، بحسب الفقهاء، لا يبطل العمل، لأنه يحدث بعد إنجاز العمل، ولكنه يقلل من ثوابه أو يمحوه.
- التفسير الثاني: أن يكون دافعه منذ بداية العمل هو أن يسمع الناس به، فيذكروه بالخير. هذا العمل لا يختلف عن الرياء، سوى أن الدافع في الرياء هو أن يرى الناس العمل، أما في السمعة فالدافع هو أن يسمعوا به. وبهذا، لا يوجد أي دافع إلهي في كلتا الحالتين.
من الواضح أن السمعة بهذا المعنى تبطل العمل، لأنها تُذهب بالإخلاص من النية [3]. على أي حال، فإن الرياء والسمعة هما آفةٌ كبرى للأعمال العبادية والإلهية، ولأن تغلغلهما في أعمال الإنسان معقدٌ ودقيقٌ للغاية، فقد وردت تحذيراتٌ متكررةٌ منهما في الآيات والروايات.
مفاسد الرياء
1. الشرك
أهمّ مفسدة لهذا العمل هي أنه يقضي على روح التوحيد، ويُلقي بالإنسان في هاوية الشرك، وذلك لأن توحيد الأفعال الإلهية يُخبرنا بأن كل شيءٍ بيد الله، وأنّ الثواب والمكافأة والكرامة والشخصية والرزق كلها بيده وإرادته.
ولكن المرائين، بتلويث أعمالهم العبادية والإلهية، يطلبون هذه الأمور من غير الله، وهذا شركٌ واضح.
يقول الإمام علي (ع) بخصوص الشرك وعلاقته بالرياء: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ»[4]؛ وجاء في رواية عن الإمام الصادق (ع): «كُلُّ رِياءٍ شِرْكٌ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنّاسِ كانَ ثَوابُهُ عَلَى النّاسِ، وَ مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ كانَ ثَوابُهُ عَلَى اللَّهِ»[5]؛
وفي الروايات نقرأ أنه في يوم القيامة – حيث تُكشف الأسرار – يُخاطب المرائيون ويُقال لهم: «يَا كَافِرُ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا خَاسِرُ! حَبِطَ عَمَلُكَ وَ بَطَلَ أَجْرُكَ، فَلَا خَلَاصَ لَكَ الْيَوْمَ»[6]؛
هذا هو مضمون الحديث القدسي المعروف الذي نُقل عن النبي الأكرم (ص)، حيث يقول الله تعالى: «أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ وَ مَنْ أَشْرَكَ مَعِي شَرِيكاً فِي عَمَلِهِ، فَهُوَ لِشَرِيكِي دُونِي، لِأَنِّي لَا أَقْبَلُ إِلَّا مَا خَلَصَ لِي».[7]
2. الفساد الاجتماعي
من ناحية أخرى، يُعدّ الرياء والسُمعة مصدراً لأنواع الفساد الاجتماعي. فالمرائون يهتمون بظاهر العمل فقط، ولا يعيرون أهمية لداخله وجوهره. هؤلاء لهم مظهرٌ أنيقٌ وداخلٌ فاسدٌ. ومنظماتهم الاجتماعية لها مظهرٌ فقط، وليس فيها أي حقيقة أو جوهر يمكن أن يكون مصدراً للخير والبركة في المجتمع.
أفكارهم وأعمالهم كلها سطحيةٌ، وتفتقر إلى العمق والجذر. هدفهم الأساسي هو الكمّية، أما الكيفية، وخاصةً عندما لا يراها أحد، فلا أهمية لها عندهم. ومن الطبيعي أن المجتمعات التي تسلك هذا الطريق تتجه نحو السقوط والانحطاط، ويكون مصيرها شؤماً.[8]
وصف أمير المؤمنين (ع) للمرائين
يقسّم الإمام علي (ع) في نهج البلاغة الناس من حيث طلبهم للدنيا إلى أربع مجموعات. إحدى هذه المجموعات هي الأفراد الذين يتخذون من دين الله وسيلةً للوصول إلى مطامعهم الدنيوية، وبهذا العمل، يدمرون دنيا الناس ودينهم.
يقول الإمام (ع) في وصف هذا النوع من الأفراد: «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَ لَا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ».[9]
هذا النوع من الأفراد له مظهرٌ متواضعٌ، هادئٌ، وقورٌ، وغير مهتمٍّ بالدنيا. يزيّنون أنفسهم بشعار الصالحين، ويستغلون سَتْر الله لهم، فيسلكون طريق العصيان والمخالفة.
إيمان المرائين الظاهري
على الرغم من أن هذه المجموعة تؤمن في ظاهرها بالله ويوم القيامة، إلا أن هذا الإيمان لم يتغلغل بالتأكيد في أعماق وجودهم، وإلا فكيف يمكن لإيمانٍ ثمينٍ أن يُباع بثمنٍ بخسٍ؟ لهذا السبب، ورد في الأحاديث أن المرائين في يوم القيامة، عندما تُكشف الستور وتتضح الحقائق، يُخاطبون بـ «يا أيها الكافر، يا أيها الفاجر، يا أيها الغادر، يا أيها الخاسر» ويُقال لهم: «حَبِطَ عَمَلُكَ وَ بَطَلَ أَجْرُكَ فَلَا خَلَاصَ لَكَ الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ».[10]
نفور الناس من الرياء في حقهم
تماماً كما أننا كبشرٍ نحب أن يتصرف من حولنا معنا بنيةٍ خالصةٍ تماماً، فإن الله بلا شك يطلب من عباده أن تكون أعمالهم خالصةً له وحده. يقول الإمام علي (ع) في هذا الصدد: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْإِنْسَانِ لِلنَّاسِ جَمِيلَةً كَمَا يُحِبُّ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ فِي طَاعَتِهِ قَوِيَّةً غَيْرَ مَدْخُولَةٍ» [11].
الرياء في العبادة وإضعاف العلاقة بالله
الرياء في العبادة يضعف العلاقة بين الإنسان وربّه، وهو بمنزلة تحويل العبادة إلى لهوٍ ولعبة، مما يؤدي في النهاية إلى الاستهزاء بالله تعالى. كما أنّ له أثرًا سلبيًا على علاقة الإنسان بالآخرين أيضًا، إذ يسعى المرائي دائمًا إلى خداعهم، فلا يكون من يرتبط به في مأمنٍ من حيله. وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار هذا السلوك خروجًا عن المعايير الاجتماعية.
الرياء نفاقٌ في العبادة
الرياء ليس مجرد رغبةٍ عابرة في كسب التقدير، بل هو صورة من صور النفاق الروحي. فالمرائي يرتدي قناعاً مزدوجاً: مظهرٌ خارجي ينمّ عن التقوى، وباطنٌ فارغٌ من الإخلاص. هذا التناقض بين الظاهر والباطن يترك أثراً عميقاً في الروح، فيحرمها من حلاوة العبادة. إنّ العبادة الحقيقية ليست فعلاً علنياً، بل هي حوارٌ خاص مع الله. وبالتركيز على نظرة الناس، يحوّل الرياء هذا الفعل المقدس إلى مجرد أداءٍ تمثيلي. إن هذا النفاق الروحي يمنع المرء من تذوّق الطمأنينة التي تأتي مع الإيمان، لأنّه يجعل من العبادة وسيلةً لا غاية.
الرياء كخداعٍ للنفس
إن الطبيعة الخادعة للرياء هي من أكثر سماته خطورة. فالرياء ليس مجرد خداع للناس، بل هو خداع للذات أيضاً. فالمرائي يكذب على نفسه عندما يعتقد أنّه سيحظى بالهيبة والمكانة من خلال هذه الأفعال. غير أنّ القيمة الحقيقية تكمن في الإخلاص والصدق. لذلك، فببحثه عن تأييد الآخرين، يحرم الرياءُ الإنسان من تقديره لذاته، الذي ينبع من كونه أصيلاً وصادقاً. إنّ الرياء سعيٌ وراء ما هو فانٍ، ولهثٌ وراء تصفيقٍ وأعجابٍ لا يدوم، بينما حب الله ورضاه باقيان إلى الأبد.
النتيجة
إن الرياء في العبادة يسبب ضعف العلاقة بين الإنسان وربه. فالرياء في العبادة هو بمثابة التلاعب بها، وبالتالي يؤدي إلى الاستهزاء بالله. كما أنه يؤثر على علاقة الإنسان بالآخرين؛ فالشخص المرائي يسعى دائماً لخداعهم، والذين يتعاملون معه ليسوا في أمانٍ من حيله. وبالتالي، يمكن اعتبار هذا السلوك خروجاً عن المعايير الاجتماعية
الهوامش
[1] مكارم الشيرازي، پيام إمام (رسالة الإمام)، ج 2، ص 55.
[2] السيد الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 23.
[3] مكارم الشيرازي، پيام إمام (رسالة الإمام)، ج 2، ص 56.
[4] السيد الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 86.
[5] الكليني، أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء، ح 3.
[6] الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة، ج 3، ص 324؛ وكذلك انظر هذا المضمون في: المجلسي، بحار الأنوار، ج 67، ص 243.
[7] مكارم الشيرازي، پيام إمام (رسالة الإمام)، ج 2، ص 56.
[8] مكارم الشيرازي، پيام إمام (رسالة الإمام)، ج 2، ص 56.
[9] السيد الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 32.
[10] السيد الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 32.
[11] الآمدي، غرر الحكم، ج 1، ص 271.
[12] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 1، ص 51.
مصادر البحث
- قرآن کریم.
- الآمدي، عبدالواحد، غرر الحکم و درر الکلم، ترجمه: محمد علی انصاری؛ تهران، 1337 ش.
- الحر العاملي، محمد بن الحسن، تفصیل وسائل الشيعة الی تحصیل مسائل الشریعة، قم، مؤسسة آل البیت (ع)، 1409 ق.
- سید رضی، نهج البلاغة، ترتیب: صبحی صالح، قم، دارالهجرة، 1414 ق.
- کلینی، محمد بن یعقوب، اصول الکافی، بیروت، دارالاضواء، 1413ق.
- مجلسی، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدُرر أخبار الأئمة الأطهار (ع)، بیروت، دار احیاء التراث العربی” ۱۴۰۳ ق.
- مکارم شیرازی، ناصر و همکاران؛ پيام امام امیرالمؤمنین (ع) (رسالة الإمام)، شرح تازه و جامعى برنهج البلاغه، قم، مدرسة الامام علی بن ابی طالب (ع)، ۱۳۹۰ ش.
- هاشمی خویی، میرزا حبیب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، تهران، مکتبة الاسلامیة، چاپ چهارم، 1400 ق.
مصدر المقالة
سیاحت اسفندیاری، عابدین، اخلاق کاربردی با تاکید بر نهج البلاغه، قم، انتشارات قسیم.