الموت هو عودةُ الفرع إلى أصله، وبدايةُ الصعود والارتقاء الروحي، لا الفناءُ والانعدامُ والاضمحلال. وقد ورد ذكر الموت وآثاره في الحياة في كلام أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة مرارًا كثيرة، حيث أُكِّد على فهم معنى الموت ومكانته في خُطَبه ورسائله المتعددة.
ما هو الموت؟
الموت تجربةٌ شخصية تنتهي بقطع جميع الروابط، ولا يستطيع من يخوض هذه التجربة أن ينقلها إلى غيره. وحقيقة هذه الكلمة تنطبق على الكائنات الحيّة كالإنسان والحيوان، وتُستعمل أحيانًا مجازًا في ما يفقد قيمته الجوهرية. ومن هنا فإن ذكر الموت يذكّر الإنسان بحقيقة الفناء بعد الوجود، كما يُقال في الفارسية عن الفناء بعد الوجود بمعنى العدم.[1]
وتُفهم من الأحاديث أوصافٌ متعدّدة للموت، منها أنّه جسرٌ للعبور، وخلعٌ للباسٍ وارتداءٌ لآخر، واستنشاقُ رائحةٍ زكيّة، وبشارةٌ بالنعيم الأبدي أو لدغةُ أفعى وعقرب وإنذارٌ بالعذاب الدائم، وهو سجنٌ للمؤمن وجنّةٌ للكافر، وشبيهٌ بنوم الليل، ووسيلةٌ للتصفية، وانتقالٌ من دارٍ إلى دار. وهذه المعاني كلّها تذكيرٌ بضرورة ذكر الموت والتأمّل في حقيقته.
جميع هذه المفاهيم من سنخ المعاني الوجودية، وتختلف باختلاف الأشخاص. ومن ثمّ فإن الاعتقاد بأن الإنسان بالفناء ينعدم ويُمحى خطأٌ محض. فمسيرة البشرية ماضية باستمرار، ولا تفنى في منتصف الطريق أبدًا. ومن هنا يبرز ذكر الموت ليذكّر الإنسان بحقيقة وجوده وفناءه الشخصي ضمن استمرار الحياة والبشرية.
حقيقة الموت من منظور الإمام علي (ع)
ذات يوم رأى أمير المؤمنين (ع) رجلًا يضحك في تشييع جنازة، فقال: «كأنّ المَوتَ فيها على غَيرِنا كُتِبَ ، و كأنّ الحَقَّ فيها على غَيرِنا وَجَبَ، و كأنّ الّذي نَرى من الأمواتِ سَفْرٌ عمّا قَليلٍ إلَينا راجِعونَ، نُبَوّئُهُم أجداثَهُم و نأكُلُ تُراثَهُم كأنّا مُخَلَّدونَ بَعدَهُم ، ثُمّ قد نَسِينا كُلَّ واعِظٍ و واعِظَةٍ»[2].
