تحقيق التقوى والكمال الإنساني عبر تشريع الاعتكاف

تحقيق التقوى والكمال الإنساني عبر تشريع الاعتكاف

2026-02-19

214 مشاهدة

کپی کردن لینک

إنّ الله تعالى هو الكمال المطلق، ولا غاية له سوى ذاته، إذ هو بنفسه الغاية من نظام الخلق. غير أنّه سبحانه، لكونه حكيماً لا يفعل شيئاً عبثاً، فقد خلق هذا العالم ـ وهو فعل من أفعاله ـ على أساس الغاية، فجعل لكل موجود غايةً يسعى نحو بلوغ كماله المنشود. وقد صرّح الله تعالى بأنّ غاية خلق الجنّ والإنس هي عبادته تعالی، وجعل ـ بحكمته البالغة ـ العبادة طريقاً إلى كمال الإنسان، ومعبراً ينتهي بالإنسان في نهاية المطاف إلى لقائه سبحانه. ومن جملة هذه السبل المؤدية إلى تلك الغاية تشريع الاعتكاف؛ فهو طريق للعبادة وزادٌ للقاء الله جلّ وعلا.

أهداف تشريع الاعتكاف

استناداً إلى ما تقدّم، فإنّ الله تعالى قد شرّع الاعتكاف لتحقيق غايتين لبني الإنسان في سبيل بلوغ كمالهم:

  1. الغاية التي يشترك فيها الاعتكاف مع سائر الأحكام والمعارف الدينية، إذ هو جزء منها.
  2. الغاية الخاصّة بالاعتكاف ذاته.

وعليه، فإنّ الله الحكيم قد جعل تشريع الاعتكاف ذا أهداف وغايات، ليوصل عباده من خلاله إلى كمالهم الذي خُلقوا من أجله. وفيما يلي سيتمّ تناول هذه الأهداف بالبحث والدراسة.

تطهير القلب من الرواسب

 

قال الإمام الرضا (ع): «فَلَوْ تُرِكُوا بِغَيْرِ تَعَبُّد لَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم»[1]. فالعبادة إنما هي لإبقاء ذكر الله حيًّا في قلب الإنسان، ولئلّا يُعرض عن أمر الله ونهيه، أو ينشغل بالباطل والعبث.

ومن الوسائل البارزة لتحقيق ذلك وتهذيب القلوب تشريع الاعتكاف، فإن لم يعبد الإنسان ربّه، قسا قلبه شيئًا فشيئًا بفعل رسوبات الذنوب، حتى يصبح كالحجر الصلب، كما قال تعالى: «فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ».[2]

ومثال ذلك ما يُرى في المناطق الجبلية التي تفور فيها العيون المعدنية؛ فإنّ مجرى الماء في بدايته يكون نضرًا وخصبًا، غير أنّه لما كان ممتزجًا بالرسوبات، فإنّه بعد مدة يغلق مجراه، ويمنع الأرض من خضرتها.

وكذلك القلب الذي يذكر الله يشبه العين المتدفقة، أمّا الذنوب فهي كالرسوبات التي تسدّ سبيل توجّه الإنسان إلى الله. ومن ثمّ، فإنّ الحكمة من العبادة ـ وفي مقدّمتها تشريع الاعتكاف ـ هي إزالة الرسوبات، وصيانة القلب من القسوة.

السكينة والإخلاص

ومن الأهداف الخاصّة بـتشريع الاعتكاف: الراحة القلبية، والخلوص لذكر الله، والتهيؤ لسماع ندائه سبحانه؛ فإلى جانب نداء الفطرة والعقل الصادر من داخلنا، هناك نداءات أخرى تدعونا على الدوام: نداء الله جلّ وعلا مباشرة، ونداء الملائكة، ونداء أولياء الله، ونداء الموجودات من حولنا. غير أنّ الاستماع إلى هذه النداءات يحتاج إلى قلب نقيّ وأذن واعية.

إصلاح المعرفة والدافع من أهداف الاعتكاف

يرى أمير المؤمنين علي (ع) أنّ غاية الله سبحانه من مجموع الدين ورسالة الأنبياء (ع) أمران:

  1. إصلاح المعرفة وذكر الله: فقد قال (ع): «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ يُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتبليغ ويُثيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول …»[3] أي إنّ الله بعث الأنبياء تترى، ليطالبوا عباده بالوفاء بميثاق فطرتهم، ويذكّروهم نعمه المنسية، ويُتمّوا عليهم الحجة بإبلاغ أوامره ونواهيه وهداياته، وليكشفوا لهم كنوز العقول المدفونة في أعماقهم.»
  2. إصلاح الدافع والسلوك: وفي هذا المحور قال (ع): «فَبَعَثَ الله مُحَمَّداً (ص) بِالْحَقِّ لِيُخْرِج عَبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ بقُرآن». [4]

إنّ الله سبحانه يريد بنور الدين إصلاح شؤون العقل العملي، من إرادة ونيّة وإخلاص وعبادة وغيرها. والغاية من تشريع الاعتكاف أن يصبح الإنسان ذا طبع ملكوتي؛ إذ هو في أيام الاعتكاف ضيفٌ على مَن قال: «إن أردتَ القرب مني، فلتكن مَلَكاً في سيرتك».

ولهذا كان من أبرز أعمال تشريع الاعتكاف الصوم، وهو عمل إلهي. وقد قال الفقهاء الكبار، كالمحقق صاحب الجواهر، ومن بعده المرحوم السيد محمد كاظم اليزدي، في باب الصوم المستحب: «يكفي في فضل الصيام أنّ الإنسان يصير بالصوم شبيهاً بالملائكة».[5]

ويصف القرآن الملائكة بقوله: «وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ».[6] وكذلك الإمام علي بن محمد الهادي (ع) في الزيارة الجامعة وصف أهل البيت (ع) بهذه الخصوصية.[7]

فالملائكة وأهل البيت (ع) قدوةٌ للبشر، وسائر الناس مدعوون إلى التحلّي بأخلاقهم. وهذا المقام ـ مقام التخلّق بصفات الملائكة ـ يُنال من خلال تشريع الاعتكاف، ولا سيّما بالنسبة إلى جيل الشباب، لما يتميّز به من استعدادٍ لتلقّي معارف أهل البيت (ع)، وقابليةٍ أكبر للتحوّل والتغيير.

بلوغ غاية العبادة في الاعتكاف

وبعد أن تبيّن أنّ سرّ بعثة الأنبياء (ع) هو الدعوة إلى معرفة الله وتحرير العباد من ظلمات الوثنية وعبودية الشيطان، يطرح السؤال: ما الهدف من عبادة الله؟

إنّ القرآن الكريم يعتبر العبادة غاية الخلق، إذ يقول: « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ».[8] غير أنّ هذه الغاية ليست نهائية، بل هي وسيلة للوصول إلى التقوى، حيث يقول تعالى: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[9]

غير أنّ التقوى نفسها ليست الغاية الأخيرة، بل هي بدورها وسيلة لتحقيق غايات أسمى، إذ هي خير زادٍ للوصول إلى الفلاح: « وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ »[10]، «وَاتَّقوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحون».[11] ومن المعلوم أنّ الزاد وسيلة إلى الغاية وليس غايةً بذاته.

والفلاح مراتب، أعلاها لقاء الله سبحانه. فالتقوى العليا هي الإخلاص في العبادة، أي عبادة الأحرار الذين يعبدون الله لا خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة، بل شوقاً إلى لقائه. وليس كلّ المتقين يبلغون هذه الهمّة العالية، فقد قال تعالى: «فَمَن كانَ يَرجوا لِقاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلاً صالِحًا وَلا يُشرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.»[12]

وعليه، فالعبادة سبيل إلى التقوى، والتقوى زادٌ ووسيلة للفلاح ولقاء الله. فهي من جهة هدف للعبادة، ومن جهة أخرى مقدّمة لإصلاح العابد. ولذلك، فإنّ من لم يعبد الله لم ينل التقوى، ومن لم ينل التقوى لم يقبل الله منه عملاً، كما قال تعالى: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقين. »[13] ومن ثمّ فإنّ مثل هذا الإنسان لا يملك زاداً يقوده إلى الفلاح النهائي ولقاء المعبود.

إذ إنّ أصل قبول العمل يختلف عن كمال قبوله؛ فشرط قبول كلّ عمل هو التقوى في نفس ذلك العمل، ولو لم تُراعَ في سائر الأعمال. غير أنّ من أراد بلوغ كمال القبول، فلا بدّ له من التحلّي بملكة التقوى الشاملة، ومن الوسائل المساعدة على ذلك تشريع الاعتكاف.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الغاية من تشريع الاعتكاف هي إيصال العباد إلى مقام التقوى، الذي هو زاد لقاء الله، كما أنّ هذا الهدف الجامع حاضرٌ في سائر العبادات، ومن بينها العبادات التي يضمّها تشريع الاعتكاف كالصوم والصلاة والمكث في المسجد وذكر الله، حيث يقول تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقون[14]

ويصف الله سبحانه المؤمنين بأنّهم أهل الفلاح، مستشهداً بخشوعهم في الصلاة وحفاظهم عليها، إذ يقول: « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾‏ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾‏ … وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾‏ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾‏ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»[15]

النتجة

إنّ الهدف من تشريع الاعتكاف هو الاقتراب من غاية الخلق، وقد بيّن القرآن الكريم أنّ غاية الخلق هي عبادة الله تعالى. والاعتكاف بدوره ميدانٌ لتهيئة العبد لعبادة المولى سبحانه. ونتيجة هذه العبادة أن يسلك الإنسان مدارج التقوى، ويسير في الطريق نحو الغاية العليا، وهي لقاء الله جلّ وعلا.

الهوامش

[1] عيون أخبار الرضا (عليه السلام)؛ ج2، ص103: «… عن الرضا (عليه السلام): فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَلِمَ تَعَبَّدَهُمْ؟ قِيلَ: لِئَلَّا يَكُونُوا نَاسِينَ لِذِكْرِهِ وَلَا تَارِكِينَ لِأَدَبِهِ وَلَا لَاهِينَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، إِذَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَقِوَامُهُمْ، فَلَوْ تُرِكُوا بِغَيْرِ تَعَبُّدٍ لَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ».

[2] سورة الحديد، الآية 16.

[3] نهج البلاغة، الخطبة 1، الفقرة 36.

[4] نهج البلاغة، الخطبة 147.

[5] يُنظر: جواهر الكلام؛ ج16، ص181؛ العروة الوثقى (للسيد كاظم اليزدي)؛ ج2، ص241. هذا الموضوع الدقيق ذكره أولاً صاحب الجواهر، ثم أدرجه السيد في العروة، ولكن هذا النقاش ليس موضوعاً فقهياً.

[6] سورة الأنبياء، الآيتان 26 – 27.

[7] البلد الأمين، ص298؛ مفاتيح الجنان (زیارة الجامعة الكبيرة): «عِبَادِهِ الْمُكْرَمِينَ الَّذِينَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون».

[8] سورة الذاريات، الآية 56.

[9] سورة البقرة، الآية 21.

[10] سورة البقرة، الآية 197.

[11] سورة البقرة، الآية 189؛ سورة آل عمران، الآية 200.

[12] سورة الكهف، الآية 110. كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «… لا نُريدُ مِنكَ غيرَكَ، لا نَعْبُدُكَ بالعِوَضِ والبَدَلِ كما يَعبُدُكَ الجاهِلونَ بِكَ، المَغيبونَ عنكَ» (تفسير الصافي؛ ج1، ص84). وبناءً على هذا، فإن الأبرار والأحرار الذين لديهم همّة عالية، في عبادتهم لا يطلبون جزاءً سوى لقاء المعبود.

[13] سورة المائدة، الآية 27.

[14] سورة البقرة، الآية 183.

[15] سورة المؤمنون، الآيات 1 – 11.

 

مصادر البحث   

  1. القرآن الكريم.
  2. أبو المجد مجدود بن آدم؛ ديوان الحكيم سنائي الغزنوي، تحقيق وإعداد: مدرس رضوي، الطبعة الخامسة، طهران: مطبوعات سنائي، 1380ه‍.ش.
  3. الشريف الرضي، محمد بن حسين؛ نهج البلاغة، الطبعة الثالثة، قم: قدس، 1383ه‍.ش.
  4. الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح: السيد مهدي حسيني لاجوردي، الطبعة الأولى، طهران: نشر جهان، 1378ه‍.ق.
  5. الطباطبائي الیزدي، السيد محمد كاظم؛ العروة الوثقى، الطبعة الأولى، بيروت: موسسة الأعلمي، 1409ه‍.ق.
  6. الفيض الكاشاني، محمد محسن؛ تفسير الصافي، تحقيق: حسين أعلمي، الطبعة الثانية، طهران: صدر، 1415ه‍.ق.
  7. القمي، عباس، مفاتيح الجنان.
  8. الكفعمي، إبراهيم بن علي؛ البلد الأمين والدرع الحصين، الطبعة الأولى، بيروت: موسسة الأعلمي للمطبوعات، 1418ه‍.ق.
  9. النجفي، محمد حسن؛ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق: عباس قوچاني، الطبعة السابعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

مصدر المقالة

على جناح تشريع الاعتكاف (بر بال تشريع الاعتكاف)؛ تحقيق وإعداد: حجج الإسلام يدالله مقدسي، والسيد كمال الدين عبادي، بإشراف آية الله جوادي الآملي، قم: مركز الإسراء للنشر، ص51–59.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *