مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الأساسية في الإسلام، ولتنفيذ هذه المسؤولية بفعالية، يمكن تقسيمها إلى مرحلتين: الوقائية والعلاجية. في المرحلة الوقائية، يتم التركيز على تفنيد العقائد الخاطئة، مع إبعاد الناس عن السلوك الجاهلي وتدريبهم على اتباع السلوك الإسلامي. أما في المرحلة العلاجية، فتتضمن معالجة الممارسات المنحرفة بعد وقوعها، من خلال أساليب متنوعة تبدأ بإظهار الكراهية للمنكر وتنتهي بالتهديد والتخويف.
مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المرحلية سنة تاريخية أودعها الله تعالى في الكون والحياة والمجتمع، فكل أمر وظاهرة لا تتم إلا عن طريق المراحل، والتدرج في النشوء، والتكوين، والترعرع، والاستمرار في الوجود باتجاه السمو والارتقاء.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخضع لهذه السنة، فقد قام بأدائه الأنبياء والمرسلون على مراحل من حيث اللين والشدة، والاندفاع والانكماش، والأساليب والوسائل.
وتختلف مظاهر المرحلية باختلاف الظروف التي يعيشها المجتمع من حيث درجات القرب والبعد عن المفاهيم والقيم الاسلامية وباختلاف الامكانيات والطاقات التي تملكها الأمة والجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وباختلاف المؤهلات التي يتصف بها المنضوون تحت لوائها، وطبيعة الانحراف الذي تواجهه، وخصائص المخالفين والمعارضين – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كما ونوعا، إضافة إلى الزمن المستغرق في أداء التكليف للوصول إلى الهدف.
وسنستعرض مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن مجموعتين هما:
أولا: المراحل الوقائية
من مراحل الأمر بالمعروف هي المرحلة الوقائية التي يتم العمل بها ابتداء، بدعوة غير المسلمين إلى الاسلام، أو دعوة المسلمين إلى التمسك بما آمنوا به من مفاهيم وقيم، ومن خلالها يتم تقرير مبادئ الاسلام في واقع الحياة بصورة عملية منظورة ومحسوسة عن طريق:
1- تفنيد أسس المفاهيم والعقائد الجاهلية: إن غريزة التدين من الغرائز المشتركة بين جميع الأجناس البشرية، وان الاهتمام بمعنى الاله وبما فوق الطبيعة هو (إحدى النزعات العالمية الخالدة للانسانية).
وتختلف مظاهر هذا التدين من انسان إلى آخر ومن مجتمع لآخر. ومن يؤمن بالخالق بالكيفية التي ورثها أو اقتبسها، فإنه يشعر بالانتماء، فيكون عقله وقلبه مشدودين لهذا الايمان وان كان خاطئا، ولهذا يصعب ابعاده عن إيمانه في الوهلة الأولى، وهو بحاجة إلى تفنيد تصوراته الخاطئة، ومتبنياته العقائدية الواهية، عن طريق الأدلة والبراهين والحجج، وتبيان نقاط الضعف في الأسس التي تقوم عليها، عن طريق اللفتات والاضاءات والاثارات التي تخاطب العقل لتوقظه.
وقد كانت سيرة الأنبياء والمرسلين والأئمة والصالحين قائمة على أساس تفنيد أسس المفاهيم والعقائد الباطلة، كالشرك بالله تعالى، والايمان بالأوهام والخرافات، وبالوجودات الوهمية المتحكمة في الكون. فإذا ثبت بطلانها، فإن الانسان سيتخلى عنها ان كان طالبا للحقيقة.
2- الحيلولة بين الناس ومعتقداتهم الباطلة: الاستئناس بالمعتقدات أمر طبيعي في داخل الشخصية الانسانية، حتى إن عواطف الانسان وأحاسيسه كلها تدور حول محور تلك المعتقدات التي يتبناها، وبذلك يتم الاستقرار داخل النفس بوحدة الأفكار والعواطف والممارسات.
وتزداد الألفة والانس بمرور الوقت، وخصوصا إذا أصبح الامر جزءا من التراث ومن معتقدات الأسلاف.
قال تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا…)[1].
وتزداد كلما كان المتبني لها من الشخصيات المؤثرة في نفوس الناس، كالرؤساء والقادة والابطال، وتزداد أيضا كلما وجد الانسان أن جمهورا غفيرا من الناس يتبنى نفس معتقداته تأثرا بالعقل الجمعي.
وإذا أطبق الانس على عاطفته، فإنه سيغلق منافذ الهداية، وفي هذه الحالة فان المرحلة الثانية لا بد أن تنحصر بكسر هذا الانس، وتحطيم الأواصر المألوفة بين الانسان ومعتقداته الباطلة.
ويتم كسر الألفة والانس عن طريق استخدام وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل على ابعاد الانسان عن المحيط الذي ألفه، بإحاطته بمجموعة من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ليتأثر بما يسمى بالعقل الجمعي المحيط به. فإذا آمن بخطأ معتقداته السابقة، فإن كسر الألفة والانس بها سيكون أسهل.
3- تحطيم الحواجز النفسية بين الناس والعقيدة الاسلامية: حينما يؤمن الانسان بعقيدة جاهلية أو منحرفة ويأنس إليها ويألفها، فإن ذلك يؤدي إلى أن تشكل هذه العقيدة حاجزا نفسيا بينه وبين غيرها، وهو أمر طبيعي، خاصة إذا كانت تحقق رغباته وشهواته.
فعلى المكلف بتحمل مسؤولية الهداية أن يحطم هذه الحواجز النفسية عن طريق التدرج في الحجة والبرهان، والتدرج في التلقين، وزرع الايمان في قلب ذلك الانسان الذي يراد هدايته، عن طريق الشواهد الحسية، ثم تبيان مظاهر التوحيد، وتحريك العقل للايمان بان لطف الله تعالى يتجسد ببعثة الأنبياء، ليؤمن بالنبي الخاتم (ص)، إيمانا حقيقيا من حيث العصمة والتسديد الإلهي، ثم يتم التدرج في اقناعه بضرورة الإمامة في كل زمان، مصحوبا كل ذلك بتركيز البعث والنشور والايمان باليوم الآخر، وبالتدريج تتحطم الحواجز النفسية بينه وبين العقيدة الاسلامية، فيتقبل ما يقال له بأسلوب شيق وجذاب.
وخير أسلوب على هذا التحطيم هو أسلوب الترغيب والترهيب بالجنة والنار، وبابراز نماذج من الشخصيات التي سعدت واستقرت نفسيا، لايمانها بالله تعالى وبالعقيدة الاسلامية.
4 – إبعاد الناس عن السلوك الجاهلي: السلوك تتحكم به الأفكار والعواطف، فإذا آمن الانسان بخطأ أفكاره ومعتقداته، وانكسرت الألفة معها، وتحطمت الحواجز النفسية بينه وبين العقيدة السليمة، عندها يسهل إبعاده عن السلوك الجاهلي، لأنه سيتبع ما تمليه عليه عقيدته الجديدة وعواطفه اتجاهها. وقد حفلت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة بالأوامر والنواهي الهادية للانسان في سلوكه وممارساته العملية ، فقد بينت الآثار السلبية للسلوك الجاهلي كالكذب والغيبة والبهتان والتنابز بالألقاب، وبينت مضار الخمر والزنا، ومضار التقاطع والتدابر، ثم زرعت الخوف من العقاب الإلهي في الدنيا والآخرة في نفوس الناس، وقصت عليهم قصص الغابرين الذين تعرضوا له.
وأبرز القرآن الكريم والأحاديث الشريفة نماذج من الشخصيات التي يمكن الاقتداء بها في السلوك والخلق الرفيع.
وينبغي على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ان يوجه الناس طبقا للارشادات والتعاليم القرآنية، وتعاليم رسول الله (ص) وأهل بيته (ع)، وان يوضح لهم آثار الانحراف السلوكي على الفرد والمجتمع الذي يبتعد عن الاسلام، حيث الأمراض البدنية والروحية، من اضطراب وبلبلة وفقدان الاستقرار والاطمئنان والسعادة، وخصوصا في البلدان الغربية.
وإذا عرف الانسان مضرة السلوك الجاهلي، وابتعد عنه فإنه سيتوجه إلى الالتزام بالسلوك الاسلامي.
5- تمرين الناس على السلوك الاسلامي: السلوك الاسلامي يستدعي التحرر من ضغط الشهوات، وثقلة المطامع، وتهذيب العواطف والانفعالات، والابتعاد عن المثيرات والمغريات الخارجية التي تدعو إلى اشباع الشهوات والمطامع بأسلوب غير مشروع.
