آصف بن برخيا بين العلم والمعجزة في زمن سليمان (ع)

کپی کردن لینک

من الأعلام والشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هو آصف بن برخيا، أحد علماء بني إسرائيل، وابن أخ النبي سليمان بن داود (ع)، ووصيّه وموضع اعتماده، وسنتطرق باختصار إلى معجزة إحضاره عرش بلقيس وعلمه بالاسم الأعظم ثم نتطرق إلى ما ورد حول الفرق بين علم من الكتاب وعلم الكتاب.

عالم بني إسرائيل ومستشار سليمان (ع)

جاء في كتاب أعلام القرآن ما يلي: هو آصف، وقيل: آسف، وقيل: أسطوم، وقيل: ناطورا، وقيل: أساف، وقيل: يليخا بن برخيا، وقيل: بركية بن شمعيا بن ميكيا، واسمه بالعبرية بنياهو. أحد علماء بني إسرائيل، وابن خالة النبي سليمان بن داود (ع)، أو ابن أخيه، ومن المقرّبين لديه والمختصّين به، ووصيّه وموضع اعتماده.

استوزره سليمان (ع)، وجعله كاتبا خاصا له، ومستشارا ومنفّذا لأعماله المهمّة. كان آصف بن برخيا مؤمنا باللّه، عابدا، صالحا، صدّيقا، عالما بالكتب السماوية، عارفا باسم اللّه الأعظم. لجلالة قدره وعظيم منزلته عند سليمان (ع) كان يدخل بلاط ومنازل سليمان (ع) في أي وقت أراد ليلا أو نهارا، سواء كان سليمان (ع) حاضرا أو غائبا.

أمّا بالنسبة إلى معرفته باسم اللّه الأعظم، قال الإمام محمد الباقر (ع): «إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا، وكان عند آصف منها حرف واحد، فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثم عادت الأرض- كما كانت- أسرع من طرفة عين، ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا، وحرف عند اللّه تبارك وتعالى استأثر به في علم الغيب».

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع): «آصف أحضر عرش بلقيس بواسطة طي الأرض».

وعن الإمام علي الهادي (ع)، قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏ آصف بن برخيا، ولم يعجز سليمان (ع) عن معرفة ما عرفه آصف، لكنّه أحبّ أن يعرف الجنّ والإنس مقامه، وأنّه الحجّة من بعده، وذلك من علم سليمان (ع) أودعه آصف بأمر اللّه تعالى، ففهّمه اللّه تعالى‏ ذلك؛ لئلّا يختلف في إمامته ودلالته»[1].

معجزة إحضار عرش بلقيس وعلم الاسم الأعظم

جاء في كتاب الأمثل ما يلي: عند ما طلب سليمان بن داود (ع) من الناس بأن يأتوه بعرش بلقيس ملكة سبإ من اليمن إلى الشام نهض آصف بن برخيا وقال لسليمان (ع): أنا آتيك به، فدعا اللّه باسمه الأعظم، فجاء بالعرش بزمان أقل من طرفة عين، وهذا إن دل على شي‏ء فإنّما يدل على انصهاره في ذات اللّه وقربه منه، حيث أعطاه هذه الإمكانيّة العظيمة والمعجزة المذهلة، فنزلت فيه هذه الآية: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ[2].

فلمّا وافق سليمان (ع) على هذا الأمر، أحضر عرش بلقيس بطرفة عين بالاستعانة بقوته المعنوية فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ. ثمّ أضاف قائلا: ومَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ‏.

وهناك اختلاف بين المفسّرين وكلام طويل في أن هذا الشخص الذي جاء بعرش الملكة، من كان؟! ومن أين له هذه القدرة العجيبة؟! وما المراد عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏؟

إلّا أنّ الظاهر أنّ هذا الشخص هو أحد أقارب سليمان المؤمنين وأوليائه الخاصين، وقد جاء اسمه في التواريخ بأنه (آصف بن برخيا) وزير سليمان وابن أخته‏[3].

و أمّا «علم الكتاب» فالمراد منه معرفة ما في الكتب السماوية … المعرفة العميقة التي تمكّنه من القيام بهذا العمل الخارق للعادة! وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد من (علم الكتاب) هو اللوح المحفوظ الذي علم اللّه بعضه ذلك الرجل «آصف» ولذلك استطاع أن يأتي بعرش ملكة سبأ بطرفة عين، ويحضره عند سليمان!.

وقال كثير من المفسّرين: إنّ هذا الرجل المؤمن كان عارفا بالاسم الأعظم، ذلك الاسم الذي يخضع له كل شي‏ء، ويمنح الإنسان قدرة خارقة للعادة!.

وينبغي القول أن «الاسم الأعظم» ليس كما يتصوره الكثير بأنّ مفهومه أن يتلفظ الإنسان بكلمة فيكون وراءها الأثر العجيب، بل المراد منه التخلق بذلك الاسم والوصف، أي على الإنسان أن يستوعب «الاسم» في نفسه وروحه، وأن يتكامل علمه وخلقه وتقواه وإيمانه إلى درجة يكون بها مظهرا من مظاهر ذلك الاسم الأعظم، فهذا التكامل المعنوي والروحاني (بواسطة الاسم الأعظم) يوجد في الإنسان مثل هذه القدرة الخارقة للعادة.

كما أنّ للمفسّرين في جملة قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ لكن بملاحظة الآيات الاخر من القرآن الكريم يمكن معرفة حقيقتها… ففي الآية (43) من سورة إبراهيم نقرأ: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ‏. ونحن نعرف أن الإنسان عند ما يستوحش ويذهل، تبقى عيناه مفتوحتان على وتيرة واحدة كأنّهما عينا ميت لا تتحركان. فبناء على ذلك فالمراد منه أنّني سأحضر عرش ملكة بلقيس قبل أن يتحرك جفناك‏[4].

الفرق بين «علم من الكتاب» و «علم الكتاب»

جاء التعبير في الآيات الكريمة عن الذي أتى بعرش ملكة سبأ في أدنى مدّة «وبطرفة عين» بـ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ بينما جاء في هذه الآية في شأن النّبي محمد (ص) ومن يشهد على حقانيته‏ قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ[5].

في حديث عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: سألت رسول اللّه (ص)‏: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ‏ الوارد في قصّة سليمان، فقال (ص): هو وصي أخي سليمان بن داود. فقلت: والآية: ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ عمن تتحدث؟ فقال (ص): ذاك أخي علي بن أبي طالب‏[6].

والالتفات إلى الفرق بين «علم من الكتاب» الذي يعني «العلم الجزئي» و(علم الكتاب) الذي يعني «العلم الكلي»، يكشف البون الشاسع بين آصف بن برخيا والإمام أمير المؤمنين علي (ع).

لذلك نقرأ في روايات كثيرة أنّ الاسم الأعظم ثلاثة وسبعون حرفا إنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثمّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين- كان «حرف» واحد منه عند «آصف بن برخيا» وقام بمثل هذا العمل الخارق للعادة – وعندنا نحن الائمّة من أهل البيت – اثنان وسبعون حرفا، وحرف واحد عند اللّه تبارك وتعالى استأثر به في علم الغيب عنده[7]،[8].

الاستنتاج

أن آصف بن برخيا، كان أحد علماء بني إسرائيل وشخصية بارزة في زمن سليمان بن داود (ع) ومستشاره، وإحضار عرش بلقيس ملكة سبإ يُظهر معجزته في استخدامه الاسم الأعظم، حيث استطاع استحضار العرش في زمن أقل من طرفة عين، مما يدل على قربه من الله وإيمانه العميق. وبيّنت المقالة الفرق بين (علم من الكتاب) و(علم الكتاب)، مشيرة إلى أن آصف كان يمتلك معرفة جزئية بينما أمير المؤمنين علي (ع) يمتلك علمًا كليًا.

