أثر الوراثة والمحيط في تكوين شخصية الإنسان

أثر الوراثة والمحيط في تكوين شخصية الإنسان

کپی کردن لینک

أثبتت الدراسات التربوية والاجتماعية الأثر الواضح للوراثة والمحيط لاجتماعي في تكوين شخصية الإنسان، حيث تنعكس على جميع جوانبها الجسدية والنفسية والروحية، أغلب الصفات تنتقل من الوالدين والأجداد الى الأبناء، ثم يأتي دور المحيط التربوي ليقرر النتيجة النهائية لشخصية الإنسان.

أولاً: دور الوراثة

دور الوراثة في تكوين شخصية الإنسان، من الحقائق الثابتة أنّ الأبناء يرثون الوالدين في خصائصهم وصفاتهم الجسمية والعقلية والنفسية، وكذلك يرثون أجدادهم في بعضها.

وقد دلت الروايات على أنّ الانسان يرث الخصائص والصفات الجسمية من جميع آبائه وأجداده، ورد ذلك عن الامام جعفر الصادق (ع): «انّ الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقاً جمع كل صورة بينه وبين أبيه الى آدم، ثم خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولنّ أحد هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئاً من آبائي»[1].

والوراثة لها دور أساسي في نقل بقية الصفات، ولهذا أكّد رسول الله (ص) على حسن الاختيار في الزواج فقال: «تخيّروا لنطفكم فانّ العرق دسّاس»[2].

وتحذير رسول الله (ص) من العرق الدساس ناظر الى الصفات النفسية والروحية والخلقية التي تنتقل بالوراثة، أو يكون العامل الوراثي خالقاً للاستعداد في نفس الوليد للاتصاف بصفة من الصفات التي يحملها الوالدان أو الأجداد.

الخصائص والصفات المنقولة بالوراثة

الخصائص والصفات المنقولة بالوراثة ودورها في تكوين شخصية الإنسان، الوراثة تؤثر في تحديد أغلب خصائص وصفات شخصية الإنسان، حيث تخلق الاستعداد في النفس، فاذا وجدت البيئة المناسبة نمت وترعرعت بالاتجاه المناسب لها، والخصائص والصفات التي يمكن توريثها هي باختصار:

1ـ الصفات الجسمية.

2ـ الصفات العقلية: كحدة الذكاء أو البلادة، والطباع النفسية والعقلية، وصدق النظر في الميول والاهتمامات والاتجاهات.

3ـ الطباع والسجايا: كالاهتمام أو عدم المبالاة، والرعونة وحدة الطبع، وسرعة الاجابة أو الخمول والجمود، والاحساس أو تعب الأعصاب، والانشراح والاكتئاب.

4ـ الميل في أعضاء الجسد نحو القوة أو نحو الضعف.

5ـ المزاج العصبي.

6ـ غرابة الطبع وشواذ الحالات العصبية.

فالخصائص والصفات المنقولة بالوراثة إذن تنقسم الى نفسية وعقلية وخلقية، وهي إمّا أن تنتقل بصورة مباشرة أو تخلق الاستعداد للاتصاف بها.

1ـ الخصائص والصفات النفسية والعقلية

الخصائص والصفات النفسية والعقلية ودورها في تكوين شخصية الإنسان، الامراض النفسية تنتقل بالوراثة من الوالدين أو أحدهما الى الأبناء، ولهذا حذّر الامام محمد الباقر (ع) من الانجاب من المرأة المجنونة خوفاً من انتقال الجنون منها الى الطفل، فسئل عن ذلك فقال: (لا، ولكن إن كانت عنده أمة مجنونة فلا بأس بأن يطأها ولا يطلب ولدها)[3].

وحذّر أمير المؤمنين (ع) من تزويج الحمقاء لانتقال هذه الصفة الى الابناء ولعدم قدرتها على تربيتهم تربية سوية فقال: (إياكم وتزويج الحمقاء، فانّ صحبتها بلاء، وولدها ضياع)[4].

وقد دلت الدراسات الحديثة على أنّ الوراثة تؤثر في النمو العقلي، والصحة العقلية والانفعالية، وتتوقف مكانة الانسان في الحياة الى حد كبير على كفاءاته التي تحددها الوراثة الى حدّ بعيد، والمواقف والعقائد والقيم تتأثر بمكانة الانسان في الحياة، وهكذا فإن الوراثة تؤثر ولو بصورة غير مباشرة في المواقف والعقائد والقيم.

وللذكاء والغباء تأثير واقعي على سلوك وأخلاق الانسان، وقد دلت الروايات على ذلك وأيدتها الدراسات العلمية والميدانية الحديثة.

قال أمير المؤمنين (ع):

من لم يكمل عقله لم تؤمن بوائقه.

من لم يكن له عقل يزينه لم ينبل.

السفه يجلب الشر.

الجهل معدن الشر.

الجهل أصل كل شر[5].

وهنالك خصائص وصفات نفسية تتأثر بالوراثة كالشجاعة، وهذه الصفة لها تأثيرها الواضح على شخصية الإنسان في أغلب جوانبها، ومن الوقائع اللطيفة حول وراثة الشجاعة ما قاله زهير بن القين للعباس بن أمير المؤمنين (ع): (احدثك بحديث وعيته، لمّا أراد أبوك أن يتزوج طلب من أخيه عقيل ـ وكان عارفاً بأنساب العرب ـ أن يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب ليتزوجها فتلد غلاماً شجاعاً ينصر الحسين بكربلاء، وقد ادخرك أبوك لمثل هذا اليوم)[6].

2ـ الخصائص والصفات الخلقية

لا تقتصر الوراثة على الخصائص والصفات النفسية والعقلية، التي تنتقل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بل تتعداها الى الخصائص والصفات الخلقية والسلوكية، إمّا بالمباشرة وإما بخلق القابلية والاستعداد للاتصاف بها، وقد يصعب تشخيص الوراثة عن المحيط في أجواء الاسرة، فالطفل ينشأ ويترعرع في ظل الخصائص والصفات الخلقية التي يتصف بها والداه أو أحدهما بالتقليد وبالمحاكاة.

وقد حذّر أهل البيت عليهم السلام من الاقتران بالمنحرفين لتحصين العائلة والاطفال من الانحراف، قال الامام جعفر الصادق (ع): (لا تتزوجوا المرأة المستعلنة بالزنا، ولا تزوجوا الرجل المستعلن بالزنا إلاّ أن تعرفوا منهما التوبة)[7].

ويرى أمير المؤمنين (ع) أنّ الاصل الكريم والعرق الصالح يؤثر تأثيراً واضحاً على الانسان، فمن كان ينتمي الى نسب عريق في المكارم والفضائل ستكون المكارم والفضائل صفة ملازمة له في جميع جوانب حياته، فللوراثة دورها وتأثيرها الواضح في أخلاق وسلوك الانسان، حيث تخلق في نفسه الاستعداد والقابلية للاتصاف بالمكارم والفضائل إذا كان ينحدر من اُصول متصفة بها، وكذا الحال في من ينحدر من اُصول تتصف بالرذائل والمفاسد، فانّه يرثها أو يكون قابلاً للاتصاف بها.

قال أمير المؤمنين (ع):

إذا كرم أصل الرجل كرم مغيبه ومحضره.

جميل المقصد يدلّ على طهارة المولد.

من خبث عنصره ساء محضره.

من كرم محتده حسن مشهده.

منزع الكريم أبداً إلى شيم آبائه[8].

ويستدل (ع) على كرم الاعراق من خلال حسن الاخلاق، فحسن أخلاق الأبناء كاشف عن حسن عروقه واُصوله، قال (ع): (حسن الاخلاق برهان كرم الاعراق)[9].

وفي كلام أمير المؤمنين (ع) دلالات واضحة على وراثة الخلق والشرف من الآباء والاُمهات والأجداد، وفي كلامه تشجيع على طلب الحوائج من ذوي الاصول الطيبة حيث قال (ع): (عليكم في قضاء حوائجكم بكرام الأنفس والاُصول، تنجح لكم عندهم من غير مطالٍ ولا منّ).