وهذه بدورها تحتاج إلى تمرين متدرج، ورياضة متسلسلة، لكي يكون السلوك الاسلامي جزءا من شخصية الانسان، ويتحقق ذلك عن طريق الدعوة لامتثال التكاليف كالصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر والداعية إلى السلوك الصالح، والصوم الذي يهذب الغريزة، والزكاة التي تزرع في القلب روح الايثار وحب الانفاق وهكذا في بقية التكاليف، والتي هي تكاليف هينة يسيرة، ثم التدرج لتحمل التكاليف الأكبر للوصول إلى السمو والكمال السلوكي.
الأجواء المساعدة في المرحلة الوقائية
إذا ترك الانسان لوحده فإنه قد تهجم عليه الشكوك، وتنتابه الهواجس، وتطغى عليه الغرائز، وتثيره المغريات، فهو بحاجة إلى أجواء فكرية وسلوكية تساعده على اصلاح وتغيير أفكاره وعواطفه وممارساته، ومن هذه الأجواء:
1- حلقات الذكر: هنالك تجمعات يذكر فيها اسم الله تعالى، وتسودها أجواء الايمان والتقوى، فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يشجع الآخرين على حضورها، أو يصطحبهم معه إليها.
وتتنوع حلقات الذكر بتنوع الظروف، كمجالس العلماء الأتقياء، ومجالس الصالحين، وجلسات الدرس، وجلسات حفظ القرآن وتلاوته، والجلسات الدوارة التي تنعقد في بيوت مختلفة.
ومنها مجالس العزاء على الإمام الحسين (ع)، ويلحق بها الاحتفالات والمهرجانات التي تقام على مدار السنة في الأعياد ومناسبات ولادة رسول الله (ص) والأئمة (ع)، ويوم المبعث النبوي، ويوم الغدير وغير ذلك.
2- ارتياد المساجد: المسجد من أهم الأجواء الايمانية التي لها دور كبير في اصلاح الانسان وتغييره.
قال أمير المؤمنين (ع): من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا في الله، أو علما مستطرفا، أو آية محكمة، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يسمع كلمة تدله على هدى، أو يترك ذنبا خشية أو حياء[2].
3- زيارة قبور الأنبياء والأئمة (ع) والصالحين: لزيارة قبور الأنبياء والأولياء المعصومين وعباد الله الصالحين تأثير واضح محسوس على الانسان، حيث يرتبط من خلالها بأرقى الشخصيات الاسلامية، ويندفع للاقتداء بها في أفكارها وعواطفها وسلوكها، ويستمد منها روح السمو والارتقاء، ويعاهدها على التقيد بسيرتها.
4- الجليس الصالح: من وصية رسول الله (ص) لأبي ذر الغفاري قال: الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء، واملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من املاء الشر[3].
ويلحق بهذه الأجواء المشاركة في السفرات الجماعية، والحضور في المكتبات الاسلامية العامة وأمثال ذلك.
ثانيا: المراحل العلاجية
من مراحل الأمر بالمعروف هي المراحل العملية المقارنة واللاحقة لوقوع الممارسات السلبية في الواقع الخارجي، وهي خطوات علاجية الهدف منها معالجة الواقع المنحرف، بإيقاف المنكر أو تطويقه وتحجيمه، لمنع استشرائه في العقول والقلوب والإرادة.
ويمكن تصنيفها إلى صنفين:
1- المراحل العلاجية المقارنة للتلبس بالمنكر
إن الله تعالى فتح للانسان أبواب الهداية من خلال البينات الظاهرة، والبراهين الواقعية، وانزل الكتاب لارشاده وتوجيهه إلى الاستقامة والاعتدال، ودعا إلى تكوين الأمة والجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، ووضع منهجا متكاملا لوقايته من الانحراف عن طريق غلق منافذه إلى النفس، ومعالجة الأسباب المؤدية إليه ، وتهيئة الأجواء لتهذيب السلوك والخلق، فإذا خالف الانسان جميع هذه المؤهلات، وانحرف عن الاستقامة في سلوكه غرورا منه أو استسلاما لشهواته وغرائزه، وارتكب المنكر بصورة علنية متحديا قيم المجتمع، فيجب على الآخرين ردعه وايقاف أو تحجيم انحرافه، وأول مراحل الردع هي التغيير باليد التي تعبر عن القوة، ثم باللسان، ثم بالقلب.
قال رسول الله (ص): من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان[4].