الهوامش

[1] إثبات الوصية، ص62؛ الاختصاص، ص91 و93 و213؛ أعلام قرآن للخزائلي، ص690؛ أمالي الطوسي، ج2، ص58؛ الأنبياء للعاملي، ص434؛ الأنس الجليل، ج1، ص136 و142؛ البداية والنهاية، ج2، ص21 و22؛ بصائر الدرجات، ص208 – 210؛ تاج العروس، ج6، ص41؛ تاريخ أنبياء لعماد زاده، ج2، ص640؛ تاريخ أنبياء للمحلاتي، ج2، ص255 و256؛ تاريخ حبيب السير، ج1، ص122 و124 و125؛ تاريخ الطبري، ج1، ص352؛ تاريخ گزيده، ص49؛ تاريخ اليعقوبي، ج1، ص59؛ التبيان في تفسير القرآن، ج8، ص96 و97.

تفسير البحر المحيط، ج7، ص76 و77؛ تفسير البرهان، ج3، ص198؛ تفسير البيضاوي، ج2، ص177؛ تفسير الجلالين، ص380؛ تفسير أبي السعود، ج6، ص287؛ تفسير شبّر، ص365؛ تفسير الصافي، ج4، ص66 و67؛ تفسير الطبري، ج19، ص103؛ تفسير أبي الفتوح الرازي، ج4، ص163 و164؛ تفسير الفخر الرازي، ج24، ص197 و198؛ تفسير القمي، ج2، ص128؛ تفسير ابن كثير، ج3، ص365؛ تفسير الميزان، ج15، ص363؛ تفسير نور الثقلين، ج4، ص87 – 92؛ تنوير المقباس، ص318؛ التوراة – سفر الأيام الاول -، ص542.

الجامع لأحكام القرآن، ج13، ص204 – 206؛ خلاصة الأخبار، 170 و171؛ دائرة المعارف الاسلامية، ج2، ص256؛ دائرة المعارف الاسلامية الكبرى، ج1، ص300 – 302؛ دائرة المعارف بزرگ اسلامي، ج1، ص415 و416؛ دائرة معارف البستاني، ج1، ص75؛ داستانهاى شگفت‏انگيز قرآن مجيد، ص566 و604؛ الدر المنثور، ج5، ص109؛ الروض المعطار، ص373؛ سفينة البحار، ج1، ص23؛ صبح الأعشى، ج1، ص39؛ فرهنگ معين، ج5، ص40؛ فصوص الحكم، ج1، ص155 وج 2، ص212؛ القاموس المحيط، ج3، ص117؛ قصص الأنبياء للجزائري، ص425.

قصص الأنبياء لابن كثير، ج2، ص278؛ قصص القرآن للقطيفي، ص141؛ الكامل في التاريخ، ج1، ص236 و239 و240؛ الكشاف، ج3، ص367 و368؛ كشف الأسرار، ج7، ص222 و223؛ لسان العرب، ج9، ص6؛ لغت‏نامه دهخدا، ج2، ص125؛ مجمع البيان، ج7، ص349؛ المحبر، ص392؛ مستدرك سفينة البحار، ج1، ص108 – 110؛ المعرب، ص142؛ منتهى الارب، ج1، ص29؛ مواهب الجليل، ص499.

[2]  النمل: 40.

[3] وما قاله بعضهم بأنه سليمان أو جبرئيل فلا دليل عليه… وكونه سليمان نفسه مخالف لظاهر الآيات الكريمة قطعا!

[4] ما يقوله بعضهم: إن المراد من (يرتد إليك طرفك) هو إلقاء النظرة على شي‏ء ما وعودة النظرة للإنسان لا دليل عليه، كما أن هذا التعبير لا يكون شاهدا على النظرية القائلة بخروج الشعاع من العين الواردة في الفلسفة- القديمة.

[5] الرعد: 43.

[6] نقل هذا الحديث جماعة من المفسّرين وعلماء السنة بالعبارة ذاتها أو ما يقرب منها، ولمزيد الإيضاح يراجع الجزء الثالث من إحقاق الحق، ص280 و281.

[7] راجع اصول الكافي وتفسير نور الثقلين، ج 4، ص90.

[8] المكارم الشيرازي، الأمثل فى تفسير كتاب الله المنزل، ج‏12، ص71.

مصدر المقالة (مع تصرف)

1ـ الشبستري، عبد الحسين، أعلام القرآن، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأُولى، 1379ش.

2ـ المكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، نشر: مدرسة الإمام علي (ع)، قم، الطبعة الأولى، 1421ه‍.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *