من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو أبو بكر ابن أبي قحافة، وسنتطرق باختصار إلى سيرته وما ورد عنه، ثم نتطرق الى الآيات القرآنية التي نزلت فيه، ثم نبيّن تخلّفه عن أمر النبي (ص)، وأخيرا احتجاج أمير المؤمنين عليه وعلى وعمر لما منعا فاطمة فدك بالكتاب والسنة.
سيرة أبو بكر ابن أبي قحافة
ورد في كتاب أعلام القرآن ما يلي: (هو أبو بكر عبد اللّه، وقيل: عبد الكعبة، وقيل: عتيق بن أبي قحافة، عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم القرشي، التّيميّ.
غلبت كنيته على اسمه فعرف بها، وأمه سلمى، وقيل: ليلى بنت صخر بن عامر، والعامة يلقبونه بالصديق. أحد صحابة النبي (ص)، وأول الخلفاء الراشدين على زعم من ينكر حديث غدير خم.
ولد أبو بكر ابن أبي قحافة بمكّة سنة 51 قبل الهجرة، ونشأ بها حتى أصبح من زعماء وأثرياء قريش في الجاهلية. أسلم وصحب النبي (ص) إلى غار حراء عند هجرته إلى المدينة المنورة، وشهد بدرا وأحدا وبعض المشاهد الأخرى.
تزوّج النبي (ص) من ابنته عائشة، وله روايات عن النبي (ص)، وروى عنه جماعة، أمثال عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. بعد وفاة النبي (ص) تصدّر أبو بكر ابن أبي قحافة لحكم المسلمين، وبدأت الفتوحات الإسلامية، فافتتحت في عهده بلاد الشام وأكثر العراق.
في أيام حكمه حدثت حوادث مؤلمة وفجائع رهيبة مذكورة في سجلاّت التأريخ، منها: اغتصابه الخلافة من الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وانتزاع فدك من فاطمة الزهراء (س)، وهجوم القوم على دارها ومعهم الحطب يريدون حرقه، ثم دخولهم الدار وترويعهم الزهراء (س) وضربها وإيلامها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها، ثم إلقاء القبض على الإمام أمير المؤمنين (ع) وأخذه إلى مسجد النبي (ص) بصورة مهينة؛ لأخذ البيعة منه للمترجم له، وكلّ ذلك جرى على مرأى ومسمع من أبي بكر.
للإمام أمير المؤمنين (ع) ولفاطمة الزهراء (س) خطب وكلمات تضع النقاط على الحروف، وتبيّن شخصية المترجم له من جميع جوانبها.
من المسلّم به لدى الفرق الإسلامية أن رسول اللّه (ص) قال في حق ابنته فاطمة الزهراء (س): «إنّ اللّه يغضب لغضبها ويرضى لرضاها» ومن المؤكّد تأريخيا أن أبا بكر وعمرو بن الخطاب أغضباها فهجرتهما ولم تكلّمهما حتى ماتت. ولد له عبد اللّه وعبد الرحمن ومحمد وبنت أخرى غير عائشة كانت تدعى: أسماء؛ وتعرف بذات النطاقين، تزوّجها الزبير بن العوام، فأنجبت له عبد اللّه بن الزبير.
لما حضره الموت أوصى إلى عمر بن الخطاب ليقوم مقامه في الحكم، وبعد أن بلغ أبو بكر ابن أبي قحافة من العمر 63 سنة وحكم سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال مات بالمدينة المنوّرة في الثالث والعشرين من جمادى الثانية سنة 13 ه، وصلّى عليه عمر، ودفن أبو بكر ابن أبي قحافة في المدينة.
القرآن وأبو بكر ابن أبي قحافة
نزلت فيه قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّٰاسِ واللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[1].
وشمله قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعٰاساً يَغْشىٰ طٰائِفَةً مِنْكُمْ…[2].
أقسم أن لا يورّث ابنه، فلما أسلم ابنه نزلت الآية الكريمة تأمره بأن لا يمنعه من الإرث: ولِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ والْأَقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمٰانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ[3]….
في أحد الأيام سبّه شخص في مكّة وقذفه بفاحش القول، فأجابه أبو بكر على سبّه وقذفه، فنزلت فيه قوله تعالى: لاٰ يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّٰ مَنْ ظُلِمَ[4]….
ونزلت فيه أيضا: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ[5]….
وكذلك شمله قوله عز وجل: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ ولاٰ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ[6].
لمّا أسلم أبو بكر ابن أبي قحافة وأصرّ أبو جهل على شركه وكفره نزلت فيهما الآية الكريمة: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللّٰهَ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ[7]….
في أحد الأيام تشاجر هو وعمر بن الخطاب في حضرة النبيّ (ص)، واشتدّ الجدال بينهما حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت فيهما الآية المباركة: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وأَنْتُمْ لاٰ تَشْعُرُونَ[8].
ونزلت فيه الآية الكريمة: ومٰا لَكُمْ أَلاّٰ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ولِلّٰهِ مِيرٰاثُ السَّمٰاوٰاتِ والْأَرْضِ…[9])[10]، وللمزيد انظر[11].
تخلف أبي بكر عن امر النبي (ص)
جاء في كتاب (أبو بكر ابن أبي قحافة) ما يلي: (تخلف أبي بكر عن امر النبي (ص) ومثله عمر، اخرج جماعة من الاعلام منهم الإمام أحمد بن حنبل من مسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: إن ابا بكر جاء رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله: إني مررت بوادي كذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي فقال له النبي (ص): اذهب إليه فاقتله، قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحال كره ان يقتله، فرجع إلى رسول الله (ص) قال فقال النبي (ص) لعمر: اذهب فاقتله.
فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر عليها قال: فكره ان يقتله. فأمر عليا بقتله فذهب ولم يره فقال النبي (ص): إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية)[12]. كما اخرج أبو يعلى في مسنده.
وهكذا جاء في إصابة ابن حجر في ترجمة ذي الثدية، عن انس ان رجلا في عهد رسول الله كان يعجبنا تعبده واجتهاده ذكرناه لرسول الله (ص) باسمه فلم يعرفه فوصفناه بصفته فلم يعرفه فبينا نحن نذكره إذ طلع الرجل، قلنا هو هذا، قال إنكم لتخبروني عن رجل ان في وجهه لعفة من الشيطان فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم فقال له (ص): أنشدك الله هل قلت حين وقفت على المجلس ما في القوم أحد أفضل مني. قال اللهم نعم، ثم دخل يصلي فقال (ص): من يقتل الرجل، كما مر أعلاه. امتنع أبو بكر وعمر عن قتله ولم يدركه علي.
وورد في العقد الفريد أن هذا لأول قرن يطلع في أمتي لو قتلتموه ما اختلف بعده اثنان. إن بني إسرائيل افترقت اثنتين وسبعين فرقة وان هذه الأمة ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة (وفي حساب أبجد فرقة وشيعة متساويان وهي 385).
قيل إن الرجل الذي أمر (ص) بقتله، انما هو ذو الخويصرة التميمي رئيس الخوارج وهو الذي اعترض على رسول الله لما قسم غنائم خيبر وقال: ما عدلت.
فغضب رسول الله (ص) وقال: ويحك! فمن يعدل إن لم أعدل؟ وقد عدها الشهرستاني في ملله أول شبهة وقعت في الأمة الاسلامية، ثم ثنى بمنع عمر عن وصيته (ص)، ثم ثلث بتخلفه وتخلف صاحبيه عن جيش أسامة، ثم ربع بإنكار عمر موته.
وقد كان لابي بكر وعمر السهم الأعظم في الركن الأول لامتناعهما عن قتله وتركاه ليقوم بالتفرقة بين المسلمين ومروقهم عن الاسلام. وإذا قال الرجل لرسول الله ما عدلت في الأموال، فعملهم لرسول الله بعدم قتل الرجل إنما هو قولهم له ما عدلت في قتله، لأن الخطأ في الدماء أعظم من الخطأ في الأموال)[13].
احتجاج أمير المؤمنين على أبي بكر وعمر لما منعا فاطمة فدك بالكتاب والسنة
ورد في كتاب الاحتجاج ما يلي: (عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) قال: لما بويع أبو بكر واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة (س) بنت رسول الله منها، فجاءت فاطمة الزهراء (س) إلى أبي بكر ثم قالت: لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله (ص) وأخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول الله (ص) بأمر الله تعالى؟
فقال: هاتي على ذلك بشهود. فجاءت بأم أيمن، فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا أبا بكر حتى احتج عليك بما قال رسول الله (ص)، أنشدك بالله ألست تعلم أن رسول الله (ص) قال ” أم أيمن امرأة من أهل الجنة فقال: بلى. قالت: فأشهد: أن الله عز وجل أوحى إلى رسول الله (ص) “وآت ذا القربى حقه” فجعل فدكا لها طعمة بأمر الله.
فجاء علي (ع) فشهد: بمثل ذلك فكتب لها كتابا ودفعه إليها، فدخل عمر فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمة (س) ادعت في فدك، وشهدت لها أم أيمن وعلي (ع)، فكتبته لها، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزقه فخرجت فاطمة (س) تبكي، فلما كان بعد ذلك جاء علي (ع) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار فقال:
يا أبا بكر لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله (ص)؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) فقال أبو بكر: هذا فيئ للمسلمين، فإن أقامت شهودا أن رسول الله جعله لها وإلا فلا حق لها فيه، فقال أمير المؤمنين (ع): يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين. قال: لا. قال: فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه، ثم ادعيت أنا فيه من تسأل البينة؟ قال: إياك أسأل البينة، قال: فما بال فاطمة سئلتها البينة على ما في يديها؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده، ولم تسئل المسلمين بينة على ما ادعوها شهودا، كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟[14] فسكت أبو بكر.
فقال عمر: يا علي دعنا من كلامك. فإنا لا نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلا فهو فيء للمسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه، فقال أمير المؤمنين (ع): يا أبا بكر تقرء كتاب الله؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن قول الله عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) فيمن نزلت فينا أم في غيرنا؟
قال: بل فيكم، قال: فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول الله (ص) بفاحشة ما كنت صانعا بها؟ قال: كنت أقيم عليها الحد، كما أقيمه على نساء المسلمين، قال: إذن كنت عند الله من الكافرين، قال: ولم قال: لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله، أن جعل لها فدكا قد قبضته في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدكا، وزعمت أنه فيء للمسلمين.
وقد قال رسول الله (ص): البينة على المدعي: واليمين على المدعى عليه، فرددت قول: رسول الله (ص): البينة على من أدعى، واليمين على من ادعي عليه، قال: فدمدم الناس وأنكروا، ونظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: صدق والله علي بن أبي طالب (ع)، ورجع إلى منزله)[15].
الاستنتاج
أن المقالة تبين سيرة أبو بكر ابن أبي قحافة، كما تذكر بعض الآيات القرآنية النازلة فيه كآيات الإرث والجهر بالقول. وتتطرق الى تخلفه عن أمر رسول الله (ص)، كما تتطرق الى جوانب من حياته كاغتصاب الخلافة وفدك، والاعتداء على بيت فاطمة (س) وإسقاطها جنينها، وأخيرا تذكر احتجاج أمير المؤمنين علي (ع) عليه وعلى عمر من منعهما فاطمة الزهراء من التصرف بفدك.
الهوامش
[1] البقرة: 224.
[2] آل عمران: 154.
[3] النساء: 33.
[4] النساء: 148.
[5] المائدة: 54.
[6] المائدة: 87.
[7] فاطر: 8.
[8] الحجرات: 2.
[9] الحديد: 10.
[10] الشبستري، أعلام القرآن، ص45.
[11] الآثار الباقية، ص 274؛ أسباب النزول، للواحدي، ص342؛ اسد الغابة، ج3، ص205 وج5، ص150؛ الاصابة، ج2، ص341؛ الأعلام، ج4، ص102؛ امالي الطوسي، ج3، ص81؛ الأنباء في تاريخ الخلفاء، ص7؛ البدء والتاريخ، ج5، ص66، وص 76، وص151؛ البداية و النهاية، ج6، ص305، وج7، ص2.
[12] ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج3، ص15.
[13] الخليلي، أبو بكر ابن أبي قحافة، ص221.
[14] إذ أنها (س) كانت صاحبة اليد والمسلمون يمثلون دور المدعي.
[15] الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص119.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الأُولى، 1416 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
1ـ الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.
2ـ الخليلي، علي، أبو بكر ابن أبي قحافة، بلا تاريخ.
3ـ الطبرسي، أحمد، الاحتجاج، النجف، دار النعمان، طبعة 1386 ه.