ويسوق الباحثون في علم النفس والتربية أمثلة على تأثير الوراثة على الخصائص والصفات الخلقية، ومنها دراسة عائلة كالليكاك حين كان جندياً في عهد الثورة الأمريكية حيث اقترن مع فتاة ضعيفة العقل كانت خادمة في خان، ثم اقترن عن طريق زواج شرعي بفتاة مدنية ذات ذكاء سوي تزوجها بعد عودته من الحرب.

ثانياً: دور المحيط التربوي

دور المحيط التربوي في تكوين شخصية الإنسان، تشترك الوراثة مع المحيط في البناء التربوي بحيث لا يمكن فصل بعضهما عن بعض، لأنهما متكاملان متكاتفان، حيث تخلق الوراثة القابلية والاستعداد للاتصاف بهذه الصفة أو تلك إن وجدت المحيط التربوي المناسب، وتشترك الوراثة مع المحيط في خلق شخصية الإنسان بما في ذلك المتبنيات العقائدية والقيم، ومع هذا التكامل والتكاتف يبقى للمحيط التربوي دور متميز في البناء التربوي، وهذا واضح من خلال النظرة الى الواقع، ومن خلال متابعة مسيرة الانسانية التي لا تخلو من نبي مرسل أو وصي نبي، يقومان بمهمة خلق المحيط التربوي المناسب لاصلاح النفس الانسانية والمجتمع الانساني.

والمحيط التربوي يشمل جميع مواقع التأثير في الواقع الاجتماعي وأهمها: الاسرة، الاصدقاء، حلقات الذكر، المسجد، علماء الدين، المدرسة، الدولة.

1ـ الاسرة

الاسرة هي المحيط التربوي الأساسي المسؤول عن إعداد الطفل للدخول في الحياة الاجتماعية، ليكون عنصراً صالحاً فعالاً في إدامتها على أساس الصلاح والخير والبناء الفعّال، والاسرة نقطة البدء التي تزاول انشاء وتنشئة العنصر الانساني، وتؤثر في كلّ مراحل الحياة ايجاباً وسلباً، وهي مسؤولة بالدرجة الاولى عن النشأة والترعرع، وهي التي تحدد مسار الانسان السلوكي ان كانت التنشئة الاجتماعية خارجها ملائمة ومتشابهة.

ولاهمية الأسرة في البناء التربوي أبدى أهل البيت عليهم السلام أهمية خاصة بها، وكانت ارشاداتهم تؤكد على اختيار شريك الحياة الصالح والمتدين ليقوم بالتعاون مع شريكه في اعداد الاطفال اعداداً ينسجم مع المنهج السلوكي في الاسلام، وحثّ أهل البيت الوالدين على القيام بمسؤوليتهما في التربية وخصوصاً الوالد حيث تقع عليه كامل المسؤولية.

قال الامام زين العابدين (ع): (وأما حق ولدك فتعلم أنه منك ومضاف اليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر الى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه والأخذ له من»[10].

ودور الاسرة لا يحدد سلوك أفرادها فحسب بل يحدد جميع مقومات شخصية الإنسان: الفكرية والعاطفية والنفسية، حيث ينعكس التعامل مع الأبناء على اتزانهم النفسي والانفعالي، ولهذا يختلف الوضع النفسي من فرد لآخر في اسرة واحدة أو في اسر متعددة تبعاً لنوع المعاملة معه من حيث الرعاية أو الاهمال.

2ـ الأصدقاء والأصحاب

يتأثر الانسان وخصوصاً في مراحل حياته الاولى بأصدقائه وأصحابه، حيث تنعكس آراؤهم ومشاعرهم وممارساتهم على مقوّمات شخصيته عن طريق الاحتكاك والتلقين والاستهواء، والتي تهيأ العقول للتلقي، والقلوب للاستجابة، والارادات للممارسة.