إنّ حياة الدنيا سلعةٌ تخدع الإنسان، أو رأس مال المغرورين؛ أمّا من كان له عقل راجح وفهم صحيح، فإنّه يعلم أنّ هذه الحياة فانية لا بقاء لها، فلا يُفتن بها، ولا يعدّها ذخيرة أو اعتبارًا يعتمد عليه.[3] ولذلك يقول الإمام علي (ع) في إحدى خطبه موجّهًا كلامه للمجاهدين:
«إِنَّ الْمَوْتَ طَالِبٌ حَثِيثٌ، لَا يَفُوتُهُ الْمُقِيمُ وَ لَا يُعْجِزُهُ الْهَارِبُ. إِنَّ أَكْرَمَ الْمَوْتِ الْقَتْلُ»؛[4]
ومن هنا نجد أنّ الإمام (ع) قد عرض حقيقة الموت للمقاتلين كما هي، وأراد أن يذكّرهم بأنّه لا مهرب لأيّ بشر من قبضة الموت، وأنّه يأتي للإنسان أينما كان وحيثما وجد؛ فالأجدر به أن يختار نوع موته بنفسه، وأن ينتقي أجلّ وأكمل صوره، وهي الشهادة في سبيل الله، بدل أن ينتظر الموت وهو قابع في زوايا الترف والدَّعة، ليصير في النهاية صيدًا ذليلًا كمن لاذ بجحره، وهذا تذكيرٌ بضرورة ذكر الموت دائمًا والاستعداد له.[5]
كما تحدّث الإمام علي (ع) عن سريان ملك الموت في كلّ مكان، مع عجز الناس عن إدراك حضوره وإحساس وجوده، فقال:
«هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلًا، أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؟ أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا، أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا، أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا؟».[6]
أي هل تدركونه إذا دخل منزلًا ليقبض روحًا؟ وهل تبصرونه ساعة يقبض نفسًا؟ بل أعجب من ذلك: كيف يقبض روح الجنين في بطن أمّه؟ أيدخل عليه من بعض أعضائها؟ أم أنّ الروح تستجيب لنداء الملك بإذن ربّها فتغادره؟ أم أنّه ملازم له في أحشائها؟
إنّ روح الإنسان تُفارق الجسد بفعل ملك الموت، كما أكدت آيات عديدة من القرآن الكريم. ونحن لا نعرف شيئًا عن دخول الملك لقبض الروح، ولا عن خروجها بعد قبضها، ولا نراه وهو في حال عمله، مع أنّه مخلوق من مخلوقات الله، والملائكة أمثاله كثيرون، لكنّنا لا نُدركهم ولا نبصرهم. ومن هنا تأتي أهمية ذكر الموت لتذكير الإنسان بحقيقة الفناء وفصل الروح عن الجسد.
آثار ذكر الموت من منظور نهج البلاغة
نظرًا إلى الأهمية والضرورة البالغة لذكر الموت، فقد دعا الإمام علي (ع) أبناءه وأصحابه إليه في مواعظه البليغة، كما أوصى ولده الحسن (ع) قائلًا:
«يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَك»[7].
1. إزالة الغفلة وتعميق الوعي
من جملة آثار تذكّر الموت: التحرر من الغفلة واليقظة تجاه الحقائق المهمة التي تحيط بنا. في الواقع، نحن البشر نخشى تذكّر الموت وننخدع بالدنيا وننشغل باللعب، بينما نحن مخلوقون للآخرة، ولكننا نحب هذه الدنيا التي نحن فيها. لا ينبغي أن ننسى أبدًا أن حياتنا هي أنفاس معدودة، وبمرور نَفَس، يُنتَقَص جزء منها، ونقترب خطوة من الموت.
يقول الإمام علي (ع) في هذا الشأن: «أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِکْرُ الْمَوْتِ»[8]؛ أي إنّ ذكر الموت ليمنعني من اللهو والأعمال الباطلة.
إني أرى الموت نصب عيني دائمًا؛ لأنه قانون يسري على جميع الخلائق، ولم يُحدَّد له تاريخ، ولا استثناء فيه. كما أعلم أن الموت هو نهاية كل الانشغالات، ولن أنساه أبدًا، وأنا أتذكره صباحًا ومساءً.[9]
تذكّروا الموت الذي لن يُبْقِي لكم شيئًا؛ إذ يختطفكم ويذهب بكم. واستعيذوا بالله من الوقوع في القبيح والسيئات، واطلبوا منه الهداية، وكونوا منقادين لأمره في القول والفعل، واشكروا نعمه التي لا تنتهي، فهو وحده الهادي والواهب والمنجي.[10]
يقول الإمام علي (ع): «أَلَا فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اللَّذَّاتِ وَ مُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ وَ قَاطِعَ الْأُمْنِيَّاتِ عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ»؛[11]”
- مُنَغِّص من مادة “نغص” (على وزن نقص) تعني ما يَسُوء ويَكْدُر، وكذلك تعني غَصَص الماء في الحلق، ثم أُطلِقت على الحياة المكدّرة والمزعجة وما شابهها.
- المُسَاوَرَة من مادة “سَوَرَ” (على وزن غور) تعني الوثب على الشيء والهجوم عليه. وتُستخدم هذه الكلمة أيضًا لمن يغضب. واستخدامها في الجملة أعلاه يعود إلى أن أصحاب الهوى لا يبالون حين يقدمون على الأعمال القبيحة، ويهجمون عليها كالوحش الكاسر الذي يثب على فريسته.
يشير الإمام (ع) إلى أن تذكّر الموت من العوامل المهمة جدًا لإيقاظ البشر، ويذكره بثلاثة عناوين:
أولًا هادم اللذات: ذلك أن كثيرًا من الناس يتكبّدون العناء طوال حياتهم ليوفّروا وسائل العيش والترف واللذائذ من كل النواحي، ويكون ذلك تحديدًا وقت ظهور علامات الموت في صور الأمراض المتنوعة. كما شوهد مرارًا أن مجالس الأنس والبهجة تنقلب في لحظة واحدة إلى مأتم بحدوث طارئ، ومن العجيب أنه لا يوجد أي ضمان لأحد ضد هذه المخاطر.
ثانيًا مُنَغِّص الشهوات (المُغَصِّص لها): ذلك أن الموت، وهو الموت الذي لا تاريخ ولا زمان معين له، ولا يمكن التنبؤ به بأي حال، يمكن أن يضغط على حنجرة الإنسان في اللحظة التي يرتشف فيها جرعة الشهوات والملذات، ويضع حدًا لكل شيء.
ثالثًا قاطع الأمنيات: ذلك أن آمال الإنسان واسعة النطاق لدرجة أنها لا تنتهي أبدًا، بل قد تزداد اتساعًا بمرور العمر، كالظلال التي تمتد عند قرب غروب الشمس، والشيء الوحيد الذي يقطع الآمال هو الموت.
هذه التعبيرات قوية ومُنذِرة لدرجة أنها تؤثر في أي شخص. ومن الجدير بالذكر أنه (ع) يقول: اذكروا الموت حين تسارعون إلى الأعمال القبيحة؛ وكما تشير كلمة “المساورة” في كلام الأمير (ع) إلى أن القبائح تتمتّع بزخرف وبريق، ويزينها الهوى، فيقدم عليها الإنسان كالحيوان المفترس الذي يهجم ويَثِب على صيده. وفي هذه اللحظة، يمكن أن يكون تذكّر الموت عاملًا رادعًا.[12]
2. زهد وعدم الرغبة في الدنيا
إن الغفلة عن الموت تُظهِر الدنيا في نظر الإنسان جميلة وذات قيمة، فتجعله شديد العشق والوله بها؛ بحيث تحرم عقله من إدراك حقيقة الموت. والإنسان الغافل لا يدّخر جهدًا ولا يفتُر عن السعي للوصول إلى مُتطلباته النفسانية. في حين أن تذكّر الموت يزيل حبّ الدنيا، ويدعو المرء إلى الكفاف والعفاف، ويمنعه من الاستفادة المُفرِطة من النِعَم، ويوجّه مَسرّات الإنسان إلى ما هو غير الدنيا.[13]
يقول الإمام علي (ع) في هذا الشأن: «مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ»؛[14].
3. الاستعداد للموت والحياة الأبدية
الجميع يعلم أن حياة الإنسان لم يُحدَّد لها تاريخ معين على نحو ظاهر، وأنه قد يغمض عينه عن الدنيا في أي لحظة بسبب حوادث خارجية فردية أو إجتماعية، أو حوادث داخلية (كالأمراض المفاجئة). ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس يعلمون هذه الحقيقة ويشاهدونها، ولكنهم غافلون عنها. أحيانًا يشاركون في مجالس تأبين أعزائهم الراحلين، فيستغرقون في التفكير وربما يتخذون قرارات للاستعداد لهذه الرحلة، ولكنهم ينسون ذكر الموت بمجرد مغادرة المجلس.
يقول الإمام علي (ع) في هذا الصدد لابنه الإمام الحسن (ع): «يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ … حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَك»؛[15] ولا يأتيك بغتة فيَبهَرَك أي: فيغلبك ويدهشك.
