ظاهرة العنف لها تاريخ يوازي تاريخ خلق الإنسان، وقد أرهقت حياة البشر عبر العصور وجعلتها مليئة بالمصاعب. والدليل الواضح على ذلك ما أبداه الملائكة من قلق عند مخاطبة الله لهم بخصوص خلق الإنسان، إذ خشوا من فساد وقتل وعنف مخلوق سيسير على الأرض. وكما توقعوا، ففي أول عهد التنوع البشري، لوّثت الأرض بدم نبيّ مظلوم، فافتُتح فصل العنف.
وسبيل النجاة للبشرية من آثار العنف في الإسلام وغيره من أشكال العنف المدمّرة في العصر الحالي هو التعرّف على تعاليم الدين ونصائحه في شأن العنف والتسامح، وتطبيقها؛ عندئذ يمكن أن نرى مجتمعًا نقيًا من العدوان مزينًا بالمحبّة والرحمة. وسنستعرض في هذه المقالة أنواع العنف في القول والسلوك والتحذير منه في القرآن الكريم.
التحذير من العنف مع الوالدين
التعامل العنيف مع الوالدين، حتى بكلمة غير لطيفة، محرَّم ومنهيٌّ عنه إلهيًا، ويُعَدّ من أبرز مصاديق العنف في الإسلام الذي حرّمه القرآن الكريم ونهى عنه بشدّة:
«﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾»[1]
التحذير من العنف مع اليتامى والسائلين
«فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴿٩﴾ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ».[2] التحذير من العنف مع من يعلنون إسلامهم
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا…»[3]
وفقًا لبعض أسباب النزول، أرسل النبي (ص) جيشًا لمقاتلة أهل فدك. أعلن رجل يدعى مرداس إيمانه وإسلامه، فأصحاب النبي رموا عليه الحجارة وقتلوه وأخذوا أمواله، فأنزل الله هذه الآية. [4]
التحذير من العنف في الإسلام مع القادة الدينيين وآمري العدل واضح، إذ يهدّد القرآن الذين يرتكبون أفعالًا عنيفة مثل قتل أنبياء الله وآمري العدل بالعذاب الأليم:
«﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾»[5]
النهي عن العنف من قِبَل القادة الدينيين تجاه الناس
النهي عن العنف في الإسلام من قِبَل القادة الدينيين تجاه الناس أمرٌ مؤكد، إذ يرى الله سبحانه أنّ ممارسة العنف في الأخلاق والسلوك سببٌ لتفرّق الناس وابتعادهم عن قادتهم، ولا سيّما القادة الدينيين. وقد خاطب سبحانه رسوله الكريم (ص) قائلًا: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ﴾[6]، أي أنّ اللين والرحمة هما أساس القيادة الناجحة، بخلاف العنف الذي يورث النفور والفرقة.
على الحكّام والمسؤولين في الحكومة الدينية أن يتعاملوا مع المواطنين باللين والرحمة. كما أنّ القادة والدعاة الدينيين في تبليغ الدين يجب ألّا يمارسوا العنف في الإسلام، بل ينبغي أن يدعوا إلى التدين بالرحمة والمحبّة وبأسلوب شفوق، ويوفّروا الظروف التي تجعل الناس يتوجّهون إلى الدين بعقلانية وحكمة.
وقد بيّن أمير المؤمنين علي (ع) في بيان مهام الإمام في الأمة الإسلامية أنّه يجب عليه قبل كل شيء التركيز على «النصيحة والإرشاد»، فقال:
«لَيْسَ عَلَى الإِمَامِ إِلَّا مَا حَمَلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّي: الإِبْلاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالاخْتِفَاءُ فِي النَّصِيحَةِ وَالإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ وَإِقَامَةُ الحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَإِصْدَارُ السَّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا».[7]
القرآن الكريم ينهى عن سبّ معبودات المشركين، فلكل أمة مقدسات، فإن سبّنا لمقدساتهم الجهلية يردون السُّبّ لمقدساتنا:
«وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ.»[8]
يدعو الأنبياء صراحة إلى رفض العنف في الإسلام ضد الفقراء والمحرومين، وهو السلوك العنيف الذي كان يُروّج له من قِبَل أعيان وأغنياء قومهم. فقد آمن من حملة الرسالة نوح (ع) بعض الفقراء والمحتاجين، كما جاء في القرآن الكريم:
«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ».[9]
ثم اقترح أعيان الكفار على نوح أن يطرد الفقراء، فقال في حقّهم «فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ … وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ…»[10] فرفض نوح هذا الاقتراح العنيف وأثنى على المؤمنين بوصفهم «أهل لقاء الرب»، وندد بالذين اقترحوا التطريد وسمّاهم «قومًا جهلاء»:
«وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ… وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ [11]».
وفي سورة الشعراء:
«وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٤﴾ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ.»[12]
كما نهى الله تعالى النبي (ص) صراحة عن طرد المؤمنين الفقراء ظلماً:
«وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدْوَةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ.»[13]
يُذكر أنّ العنف في الإسلام يظهر في السلوك نتيجة العنف في الأخلاق، ومن هنا جاء في الأحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت (ع) بيان شديد الإدانة للعنف والغلظة الأخلاقية، ومنها ما سنشير إليه لاحقًا.
روایات المعصومین (ع) حول العنف في الإسلام
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لو كان الخُرق خلقًا يُرى، ما كان شيءٌ ممّا خلق الله أبْقَحَ منه»[14]. وأشار الإمام أمير المؤمنين (ع) إلى أنّ التندر والعنف يكرّهان خلق الإنسان، فقال:
«الخُرق شين الخلق»[15]، «بئس الشيمة الخُرق»[16]، «إياك والخُرق فإنه شين الأخلاق»[17]، ووصفه بأنه أخبث الخلق:
«لا خلق أشين من الخُرق»[18]، «الخُرق شرّ تخلق»[19]، كما وصفه بأنّه من أسوأ الأمور في الأخلاق والسلوك، وهو من صور العنف في الإسلام المرفوضة شرعًا وأخلاقًا، «أسوأ شيء الخُرق»[20]،
وأقبحها: «أفتَح شيء الخزف»[21]،
ورأس الجهل: «رأس الجهل الخُرق»[22]،
ولسان الجهل وبلاء العلم: «السان الجهل الخُرق يا آفة علم إنه«.[23]
كما قال للحسين (ع): «يا بُني، رأس العلم الرفق وآفته الخُرق«[24]
وبين آثار الخُرق الضارة، ومنها أن كثيري العنف يُنزَلُ منزلتهم بسبب قبح هذا الخلق: «كم من رفيع وضعه قبُح خُرقه»[25]،
وأشار أمير المؤمنين (ع) إلى أنّ من كثرت خشونته يُسْتَرذَل، فقال: «من كثر خُرقه استرذل»[26] ويعتبر الخُرق عند أمير المؤمنين (ع) منبوذًا في الأخلاق، فهو وسخ يُسيء لما حواه، فقال: «ما كان الخُرق في شيء إلا شانه»[27]،
وكثرته من مصاديق الفحش: «من الفحش كثرة الخُرق» [28]
وقال الإمام باقر (ع): «من قسم له الخُرق حُجب منه الإيمان.»[29]
وقال الإمام الكاظم (ع) لهشام: «يا هشام عليك بالرفق، فإن الرفق يمنّ والخُرق شوم، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الرزق.»[30] ومن هنا يظهر أثر العنف في الإسلام المتمثل في سوء الخُلق والغلظة، الذي يجب اجتنابه والحذر منه في السلوك والتعامل مع الناس.
النتيجة
نظر القرآن الكريم إلى مسألة العنف في الإسلام بمعنى استخدام القوة في غير مكانها أو ضد القانون بمنظار سلبي [31]؛ ورغم ذلك، يؤكد على الرحمة والرفق في التعامل مع الآخرين، ويؤيد الصلابة والحزم في تنفيذ القانون. ومن منظور القرآن، الصلابة في القانون تعني الحزم والصرامة في تطبيق العدالة لمعاقبة المجرمين والمتجاوزين على الحدود الإلهية وحقوق الناس، وهي ليست عنفًا مذمومًا، بل ضرورة وعدل ملموس، والمداراة في هذا الصدد باطلة وممنوعة.
النتيجة أن الأساس في التعاملات الدينية هو الرحمة واللين، وأن العنف والتصلب القاسي هو «آخر الدواء الكي»[32]، ومرحلة آخرية في الإصلاح، وهو في الحقيقة دواء وبلسم للألم الاجتماعي أو الفردي، كحرارة الحرق أو الجراحة التي هي إحسان بالحق للمريض، فإذا أدرك المريض ذلك توجه إلى الطبيب مستبشرًا بالقطع كدواء مرهِف[33].
الهوامش
[1] سورة الإسراء، الآیة 23.
[2] سورة الضحى، الآیة 9.
[3] سورة النساء، الآیة 94.
[4] الطبري، جامع البيان، ج 4، جزء 5، ص 94.
[5] سورة آل عمران، الآیات 21، 112، 155.
[6] سورة آل عمران، الآیة 159.
[7] الشریف الرضي، نهج البلاغة (تحقیق: صبحي صالح)، خطبة 105، ص 152.
[8] سورة الأنعام، الآیة 108.
[9] سورة هود، الآیة 25.
[10] سورة هود، الآیة 27.
[11] سورة هود، الآیات 29–31.
[12] سورة الشعراء، الآیات 114–115.
[13] سورة الأنعام، الآیة 52.
[14] الكليني، الكافي، ج 2، ص 321.
[15] الآمدي، غرر الحكم، رقم 1218.
[16] الآمدي، رقم 5730.
[17] الآمدي، رقم 5727.
[18]الآمدي، رقم 5700.
[19] الآمدي، رقم 1217.
[20] الآمدي، رقم 5729.
[21] الآمدي، رقم 5728.
[22] الآمدي، رقم 5732.
[23] الآمدي، رقم 1158.
[24] النوري، مستدرك الوسائل، ج 11، ص 294.
[25] الآمدي، غرر الحكم، رقم 5735.
[26] النوري، مستدرك الوسائل، ج 12، ص 72.
[27] الآمدي، غرر الحكم، رقم 1219.
[28] الآمدي، رقم 5719.
[29] الكليني، الكافي، ج 2، ص 321.
[30] النوري، مستدرك الوسائل، ج 11، ص 294.
[31] علي آقا بخشي، ثقافة العلوم السياسية (فرهنگ علوم سیاسی)، ص 453.
[32] المجلسي، بحار الأنوار، ج 59، ص 263.
[33] الجوادِي الآملي، تفسير التسنيم، ج 5، ص 386.
مصادر البحث
- القرآن الكريم.
- الجوادِي الآملي، عبد الله، تفسیر التسنيم، قم، دار النشر «إسراء»، 1378هـ.ش.
- الشریف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة (تحقيق: صبحي صالح)، قم، انتشارات هجرت، 1414هـ.ق.
- الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، الطبعة الأولى، بيروت، دار المعرفة، 1412هـ.ق.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، الطبعة الرابعة، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.ق.
- المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.ق.
- النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، 1408هـ.ق.
مصدر المقالة
المدبّر (الإسلامي)، علي، العنف الاجتماعي من منظور القرآن الكريم (خشونت اجتماعی از منظر قرآن کریم).