والتغيير باليد مقدم على غيره، لأنه يقتلع المنكر من جذوره ويمنع من استمراره الذي قد يضر بالمصلحة العامة وخصوصا ما يتعلق بالاعتداء على حقوق الآخرين، كالاعتداء على أرواحهم أو أعراضهم أو أموالهم، فلا يجوز التهاون به، والسكوت عنه ، وهو يتوقف على القدرة والطاقة التي يمتلكها الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر، التي تساعده على العمل الفوري في التغيير، ولذا فإن الحكمة من تكوين الأمة أو الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، هي تظافر الطاقات والجهود لإزالة المنكر الواقع، وردع المتلبس به.
وإذا عجزت الطاقات والجهود المتاحة من تغيير المنكر باليد، فتأتي مرحلة الانكار باللسان عن طريق تبيان أضرار المنكر، وتحقير فاعله، وترذيله وتقبيحه، وتخويفه من العواقب السيئة المترتبة على هذا المنكر، وتهديده وتخويفه من ردعه بالقوة أو تخويفه بالاستعانة بالغير لانزال العقاب الصارم به، أو تهديده بالمحاصرة الاقتصادية والاجتماعية، وكل كلام يساعد على ردعه.
وإذا عجز الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عن التغيير باللسان ينتقل إلى مرحلة التغيير بالقلب وهو الانكار والاشمئزاز وعدم الرضا بعمل المنكر، والتصميم على اعداد القوة البدنية والبيانية لتغييره في الظروف المؤاتية.
وملاك التكليف هو القدرة، وهي التي تحدد مراحل التغيير باليد واللسان والقلب، وقد تجتمع هذه المراحل لتنطلق في آن واحد تبعا لقدرة الافراد، فتستخدم اليد من قبل البعض واللسان من قبل البعض الآخر، والقلب من قبل البقية المتبقية.
قال رسول الله (ص): ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم انها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل[5].
ويجب استخدام القوة المناسبة للردع وتغيير المنكر، فالمنكرات الفردية التي يقوم بها الافراد، قد لا تحتاج إلى مزيد من القوة، أما المنكرات الجماعية التي يرتكبها جمع من الناس أو كتلة منهم، أو تقوم بها مؤسسات أو جمعيات تمتلك طاقات متنوعة اعلامية ومالية وبشرية، فإنها لا ترتدع إلا باستخدام القوة الموازية لها.
وتختلف القوة المستخدمة باختلاف نوعية المنكر المرتكب، من الناحية الفكرية والسلوكية، فهنالك منكر له تأثير ملحوظ على أصل الوجود الاسلامي كيانا وقيادة وافرادا، وهنالك منكر له تأثير على اضطراب المعتقدات وبلبلة الأفكار، وهنالك منكر له تأثير على أخلاق المجتمع بإفساده لافراده، ومن هنا شرع الله تعالى الجهاد لايقاف المنكر الأكبر الذي يستهدف القضاء على الوجود الاسلامي.
نماذج من السيرة النبوية
إن الموقف من المنكر بتغييره باليد أو اللسان أو القلب تحدده عدة عوامل:
الأول: الظروف.
الثاني: مصلحة الاسلام كعقيدة وتشريع.
الثالث: مصلحة المسلمين الآنية والمستقبلية.
ففي العهد المكي لم تكن الظروف مؤاتية لاستخدام القوة في القضاء على المنكر، ولا مصلحة في ذلك لأنها تؤدي إلى قتل رسول الله (ص) في ظرف لا يملك القوة اللازمة للقضاء على رؤوس الكفر أو ردعهم عن منكراتهم، فاكتفى (ص) بالتغيير باللسان.
وحينما هاجر إلى المدينة تغير الموقف حيث امتلك القوة اللازمة لخوض مهمة التغيير بقوة اليد، فاستخدمها (ص) لردع العدوان على الاسلام والمسلمين.
كما استخدم (ص) القوة لإزالة المنكرات الواقعية، فأمر بطرد بعض المنافقين من المسجد، وأمر باحراق منزل سويلم اليهودي لاجتماع المنافقين به، وأمر باحراق مسجد ضرار[6].
فالظروف والمصلحة الاسلامية هي التي تحدد الموقف العملي من تغيير المنكر، فقد يؤدي استخدام القوة أحيانا إلى إلحاق الضرر بالاسلام والمسلمين فلا يجب بل لا يجوز استخدامها، ويجب أن تؤجل إلى الظرف المناسب، وقد يؤدي التخلي عن استخدامها إلى الحاق الضرر بالاسلام والمسلمين، فيجب النهوض بها، كما هو الحال في تنوع مواقف أئمة أهل البيت (ع) من رؤوس المنكر وأجهزتهم الممتدة في المجتمع الاسلامي، بين هدنة وحركة ملحة، واعداد العدة للظرف المناسب.
2- المراحل العلاجية اللاحقة لوقوع المنكر
من مراحل الأمر بالمعروف هي اتخاذ الموقف من المرتكبين للمنكر، وتصنيفه أو توزيعه على مراحل، يعتمد على اكتشاف الواقع وإدراكه، وليس على وضع مراحل نظرية متدرجة، فالظرف والواقع الذي يعيشه المكلف ويعيشه المرتكب للمنكر، ونوعية المنكر كما ونوعا، ومن حيث التكرار وعدمه، كل ذلك له مدخلية في تحديد المراحل والخطوات.
وللوهلة الأولى تحدد هذه المراحل من خلال استقراء مسيرة المصلحين والمغيرين على طول التاريخ، والتي تكون قريبة من الواقع:
1- اظهار الكراهية والتعريف بالمنكر: اظهار الكراهية للمنكرات والموبقات المرتكبة يساهم في ردع المرتكب لها، أو على الأقل التستر بها كخطوة أولى، واظهار الكراهية يبدأ بالوجه ثم باللسان الكاشف عن الكراهية القلبية.
والتعريف بالمنكر غالبا ما يكون مقارنا في مقطعه الزمني لاظهار الكراهية، فهو تذكير لمن يعرفه، وتعليم لمن لا يعرفه ويرتكبه جهلا منه بحرمته.
قال تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره… * ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين...)[7].
ومن سيرة رسول الله (ص) انه كان يظهر كراهيته لبعض الممارسات الخاطئة، ويرتقي المنبر من أجل ذلك، فحينما بعث (ص) خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا لا مقاتلا، فلما وضعوا السلاح أمر بقتلهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله (ص) رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد[8].
2- الوعظ والنصح: بعد التعريف بالمنكر أو التذكير به يأتي دور الوعظ والنصح، فإن الموعظة والنصيحة لها تأثير ملموس على الانسان، لذا فإن الأنبياء والأئمة (ع) لم يتوقفوا عن ابداء المواعظ والنصائح لاتباعهم وللمخالفين لهم.
ويتم ذلك عن طريق التنبيه لمضار الانحراف الفكري والسلوكي وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع. والتنبيه إلى الرقابة الإلهية المحيطة بالانسان والعالمة بسكناته وحركاته، وما يسر وما يعلن. وتذكيره بالثواب والعقاب يوم القيامة، وتخويفه من غضب الله تعالى في دار الدنيا. وتذكيره بحقوق الله تعالى وحقوق الناس، وتوجيهه إلى الآثار الايجابية للاستغفار والتوبة والعودة إلى الاستقامة، وابداء المعونة له للتغلب على الأسباب التي تدفعه للانحراف، والمساهمة في معالجة المشاكل التي تواجهه.
وقد حفل القرآن الكريم وكتب السيرة بالمواعظ والنصائح للمنحرفين. وأفضل أسلوب في هذا المجال هو الترغيب والترهيب.
3- الزجر والتغليظ بالكلام: حينما يصر مرتكب المنكر على انحرافه، ولم تنفع معه المواعظ والنصائح المتكررة من قبل الفرد أو الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، فلا بد من استخدام الأساليب الرادعة له، والانتقال مع الأساليب من الأسهل إلى الأشد.
وكثيرا ما يكون الكلام اللاذع مؤثرا في ردع الانحراف، لأنه سيكون بمثابة المطرقة الموقظة التي تنبه العقل والضمير والإرادة، وتدفع المنحرف إلى التخلي عن انحرافه تجنبا للزواجر الموجهة إليه.
ومن ذلك قول إبراهيم (ع) – كما ورد في القرآن الكريم -: (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون)[9].
وقد سمى القرآن الكريم أصنافا من المسلمين بالفاسقين والمنافقين لكي يرتدعوا. وقد يرتدع البعض خوفا من الصاق الألقاب المذمومة بهم.
4- المقاطعة والهجران: حينما يتمادى المنحرف في انحرافه تاركا للمعروف عاملا بالمنكر، عنادا منه واصرارا، ولم يستجب لكل موحيات الهداية والاستقامة، ولم تنفعه الزواجر والتهديدات، وأغلق منافذ الهداية في قلبه وارادته، تأتي مرحلة المقاطعة والهجران لاشعاره بأنه عنصر غير مرغوب فيه من قبل الصالحين، والاستفادة من الوقت للتفرغ إلى هداية الآخرين وتغييرهم.
والمقاطعة كان معمولا بها من قبل رسول الله (ص) وأهل بيته (ع).
فقد أمر رسول الله (ص) بمقاطعة ثلاثة من الصحابة تخلفوا عن غزوة تبوك وقال لبقية أصحابه: لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة فاعتزلوهم خمسين يوما، ثم أبلغهم (ص) بتوبة الله عليهم[10].
وقاطع أهل البيت (ع) الغلاة والواقفة وبعض التيارات الهدامة بعد أن يئسوا من اصلاحهم.
5- اظهار التكفهر والعبوس: بعد مرحلة الهجران والمقاطعة تأتي مرحلة التكفهر والعبوس في وجوههم أثناء اللقاء في الطرقات والأماكن العامة، لكي يرتدعوا ويعودوا إلى الاستقامة.
قال الامام أمير المؤمنين (ع): أمرنا رسول الله (ص) أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة[11].
6- التهديد والتخويف: حينما يزداد الانحراف، ولا يرتدع مرتكبه بشتى الأساليب المعمول بها معه، فقد يكون التهديد والتخويف نافعا بحقه، والتهديد والتخويف لا ينحصر بأسلوب معين، بل يتناسب مع شخصية المنحرف ومدى انعكاسه عليها، كالتهديد بالمحاصرة الاقتصادية أو الاجتماعية أو كليهما، أو التهديد بالحاق الأذى البدني به، أو التهديد بكشف انحرافاته، أو التهديد بالسجن وأحيانا بالقتل تبعا لدرجات انحرافه.
فحينما اشتد اذى المنافقين والمنحرفين لرسول الله (ص) وللمسلمين، هددهم القرآن الكريم بالقول: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا)[12].
الاستنتاج
إن مراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقسمة إلى مجموعتين: المراحل الوقائية والعلاجية. وفيها يتم التركيز على دعوة غير المسلمين إلى الإسلام وتعزيز القيم الإسلامية لدى المسلمين، وذلك من خلال تفنيد المفاهيم الخاطئة، وتحطيم الحواجز النفسية، وإبعاد الناس عن السلوك الجاهلي. أما المراحل العلاجية، فتتناول كيفية التعامل مع الممارسات المنحرفة بعد وقوعها، عبر أساليب متعددة مثل التغيير باليد، واللسان، والقلب، والوعظ والنصح، والزجر، والهجران، وأخيراً التهديد.
الهوامش
[1] البقرة، 170.
[2] الصدوق، أمالي الصدوق، ص319.
[3] الطبرسي، مكارم الأخلاق، ص466.
[4]مسلم، صحيح مسلم، ج1، ص69، كتاب الايمان، باب 20، ح78.
[5]مسلم، صحيح مسلم، ج1، ص70 ، كتاب الايمان، باب 20، ح80.
[6] ابن هشام، السيرة النبوية، ج4، ص160.
[7] هود، 84 – 86.
[8] ابن هشام، السيرة النبوية، ج4، ص72.
[9] الأنبياء، 66 – 67.
[10] ابن هشام، السيرة النبوية، ج4، ص175.
[11] الكليني، الكافي، ج5، ص58.
[12] الأحزاب، 60.
مصادر البحث
1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة محمّد علي صبيح، طبعة 1383 ه.
3ـ الصدوق، محمّد، الأمالي، قم، تحقيق ونشر مؤسّسة البعثة، الطبعة الأُولى، 1417 ه.
4ـ الطبرسي، الحسن، مكارم الأخلاق، قم، منشورات الشريف الرضي، الطبعة السادسة، 1392 ه.
5ـ الكليني، محمّد، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1388 ش.
6ـ مسلم، صحيح مسلم، القاهرة، دار الحديث، الطبعة الأُولى، 1412 ه.
مصدر المقالة (مع تصرف)
مركز الرسالة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قم، مركز الرسالة، الطبعة الأُولى، 1430 ه.