وكما نرى، يحذّر الإمام (ع) ابنه في هذه الوصية ويؤكد عليه أن يتذكّر الموت ويستعد لاستقباله، وألا ينخدع بأعمال محبي الدنيا. كما يؤكد (ع) على أن لا ينسى هذه الحقيقة الموضوعية والقطعية، وأن يستعد لاستقبال الموت، ويخاف من أن يُباغَت ويُغمض عينه عن الدنيا دون استعداد.
إذًا، حين تتصوَّر جسدك الهامد عند الموت، يمتلئ قلبك بالخشوع والتواضع وتتوجّه إلى خالقك وتعمل وتجتهد للآخرة[16]، وهذا هو أفضل أثر ونتيجة لتذكّر الموت.
النتيجة
الموت هو مفارقة الروح للجسد، وهو مقابل الحياة. والنظر الدقيق إلى الموت والوعي بحقيقته يجعلنا لا نظنه فناءً وعدمًا، بل نعلم أن الموت هو جسر للعبور والوصول إلى الحياة الأخروية الأبدية، وأن الحياة الدنيوية قد نُظِّمت فقط لتدارك هذه السعادة الأخروية. إن دراسة وبيان الوعي بالموت وآثاره في الحياة من منظور نهج البلاغة تُظهر أن إزالة الغفلة وتعميق الوعي، والزهد وعدم الرغبة في الدنيا، والاستعداد للموت والحياة الأبدية، هي من جملة آثار تذكّر الموت في الحياة.
الهوامش
[1] حسینی دشتی، معارف و معاریف، ج5، ص293.
[2] عروسی حویزی، تفسیر نورالثقلین، ج3، ص428.
[3] مدرسی، ترجمة تفسیر هدایت، ج1، ص667.
[4] شریف الرضی، نهج البلاغة، خطبة 123.
[5] جعفری، پرتویی از نهج البلاغة، ج2، ص292.
[6] شریف الرضی، نهج البلاغة، خطبة 112.
[7] شریف الرضی، نهج البلاغة، رسالة 31.
[8] شریف الرضی، نهج البلاغة، خطبة 84.
[9] جعفری، پرتویی من نهج البلاغة، ج2، ص75.
[10] مغنیه، في ظلال “سایه سار” نهج البلاغة، ج2، ص428.
[11] شریف الرضی، نهج البلاغة، خطبة 99.
[12] مکارم شیرازی، رسالة امام امیر المومنین علیه السلام، ج4، ص351-349.
[13] الألماسي، الذِّكر من منظور القرآن والسنّة، ص185.
[14] شریف الرضی، نهج البلاغm، حکمت 349.
[15] شریف الرضی، نهج البلاغة، رسالة 31.
[16] مغنیه، في ظلال “سایه سار” نهج البلاغة،ج5، ص234.
مصادر البحث
-
الألماسي، علي، الذِّكر من منظور القرآن والسنّة، قم، منشورات شكوري، 1384هـ.
-
الجعفري، محمد مهدي، إشراقة من نهج البلاغة، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1380هـ.
-
الحسيني الدشتي، مصطفى، المعارف والمعاريف (الموسوعة الإسلامية الجامعة)، طهران، المؤسسة الثقافية للزخرفة، 1385هـ.
-
الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح، قم، دار الهجرة، 1414هـ.
-
العروسي الحويزي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، قم، منشورات الإسماعيليان، 1415هـ.
-
المدرّسي، محمد تقي، ترجمة تفسير الهداية، ترجمة: أحمد آرام، مشهد، منشورات مؤسسة البحوث الإسلامية للعتبة الرضوية المقدسة، 1377هـ.
-
المغنية، محمد جواد، في ظلال نهج البلاغة، قم، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، 1387هـ.
-
المكارم الشيرازي، ناصر، رسالة الإمام أمير المؤمنين (ع)، طهران، منشورات دار الكتب الإسلامية، 1375هـ.
مصدر المقالة
شجاعي، سبيدة، تذكّر الموت وآثاره في الحياة من منظور نهج البلاغة (یاد مرگ و آثار آن در زندگی از منظر نهج البلاغه)، مجلة “آيين علوي” فصلية، العدد 1، 1400هـ ش، ص 96-106.