ويتأثر الانسان باصدقائه من حيث متبنياته الفكرية ونظرته الى الكون والحياة، ومن ثم مواقفه العملية وممارساته السلوكية، ولهذا جاءت روايات أهل البيت عليهم السلام لتؤكد اختيار الاصدقاء الصالحين وتجنب الطالحين.

وحذّر أمير المؤمنين (ع) من مصادقة المنحرفين فقال: (إيّاك ومصادقة الأحمق فانه يريد أن ينفعك فيضرّك، وإيّاك ومصادقة البخيل، فانّه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإيّاك ومصادقة الفاجر، فإنّه يبيعك بالتافه، وإيّاك ومصادقة الكذّاب، فانّه كالسّراب يقرّب عليك البعيد، ويبعّد عليك القريب)[11].

وفي مقابل هذه التحذيرات حثّ أهل البيت عليهم السلام على مصادقة ومجالسة الصالحين والاتقياء، لانّها وسيلة من وسائل اصلاح الفكر وإصلاح السلوك، لانّ الانسان يتأثر بأفكار وسلوك المحيطين به، وخصوصاً اذا كانوا أكثر علماً أو تجربة منه، أو اكثر وجاهة منه، لان الانسان يتأثر بالأعلى منه ويقتدي بمن فوقه من ذوي المواقع الاجتماعية المتقدّمة.

وحثّ الامام محمد الباقر (ع) على مصاحبة واتباع الناصحين فقال: (اتّبع من يبكيك وهو لك ناصح، ولا تتّبع من يضحكك وهو لك غاشّ …)[12].

3ـ المجالس وحلقات الذكر

المجالس وحلقات الذكر بيئة اجتماعية متكاملة تترك آثارها الملموسة على الانسان تأثراً بالجماعة التي تتألف منها المجالس وحلقات الذكر، حيث تخلق أجواءً تربوية فكرية وسلوكية تؤثّر تدريجياً على المشاركين فيها، وقد أطلق رسول الله (ص) على مجالس الذكر وحلقات الذكر مصطلح (رياض الجنّة).

سئل (ص) أين رياض الجنّة ؟ فقال: (مجالس الذكر، فاغدوا وروّحوا في ذكر الله)[13].

وتتنوع مجالس وحلقات الذكر بتنوّع الظروف والأوضاع، كمجالس العلماء، ومجالس الصالحين، وجلسات حفظ القرآن الكريم وتلاوته، ومجالس العزاء على الإمام الحسين (ع)، ويلحق بها الاحتفالات والمهرجانات التي تُقام على مدار السنة في الأعياد ومناسبات ولادة رسول الله (ص) والأئمّة عليهم السلام، ويوم المبعث، ويوم الغدير وغير ذلك.

ومجالس الصالحين لها أثر كبير في الاصلاح والتغيير، ومن مجالس الصالحين المجالس التي تعقد أثناء الزيارات المتبادلة في المنازل، قد حثّ أهل البيت عليهم السلام عليها لدورها في التربية والاصلاح.

وحذّر أهل البيت عليهم السلام من الاشتراك في مجالس الانحراف لتأثيرها السلبي على المشاركين، قال الامام جعفر الصادق (ع): (لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلساً يُعصى الله فيه ولا يقدر على تغييره)[14].

4ـ المساجد

المساجد من أهم الأجواء الايمانية والتربوية، التي تسهم بشكل فعّال في تربية الانسان واصلاحه وتغييره، والمسجد خير محيط للانسان للارتباط بالله سبحانه وتعالى وبعالم الغيب، حيث يجعل الانسان يعيش أجواءً معنوية وروحية يتعالى فيها على أثقال الحياة ويتسامى فيها فكراً وعاطفة ثمّ سلوكاً.

قال الامام الحسن (ع): (من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آية محكمة، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّه على الهدى أو تردّه عن ردى، وترك الذنوب حياءً أو خشية)[15].

ولأهمية المسجد في بناء الشخصية الرسالية تضافرت الروايات عن أهل البيت عليهم السلام على استحباب بناء المساجد، واستحباب الصلاة فيها، ووضعوا برنامجاً متكاملاً في المستحبات والمكروهات التي ينبغي مراعاتها داخل المساجد، وهي الحصن الواقي الذي يدفع الانسان للحركة نحو السمو والتكامل.

5ـ العلماء

للعلماء سلطان على الناس وخصوصاً علماء الدين، لأنّ لهم قدسية خاصة يؤثرون من خلالها على الأفكار والعواطف والارادات، ولهم دور فعّال في بناء الانسان والتصدي لجميع ألوان الانحراف الذي يهدد فكر المجتمع وسلوكه ومسيرته التاريخية، وهم ليسوا مجرد وعاظ ومعلمين لطقوس دينية أو فروض منطقية، انهم قادة روحيون يتحملون مسؤولية الهداية والاصلاح والتغيير الشامل.

ولمقام العلماء ودورهم في التأثير أثر واضح في صلاح الناس أو فسادهم تبعاً لصلاح العلماء أو فسادهم.

قال أمير المؤمنين (ع): (إنّ كلام الحكماء إذا كان صواباً كان دواءً، وإذا كان خطأً كان داءً)[16].

6ـ الدولة

من الحقائق التاريخية أنّ المجتمعات تتأثر بحكامها، حيث تنعكس أفكار وأخلاق الحاكم وأجهزة الحكم على الناس خيراً أم شراً، فالحاكم حريص على تغيير المجتمع طبقاً لمتبنياته الفكرية والعاطفية والسلوكية، ويستطيع تحقيق ما يحرص عليه لامتلاكه لمصادر القوة والتأثير ومنها: المال والاعلام.

قال أمير المؤمنين (ع): (السلطان الفاضل هو الذي يحرس الفضائل ويجود بها لمن دونه، ويرعاها من خاصته وعامته حتى تكثر في أيّامه، ويتحسن بها من لم تكن فيه)[17].

وجعل الامام الصادق (ع) مقدمات الاصلاح واجبة على السلطان وعلى دولته فقال: (ثلاثة تجب على السلطان للخاصة والعامة: مكافأة المحسن بالاحسان ليزدادوا رغبة فيه، وتغمد ذنوب المسيء ليتوب ويرجع عن غيّه، وتألفهم جميعاً بالاحسان والانصاف)[18].

ومثّل أمير المؤمنين (ع) الملك بالنهر والناس بالجداول فقال: (الملك كالنهر العظيم تستمد منه الجداول، فان كان عذباً عذبت، وإن كان ملحاً ملحت)[19].

أثر الغرائز في التربية

الغريزة في اللغة هي: الطبيعة والقريحة والسجيّة، وقال اللحياني: هي الأصل والطبيعة[20].

وفي الاصطلاح هي: استعداد فطري نفسي جسمي يدفع الفرد الى أن يدرك وينتبه الى أشياء من نوع معيّن، وأن يشعر بانفعال خاص عند إدراكها، وأن يسلك نحوها مسلكاً خاصاً[21].

والغريزة كما هو المستفاد من معناها أمر مغروز في داخل الذات يتفاعل مع المحيط الخارجي لينطلق نحو الاستجابة والاشباع، وهي قوة لا نلاحظها مباشرة بل نستنتجها من الاتجاه العام للسلوك الصادر منها في الواقع.

ومن هنا فللغريزة مظاهر ثلاثة: 1ـ مثير خارجي. 2ـ سلوك عملي. 3ـ هدف يراد تحقيقه. وبعبارة اُخرى أنّ الغريزة تتفاعل مع الشعور بمظاهره الثلاثة: الادراك والانفعال والرغبة للتحقيق.

فهي تتفاعل مع المثير الخارجي وتنفعل مع مظاهره المتنوعة، وتنطلق لتحقيق هدفها وهو الاشباع والارتواء، وهذا التفاعل والانطلاق هو أمر فطري لا يختلف ولا يتخلف من فرد لآخر، وأمّا السلوك الصادر عن الغريزة، فهو أمر تتحكم به ارادة الانسان وما يحمله من متبنيات فكرية وعاطفية وخلقية، من حيث نظرته للكون وللحياة والمجتمع، فيكون منسجماً معها مطابقاً للأسس والقواعد التي تبناها في رسم منهجه في الحياة، ولهذا يختلف سلوك الانسان وممارساته العملية اندفاعاً وانكماشاً من انسان لآخر تبعاً لدرجات ايمانه واعتقاده بمتبنياته.

وتتنوع الغرائز بتنوع تركيبة الانسان وكينونته، فهو جسد وروح ولكلّ منهما وظائفه الخاصة المترتبة على الحاجات الأساسية العضوية والوجدانية في آن واحد.

والتقسيم الثنائي للغرائز يرجعها الى العقل والشهوة، وهما الأساس الذي تتفرع وتتنوع منهما سائر الغرائز والدوافع والحاجات.

قال أمير المؤمنين (ع): (انّ الله ركَّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله، فهو شرّ من البهائم)[22].

ومصطلح الشهوة يطلق على القوة التي تشتهي، وعلى الأمر المشتهى.

فمن العقل تتفرع غريزة التديّن وغريزة التكامل أو حب الكمال، وغريزة الأمن والاستقرار، ومن الشهوة تتفرع غريزة الجوع والغريزة الجنسية وبقية الغرائز ذات الطابع الجسماني.

عن الامام جعفر الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): (انّ أول ما عصي الله به ستة أشياء: حبّ الدنيا، وحب الرئاسة، وحب الطعام، وحبّ النوم، وحب الراحة، وحب النساء)[23].

فالانسان في رأي أمير المؤمنين تتجاذبه قوتان: الشهوة والعقل، وهذه القوى تبكّر لديه في الظهور واليقظة، وتسرع عنده في النمو والتأثير، وهي المؤثرة في بنائه الخلقي والنفسي، فاذا نمت قوة الشهوة وتغلبت على قوة العقل فانّ الانسان سيكون مستسلماً لهواه وملذّاته وسيشبعها دون قيود أو شروط في أجواء المثيرات والمغريات الخارجية الى أن يصبح كالحيوان همّه بطنه وفرجه، أو يقف الواقع حائلاً دون اشباعها، فيؤدي ذلك الى اختلال التوازن النفسي والانفعالي في كيانه فيصاب بالاضطراب النفسي والروحي.

وإذا غلبت قوة العقل قوة الشهوة، فإنّ الانسان سيشبعها في وجهها الايجابي، فهو لا يوقف الشهوة ولا يعطلها بل يوجهها وجهة عقلانية ويقيدها بقيود الشريعة أو يؤجل إشباعها الى ظرفها المناسب المشروع.

ودور العقل هو تعديل الشهوة وتهذيبها واستبدال مثيراتها الطبيعية بمثيرات اخرى تتجه بها الى السمو والكمال، وتدع بها سلوكها الفطري إلى سلوك فيه النضج والقوة للفرد والصلاح للمجتمع.

والعقل يقدّم التسامي على اللذات الفانية، ويوجه الانسان الى طاعة ربّه ويقدمها على غيرها.

ونجد انّ أمير المؤمنين (ع) يعاتب عاصم ابن زياد حينما لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا فيقول له: (يا عديَّ نفسه لقد استهام بك الخبيث! أما رحمت أهلك وولدك! أترى الله أحلَّ لك الطيّبات، وهو يكره أن تأخذها! أنت أهون على الله من ذلك)[24].

ومنهج أهل البيت عليهم السلام يدعو الى أن يكون العقل حاكماً على الشهوات، لأنّ الانسياق وراء الشهوات يؤدي إلى وقوع الانسان في مهاوي الرذيلة، ومن آثارها ما ورد في أقوال أمير المؤمنين (ع):

قرين الشهوة مريض النفس معلول العقل.

غلبة الشهوة تبطل العصمة وتورد الهُلْك.

من زادت شهوته قلت مروّته.

إنكم ان ملّكتم شهواتكم نزت بكم الى الأشر والغواية[25].

وخلاصة القول: ان غلبة العقل على الشهوة بمعنى تحكمه فيها، يجعل الانسان في قمة السمو والتكامل، وإنّ غلبة الشهوة على العقل تجعل الانسان في المستنقع الآسن وفي ركب الطالحين.

الاستنتاج

أن تكوين شخصية الإنسان يتأثر بشكل كبير بالوراثة والمحيط الاجتماعي. الوراثة تلعب دورًا حاسمًا في نقل الصفات الجسدية والنفسية من الوالدين والأجداد، بينما يحدد المحيط التربوي، مثل الأسرة والأصدقاء والمدارس، كيفية ظهور هذه الصفات. تؤكد المقالة على أهمية اختيار الشريك المناسب في الزواج وتأثير ذلك على الصفات الوراثية للأبناء. كما تسلط الضوء على دور الغرائز في تشكيل السلوك الإنساني، حيث يتفاعل العقل مع الشهوات لتوجيه السلوك نحو الخير أو الشر. بالتالي، يظهر أن كل من الوراثة والمحيط يشكلان عوامل رئيسية في بناء شخصية الإنسان.

الهوامش

[1] الصدوق، علل الشرايع، ج1، ص103.

[2] الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج3، ص93.

[3] الحرالعاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص85.

[4] الكليني، الكافي، ج5، ص354.

[5]الآمدي،  تصنيف غرر الحكم، ص55، وص76.

[6] المقرّم، مقتل الحسين، ص209.

[7] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص305.

[8] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص409.

[9] المصدر السابق نفسه: ص254.

[10] الحرّاني، تحف العقول، ص189.

[11] المصدر السابق نفسه، ج18، ص157.

[12] الكليني، الكافي، ج2، ص638.

[13] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص312.

[14] مجموعة ورّام، ج2، ص210.

[15] الحرّاني، تحف العقول، ص166.

[16] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج19، ص271.

[17] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج20، ص282.

[18] الحرّاني، تحف العقول، ص236.

[19] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص346.

[20] ابن منظور، لسان العرب، ج5، ص386.

[21] مدكور، منهج التربية أساسياته ومكوّناته، ص59.

[22] الصدوق، علل الشرايع، ج1، ص102.

[23] مجموعة ورّام، ج2، ص205.

[24] الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص324.

[25] الآمدي، تصنيف غرر الحكم، ص305.

مصادر البحث

1ـ ابن أبي الحديد، عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأُولى، 1378 ه‍.

2ـ ابن منظور، محمّد، لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، طبعة 1405 ه‍.

3ـ الآمدي، عبد الواحد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأُولى، بلا تاريخ.

4ـ الحر العاملي، محمّد، وسائل الشيعة، تصحيح وتعليق الشيخ عبد الرحيم الربّاني الشيرازي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الخامسة، 1403 ه‍.

5ـ الحرّاني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1404 ه‍.

6ـ الشريف الرضي، محمّد، نهج البلاغة، تحقيق صبحي صالح، بيروت، الطبعة الأُولى، 1387 ه‍.

7ـ الصدوق، محمّد، علل الشرائع، النجف، منشورات المكتبة الحيدرية، طبعة 1385 ه‍.

8ـ الطبرسي، الحسن، مكارم الأخلاق، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة السادسة، 1392 ه‍.

9ـ الفيض الكاشاني، محمّد محسن، المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الرابعة، 1417 ه‍.

10ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.

11ـ مدكور، علي، منهج التربية أساسياته ومكوّناته، القاهرة، الدار الفنية، طبعة 1993م.

12ـ المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين (ع)، مؤسّسة البعثة، بلا تاريخ.

13ـ ورّام، مسعود، مجموعة ورّام، بيروت، دار صعب، الطبعة الأُولى، بلا تاريخ.

مصدر المقالة (مع تصرف)

العذاري، شهاب الدين، ملامح المنهج التربوي عند أهل البيت (ع)، قم، مركز الرسالة.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *